Indexed OCR Text

Pages 1621-1640

أعني انفراد يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية،
وانفراد داود بن عيسى، إذ لم أجد الحديث إلا بهذا الإسناد !!
ولا زلت أستشعر في قلبي بعضًا من عدم الاطمئنان لهذا
الإسناد !!!
فلا أدري! أهذا الشعور مبني على قاعدة علمية؟! أم هو
وسواس لم يزل لما لا أستطيع له تخفيفًا من عظيم إجلال أئمة
الإسلام؟ !!!
لكني أعود فأقول: القواعد العلمية، لا تقبل تسليط الإجلال
والمحبة، على العلم وأدلته !!!
هذا ما كنتُ قلتُه، ونوقش البحثُ ومَرَّ عليه، ثم عدلتُ
عنه !!!
فتفرُّدُ ابن أبي غنيّة وشيخِهِ بهذا الإسناد، مع توثيقهم، يُثير
النُّكرةَ وعدمَ الاطمئنان! خاصّةً في مثل مسألة إثبات سماع الحسن
من ابن عباس، التي يقف فيها علماءُ الأمّة في جانب، وهذا
الإسناد في الجانب الآخر !!!
لذلك: فلست أرى هذا الحديث يحتمل الاعتماد عليه مثل
ذلك الاعتماد، ولا يقوى على دفع كلام أئمة النقد وأعلام
الحدیث !!
١٦١٩

الحديث الثالث:
قال الإمام الشافعي في (الأم): ((أخبرنا إبراهيم، عن
عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن الحسن،
عن ابن عباس: أن القمر انكسف وابن عباس بالبصرة، فخرج ابن
عباس، فصلى بنا، في كل ركعة ركعتان. ثم ركب، فخطبنا،
فقال: إنما صليت كما رأيت رسول الله وَ له يصلي. قال: وقال:
إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا
لحياته، فإذا رأيتم شيئًا منهما كاسفًا، فليكن فزعكم إلى الله))(١)،
وبالصيغة واللفظ الدال على السماع الذي فيه.
وأخرجه البيهقي في (السنن الكبرى) وفي (معرفة السنن
والآثار)، من طريق الإمام الشافعي(٢).
لكن شيخ الإمام الشافعي: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى
الأسلمي، متروك، كما تقدم !!
فهذا إسناد شديد الضعف، لا تقوم به حجة، ولا يعتبر به!
لكن زُعِمَ لهذا الإسناد متابع !!
قال ابن المنذر في (الأوسط): ((حدثونا عن عبيد الله بن
سعد بن إبراهيم، قال: حدثنا عمي، قال: أخبرنا أبي، عن أبي
إسحاق، قال: حدثني عمرو بن حبيب: أن عبد الرحمن بن أبي
إسحاق البصري حدّثه عن الحسن: أن ابن عباس صلى بهم هذه
الصلاة، في زمان علي بن أبي طالب، كان أمير البصرة، عند
كسوف القمر ... »(٣) - الحديث.
(١) الأم للشافعي (٢٤٣/١)، وانظر مسند الشافعي (١ / رقم ٤٧٦).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (٣٣٨/٣)، ومعرفة السنن والآثار للبيهقي (رقم
٧١٥٢).
(٣) الأوسط لابن المنذر (٣١١/٥ رقم ٢٩١٥).
١٦٢٠

فهذا إسنادٌ مُعَلَّقٌ، ولم أجده مُغَلَّقًا!
ثم لم أستطع معرفة أبي إسحاق، وعمرو بن حبيب،
وعبد الرحمن بن أبي إسحاق !!!
فهذا إسناد مظلم عندي، لا يُتابع ولا يُتَابَع !!
شاهد على عدم السماع، وشاهد على السماع !:
أمّا شاهد عدم السماع، فهو إسناد غريب، يذكر أن الحسن
روى عن ابن عباس رضي الله عنهما، بذكره واسطة بينهما.
قال البزار في (مسنده): ((حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو
معاوية، قال: حدثنا إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن أخيه
سعيد، عن ابن عباس، عن النبي و 198 - ثم ذكر حديث: من صوّر
صورة كلف أن ينفخ فيها يوم القيامة، وليس بنافخ))(١).
قال البزار: ((لا نعلم رواه إلا إسماعيل بن مسلم عن
الحسن، ولم يسند الحسن عن أخيه إلا هذا الحديث)).
قلت: يكفي لرد هذا الإسناد، انفراد إسماعيل بن مسلم به،
وهو ضعيف كما سبق بيانه مرارًا.
أما شاهد السماع:
فقال يحيى بن معين في (تاريخه): ((حدثنا عبد الرزاق،
قال: حدثنا معمر، قال لي عمرو بن دينار: أبو الشعثاء أعلم
عندكم؟ أو الحسن؟
قال: قلت: إن بعض من عندنا يزعم أن الحسن أعلم من
ابن عباس!
(١) مسند البزار - الكتانية (٣١٧).
١٦٢١

