Indexed OCR Text
Pages 1601-1620
المتقدمين بنفي السماع، وجدنا الأمر محتملاً، غير واضح الرؤية !!! فالحسن البصري لم يسمع من أحد بالمدينة كما سبق تقريره في مقدمات هذا الباب(١). فلا سماع له من ابن عباس رضي الله عنهما بها، ولا يصح إثبات السماع له منه على احتماله بالمدينة! وقد خرج الحسن من المدينة إلى البصرة ليالي صفين، في أوائل شهر صفر، سنة سبع وثلاثين، كما قيّدناه في مقدمة الباب الثاني(٢) . أما ابن عباس رضي الله عنهما: فولي البصرة لعلي رضي الله عنه، سنة ست وثلاثين(٣)، وبعد موقعة الجمل، التي كانت في جمادى الآخرة من السنة المذكورة(٤). ثم إن ابن عباس خرج مع علي رضي الله عنهما، إلى صفين، وكان على ميسرة جيشه(٥). وما أن رجع عبد الله بن العباس إلى البصرة (٦) بعد صفين، وبعد التحكيم؛ حتى كتب إليه علي رضي الله عنه، بالقدوم عليه مع فرسان البصرة، لقتال معاوية رضي الله عنه (٧)، فقدم إليه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، بالكوفة، بعد مقتل محمد بن أبي بكر رضي الله عنهما، في صفر سنة ثمان وثلاثين(٨). (١) انظر ما تقدم (٥٧١ - ٥٧٣). (٢) انظر ما تقدم (٢٦٩). (٣) تاريخ الطبري (٥٤٣/٤ - ٥٤٤)، والأخبار الطوال للدينوري (١٥٢). (٤) تاريخ الطبري (٤ /٥٠٦). (٥) تاريخ خليفة بن خياط (١٩٤)، والأخبار الطوال للدينوري (١٦٥ - ١٦٦، ١٧١). (٦) تاريخ الطبري (٧٧٢٥، ٩٣). (٧) تاريخ الطبري (٧٨/٥)، والأخبار الطوال للدينوري (٢٠٧). تاريخ الطبري (١١٠/٥)، وانظره (١٠٥/٥). (٨) ١٥٩٩ فلمّا وافى عبد الله بن العباس عليّا رضي الله عنهما، بلغ عليًا خروج الخوارج وبعضٌ من فظائعهم(١). فأرسل إليهم عبد الله بن العباس ليردهم عن ضلالهم، بالتي هي أحسن. فناظرهم عبد الله بن العباس رضي الله عنهما، فرجع منهم عشرون ألفًا، وبقي أربعة آلاف بُغاةً على ضلالتهم (٢). فرجع ابن عباس إلى علي رضي الله عنهما، فخرج إليهم علي رضي الله عنه بالجيوش، فأهلكهم (٣)! وذلك في موقعة النهروان، التي كانت في شعبان من سنة ثمان وثلاثين(٤) . وكان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حين وافى عليًا رضي الله عنه في أوائل سنة ثمان وثلاثين، قد استخلف على البصرة زياد بن أبيه(٥). ويبدو أن ابن عباس لازم عليا رضي الله عنهما طوال تلك السنة، وكذا السنة التي تليها: سنة تسع وثلاثين. ولذلك عندما ذكر ابن جرير الطبري في (تاريخه) عمّال علي رضي الله عنه في سنة تسع وثلاثين، ذكر أن عمّاله فيها هم عماله في سنة ثمان وثلاثين، قال: ((غير ابن عباس، كان شخص في هذه السنة عن عمله بالبصرة))(٦). (١) تاريخ الطبري (٨١/٥ - ٨٣)، والأخبار الطوال للدينوري (٢٠٧). (٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (رقم ١٨٦٧٨)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٥٢٢/٢ - ٥٢٤)، والطبراني في المعجم الكبير (رقم ١٠٥٩٨)، والحاكم وصححه (١٥٠/٢ - ١٥٢). (٣) تاريخ الطبري (٨٦/٥ - ٨٨)، والأخبار الطوال (٢١٠ - ٢١١). (٤) تاريخ خليفة (١٩٧)، وتاريخ الطبري (٩١/٥ - ٩٢)، وتاريخ الإسلام للذهبي - عهد الخلفاء الراشدين - (٥٨٨). (٥) تاريخ الطبري (١١٠/٥) وانظره (١٠٥/٥)، والكامل لابن الأثير (٣/ ١٨١). (٦) تاريخ الطبري (١٣٦/٥). ١٦٠٠ ويبدو أنه في آخر سنة تسع وثلاثين، رجع ابن عباس رضي الله عنهما إلى البصرة. فقد قال ابن جرير عقب كلامه المذكور آنفًا، عن عمّال علي في سنة تسع وثلاثين: ((وفي هذه السنة، وجّه ابن عباس زيادًا، عن أمر علي، إلى فارس وكرمان، عند منصرفه من عند علي، من الكوفة إلى البصرة))(١). ثم إن ابن عباس رضي الله عنهما، عزل نفسه عن ولاية البصرة، سنة