Indexed OCR Text
Pages 1561-1580
قال: ((لا تزال أمتي بخير - أو قال: على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم)). أخرجه الإمام أحمد(١) وأبو داود(٢) وابن خزيمة في (صحيحه)(٣) والطبراني في (المعجم الكبير) (٤)، والحاكم وصححه في (المستدرك)(٥) . وإني لمع أولئك الأئمة، الذين لم يروا في انفراد عمر بن إبراهيم بالحديث ما يدعو إلى ردِّه. لأن الحديث بعد أن لم يكن فيه نكارة، بل بعد أن كان له شاهد صحيح، وبعد أن كان الأصل في عموم حديث عمر بن إبراهيم القبول والصواب، فلا معنى - بعد ذلك كله - للتردد في قبول ما روى! لكن الإسناد مع ذلك لا يتجاوز الحُسْن عندي. غير أن لبعض العلماء انتقادًا آخر لإسناد هذا الحديث، وهو تفرد عباد بن العوام بوصل الحديث، كما سبق ذكره. فعباد بن العوّام تفرد، عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، بذكر الأحنف بن قيس، بين الحسن، والعباس رضي الله عنه . وخالفه غير واحد، كما قال البزار، فذكروا الحديث عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن العباس رضي الله عنه - مرسلاً، دون ذكر الأحنف. فكان انفراد عبّاد بن العوام بالوصل، أحد أسباب ردّ هذا الحديث أيضًا! (١) مسند الإمام أحمد (٤٢٢/٥). (٢) سنن أبي داود (رقم ٤١٨). (٣) صحيح ابن خزيمة (رقم ٣٣٩). (٤) المعجم الكبير للطبراني (رقم ٤٠٨٣). (٥) المستدرك (١٩٠/١ - ١٩١). ١٥٥٩ . لكن تَحَرَّى بعضُ العلماء في هذا، وتَبيَّنَ لهم أن ما رواه عبّاد بن العوام صحيح، بالرجوع إلى أصول عباد، فوجدوا الحديث فيها موصولاً بذكر الأحنف، كما روى عباد بن العوام! فأخرج ابن ماجة الحديث في (سننه) فقال: ((حدّثنا محمد بن يحيى: حدثنا إبراهيم بن موسى: أنبأنا عبّاد بن العوام، عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله: ((لا تزال أمتي على الفطرة، ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم. قال أبو عبد الله ابن ماجه: سمعت محمد بن يحيى يقول: اضطرب الناس في هذا الحديث ببغداد، فذهبت أنا وأبو بكر بن الأعين إلى العوّام بن عباد بن العوام، فأخرج إلينا أصل أبيه، فإذا الحديث فيه))(١). ومحمد بن يحيى هذا، هو: ابن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذهلي، النيسابوري، (ت ٢٥٨ هـ)، وله ست وثمان سنة. قال عنه الحافظ: ((ثقة حافظ جليل))(٢). وقيل إن الذي أُنكر عليه وصل هذا الحديث، إنما هو إبراهيم بن موسى، راوي الحديث عن عباد بن العوام! قال البزار في (مسنده)، عقب الحديث: ((هذا الحديث لا نعلمه يروى عن العباس إلا من هذا الوجه، ولا نعلم رواه إلا عمر بن إبراهيم عن قتادة عن الحسن. (١) سنن ابن ماجة (رقم ٦٨٩). (٢) التقريب (رقم ٦٣٨٧). ١٥٦٠ فرواه غير واحد: عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن العباس - مرسلاً. ورواه إبراهيم بن موسى: عن عباد بن العوام - موصولاً. فأنكر علیه! فسيل العوام بن عباد عن ذلك؟ فأخرجه من كتاب أبيه، كما رواه إبراهيم بن موسى - موصولاً))(١). وإبراهيم بن موسى هذا، هو: ابن يزيد التميمي، أبو إسحاق الفراء الرازي، يلقب بالصغير، (ت بعد ٢٢٠ هـ). قال عنه الحافظ: ((ثقة حافظ)) (٢) ٠ فلا شك في عدم خطأ إبراهيم بن موسى، لا لكونه ثقة حافظًا فقط، ولا لأن ما رواه هو ما وجوده في أصول عباد بن العوام أيضًا، بل لأنه متابع مع ما رواه. فقد وافقه عوام بن عباد بن العوام(٣) و [محمود] بن آدم (١) مسند البزار - الرباط (٢١٨). (٢) التقريب (رقم ٢٥٩). (٣) أخرجه ابن ماجه، كما سبق (رقم ٦٨٩)، والبزار - الرباط (رقم ٢١٨)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (رقم ٣٠٣)، وفي المنشورة (رقم ٢٨٣)، وتمام في فوائده (رقم ٥٢٤). وعوام بن عبّاد بن العوام الواسطي، الكلابي مولاهم. قال الحافظ في التقريب (رقم ٥٢١٢): ((مقبول)). والحافظ لم يذكر في ترجمته في التهذيب (١٦٤/٨ - ١٦٥)، إلا أن الذهبي قال عنه: ((لا يعرف)»! وفاته أن ابن معين قال عنه، في سؤالات ابن الجنيد (رقم ٢٨٢): ((ليس بشيء)). وأن ابن حبان ذكره في الثقات (٥٢٥/٨). وكلام ابن معين فيه، أولى ما قيل فيه، فهو ضعيف !! ١٥٦١ المروزي(١) كلاهما: عن عباد بن العوام، عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس رضي الله عنه - متصلاً. وبعد هذا كله، من دلائل غرابة هذا الإسناد، وانفراده بهذا الحديث، من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه؛ مع ذلك يَزْعُمُ إسنادٌ عند الحاكم في (المستدرك) أن لعمر بن إبراهيم فيه متابعًا !! قال الحاكم في (المستدرك): ((حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه: أنبأنا [الحسن] بن علي بن زياد: حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء: حدثنا عباد بن العوام، عن عمر بن إبراهيم ومعمر، عن قتادة، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس رضي الله عنه ... ))(٢) - مرفوعًا. قال الحكم مُقَدِّمًا إياه: ((صحيح الإسناد)). وأخرجه البيهقي في (السنن الكبرى)(٣)، عن شيخه الحاكم، بإسناده، لكن قال فيه: ((عن عمر بن إبراهيم عن معمر))! فبدلا من أن يجعل معمرًا مقرونًا بعمر بن إبراهيم، جعل عمر بن إبراهيم يروي عن معمر !! وهذا خطأ ظاهر! (١) ذكر هذه المتابعة الطبراني في المعجم الأوسط (رقم ١٧٩١)، وفيه أنه: (محمد بن آدم)، ولا أحسبه إلا تحريفاً، وأن صوابه: محمود. وهو: محمود بن آدم المروزي، (ت٢٥٨هـ). قال الحافظ في التقريب (رقم ٦٥٠٩): ((صدوق)). قلت: بل هو ثقة، فانظر التهذيب (٦١/١٠)، ووازنه بما في الجرح والتعديل (٢٩٠/٨ - ٢٩١)، والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (رقم ٥٧٦٣). (٢) المستدرك (١٩١/١). (٣) سنن البيهقي (٤٤٨/١). ١٥٦٢ أولاً: لأن الإسناد جاء في (تلخيص المستدرك)(١) كما في (المستدرك) في الموضع ذاته، بجعل معمرٍ مقرونًا بعمر بن إبراهيم. ثانيًا: أن معمرًا وعمر بن إبراهيم من المشهورين بالرواية عن قتادة. هذا خطأ مطبعي أول، وقع في (السنن الكبرى)، للبيهقي! وهناك خطأ مطبعي ثان، وقع في (المستدرك) للحاكم !! فإلى الله المشتكى !!! فقد تحرّف فيه: (الحسن بن علي بن زياد) إلى (الحسين بن علي بن زياد). أمّا الصواب، فعرفته من (سنن البيهقي)، ومن (مستدرك الحاكم) نفسه! فقد أخرج الحاكم في كتابه لهذا الإسناد عدّة أحاديث، استعرضت الكتاب من أوّله، حتى وقفت على بعضها! يقول فيه: ((حدثنا أبو بكر ابن إسحاق الفقيه: حدثنا