قال: وهل كان الحسن إلا من صبيان ابن عباس؟ !!!
فقلت له: وهل كان أبو الشعثاء إلا من صبيان الحسن؟ !!!
قال: ما هو بأعلم عندنا منه.
قال عبد الرزاق: فقلت لمعمر: أفرطت !! قال: إنه
أفرط !! ))(١).
فكان يمكن اعتبار قول عمرو بن دينار: ((وهل كان الحسن
إلا من صبيان ابن عباس؟ !!! ))، وإقرار معمر له في ذلك، إثباتًا
منهما لسماع الحسن من ابن عباس رضي الله عنهما.
لولا أمران:
الأول: أن الكلام كله خرج على الإفراط والمبالغة، لا على
العلم والتدقيق في العبارة !!
فكأنه قال: وليس الحسن إذا ما وزن بابن عباس رضي الله
عنهما، إلا كالصبي أمام شيخه!
الثاني: أن يحيى بن معين الذي ذكر هذا الكلام في تاريخه،
هو نفسه، وفي تاريخه أيضًا، ينفي سماع الحسن عن ابن عباس
رضي الله عنهما، كما نقلناه عنه سابقًا(٢).
فإمّا أن ابن معين فَهِمَ الفهم الذي ذكرتُه آنفًا، من أن الكلام
إنما خرج على الإفراط، ولذلك لم يعتمده. والراوي أعلم
بمرويّه، والراوي هنا إمام الجرح والتعديل: يحيى بن معين.
وإمّا أنه عند يحيى بن معين على الحقيقة، وأن فيه إثباتًا من
عمرو بن دينار ومن معمر لسماع الحسن من ابن عباس رضي الله
عنهما، ولكن ابن معين يخلفهما في هذا الرأي!
ولهذا الفَهْم الأخير أوردتُ هذا الخبر تحت عنوان (شاهد
(١) التاريخ لابن معين (رقم ٥٩٠).
(٢) انظر (١٥٨٩).
١٦٢٢

على السماع)، لبيان ما فيه من شهادة على ذلك، ومدى قوّة هذه
الشهادة !!
ومن كل ما سبق يترجّح عندنا أن الحسن لم يسمع من ابن
عباس رضي الله عنهما، وأنه تأوّل في قوله: ((خطبنا ابن عباس))،
ولم يصحّ عنه تصريح بالسماع قائمٌ بإثباته.
وبقي بعد ذلك بقيّةُ أحاديث الحسن عن ابن عباس
رضي الله عنهما.
١٦٢٣

بقية أحادیث الحسن عن ابن عباس
ليس في أحاديث الحسن عن ابن عباس رضي الله عنهما
شيء من شرط البحث، سوی حدیث واحد:
قال الترمذي في (جامعه): ((حدثنا قتيبة: حدثنا
عبد الوارث، عن يونس، عن الحسن، عن ابن عباس، قال: أمر
رسول الله (َ﴿ بصوم يوم عاشوراء، يوم العاشر))(١).
وإسناده صحيح إلى الحسن البصري، وتبقى فيه علّةُ
الإرسال بين الحسن وابن عباس رضي الله عنهما.
وبقية أحاديث الحسن عن ابن عباس رضي الله عنهما، التي
ليست من شرط البحث، هي - ولا يصح منها إلى الحسن إلا
القليل -:
المصنف لعبد الرزاق (رقم ٨١٢٢ - ٨١٢٤).
طبقات ابن سعد (٣٦٧/٢).
المصنف لابن أبي شيبة (رقم ٣٥٨٤٢، ٣٦٠١٨).
والجعديات لأبي القاسم البغوي (رقم ٢٨٣، ١٠٢٢).
غريب الحديث لابن قتيبة (١٠٤/٢).
المعجم الكبير للطبراني (رقم ١٢٨٠٣، ١٢٨٠٤)، والصغير
(رقم ١١٧٩).
(١) الجامع للترمذي (رقم ٧٥٥).
١٦٢٤