أربعين، وخرج إلى مكة(٢). وذلك قبل مقتل علي رضي الله عنه، الذي كان في رمضان من تلك السنة(٣). وقد وقفت - بفضل الله تعالى - على دليل قطعي لوجود ابن عباس في البصرة، بعد صفين التي كانت سنة سبع وثلاثين. قال أبو بكر بن أبي شيبة في (مصنفه): ((حدثنا وكيع، قال: حدثنا إسحاق بن عثمان الكلابي(٤)، عن أبي أيوب الهجري(٥)، قال: انكسفت الشمس بالبصرة، وابن عباس أمير عليها، فقام يصلي، فقرأ فأطال القراءة، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه، ثم سجد. فعل مثل ذلك في الثانية. فلما فرغ قال: هكذا صلاة الآيات. (١) تاريخ الطبري (١٣٧/٥)، والكامل لابن الأثير (١٩١/٣ - ١٩٢). (٢) تاريخ الطبري (١٤١/٥ - ١٤٢)، والكامل لابن الأثير (١٩٤/٣). (٣) الإصابة لابن حجر (٢٧١/٤)، وغيرها كثير. (٤) إسحاق بن كثير الكلابي، أبو يعقوب البصري. قال الحافظ في التقريب (رقم ٣٧١): (صدوق مقل)). (٥) عبد الله بن أبي سليمان الأموي مولاهم، أبو أيوب. قال الحافظ في التقريب (رقم ٣٣٧٣): ((صدوق)). قلت: بل هو ثقة، فقد قال عثمان الدارمي لابن معين في تاريخه (رقم ٤٨٥): ((عبد الله بن أبي سليمان أحب إليك أو ابن جريج؟ فقال: كلاهما ثقتان)) . وانظر التهذيب (٢٤٦/٥). ١٦٠١ فقلت: بأي شيء قرأ فيهما؟ قال: بالبقرة وآل عمران))(١). وإسناده حسن. وقد أفادنا - مشكورًا مأجورًا إن شاء الله تعالى - الدكتور عبد الله صالح شاووش رئيس قسم الفيزياء سابقًا، بكلية العلوم بجامعة أم القرى، اعتمادًا على الجداول الفلكية، أنه لم يقع إلا كسوفٌ واحدٌ للشمس بالبصرة خلال فترة ولاية ابن عباس على البصرة، الممتّدة من سنة (٣٦ هـ) إلى ما قبل مقتل علي رضي الله عنه، الذي كان في رمضان من سنة (٤٠ هـ). فأفادنا أن تاريخ كسوف الشمس هذا، كان في نهاية شهر صفر، سنة (٤٠ هـ)، وأنه يُرى جزئيًّا من شروق الشمس، لمدّة ساعةٍ واحدة. وهذا التاريخ يجعل احتمال لقاء الحسن بابن عباس، باجتماعهما بالبصرة في زمن واحد، احتمالاً واردًا، لأنه وقع في زمنٍ كان الحسن خلالَه بالبصرة، مؤكّدًا بذلك الأخبار التاريخيّة الدالةً على أن ابن عباس كان بالبصرة إلى حدود منتصف سنة (٤٠ هـ). ويظهر من هذا العرض التاريخي لولاية ابن عباس رضي الله عنهما على البصرة، وهي الفترة التي يمكن للحسن لقاء ابن عباس فيها، أن احتمال اللقاء فيها وارد! فابن عباس رضي الله عنهما رجع إلى البصرة واليًا بعد صفين، كما سبق. وكان ابن عباس رضي الله عنهما بالبصرة، أواخر سنة تسع وثلاثين، وأوائل سنة أربعين، كما تقدم أيضًا. وهذه فترات أعقبت خروج الحسن البصري إلى البصرة. (١) مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٤٧١). ١٦٠٢ وهذا يعارض عموم إطلاق بعض الأئمة، من عدم اجتماع الحسن بابن عباس رضي الله عنهما بالبصرة !! ومن ذلك: قول البزار السابق الذكر: ((قوله: خطبنا ابن عباس بالبصرة، قد أنكر عليه! لأن ابن عباس كان بالبصرة أيام الجمل، وقدم الحسن أيام صفين، فلم يدركه بالبصرة))(١). فأنت - هُديتَ - قد رأيت أن ابن عباس رضي الله عنهما، كان بالبصرة بعد الجمل، سنة ست وثلاثين؛ لا كما قال البزار. بل وكان ابن عباس بالبصرة أيضًا بعد صفين، سنة سبع وثلاثين. بل وإلى ما بعد ذلك: في أواخر سنة تسع وثلاثين، وأوائل الأربعين، كما رأيت آنفًا !! وكل هذه السنوات، مما كان بعد صفين، مما يقوي القول بلقاء الحسن بابن عباس رضي الله عنهما. لأن الحسن خرج إلى البصرة من المدينة، ليالي صفين، كما علمت في بداية الباب السابق. . فنفيُ السماع على أساس عدم احتمال اللقاء، لا أراه قويًا !! نعم .. لو قيل: إن احتمال اللقاء ليس كبيرًا، لكنه