الحسن بن علي بن زياد ... )) (٢) . أمّا تراجم إسناد الحديث: - فأبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب بن يزيد النيسابوري، الشافعي، المعروف بالصبغي، مولده في (٢٥٨ هـ)، (ت ٣٤٢ هـ). قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء): ((الإمام العلامة، المفتي، المحدِّث، شيخ السلام)). ثم نقل الثناء الكثير الجليل فيه، من جماعة من الأئمة(٣). (١) تلخيص المستدرك في حاشية المستدرك (١٩١/١). (٢) مستدرك الحاكم (٢٠/١، ٣٦، ٤٦، ٨٥). (٣) سير أعلام النبلاء (٤٨٣/١٥ - ٤٨٧). ١٥٦٣ - والحسن بن علي بن زياد السُّرِّي، نسبة إلى سُرّ، وهي قرية من قرى الرّي. ترجم له ابن ماكولا في (الإكمال)، والسمعاني في (الأنساب)، ولم يذكرا فيه جرحًا أو تعديلاً(١). لكن رواية أبي بكر بن إسحاق الصبغي عنه، وهو الحافظ الكبير، مع تصحيح الحاكم لإسناد هو أحد رجاله، كافٍ لقبوله، وتحسین حديثه. أمّا إبراهيم بن موسى الفراء، وباقي الإسناد، فسبقت الترجمة لهم. فهذا إسناد حسن، أو صحيح كما قال الحاكم! لكن ذكر معمر في إسناده وَهْمٌ، بلا أدنى شك !! فقد روى الحديث جماعة كبيرة من الحفاظ، عن إبراهيم بن موسى، بإسناده، فلم يذكروا فيه معمرًا. فقد أخرج ابن ماجة الحديث، كما سبق، من طريق شيخه الإمام الحافظ الكبير محمد بن يحيى الذهلي، عن إبراهيم بن موسى الفراء (٢). وأخرجه الدارمي في (سننه) عن إبراهيم بن موسى الفراء، فالدارمي سمعه منه(٣). وقال البزار في (مسنده): ((حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري(٤) حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء ... ))(٥) - الحديث. (١) الإكمال لابن ماكولا (٥٦٩/٤)، والأنساب للسمعاني (١٣٦/٧). (٢) انظر عزو مصادر تخريج الحديث. (٣) انظر عزو مصادر تخريج الحديث (١٣٥٠). (٤) إبراهيم بن سعيد الجوهري، أبو إسحاق الطبري، (ت في حدود ٢٥٠هـ). قال الحافظ في التقريب (رقم ١٧٩): ((ثقة حافظ، تكلم فيه بلا حجة)). (٥) انظر عزو مصادر تخريج الحديث (١٥٥٦). ١٥٦٤ وقال ابن خزيمة في (صحيحه): ((حدثنا أبو زرعة: حدثنا إبراهيم بن موسى ... ))(١) - الحديث، يرويه الناقد الجهبذ أبو زرعة الرازي، عن إبراهيم بن موسى! وقال العقيلي في (الضعفاء): ((حدثناه محمد بن أيوب، وجعفر بن محمد الزعفراني، قالا: حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء ... )) - الحديث، وسبقت الترجمة لشيخي العقيلي، وبيان أن أولهما: ابن ضريس، إمام حافظ، وأن ثانيهما: ثقة(٢). وكذا رواه غير هؤلاء، عن إبراهيم بن موسى الفراء، كما ستراه لو رجعت إلى العزو في تخريج الحديث، الذي ذكرته سابقًا(٣). كلُّ هؤلاء، ويكفي منهم: الذهلي، والدارمي، وأبو زرعة - يروونه عن إبراهيم بن موسى الفراء، عن عباد بن العوام، عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس رضي الله عنه - لم يذكروا فيه معمرًا. بل وصرّح البزار والطبراني بتفرد عمر بن إبراهيم بالحديث، كما سبق(٤). بل وأنكر الإمام أحمد الحديث، على عمر بن إبراهيم، مع أنه يعرفه من طريق إبراهيم بن موسى الفراء، كما سبق أن نقلناه عن (الضعفاء) للعقيلي(٥). فكيف ينكره على عمر بن إبراهيم، لو کان معمر یتابعه؟ !! فلا شك بعد هذا كله، أن ذكر معمر في إسناد هذا الحديث (١) انظر عزو مصادر تخريج الحديث (١٥٥٦). (٢) انظر ما تقدم (١٥٥٦). (٣) انظر ما تقدم (١٥٥٦ - ١٥٥٧). (٤) انظر ما تقدم (١٥٥٧). (٥) انظر ما تقدم (١٥٥٧ - ١٥٥٨). ١٥٦٥ إقحام ووهم، إمّا من الحسن بن علي بن زياد، أو من الحاكم نفسه، فإنه مع إمامته له أوهام !!! فيرجع الحديث إلى أنه إنما يحفظ من طريق: عباد بن العوام، عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن الأحنف، عن العباس رضي الله عنه. وهو إسناد حسن، يُحتَمَلُ مثلُه من عمر بن إبراهيم! ١٥٦٦ الحديث الثاني: حديث العباس رضي الله عنه، عن النبي بَليو، قال: ((لقد برّأ الله هذه الجزيرة من الشرك، ما لم تضلهم النجوم. قالوا: يا رسول الله، كيف تضلهم النجوم؟ قال: ينزل الغيث، فيقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا)). وهو حديث رواه الحسن البصري، واختلف عليه: - فرواه قتادة، عن الحسن، عن العباس رضي الله عنه - مرسلاً. أخرجه أبو يعلى في (مسنده)(١)، وابن خزيمة في (صحيحه) وتعقّبه بقوله: ((الحسن لم يسمع من العباس))(٢)، وابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله)(٣). كلاهما من طريق عمر بن إبراهيم، عن قتادة ... به. ـ ورواه عوف الأعرابي، عن الحسن، عمن أخبره، عن العباس رضي الله عنه - بإبهام الواسطة بين الحسن، والعباس رضي الله عنه. أخرجه ابن أبي عمر العدني في (مسنده)، قال: ((حدثنا مروان (٤) حدثنا عوف، عن الحسن، عمن أخبره، عن العباس ... »(٥) - الحديث. (١) مسند أبي يعلى (رقم ٦٦٨٣). (٢) انظر إتحاف المهرة لابن حجر (٦/ ٤٧٧ رقم ٦٨٤٩). : (٣) جامع بيان العلم وفضله (٣٣٤). (٤) هو ابن معاوية الفزاري، تقدم أنه ثقة حافظ، يدلس أسماء الشيوخ. لكنه لم يُعَمِّ هنا شيئاً، وهو معروف الرواية عن عوف الأعرابي، فانظر تهذيب الكمال (٢٧ /٤٠٤). (٥) إتحاف الخيرة للبوصيري (٦٧/١/ب). ١٥٦٧ وهذا إسناد صحيح إلى الحسن البصري. ـ ورواه يونس بن عبيد، وعن يونس قيس بن الربيع، واختلف على قيس: فاتفق موسى بن داود الضبي (١) والحسن بن عطية(٢) كلاهما: عن قيس، عن يونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس رضي الله عنه - متصلاً. أخرجه البزار في (مسنده)(٣) وأبو بكر الشافعي في (الغيلانيات)(٤) وابن العديم في (بغية الطلب في تاريخ حلب)(٥). كلهم من طريق موسى بن داود والحسن بن عطية، کلیهما .. به. وأخرجه أبو يعلى في (مسنده) من طريق الحسن بن عطية وحده(٦). وأخرجه أبو نعيم في (معرفة الصحابة) و (ذكر أخبار أصبهان)، من طريق موسى بن داود وحده(٧). وخولفا في ذلك! فرواه أبو بلال الأشعري، عن قيس بن الربيع، عن (١) موسى بن داود الضبي، أبو عبد الله الطرسوسي، نزل بغداد، ثم ولي قضاء طرسوس، الخلقاني (ت٢١٧هـ). قال الحافظ في التقريب (رقم ٦٩٥٩): (صدوق زاهد، له أوهام)). (٢) الحسن بن عطية بن نجيح القرشي، أبو علي البزاز، الكوفي (ت٢١١هـ أو نحوها). قال الحافظ في التقريب (رقم ١٢٥٧): ((صدوق)). (٣) مسند البزار - الرباط (٢١٧). (٤) الغيلانيات (رقم ٣٠١)، وفي المنشورة (رقم ٢٨١). (٥) بغية الطلب لابن العديم (١٣٠٢/٣ - ١٣٠٣). (٦) مسند أبي يعلى (رقم ٦٦٧٨). (٧) معرفة الصحابة لأبي نعيم (١١٢/٢/ب)، وذكر أخبار أصبهان (٢٢٥/١). ١٥٦٨ يونس بن عبيد، عن الحسن، عن قيس بن عباد، عن العباس رضي الله عنه. أخرجه الطبراني في (المعجم الأوسط)(١) وأبو بكر الشافعي في (الغيلانيات)(٢). قال الطبراني عقبه: ((لم يرو هذا الحديث عن يونس عن الحسن عن قيس بن عباد، إلا قيس بن الربيع، تفرّد به أبو بلال. وقد رواه موسى بن داود الضبي والحسن بن عطية، عن قيس، عن يونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس، عن النبي ◌َّر مثله)). واستعجب أبو بكر الشافعي من هذا الإسناد، فقال عقبه: ((هكذا رأيته في أصل علي بن بيان (٣) عن أبي بلال: عن قيس بن عباد، عن العباس! وأبو بلال الأشعري، اسمه كنيته على الصحيح(٤)، وهو ابن محمد بن الحارث بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى : الأشعري، الكوفي، قيل اسمه: مرداس، (ت٢٢٢ هـ). روى عنه أبو حاتم الرازي، والناس، كما في (الجرح والتعديل)(٥). وذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال: ((يغرب ويتفرد))(٦). وقال الدارقطني في (السنن): ((ضعيف))(٧). (١) المعجم الأوسط (رقم ٥٨٠). (٢) الغيلانيات (رقم ٣٠٢)، وفي المنشورة (رقم ٢٨٢). (٣) علي بن بيان الباقلاني، شيخ أبي بكر الشافعي في هذه الرواية. (٤) انظر الجرح والتعديل (٣٥٠/٩)، وسير أعلام النبلاء (٥٨٢/١٠ - ٥٨٣). (٥) الجرح والتعديل (٣٥٠/٩). (٦) الثقات (١٩٩/٩). (٧) السنن للدارقطني (٢٢٠/١). ١٥٦٩ وذكر الحاكم في (المستدرك) حديثًا، من طريق أبي بلال، ثم قال عقبه: ((هذه سنة عزيزة، فإن سلم هذا الإسناد من أبي بلال، فإنه مرسل صحيح))!(١). فقال الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان)، مُعَبِّرًا عن كلام الحاكم هذا: ((لَيْنه الحاكم))(٢). بينما قال ابن القطان الفاسي في (بيان الوهم والإيهام): ((لا يعرف البتة))(٣). وليس كما قال! وقد تعقبه الحافظ ابن حجر في ذلك(٤). والظاهر في أمر أبي بلال الأشعري، أنه ضعيف يعتبر به. وقد خالف أبو بلال في هذا الإسناد اثنين، كل منهما منفردًا أولى بالحفظ والقبول منه، وهما موسى بن داود الضبي، والحسن بن عطية. فَذِكْرُ أبي بلال لقيس بن عباد في إسناد هذا الحديث وَهْم، تجعل مخالفته هذه منكرة، لمخالفتها رواية مقبولي الرواية! فالحديث إنما يُحفظ عن قيس بن الربيع، عن يونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس رضي الله عنه. لكن قيس بن الربيع الأسدي، أبا محمدالكوفي (ت بضع ١٦٠ هـ)، قال عنه الحافظ: ((صدوق، تغير لمّا كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه»(٥) . ومع هذا اللين الذي في قيس بن الربيع، إلا أن حديثه هذا مما يقبل منه! (١) مستدرك الحاكم (١٧٦/١). (٢) لسان الميزان (١٤/٦). (٣) بيان الوهم والإيهام (١٩٣/١/ ب). (٤) لسان الميزان (١٤/٦) (٢٢/٧)، وانظر الميزان (٥٠٧/٤). (٥) التقريب (رقم ٥٥٧٣). ١٥٧٠ أولاً: لأن الحديث لم ينفرد به قيس بن الربيع عن الحسن البصري، بل الحديث محفوظ صحيح عن الحسن البصري، من غير رواية قيس بن الربيع، كما سبق. ثانيًا: أن الحسن لم يسمع هذا الحديث من العباس قطعًا، لأنه لم يسمع منه أصلاً. وتشهد لذلك: رواية