وأدب الكتاب للصولي (٢٢١).
والفوائد المنتخبة لأبي محمد المخلدي (رقم ١٣٥).
والكرماء لأبي هلال العسكري (١٨).
وأمالي المحاملي (رقم ٢٧).
والكامل لابن عدي (٢٥٤/٣).
والمؤتلف والمختلف للدارقطني (٨٩٣/٢).
وحديث يونس بن عبيد لأبي نعيم - منتخبه (١٤٢/ب)،
وحلية الأولياء لأبي نعم (٣١٨/١، ٣٢٧).
وسنن البيهقي الكبرى (١١٧/٥ - ١١٨).
وشعب الإيمان للبيهقي (رقم ٨٣٠٦).
وتاريخ بغداد للخطيب (٢٢٩/١٤ - ٢٣٠).
والبر والصلة لابن الجوزي (رقم ٥٣).
ومثير العزم الساكن لابن الجوزي (٢٧١/١ رقم ١٥٣).
ومناقب آل أبي طالب، لمحمد بن علي بن شهر أشوب
السروي المازندراني (٢/ ٣٣٠) (١٠٨/٣، ١٤٧) (٢٦/٤).
١٦٢٥

عبد الله بن عثمان الثقفي
قال الإمام البخاري في (التاريخ الكبير): ((روى عن الحسن،
منقطع))(١).
قد يُفهم من هذه العبارة، أن الإمام البخاري يرى أن رواية
الحسن عن عبد الله بن عثمان غير متصلة، أي أنه لم يسمع منه.
لكني لا أرى هذا الفهم سديدًا، فقد أوضحه الإمام البخاري
نفسه، في موطن آخر من (التاريخ الكبير).
وقبل أن أذكر ذلك الموطن، وتفسير كلام الإمام البخاري،
أذكّر بأن عبد الله بن عثمان رجل مجهول، تقدمت ترجمته، عند
كلامنا عن اتهام الحسن بالرواية عن المجهولين(٢).
وإذا أردنا أن نفهم كلام الإمام البخاري، فأَقَدِمُ ذلك بأن
حديث الحسن عن عبد الله بن عثمان، إنما هو حديث يرويه
عبد الله بن عثمان، عن زهير بن عثمان، عن النبي وَلّ، كما
سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى.
وعندما ذكر الإمام البخاري هذا الحديث في (التاريخ
الكبير)، في ترجمة زهير بن عثمان، قال: ((لم يصح إسناده، ولا
يعرف له صحبة))(٣).
(١) التاريخ الكبير للبخاري (١٤٦/٥).
(٢) انظر ما تقدم (٤٢٨ - ٤٢٩).
(٣) التاريخ الكبير للبخاري (٤٢٥/٣).
١٦٢٦

فيقول الإمام البخاري بهذا: إن زهير بن عثمان ليس
بصحابي، مما يعني أن حديثه مرسل غير متصل.
وزهير بن عثمان، إن لم يكن صحابيًا، فهو تابعي.
فزهير بن عثمان، تابعي إذًا، وروى عنه عبد الله بن عثمان،
الذي لم يكن من أتباع التابعين، فإنه تابعي أصغر من زهير بن
معاوية أو قرین له.
والحسن البصري من جلة وشيوخ أواسط التابعين طبقة، فلا
أحسبه لم يسمع من تابعي صغير، أو من رجل من أتباع التابعين !!
أو قل: حديث يرويه تابعي، وعنه تابعي، لا أحسب سماع
الحسن من الأخير منهما أمرًا مشکوکا فیه !!
وعلى هذا يكون معنى قول البخاري، عن عبد الله بن
عثمان: (روی عنه الحسن، منقطع))، أي: روی عن الحسن حديثًا
منقطعًا!
وهو من باب إطلاق (الانقطاع) على (الإرسال)، وهو
إطلاق منتشر، وعرف سائغ، عند المحدثين. كما قرره الخطيب
في (الكفاية)(١)، ورجحه ابن الصلاح في (معرفة أنواع علم
الحديث)(٢).
أما حديث الحسن عن عبد الله بن عثمان، المشار إليه:
فهو حديث يرويه قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن
عثمان، عن رجل من ثقيف أعور، يقال له معروف، أي يثني
عليه خيرًا، قال قتادة، إن لم يكن زهير بن عثمان، فلا أدري ما
(١) الكفاية للخطيب (٣٧).
(٢) علوم الحديث لابن الصلاح (٥٨).
١٦٢٧