وارد مع ذلك، لكان أقرب للصواب! إلا أن هذا القول الصواب، بورود احتمال اللقاء بين الحسن وابن عباس رضي الله عنهما، قد يمكن أن يقال معه بعدم لقاء الحسن بابن عباس رضي الله عنهما، في حالة عدم تصريح الحسن بالسماع من ابن عباس رضي الله عنهما، أو في حالة ورود احتمال تأوّل الحسن لصيغة السماع، أو في حالة عدم صحتها عنه أصلاً. ويَحْكُمُ في ذلك بيانُ أحاديثِ الحسن التي صرّح فيها بالسماع من ابن عباس رضي الله عنهما : (١) انظر ما تقدم (١٥٩٠ - ١٥٩١). ١٦٠٣ الحديث الأول: قال البزار في (مسنده): ((حدثنا محمد بن المُثَنَّى: حدثنا يزيد بن هارون: أخبرنا حميد (يعني: الطويل)، عن الحسن، قال: خَطَبَنَا ابنُ عبّاس بالبصرة، وقال: فرض رسولُ اللهِ وَالِه- صدقَةَ الفِطْر: على الصغير والكبير، والحُرّ والعبد: صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو نِصْفَ صاع من بُرّ. مَنْ أَتَّى بدقيقٍ قُبِل منه، ومَنْ أَتَّى بسَوِيقٍ قُبِل منه))(١) . وهذا إسنادٌ صحيح، لا مطعن فيه لأحد. وقال البزار عقبه: ((لا نعلم روى الحسنُ عن ابن عباس غَيْرَ هذا. وقولُه: (خطبنا ابنُ عباس) إنما خطب أهل البصرة، و [ما](٢) كان وَقْتَ خطبة ابن عباس بالبصرة، ولم يَكُنْ شاهدًا، ولا دَخَل البصرة بعد. لأنّ ابنَ عباس خطب يومَ الجمل، ودَخّل الحسنُ أيامَ صِفْين. ولم يسمع الحسنُ من ابن عباس))(٣). فأنتَ تُلاحظ أن البزّار لجأ إلى القَوْل بتأوّل الحسن لصيغة السماع، وذلك لثبوت هذه الصيغة عن الحسن عند البزار. ولجأ إلى القول بأن الحسن تأوّل صيغته التي ذكرها غيرُ واحدٍ من العلماء، وهم - كما سبق -: علي بن المديني، وأبو حاتم الرازي، والبرديجي(٤). وهذا منهم تصحيح لإسناد الحديث إلى (١) كشف الأستار للهيثمي (رقم ٩٠٨)، وزوائد مسند البزار لابن حجر (رقم ٦٦٠). (٢) سقطت أداة النفي مِنْ أصل الهيثمي لمسند البزار، فاستشكل الهيثميُّ العبارة بسبب سقوطها. فنبّه الحافظ ابن حجر على هذا السقط، وعلى صوابه، في حاشية مخطوطة (كشف الأستار)، كما تراه في حاشية تحقيق الكتاب. ثم نقل الحافظُ العبارةَ على الصواب، في (زوائد مسند البزار) له. (٣) انظر العزو في التعليقة الأولى. (٤) انظر (١٥٨٩ - ١٥٩٠). ١٦٠٤ الحسن البصري، وإثباتٌ أن الحسن قد قال: ((خطبنا ابنُ عباس))، وأنه ليس مِنْ وَهْمِ الرواة عليه. وسوف يأتي شرحُ سببٍ قولهم بتأوّل الحسن، مع تصحيحهم للصيغة وإثباتهم أن الحسن قالها. وسوف يأتي ذكر مَوَاقف أخرى للأئمة من هذه الصيغة، غير موقوف: القولِ بالتأوُّل، الآنف الذكر. غير أنّه مِمّا يجب التنبيه عليه، أن حديث الحسن هذا، رُوي عنه من هذا الوجه، من طريق يزيد بن هارون، من غير ذكرٍ للصيغة الدالة بالسماع. قال الإمام أحمد في (المسند)، وابن أبي شيبة في (المصنف: ((حدثنا يزيد، قال أخبرنا حميد (وعند ابن أبي شيبة: عن حميد)، عن الحسن، قال: خطب ابنُ عباسٍ الناسَ في آخر رمضان، فقال: يا أهل البصرة، أَدُوا زكاة صومكم، قال: فجعل الناس يَنْظُر بعضُهم إلى بعض، قال: مَنْ هاهنا من أهل المدينة؟ قوموا فعلّموا إخوانكم، فإنهم لا يعلمون: أن رسول الله وَله فرض صدقة رمضان .. (هذا كلّه عند الإمام أحمد، أمّا عند ابن أبي شيبة: عن الحسن، عن ابن عباس، قال: فرض رسول الله وَله صدقة الفطر ... ))(١) - الحديث، نحو رواية البزار. وأخرجه النسائي في (السنن الكبرى) و (الصغرى) عن علي بن حُجْر، وأخرجه الدارقطني في (السنن) من طريق أحمد بن سنان القطان الواسطي، كلاهما - أعني: علي بن حجر وأحمد بن سنان - يرويه عن يزيد بن هارون، عن حميد، عن الحسن، أنه قال: ((خطب ابنُ عباس الناس، في آخر رمضان (١) مسند الإمام أحمد (رقم ٣٢٩١)، ومصنف ابن أبي شيبة (١٧٠/٣) (رقم ١٠٣٣٤). ١٦٠٥ (وعند علي بن حجر: أن ابن عباس خطب بالبصرة) ... )) - وذكرا الحديث، ثم زاد في آخره: ((قال الحسن: فقال علي: أمّا إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا، اجعلوا صاعًا من بُرِّ وغيره))(١). ومع أن هؤلاء كلَّهم لم يذكروا صيغة سماع الحسن من ابن عباس في روايتهم عن يزيد بن هارون، خلافًا لمحمد بن المثنى الذي ذكرها في روايته عنه = إلاّ أن ذلك لا يُعِلّ رواية محمد بن المثنى، ولا أعلّها أحدٌ بذلك فيما عَلِمْتُهُ. وذلك أنّنا كُنّا قد قرّرنا في سابق بحثنا هذا، أنّ تفرّد الثقة بصيغةٍ للسماع لا يذكرها غيره من الثقات ممن شاركه في روايته، أن هذا لا يُعِلُّ صيغةَ السماع التي تفرّد بها ذلك الثقة، ولا تُرَدُّ تلك الصيغة بهذا وحده، كما كنّا قد بيّاه بيانًا واضحًا في الموطن المُشَار إليه(٢). بل إنّ مَنْ أعلّ رواية يزيد بن هارون، ممن يأتي ذكره، لم يُعلّها على أنّها خطأ على يزيد بن هارون، بل على أنها خطأ منه. فيحيى بن معين يقول: ((لم يسمع من ابن عباس. قال يزيد في حديثه: (سمع الحسنُ من ابن عباس)! ولم يسمع منه)(٣). فانظر إليه: يَنْسِبُ الروايةَ بالتصريح بالسماع إلى يزيد بن هارون، وأنه هو صاحب هذه الرواية. ثمّ لا يَغِبْ عنك أن يحيى بن معين مِنْ أجلّ مَنْ يروي عن يزيد بن هارون، فهو لا يحكم على ما سمعه عنه بالوسائط (غالبًا). ويقول الترمذي: ((سألت محمدًا عن حديث الحسن: (خطبنا ابن عباس)؟ فقال: روىْ غَيْرُ يزيد بن هارون، عن حميد، عن (١) السنن الكبرى للنسائي (رقم ١٨٠٢، ٢٢٩٤)، والصغرى له (رقم ٢٥١٥)، وسنن الدارقطني (١٥٢/٢). (٢) انظر (٧٠١ - ٧٠٧). (٣) تاريخ ابن معين (رقم ٤٠٩٥). ١٦٠٦ الحسن، قال: (خطب ابنُ عباس)، (قال الترمذي): وكأنّه رأى هذا أصح. (قال الترمذي): وإنما قال محمدٌ هذا، لأن ابن عباس كان بالبصرة في أيام علي، والحسن البصري في أيام عثمان وعلي كان بالمدينة))(١). وهنا أيضًا ينسب الإمامُ البخاريُّ الوهمَ بذكر صيغة السماع إلى يزيد بن هارون، بدليل ترجيحه لغير رواية يزيد بن هارون التي لا تذكر صيغة السماع. وتَتَبَّه في هذا الموطن، أن الإمام البخاريّ لم يُعِلّ رواية يزيد بن هارون لرواية من لم يذكر صيغة السماع، ولم يردّها بذلك وحده. ولكن - وكما ذكر الترمذي - للملحظ التاريخي الدالّ على ذلك عند الإمام البخاري. وأمّا الروايات التي يُشير إليها الإمام البخاري، وقبله يحيى بن معين، والتي لا تذكر سماع الحسن عن ابن عباس، من غير طريق يزيد بن هارون، فهي: رواية يحيى بن سعيد القطان، وخالد بن الحارث، وحماد بن سلمة؛ ثلاثتهم عن حميد، عن الحسن، عن ابن عباس .. من غير تصريح بالسماع. أمّا رواية القطان: فأخرجها الإمام أحمد في (المسند)(٢). وأمّا رواية خالد بن الحارث: فأخرجها النسائي في (السنن الكبرى) و (الصغرى)، والدارقطني في (السنن)(٣). (١) العلل الكبير للترمذي (٣٦٦/١). (٢) مسند الإمام أحمد (رقم ٢٠١٨). (٣) السنن الكبرى للنسائي (رقم ٢٢٨٧)، والصغرى له (رقم ٢٥٠٨)، وسنن الدار قطني (٢/ ١٥٢). ١٦٠٧ وأمّا رواية حماد بن سلمة: فأخرجها الطحاوي في (بيان مشكل الأحاديث)(١). وقد جاء في آخرٍ روايةٍ حمادٍ بن سلمة زيادةٌ، كنّا قد ذكرناها من رواية بعض من روى هذا الحديث عن يزيد بن هارون أيضًا، وهي أنّ الحسن البصري قال: ((فلمّا قَدِمَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: يا أهل البصرة، إن سِعْرَكُم رخيص، لو جعلتموه صاعَ بُرّ))(٢). لكنّ توهيم يزيد بن هارون مع هذه الروايات التي لا تذكر صيغةً السماع حكمٌ فيه نظر! أوّلاً: لأنّ يزيد بن هارون ليس ثقةً كباقي الثقات، بل هو من كبار حفّاظ أهل الحديث ونقّادهم، فليس من السهل توهيمه! فهو الذي قال عنه علي بن المديني: ((ما رأيتُ رجلاً قطْ أحفظَ من يزيد بن هارون))(٣) - على كثرة مَنْ رأى، وجلالة من نظر -!! وهو الذي قال عنه أبو بكر ابن أبي شيبة أيضًا: ((ما رأيتُ أتقنَ حفظًا من يزيد بن هارون - قال أبو زرعة الرازي: والإتقان أكثر من الحفظ السَّرْد _»(٤) !! فأين مثل هذا عن اتهامه بالوهم؟ !! لا نقبل إلا الشمسَ دليلاً، والنهارَ بيّنةً !!! ثانيًا: أن مجرّد رواية غير يزيد بن هارون لروايته من دون ذكر صيغة السماع بين الحسن وابن عباس، لا يُعِلُّ روايته، كما قررناه في سابق بحثنا، وأشرنا إليه آنفًا. (١) بيان مشكل الأحاديث للطحاوي (٩/ ٤٠، في الباب رقم ٥٤٩). (٢) المصدر السابق. (٣) تاريخ بغداد (٣٣٩/١٤). (٤) تهذيب الكمال للمزي (٢٦٧/٣٢). ١٦٠٨ أمّا الملحظ التاريخي الذي بنى الإمامُ البخاري عليه قولَه بعدم صحّة تلك الصيغة، وهو الملحظ الآتي شرحه، فيكفي معه وباعتباره أن نقول بتأوّل الحسن لتلك الصيغة، كما قال بذلك: علي بن المديني، وأبو حاتم الرازي، والبزار، والبرديجي. وهذا القول بالتأوّل، وهو أمرٌ عرفناه عن الحسن، أولى من توهيم الحفّاظ !! وثالثُ الردود على مَنْ وَهّم يزيد بن هارون في ذكره صيغة سماع الحسن من ابن عباس: هو أنّ ليزيد بن هارون مُتابعًا له في ذلك !! قال البيهقي في (السنن الكبرى): ((أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان(١): أنبأنا أحمد بن عُبيد الصفّار(٢): حدثنا إسماعيل بن إسحاق(٣): حدثنا محمد بن أبي بكر (٤): حدثنا سهل بن يوسف(6): حدثنا حميد الطويل، عن الحسن، قال: خطبنا ابنُ عباس بالبصرة في آخر رمضان ... (إلى أن قال): فلمّا قَدِمَ علي رضي الله عنه، ورأى رُخْصَ السِّعْر، قال: لو جعلتموه صاعًا من كل شيء)) (٦). وهذا إسنادٌ صحيح. قال البيهقي عقبه: ((كذا قال: (خطبنا)، ورواه محمد بن (١) تقدّمت ترجمته، وأنه: ثقة مشهور عالي الإسناد. (٢) تقدّمت ترجمته، وأنه: إمام حافظ جليل. (٣) إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي مولاهم، البصري، أبو إسحاق القاضي، المالكي، صاحب التصانيف، (ت٢٨٢هـ). قال عنه الذهبي في السير (٣٣٩/١٣ - ٣٤١): ((الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام)). (٤) محمد بن أبي بكر بن علي المُقَدَّمِيّ، تقدّمت ترجمته، وأنه: ثقة. (٥) سهل بن يوسف الأنماطي، البصري، (ت١٩٠هـ). قال عنه الحافظ (رقم ٢٦٦٩): ((ثقة). (٦) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٨/٤). ١٦٠٩ المثنى، عن سهل بن يوسف، فقال: (خطب)، وهو أصح)). ثم ذكر البيهقيّ كلامَ علي بن المديني في تأويل تصريح الحسن بالسماع عن ابن عباس، ذلك التأويل المُعْتَمِدِ على الملحظ التاريخي الآتي بيانه. والرواية التي يُشير إليها البيهقي: أخرجها أبو داود في (سننه)، ومن طريقه ابن حزم في (الإحكام)(١). لكنّ توهيم البيهقي لمحمد بن أبي بكر المُقَدَّمي لذكره صيغة السماع في روايته عن سهل بن يوسف، يَدْخُلُ عليه فيه ما ذكرناه آنفًا فيما يَدْخُلُ على من وَهَم يزيد بن هارون. ويزيدُ القولُ بتوهيمهما بُعْدًا: أنّهما ثقتان يوافق أحدُهما الآخر، حتى في لفظ الصيغة: (خطبنا) !! ولذلك تُعْجِبُني هنا إلماحةٌ للبرديجي، حيث قال : - كما تقدّم -: ((أمّا حديث حميد الطويل، عن الحسن، قال: (خطبنا ابن عباس)، فإنما خطبَ أهلَ البصرة))(٢). فأوّلاً: لَجَأَ البرديجي إلى تأويل (خطبنا)، والتأويل فَرْعُ الثُّبوت، ممّا يدل على أن هذه اللفظة عند البرديجي ثابتةٌ عن