عوف الأعرابي، عن الحسن، عمن أخبره، عن العباس - وسبقت. ثالثًا: أننا عرفنا أن واسطة الحسن إلى العباس، في غير ما حديث سوى هذا الحديث، أنها الأحنف بن قيس. فلا نكارة أن تكون الواسطة التي نقطع بوجودها هنا: الأحنف بن قيس أيضًا. لذلك فإني أرى أن هذا الحديث حسن الإسناد. ١٥٧١ الحديث الثالث: حديث العباس رضي الله عنه، عن النبي وَّر، أنه قال: ((الذبيح إسحاق)). وهو حديث رواه عن الحسن البصري، من المقبولين، اثنان من تلامذته، هما المبارك بن فضالة، وعلي بن زيد، واختلف على كل واحد منهما، بأكثر من وجه. أمّا رواية المبارك بن فضالة: فقال البزار في (مسنده): ((حدثنا معمر بن سهل الأهوازي(١) - وأخرجه إلينا من أصل كتابه -: حدثنامسلم بن إبراهيم: حدثنا المبارك، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس، عن النبي ◌َّر ... »(٢) - الحديث. وهذا إسناد حسن، لكنه معلول! قال البزار عقبه: ((هذا الحديث قد رواه جماعة: عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن الأحنف، عن العباس - موقوفًا». وقبل أن أذكر مَنْ رواه موقوفًا، كما قال البزار، أذكر متابعةً لهذه الرواية على الرفع! فقد أخرج ابن الجوزي هذا الحديث في (مثير العزم الساكن (١) معمر بن سهل بن معمر الأهوازي. ذكره ابن حبان في الثقات (١٩٦/٩)، وقال: ((متقن يغرب))، وأخرج له في صحيحه، انظر الإحسان (رقم ٧٤٧، ٥٥٢٨). لكن احتمال خطأ معمر هنا منتف، بعد أن أخرج الحديث من أصل کتابه . (٢) مسند البزار - الرباط (٢١٧)، وانظر كشف الأستاذ (رقم ٢٣٥٠). ١٥٧٢ إلى أشرف الأماكن)، من طريق: علي بن عمر السكري، عن أحمد بن كعب الواسطي، عن عبد الله بن عبد المؤمن، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس، عن النبي وَلّه = مرفوعًا(١). قلت: لكُن هذا الإسناد إسنادٌ مظلم منكر. فعلي بن عمر السكري، أبو الحسن الحربي، (ت ٣٨٦ هـ): مُؤَثَّق، إلا أنه مُتكلَّمٌ فيه (٢) . وأحمد بن كعب الواسطي: وصفه الطبراني بالحافظ، وأمّا الخطيب فضعّفه، وأشار الذهبي إلى تليينه(٣). وعبد الله بن عبد المؤمن بن عثمان الأرحبي الواسطي: قال عنه الحافظ: ((مقبول))(٤). أمّا الروايات الموقوفة لهذا الحديث، التي ذكرها البزار، فهي التالية : قال أبو القاسم البغوي في (الجعديات): ((حدثنا على(٥) أخبرنا المبارك: عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، قال: الذي فداه الله بذبح عظيم: إسحاق)»(٦) - كذا موقوفًا. وقال محمد بن جرير الطبري في (التفسير) و (التاريخ): (١) مثير العزم الساكن لابن الجوزي (٢٩٨/١ رقم ١٧٤). (٢) لسان الميزان (٢٤٦/٤ - ٢٤٧). (٣) انظر المعجم الصغير للطبراني (رقم ٩٧)، ولسان الميزان (٢٤٩/١ - ٢٥٠). (٤) التقريب (رقم ٣٤٤٨). (٥) هو ابن الجعد، تقدم أنه ثقة ثبت. (٦) الجعديات - المطبوع باسم مسند علي بن الجعد (رقم ٣٣٠٨) ١٥٧٣ ((حدثنا أبو كريب(١) قال: حدثنا ابن اليمان(٢) عن مبارك، عن الأحنف بن قيس، عن العباس .. ))(٣) - موقوفًا. وقال أبو بكر الشافعي في (الغيلانيات): ((حدثنا محمد بن بشر بن مطر(٤) قال حدثنا شيبان(٥) قال: حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن الأحنف، قال: سمعت العباس يقول :... ))(٦) - وذكره موقوفًا. وأخرجه الذهبي في (سير أعلام النبلاء)، من طريق أبي بكر الشافعي، وبإسناده(٧). وأخرجه الواحدي في (الوسيط)، من طريق الحسن بن سفيان، عن شيبان .. به (٨) . فهؤلاء ثلاثة رواه: علي بن الجعد، ويحيى بن اليمان، وشيبان بن فروخ، يروون الحديث عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن الأحنف، عن العباس - موقوفًا على العباس رضي الله عنه. (١) محمد بن العلاء بن كريب الهمداني، أبو كريب الكوفي (ت٢٤٧هـ)، وهو ابن سبع وثمانين. قال الحافظ في التقريب (رقم ٦٢٠٤): ((ثقة حافظ)). (٢) يحيى بن يمان العجلي، الكوفي (ت١٨٩هـ). قال الحافظ في التقريب (رقم ٧٦٧٩): ((صدوق عابد، يخطىء كثيراً، وقد تغیر). (٣) تفسير الطبري (٥١/٢٣)، وتاريخه (٢٦٣/١، ٢٦٤). (٤) محمد بن بشر بن مطر، أبو بكر الوراق، البغدادي، (ت٢٨٥هـ). وثقه الدارقطني، وقال إبراهيم الحربي: ((صدوق لا يكذب)) - تاريخ بغداد (٢/ ٩٠). (٥) هو ابن فروخ، تقدم أنه جيد الحديث. (٦) الغيلانيات (رقم ٣٠٦)، وفي المنشورة (رقم ٢٨٦). (٧) سير أعلام النبلاء (٩٨/٢). (٨) الوسيط للواحدي (٥٢٩/٣). ١٥٧٤ وخالفهم مسلم بن إبراهيم وحده، في الصحيح من الروايات، فرواه عن المبارك، بإسناده، فجعله مرفوعًا! وبذلك يظهر أن إشارة البزار بشذوذ رواية مسلم بن إبراهيم، الذي روى الحديث مرفوعًا، أنها إشارة توافق الصواب. فالواحد، إذا خالف ثلاثة من الثقات، نُخَطْتُهُ، ونحكم على مخالفته بالشذوذ ولا ريب. وقد صرّح بذلك ابن أبي حاتم في (تفسيره)، حيث قال عقب ذكر بعض طرق الحديث: ((وقد رواه مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن الأحنف، عن العباس رضي الله عنه. وهذا أشبه وأصح))(١). ويأتي - إن شاء الله تعالى - أن الدارقطني أيضا يرجح موقوف العباس رضي الله عنه، على مَنْ رواه مرفوعًا. فالحديث عن المبارك بن فضالة، إنما يحفظ عنه، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس رضي الله عنه - موقوفًا . وهذا إسناد حسن، لعنعنة المبارك بن فضالة. وهذا هو الراوي الأول عن الحسن. أمّا رواية علي بن زيد: فرواه الحسن بن دينار، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن الأحنف، عن العباس، عن النبي وَ ل98، قال: ((قال داود عليه السلام: أسألك بحق آبائي: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب؟ فقال: أمّا إبراهيم، فألقي في النار، فصبر من أجلي، وتلك بلية لم تنلك. (١) انظر تفسير ابن كثير (٢٩/٦)، سورة الصافات (١٠٧). ١٥٧٥ وأمّا إسحاق، فبذل نفسه للذبح، فصبر من أجلي، وتلك بلية لم تنلك. وأمّا يعقوب، فغاب عنه يوسف، وتلك بلية لم تنلك)). أخرجه البزار في (مسنده) (١) وابن جرير الطبري في (التفسير)(٢) وابن عدي في (الكامل)(٣) وأبو بكر الشافعي في (الغیلانیات)(٤) والحاكم وقال: «هذا حدیث صحیح، رواه الناس عن علي بن زيد، تفرد به))(٥). كلهم من طريق زيد بن الحباب، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن الأحنف، عن العباس رضي الله عنه، عن النبي ◌َّ - مرفوعًا. إلا أن الحسن بن دينار سقط من إسناد الحاكم، مع أنه من طريق زيد بن الحباب أيضًا، كباقي المُخَرُجِين !! وقد صرَّح بتفرد