اسمه؛ عن النبي وَل9، أنه قال: ((الوليمة أول يوم حق، والثاني
معروف، واليوم الثالث سمعة ورياء)).
أخرجه الإمام أحمد (١) والبخاري في (التاريخ الكبير)(٢) وأبو
داود(٣) والنسائي في (السنن الكبرى)(٤) والدارمي في (سننه)(٥)
وابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني) (٦) وأبو القاسم البغوي في
(معجم الصحابة)(٧) والطحاوي في (مشكل الأحاديث)(٨) والطبراني
في (المعجم الكبير) (٩) وابن قانع في (معجم الصحابة)(١٠) وأبو
نعيم في (معرفة الصحابة)(١١) والبيهقي في (السنن الكبرى)(١٢).
كلهم من طريق همام، عن قتادة، عن الحسن .. به.
وزاد أبو القاسم البغوي، فرواه من طريق هشام الدستوائي،
عن قتادة، عن الحسن .. به، مثل حديث همام عن قتادة.
قال أبو القاسم البغوي في (معجم الصحابة): ((حدثني
هارون بن عبد الله(١٣)
(١) مسند الإمام أحمد (٢٨/٥).
(٢) التاريخ الكبير للبخاري (٤٢٥/٣).
(٣) سنن أبي داود (رقم ٣٧٤٥).
(٤) السنن الكبرى للنسائي (رقم ٦٥٩٦).
(٥) سنن الدارمي (رقم ٢٠٧١).
(٦) الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (رقم ١٥٩٤).
(٧) معجم الصحابة للبغوي (٢١٧).
(٨) بيان مشكل الأحاديث للطحاوي (٢٣/٨ - ٢٣ رقم ٣٠٢١).
(٩) المعجم الكبير للطبراني (رقم ٥٣٠٦).
(١٠) معجم الصحابة لابن قانع (٤٧/ب، ١٧٧/أ - ب). وقد وقع فيه لابن
قانع وهم! حيث ذكره ابن قانع مرة في ترجمة زهير بن عثمان، ومرة
أخرى في (معروف)، ظناً منه أن معروفاً اسم له !! وانظر الإصابة لابن
حجر (٢٠٦/٦ - ٢٠٧).
(١١) معرفة الصحابة لأبي نعيم (٢٦٦/١/ب - ٢٦٧/أ).
(١٢) السنن الكبرى للبيهقي (٢٦٠/٧).
(١٣) هارون بن عبد الله بن مروان البغدادي، أبو موسى الحمال، البزاز،
(ت٢٤٣هـ)، وقد ناهز الثمانين.
١٦٢٨
=

حدثنا عبد الصمد(١) حدثنا هشام ... ))(٢) - الحديث.
وهذا إسناد صحيح إلى هشام الدستوائي.
وبذلك يتابع همامًا هشام الدستوائي، في رواية الحديث عن
قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن عثمان، عن رجل - أعور من
ثقيف، يقال له معروف، إن لم يكن اسمه زهير بن عثمان، فلا
أدري ما اسمه .. الحديث.
وقد خولفا على قتادة:
فرواه معمر في (جامعه): ((عن قتادة، عن الحسن، قال:
قال رسول الله ﴿ في الوليمة: أول يوم حق، والثاني معروف،
والثالث رياء وسمعة))(٣) - هكذا مرسلاً.
ولولا ما يأتي، مع شك قتادة في حديثه من رواية همام
وهشام عنه، لحكمت بوهم معمر، في إرساله لهذا الحديث عن
قتادة عن الحسن!
فقد اتفق يونس بن عبيد، وعوف بن أبي جميلة الأعرابي،
برواية هذا الحديث عن الحسن، عن النبي وَله - مرسلاً.
أمّا حديث يونس: فأخرجه النسائي في (السنن الكبرى)(٤)
وابن أبي شيبة في (المصنف)(٥).
وأمّا حديث عوف: فأخرجه ابن أبي شيبة في
(المصنف)(٦).
قال الحافظ في التقريب (رقم ٧٢٣٥): ((ثقة)).
(١) هو ابن عبد الوارث، وهو ثقة، تقدمت ترجمته.
(٢) معجم الصحابة للبغوي (٢١٧).
(٣) الجامع لمعمر - بذيل مصنف عبد الرزاق (رقم ١٩٦٦٠).
(٤) السنن الكبرى للنسائي (رقم ٦٥٩٧).
(٥) المصنف لابن أبي شيبة (١١/١٤) (رقم ٣٥٩١٤).
(٦) المصنف لابن أبي شيبة (١٣٠/١٤) (رقم ٣٥٩٩٤).
١٦٢٩