الحسن البصري. ثانيًا: أن البرديجيّ نسب الحديث إلى حميد الطويل، بما فيه مِنْ ذِكْرٍ لسماع الحسن عن ابن عباس .. مما يدلّ على أن ذكر السماع عند البرديجي ثابتٌ عن حميد، فلم ينفرد به عنه راوٍ واحد، يستحقّ بهذا الانفراد أن يُنْسَبَ الحديثُ إليه بدلاً من نسبته إلى حمید! هذا مع أن انفراد الثقة (وخاصةً مثل يزيد بن هارون) بذكر (١) سنن أبي داود (رقم ١٦٢٢)، والإحكام لابن حزم (١٣١/٢). (٢) انظر ( ). ١٦١٠ صيغة السماع دون غيره من الثقات، ليس داعيًا كافيًا للقول بتوهيمه أصلاً، كما كرّرنا القول في ذلك. كيف وهذا الثقة لم ينفرد؟ !!! وإلى هذا المحلّ نكون قد انتهينا إلى أنّ الحسن البصري قد قال: ((خطبنا ابن عباس))، وأن هذا ثابتٌ عنه. فَلِمَ تأوَّلَ الأئمةُ هذا الصيغة؟! مع أنّنا قد قرّرْنا في عرضنا التاريخي لولاية ابن عباس على البصرة: أن الحسن ربّما جَمَعَتْهُ البصرةُ وابنَ عباس في بعض الأحايين !! الجواب: هذا التساؤل كشفه لنا (أو بعضه) ابنُ حزم في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام)، مُعْتَمِدًا على ما جاء - في غير ما طريق لحديث الحسن عن ابن عباس: أولاً: من أن الخطبة كانت بالبصرة في آخر شهر رمضان، وثانيًا: أن عليًّا رضي الله عنه قدم البصرة بعد ذلك فأفتى أهلها بغير ما أفتاهم به ابنُ عباس مِنْ قَبْل. فقال ابنُ حزم عقب ذكره للحديث: ((وهذا الحديث - قبل كل شيءٍ - لا يصحُ، لوجوهٍ ظاهرةٍ: أوّلها: أنّ الكذب والتوليد والوضع ظاهر فيه كالشمس !! لأنّه لا خلافَ بين أحدٍ من أهل العلم بالأخبار: أن يوم الجمل كان لعشرٍ خَلَوْنَ من جمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين، ثم أقام عليٍّ بالبصرة باقي جمادى الآخرة، وخرج راجعًا إلى الكوفة صَدْرَ رجب، وترك ابنَ عباس بالبصرة أميرًا عليها، ولم يرجع عليٍّ بعدها إلى البصرة؛ هذا ما لا خلاف فيه من أحدٍ له علمٌ بالأخبار. وفي الخبر المذكور: ذِكْرُ تعليم ابنِ عباس أهلَ البصرة صدقةً الفطر، ثم قَدِم عليٍّ بعد ذلك، هذا هو الكذب البحت الذي لا خفاء به ... ))(١). (١) الإحكام لابن حزم (١٣١/٢). ١٦١١ وبهذا العرض القوي، والاستدلال الواضح، يخرج ابنُ حزم بأن الحديث موضوع مكذوب !!! ولا شك أنّ هذا الملحظَ التاريخيّ يدلّ على خطأٍ في الرواية وتناقُضٍ في النَّقْل، لا بُدّ معه من توجيه، بعد صحّة الإسناد من وجوه: عن حميد، عن الحسن البصري. ولا يُخالف ابنُ حزم في صحّة الحديث إلى الحسن، حيث قال في آخر تعليله للحديث: ((وما حدّث الحسنُ - واللهُ أعلم - بهذا الحديث، إلا على وجه التكذيب له، ولا يجوز غير ذلك))(١) . أمّا قَالةُ ابنٍ حزم هذه: من أنّ الحديث مكذوب موضوع، فهي إحدى أخواتُ سيفِ الحجّاج بن يوسف، من لسانِ ابنِ حزمٍ وقَلَمِه !!! وكان أولى به أن يُوهّم أقربَ الأقوالِ إلى احتمال الوهم، وأقواها في إيراد التناقض على هذا الخبر! ليسلمَ له باقي الخبر من التناقض، وتبقى فيه علّةُ الإرسال بين الحسن وابن عباس، تُضِعفُ الحجّةَ بالخبر، وتردُّ الاستدلالَ به. وأمّا قوله: إن الحسن أورد الخبر على وَجْه التكذيب، فَحُسْبَانٌ لا يُغْني من الحق شيئًا. وهو حُسبانٌ غافلٌ عن قول الحسن - متأوّلاً -: ((خطبنا ابن عباس))، أي: خطب أهلَ البصرة - فهل هذه مقالةُ مورِدِ الخبرَ على وجه التكذيب؟! أمّ أنها مقالةُ واثقٍ من نقله، كأنّه سامعٌ مُشاهد؟ !! فإذا أردنا أن نعرفَ أَوْلَى مُعْطَيَاتٍ ذلك الخبر بالرفض، لرفع التناقض، فهي تحديدُ وَقْتِ الخطبة: خطبة ابن عباس، وأنّها كانت آخر شهر رمضان. لأن رَدَّ هذا التأريخ يرفع الإشكال من أساسه، (١) الإحكام (١٣٢/٢). ١٦١٢ في أنّ عليّ بن أبي طالب أفتى أهلَ بصرة بخلاف فتوى ابن عباس، مع تقرير أنّ علي بن أبي طالب خرج من البصرة صَدْرَ شهر رجب، من سنة ستُّ وثلاثين، ثم لم يَعُدْ إليها بعد ذلك. وقد حكم بذلك، وأزاح الإشكال كلّه، بتحديد زمن خطبه ابن عباس على غير ما جاء في الخبر = الحافظُ الناقدُ الكبير أبو بكر البزار، حيث قال - مُخْتَصِرًا مُفيدًا -: ((وقوله: (خطبنا ابن عباس) إنما خطبَ أهلَ البصرة، وما كان وَقْتَ خطبةِ ابن عباسٍ بالبصرة، ولم يكن شاهدًا، ولا دَخَل البصرة بَعْد. لأنّ ابن عباس خطبَ يومَ الجمل، ودخل الحسنُ أيّام صفّين)) (١). إن تحديد البزار لخطبة ابن عباس أنها كانت يوم الجمل، لا يَجْعل في قُدومَ علي بن أبي طالب إلى البصرة بعد الموقعة، والتفاته إلى أهل البصرة بعدها بتلك الفتوى المخلقة لفتوى ابن عباس = أمرًا متناقضًا متضادًا. لأنه من المحتمل أن يكون ابن عباس خطبهم في النصف الأول من شهر جمادى الآخرة، ثم أفتاهم عليُّ بعد ذلك بأيّام في أواخر الشهر ذاته، أو صَدْرَ شهر رجب، قبل خروجه إلى الكوفة. وبذلك يزول الإشكال، ويرتفع التناقض في الخبر !! وبذلك يثبت أهم مهمّاتنا هنا، وهو أنّ الحسن لم يسمع من ابن عباس هذه الخطبة، لأنها كانت قبل خروجه من المدينة إلى البصرة . ثم يثبت بذلك أيضًا: أن قول الحسن: ((خطبنا ابن عباس))، أنه أراد التأوُّلَ به: أي خطب أهلَ البصرة !! وهذا الموطن في هذا الحديث، وهذا المبحث كله، من أشكل المواطن عندي، وأكثرها غموضًا. وعندي على كل قول (١) انظر (١٥٩٠ - ١٥٩١). ١٦١٣ قلتُه فيه اعتراضٌ أو اعتراضات، وكان لي في حلّ إشكالاته مواقفُ متباينة، ومُبَيَّضَاتُ هذا المبحث التي تحوّلت مسوّداتٍ اللَّهُ يعلمها! بل لقد نوقش هذا البحث، وأنا أُثبتُ بهذا الحديث سماعَ الحسنِ من ابن عباس !!! ومَرَّ هناك، بلا معارض. ثم رضيتُ بالسلامة، واقتنعتُ بضعفي عن مخالفة أولئك الأعلام السادة من الأئمة الذين نَفَوا سماع الحسن عن ابن عباس، بهذا الحديث وغيره !!! ولوخالفهم واحدٌ من أقرانهم، لانبرى القَلَمُ بغير ما ترى !!! لكن يأبى اللَّهُ والمؤمنون إلا أن أتبع سبيل المؤمنين !!! ١٦١٤ الحديث الثاني: قال أبو بكر ابن أبي شيبة في (المصنف): ((حدثنا ابن أبي غنية عن داود ابن عيسى، عن الحسن، قال: أخبرني ابن عباس، أنه سمع النبي وَلّ يقول: اللهم إني حرمت المدينة، بما حرّمت به مكة))(١). وأخرجه أبو يعلى الموصلي في (مسنده)، عن شيخه أبي بكر ابن أبي شيبة، بإسناده ومتنه، وبصيغة السماع (أخبرني)، التي فيه بين الحسن وابن عباس رضي الله عنهما (٢). - ابن أبي غنية، هو: يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية الخزاعي، الكوفي، أصله من أصبهان، (ت بضع ١٨٠ هـ). قال عنه الحافظ: ((صدوق له أفراد))(٣). بينما قال الذهبي في (الكاشف): (ثقة وقور صالح))(٤). وإذا أَرَذْتَ أن تعرف رجحان كلام الذهبي على كلام الحافظ ابن حجر، فعليك بأصل (التقريب): (تهذيب التهذيب) !! (٥). ففيه: أن الإمام أحمد وثقه وأثنى على صلاحه ووقاره (٦)، وأن ابن معين(٧) وأبا داود(٨) والعجلي(٩) والدار قطني(١٠) جميعهم، وثقوه، بأن قالوا عنه: («ثقة)) !!! (١) المصنف لابن أبي شيبة (١٤/ ٩٢٠٠). (٢) مسند أبي يعلى (رقم ٢٥١٨). (٣) التقريب (رقم ٨٥٩٨). (٤) الكاشف (رقم ٦٣١٦). (٥) التهذيب (٢٥٢/١١). (٦) العلل للإمام أحمد (رقم ٣٠٨، ٤٨١٥). (٧) تاريخ الدارمي (٩٠٨). (٨) التهذيب (٢٥٢/١١). (٩) معرفة الثقات، للعجلي (رقم ١٩٨٨). (١٠) سؤالات البرقاني (رقم ٥٣٤). ١٦١٥ ونقل الحافظ في (التهذيب) عن الواقدي أنه قال عنه: (ثقة صالح الحديث))، وهذا وجدته في (طبقات ابن سعد)، من كلام ابن سعد، لا من كلام الواقدي!