الحسن بن دينار، بهذا الحديث مرفوعًا، كل من: البزار، وابن عدي. والحسن بن دينار، تقدَّم أنه متروك، كذّبه غير واحد من العلماء! فهذا إسناد شديد الضعف. ومع شدة ضعفه، فقد خولف في وصله للحديث، بإسناد حسن إلى الأحنف بن قيس. قال ابن أبي شيبة في (المصنف): ((حدثنا عفّان، قال: حدثنا حمّاد بن سلمة، قال: حدثنا علي بن زيد، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن النبي ◌َّلجر: أن داود عليه السلام، قال: (١) مسند البزار - الرباط (٢١٨)، وانظر كشف الأستار (رقم ٢٣٣٨). (٢) تفسير الطبري (٥١/٢٣). (٣) الكامل لابن عدي (٢٩٩/٢). (٤) الغيلانيات رقم (٣٠٧)، وفي المنشورة (رقم ٢٨٧). (٥) مستدرك الحاكم (٥٥٦/٢). ١٥٧٦ أي رب! إن بني إسرائيل يسألونك بإبراهيم وإسحاق ويعقوب، فاجعلني يا رب لهم رابعًا. فأوحى الله إليه أن: يا داود، إن إبراهيم ألقي في النار في سببي فصبر، وتلك بلية لم تنلك. وإن إسحاق بذل نفسه ليذبح، فصبر من أجلي، فتلك بلية من تنلك. وإن يعقوب أخذت حبيبه، حتى ابيضت عيناه فصبر، وتلك بلية لم تنلك))(١) - كذا مرسلاً. وأخرجه بن أبي حاتم في (تفسيره)، من طريق حماد بن سلمة، نحوه - مرسلاً، دون ذكر العباس رضي الله عنه(٢). وهذا إسناد حسن إلى الأحنف بن قيس، مرسلاً إلى النبي ◌َ﴾. ولا شك أنه مقدَّم على حديث الحسن بن دينار، الذي زعمه متصلاً بالعباس رضي الله عنه. وإلى ذلك أشار البزار، عندما قال عقب حديث الحسن بن دينار المتصل: ((هذا الحديث لا نعلمه يروى عن العباس عن النبي ◌َّر، إلا من حديث أبي سعيد عن علي بن زيد. وأبو سعيد هذا هو: الحسن بن دينار، وهو ليس بالقوي في الحدیث. وقد روى هذا الحديث حمَّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن النبي 180 - ولم يقل: عن العباس. وإنما ذكرنا هذا الحديث، وإن كان الحسن لين الحديث، لنبين أنه رفعه، وأن الحديث له أصل، من حديث حماد بن سلمة))(٣). (١) مصنف ابن أبي شيبة (٥٥٤/١١) (رقم ٣١٨٩٤). (٢) تفسير ابن أبي حاتم - تفسير سورة يوسف (رقم ٦١٤). (٣) مسند البزار - الرباط (٢١٨). ١٥٧٧ إذًا .. فيكون الراجح المحفوظ عن علي بن زيد، أنه عنه، عن الحسن، عن الأحنف، عن النبي ◌َلهو - مرسلاً. أما آخر روايات هذا الحديث، فرواية باطلة !! ففي (العلل) للدارقطني: ((وسئل عن حديث روي عن الحسن عن أبي هريرة، عن النبي وَّر، قال: ((الذبيح إسحاق؟ قال: اختلف فيه عن الحسن: فروى مقاتل بن سليمان، عن عبد الكريم، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي وَّلـ والمحفوظ: عن الحسن، عن الأحنف، عن العباس بن عبد المطلب - قوله))(١). مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي الخراساني، أبو الحسن البلخي، نزيل مرو، (ت ١٥٠ هـ). قال عنه الحافظ: ((كذبوه، وهجروه، ورمي بالتجسيم))(٢). قلت: وعبد الكريم هو ابن أبي المخارق، تقدَّم بيان ضعفه . فإسناد حديث أبي هريرة إسناد باطل. فرجع هذا الحديث، من جميع طرقه عن الحسن، أنه إنما یُروی بإسنادین حسنين: الأول: حديث مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن الأحنف، عن العباس رضي الله عنه - موقوفًا. (١) العلل للدار قطني (٣٤/٣/ب). (٢) التقريب (رقم ٦٨٦٨). ١٥٧٨