قال ابن أبي شيبة في حديث عوف: ((حدثنا الأحمر(١) عن
عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله ال﴾ .. )).
الحدیث.
وهذا إسناد حسن، يصححه حديث يونس، وحديث معمر
عن قتادة!
وخولف الأحمر في ذلك:
فأخرجه ابن عدي في (الكامل): من طريق المسيب بن
واضح، عن مروان بن معاوية الفزاري، عن عوف، عن الحسن،
عن أنس رضي الله عنه - مرفوعًا(٢).
قال ابن عدي عقبه، مشيرًا إلى انفراد المسيب به: ((يرويه
المسيب بهذا الإسناد)».
والمسيب بن واضح بن سرحان السلمي، أبو محمد،
الحمصي، التَلَّمْنَسِيّ(٣) (ت ٢٤٦ هـ - أو بعدها بسنة، أو سنتين).
مختلف فيه، فوثق وضعف(٤).
لكن ساق له ابن عدي أحاديث في (الكامل)، ثم قال عنه:
(١) سليمان بن حيان الأزدي الواشحي، أبو خالد الأحمر، الكوفي، (ت١٩٠ هـ
أو قبلها)، وله بضع وسبعون.
قال الحافظ في التقريب (رقم ٢٥٤٧): ((صدوق يخطىء)).
(٢) الكامل لابن عدي (٣٨٨/٦).
(٣) نسبة إلى: تل منس، قرية من قرى حمص. انظر معجم البلدان للحموي
(٤٤/٢).
(٤) الجرح والتعديل (٢٩٤/٨)، والثقات لابن حبان (٢٠٤/٩)، وصحيح ابن
حبان، انظر الإحسان، ففيه أحد مفاريد المسيب بن واضح (رقم ٤٧١)،
ثم انظر فهارس الإحسان (٢٤٥/١٨)، والكامل لابن عدي (٣٨٧/٦ -
٣٨٩)، وسنن الدارقطني (٧٥/١، ٨٠) (٤/ ٢٨٠)، وتاريخ دمشق لابن
عساكر - خط - (٥٢٠/١٦ - ٥٢٢)، ولسان الميزان (٤٠/٦ - ٤١).
١٦٣٠

((وعامة ما خالف فيه الناس، هو ما ذكرته، لا يتعمده، بل كان
يُشْبَّه عليه، وهو لا بأس به))(١) .
فالإنصاف فيه عندي: أنه حسن الحديث، إلا فيما أورد له
ابن عدي من أحاديث وهم فيها، وما خالف فيه من غيرها!
أمّا حديثه هذا، فهو أحد أحاديثه التي ساقها ابن عدي في
ترجمته، مما أخطأ فيه!
ويكفي أن المسيب خالف في حديثه هذا جميع من روى
الحديث عن الحسن، وانفرد بهذه المخالفة !!
فإذا أردنا معرفة أصح روايات هذا الحديث عن الحسن،
أقول :
إنه لم يتفق أكثر من راو على رواية أحد تلك الوجوه
السابقة إلا من رواية من رواه عن الحسن عن النبي صَل ـ مرسلًا.
فقد اتفق عليه: يونس بن عبيد، وعوف الأعرابي.
أمّا قتادة، فعنه روايتان: رواية يرويها عن الحسن، عن
عبد الله بن عثمان، عن رجل أعور من ثقيف، إن لم يكن
زهير بن عثمان، فلا يدري قتادة ما اسمه! كذا يرويها قتادة، شاًا
في إسنادها، غير ضابط لرواتها !!
ورواية أخرى لقتادة، موافقة لرواية يونس وعوف، عن
الحسن، عن النبي ◌َلجـ ـ مرسلاً.
ثم انفرد المسيب بن واضح، بحديث ظاهر الوهم، سبق
بيانه!
فأي الوجوه أرجح.
لا شك أنه الحديث المرسل، من غير ذكر عبد الله بن
عثمان، أو زهير !!
(١) الكامل لابن عدي (٣٨٩/٦).
١٦٣١