(١). وذكر أن ابن حبان أورده في (الثقات)(٢). ثم نقل عن النسائي أنه قال عنه: ((ليس به بأس))(٣). وأن ابن عدي ذكره في (الكامل)، وقال: ((بعض حديثه لا يتابع عليه، وهو ممن يكتب حديثه)»(٤). وفات الحافظ مما قد يؤيده! أن الحاكم ذكر يحيى بن عبد الملك ابن أبي غنية في (الرواة الذين لا يحتج بهم في الصحيح، ولم يسقطوا)، في كتابه (معروفة علوم الحديث)(٥). وأن الدارقطني قال عنه، كما في (سؤالات الحاكم): ((صدوق))(٦). وفاته مما يعارضه: أن الإمام مسلمًا احتج بحديثه في صحيحه! كما نص عليه الذهبي في (ميزان الاعتدال)(٧). بل وأخرج له ابن خزيمة في (صحيحه)، وابن حبان في (صحيحه)(٨) . وهذا الحاكم الذي قال عنه ما سبق، يصحح له في (المستدرك) أيضًا !! (٩). (١) طبقات ابن سعد (٣٩٣/٦). (٢) الثقات لابن حبان (٦١٤/٧). (٣) التهذيب (٢٥٢/١١). (٤) الكامل لابن عدي (٢١٠/٧). (٥) معرفة علوم الحديث للحاكم (٢٥٥). (٦) سؤالات الحاكم (رقم ٥١٣). (٧) ميزان الاعتدال (٣٩٤/٤). (٨) صحيح ابن خزيمة (رقم ١٩٥)، والإحسان (رقم ١٣٢٢). (٩) المستدرك على الصحيحين (٣٤٨/٢). ١٦١٦ وأن اللالكائي في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة)، ذكره في (سياق ذِكْرٍ من رُسِمَ بالإمامة في السنة، والدعوةِ والهدايةِ إلى طريق الاستقامة)(١). وأين توثيق الإمام أحمد، ويحيى بن معين، ليحيى بن عبد الملك، وهما ممن روى عنه(٢)، فهما أعرف به من ابن عدي، ومن غير ابن عدي !! هذا مع إمامتهما وجلالتهما على من سواهما !!! فأين توثيقهما لابن أبي غنية قُوَّةً وثُبُوتًا، من كلام غيرهما فيه؟ !! وما ذكر ابنُ عدي له شيئًا منكرًا، بل ما ذكر شيئًا يحمل بسببه على يحيى بن عبد الملك!(٣). ولولا خوف التطويل، لعرضت ذلك كله، وفنّدت ترجمة ابن عدي له! وأقصى ما يقال: إنه وهم في حديث! ثم كان ماذا؟ !! فالرجل ثقة، ولم يقل أحد: إن أحدًا من الثقات معصوم !! هذا الرجل الأول في إسناد الحديث. - أمّا داود بن عيسى النخعي، أبو سليمان، الكوفي، نزيل دمشق : فذكره البخاري في (التاريخ الكبير)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل)، ولم يذكرا فيه جرحًا أو تعديلاً(٤). (١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٤١/١). (٢) التهذيب (٢٥٢/١١). (٣) الكامل لابن عدي (٢٠٨/٧ - ٢١٠). (٤) التاريخ الكبير للبخاري (٢٤٢/٣)، مفرقاً في ترجمتين، والجرح والتعديل (٤١٩/٣). ١٦١٧ وكذا له ترجمة واسعة في (تاريخ دمشق) لابن عساكر، لكن ليس فيها جرح أو تعديل!(١). على أن ابن حبان في ذكره في (الثقات)، وقال: ((كان متقنًا عزيز الحديث))(٢). وذكره الحاكم في (معرفة علوم الحديث)، في (نوع معرفة الأئمة الثقات المشهورين)(٣). وهذا كاف لتوثيقه! وبذلك یکون إسناد هذا الحديث صحيحًا! ويكون دليلاً على سماع الحسن من ابن عباس رضي الله عنهما !!! ولا مجال للقول بتأول الحسن في صيغة سماعه هذه، لأنه قال: ((أخبرني))، ولم يقل: ((أخبرنا))، حتى يقال: أخبر أهل البصرة !!! وفي (نصب الراية) للزيلعي، أن ابن عبد الهادي، قال: ((قد جاء في مسند أبي يعلى الموصلي، من حديث الحسن، قال: أخبرني ابن عباس. وهذا إن ثبت، دل على سماعه منه))(٤). قلت: قد ثبت بحمد الله تعالی !! هذا وقد كنت في مسوَّدات البحث، عندما كان إجلالي لمن أخالفه في إثبات السماع يملك كل قلبي وعقلي حتى كدت أن أقلد تقليدًا محضًا، عندها رددت الحديث بمجرَّد الانفراد !!! (١) تاريخ دمشق لابن عساكر - خط - (٣٨/٦ - ٣٩). (٢) الثقات لابن حبان (٢٨٧/٦). (٣) معرفة علوم الحديث للحاكم (٢٤٧). (٤) نصب الراية (٤١٩/٢). ١٦١٨