وممن رجّح المرسل، على رواية قتادة الأخرى المسندة:
الإمام النسائي، فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في (فتح
الباري)(١) .
وممن يرجح المرسل أيضًا: أبو حاتم الرازي(٢)
والدار قطني (٣)، حيث سئلا عمن جعل الحديث للحسن عن أنس
رضي الله عنه، فصوّبا إرساله، وأنه من مرسل الحسن.
وسبق أن نقلنا عن البخاري أيضًا، أنه قال عن حديث
قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن عثمان، عن زهير بن عثمان؛
قال: «لم يصح إسناده)).
أمّا زهير بن عثمان، الذي نفى الإمام البخاري صحبته، كما
تقدم نقلنا كلامه؛ فممن شُكْكَ في صحبته!
فذكره خليفة بن خياط في الصحابة في (طبقاته) (٤)، وذكره
الترمذي في (تسمية أصحاب النبي (وَ ﴾)(٥)، وذكره ابن أبي
عاصم، وأبو القاسم البغوي، وابن قانع، وأبو نعيم، وابن الأثير،
والذهبي، والحافظ ابن حجر، في مصنفاتهم عن الصحابة(٦).
(١) فتح الباري (١٥١/٩)، خلال شرحه لباب (٧١): حق إجابة الوليمة
والدعوة، من كتاب النكاح.
(٢) العلل لابن أبي حاتم (رقم ١١٩٣).
(٣) تلخيص الحبير لابن حجر (٢٢١/٣)، ولم أجده في مسند أنس، من علل
الدارقطني المخطوط، وقد قرأته كله. ثم تتبعت مظان الحديث في بقية
العلل، فلم أظفر بشيء!
(٤) طبقات خليفة (٥٤، ١٨٣، ٢٨٥).
(٥) تسمية أصحاب النبي ويل18 للترمذي (رقم ٢١٥).
(٦) الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (الترجمة رقم ٤٧٦)، ومعجم الصحابة
للبغوي (٢١٧)، ولابن قانع (٤٧/ب، ١٧٧/أ - ب)، ومعرفة الصحابة
لأبي نعيم (٢٦٦/١/ب ١/٢٦٧)، وأسد الغابة لابن الأثير (٢٦٤/٢)،
وتجريد أسماء الصحابة للذهبي (١٩٢/١ رقم ١٩٩٣)، والإصابة (٣/
١٥).
١٦٣٢

ولا يلزم من ذكر هؤلاء لزهير بن عثمان في كتبهم، أنهم
جميعًا كانوا يثبتون له الصحبة. لأنهم يذكرون كل من تُتَوَهَّم له
الصحبة، ومن في صحبته نظر، بل ومن لا صحبة له قطعًا !!
وربما نبهوا إلى ذلك، وربما اكتفوا بإبراز الإسناد.
ومثلهم في ذلك، الإمام أحمد في (مسنده)(١) والطبراني في
(معجمه)(٢) إذ إن إخراج صاحب (المسند) أو (المعجم) لحديث
الرجل في كتابه، ليس يلزم منه أنه اعتقد صحبة ذلك الرجل. لأنه
قد يخرج في كتابه الإسناد الواهي والضعيف، الذي يعلم هو نفسه
وهاءه أو ضعفه، وإنما ذكره من باب الاستقصاء في الجمع.
وقد يحق لنا اعتبار إخراج صاحب (المسند) أو (المعجم)
الحديث الرجل، أنه عنده صحابي، فيما إذا كان إسناد حديثه
صحيحًا غير معلول؛ فإن صححه صاحب الكتاب نفسه، كان هذا
نصًا على اعتقاد الصحبة لصاحب ذلك الحديث.
ثم إني وجدت الحافظ ابن حجر في (الإصابة)، ذكر أن
البخاري وحده ينفي الصحبة لزهير بن عثمان، وسمى الذين
أثبتوها له فقال: ((وأثبت صحبته: ابن أبي خيثمة، وأبو حاتم،
والترمذي، والأزدي، وغيرهم))(٣).
وهذا قد يوحي أن الإمام البخاري انفرد بنفي صحبة
زهير بن عثمان، وليس ذلك كذلك!
فقد ذكر ابن حبان زهير بن عثمان في كتابه (الثقات) (٤)، في
طبقتين منه، في طبقة الصحابة، وفي طبقة التابعين !! وذلك إشارة
منه إلى الخلاف فيه، لا تناقض، فتنبه !!
(١) مسند الإمام أحمد (٢٨/٥).
(٢) المعجم الكبير للطبراني (رقم ٥٣٠٦).
(٣) الإصابة (١٥/٣).
(٤) الثقات لابن حبان (١٤٣/٣) (٢٦٣/٤).
١٦٣٣

وقال ابن عدي في (الكامل)، بعد أن ذكر حديثه هذا،
وكلام البخاري في نفي صحبة زهير، قال: ((والذي قاله البخاري
كما قال، لا تصح صحبته، وقد أخرجه مصنفو المسند في مسند
الوحدان، ولا يعرف له غير هذا الحديث))(١).
وقال ابن عبد البر في (الاستيعاب) عن إسناد حديث زهير:
(في إسناده نظر، ويقال: إنه مرسل، وليس له غيره))(٢).
ويصح اعتبار أبي حاتم والنسائي والدارقطني، ممن ينفي
الصحبة عن زهير بن عثمان أيضًا!
حيث إنهم رجحوا من روايات الحديث، رواية من جعل
الحديث مرسلاً عن الحسن، على من جعله للحسن عن
عبد الله بن عثمان عن زهير بن عثمان، كما سبق عنهم، وهذا
الترجيح يعني: أنه لا وجود لصحابي باسم زهير بن عثمان، ولا
لتابعي يروي عنه اسمه عبد الله بن عثمان !!!
أقول هذا، لأنه ليس لزهير بن عثمان سوى هذا الحديث
الواحد، كما صرّح به أبو القاسم البغوي(٣)، وابن عدي، وابن
عبد البر(٤). فإن كان لا يصح له حديثه الوحيد (بل الصحيح في
الحديث عدم ذكره) فمن أين يثبت وجود صحابي بهذا الاسم؟ !!!
لذلك فإني أعجب من ذكر الحافظ ابن حجر لأبي حاتم
الرازي، فيمن أثبت الصحبة لزهير بن عثمان، حيث إني لم أجد
هذا في (الجرح والتعديل)، وحيث إن إثبات الصحبة يعارض ما
رجحه أبو حاتم من أن الحديث إنما يصح من مرسل الحسن عن
النبي ◌َل﴾.
(١) الكامل لابن عدي (٢٢٣/٣).
(٢) الاستيعاب، لابن عبد البر (٥٢٢/٢ رقم ٨٢١).
(٣) معجم الصحابة للبغوي (٢١٧).
(٤) ذكرنا كلامهما آنفاً، وعزوناه.
١٦٣٤

ولا أحسب قول أبي حاتم، الذي في (الجرح والتعديل) عن
زهير بن عثمان: ((روى عن النبي وَطُهر. روى قتادة، عن الحسن،
عن عبد الله بن عثمان الثقفي عنه))(١)، لا أحسب هذا القول دالاً
ولا كافيًا لنسبة إثبات صحبة زهير بن عثمان إلى أبي حاتم
الرازي! خاصةً بعد معارضة ذلك لكلام لأبي حاتم آخر، في
تعليله لهذا الحدیث !!
وعلى كل حال، فالراجح ولا شك: أن صحبة زهير بن
عثمان لم تثبت، بل لم يثبت وجود رجل بهذا الاسم أصلاً، في
طبقة الصحابة والتابعين وأتباع التابعين !!
ومثله عبد الله بن عثمان الراوي عن زهير بن عثمان، لم
يثبت له وجود أصلاً کسابقه !!!
فلا يقال إن الحسن يروي عن المجهولين، لروايته عن
عبد الله بن عثمان، لأنه لم يرو عنه أصلاً، كما سبق في كلامنا
من تهمة الحسن التي اتهم بها، أنه يروي عن المجهولين (٢) !!!!
والله أعلم.
(١) الجرح والتعديل (٥٨٦/٣).
(٢) انظر (٣٨٣ - ٣٨٤).
١٦٣٥

عبد الله بن عمر بن الخطاب
قال ابن حبان في (المجروحين) عن الحسن البصري: ((لم
یشافه ابن عمر)»(١) .
وقال الحاكم في (معرفة علوم الحديث): ((فليعلم صاحب
الحديث، أن الحسن لم يسمع من ابن عمر شيئًا قط))(٢).
وخولفا في ذلك:
قال الإمام أحمد في (مسائل صالح) وغيره: ((سمع من ابن
عمر))(٣).
وقال يحيى بن معين في (تاريخه): ((سمع من ابن عمر))(٤).
وقال ابن معين أيضًا في (تاريخه) وفي (سؤالات ابن
الجنيد)، وسئل: ((الحسن رأى ابن عمر؟ قال: يذكر في بعض
حديثه: قال الحسن: دخلنا على ابن عمر))(٥).
وقال علي بن المديني في (العلل): ((سمع من ابن عمر)) (٦).
وقال علي بن المديني أيضًا، كما في (معرفة الرجال) برواية
ابن محرز: ((لقي ابن عمر، ذكر ذلك ابن عون))(٧).
(١) المجروحين لابن حبان (١٦٣/٢).
(٢) معرفة علوم الحديث للحاكم (١١١).
(٣) مسائل صالح (٨٤٤)، وبغية النقاد والنقلة لابن المواق (٦٨/ب).
(٤) تاريخ ابن معين (رقم ٤٠٩٥).
تاريخ ابن معين (رقم ٤٢٥٨)، وسؤالات ابن الجنيد (رقم ١٦٨).
(٥)
(٦) العلل لابن المديني (٥٥ رقم ٦٥).
(٧) معرفة الرجال، برواية ابن محرز (٢/ رقم ٦٧٥).
١٦٣٦

،
وقال بهز بن أسد، كما في (المراسيل) لابن أبي حاتم:
(سمع من ابن عمر حديثًا))(١).
قلت: لعله يعني: صرّح بالسماع في حديث واحد، لا أنه
لم يسمع منه إلا حديثًا واحدًا. إذ إن تصريحه بالسماع مرة،
يقتضي - في الأصل - سماعًا صحيحًا مطلقًا له منه.
وقال أبو زرعة، كما في (المراسيل) لابن أبي حاتم،
وسئل: ((الحسن لقي ابن عمر؟ قال: نعم)) (٢).
وقال أبو حاتم، كما في (الجرح والتعديل): ((قد سمع من
ابن عمر)»(٣).
وقال النووي في (تهذيب الأسماء واللغات): ((سمع
عبد الله بن عمر))(٤).
وصحح الضياء المقدسي حديث الحسن عن ابن عمر
رضي الله عنهما، بإخراجه في (المختارة)(٥).
فإذا أردنا الترجيح بين من نفى سماع الحسن من ابن عمر
رضي الله عنهما، ومن أثبته، وجب أن نعرض أدلة كل قول:
أدلة من نفوا السماع:
أولاً: عدم وجود، أو عدم ثبوت: حديث يصرح فيه
الحسن بالسماع من ابن عمر رضي الله عنهما، عند أصحاب هذا
القول.
(١) المراسيل لابن أبي حاتم (رقم ٩٥، ١٥٢).
(٢) المراسيل لابن أبي حاتم (رقم ١٥٤).
(٣) الجرح والتعديل (٤١/٣).
(٤) تهذيب الأسماء واللغات للنووي (١٦١/١).
(٥) المختارة للضياء - الظاهرية رقم (٩٣٣٥) عام - (١٤٠/أ).
١٦٣٧

ثانيًا: بُغْد احتمال اللقاء، جريًا على قاعدة عدم سماع
الحسن من المدنيين.
ثالثًا: وجود الواسطة بين الحسن وابن عمر رضي الله
عنهما، في أكثر من حديث.
فقد روى الحسن، عن حكيم بن دينار، عن ابن عمر
رضي الله عنهما.
وروى الحسن أيضًا، عن حنتف بن السجف، عن ابن عمر
رضي الله عنهما.
وهذا مما سبق ذكره، في كلامنا عن رواية الحسن عمّن
وصفوا بالجهالة(١).
ويذكر الدارقطني في (الأفراد)، أن للحسن رواية عن سالم
عن ابن عمر رضي الله عنهما أيضًا(٢).
هذه هي أدلة نفاة سماع الحسن من ابن عمر رضي الله
عنهما .
لكن هذه الأدلة منقوضة من أُسّها، من حين عدم وقوفهم
على حديث يصرح فيه الحسن بالسماع من ابن عمر رضي الله
عنهما، أو عدم ثبوت حدیث عندهم بذلك !!!
أدلة من أثبتوا السماع:
لقد وقفت على ثلاثة أحاديث، ورد فيها تصريح الحسن
بالسماع من ابن عمر رضي الله عنهما، وهي:
(١) انظر ما تقدم (٤٠٤ - ٤١٦).
(٢) أطراف الغرائب والأفراد لابن طاهر (١٧٦/ب).
١٦٣٨