Indexed OCR Text
Pages 1521-1540
وممن سلك هذا المسلك: الإمام أحمد، حيث أخرج الحديث في (مسنده) في ترجمة (صعصعة بن معاوية)(١). ومثله: ابن سعد في (الطبقات)(٢) وأبو أحمد العسكري(٣) وابن بشكوال في (غوامض الأسماء المبهمة) (٤). لكن ذلك التأول للعمومة ليس بقريب، وهذا هو ما يضعف هذا القول! والمسلك الثالث: القول بأن صاحب الحديث: صعصعة بن ناجية، جد الفرزدق! وهِم فيه جرير بن حازم، فسمّاه ابن معاوية عمّ الفرزدق !! وهذا القول يعتمد على مقدمات ثلاث: الأولى: استبعاد رواية هدية بن خالد، التي تجعل صاحب الحديث صعصعة بن معاوية عمّ الأحنف بن قيس، لانفراد هدبة بن خالد بها، ومخالفته السافرة لذلك الجمع من الثقات، بل والأئمة الحفاظ. فلا شك أن رواية هدية بن خالد وَهُمُ منه، إمّا أن يكون عفويًا، أو مقصودًا! أمّا أن يكون عفويًا: فَلِمَا تعوّده هدبة بن خالد من كونه صعصعة بن معاوية عمّا للأحنف، فجرى لسانه هنا على ما علمه سابقًا، وعلى ما تعوده! وإمّا أن يكون الوهم مقصودًا: فلاحتمال أن يكون هدبة لاحظ الوهم في رواية شيخه جرير بن حازم، من جعله صعصعة عمّا للفرزدق، مع علم هدبة أنه لا عم للفرزدق باسم صعصعة، (١) مسند الإمام أحمد (٥٩/٥). (٢) الطبقات لابن سعد (٣٩/٧). (٣) الإصابة (٢٤٤/٣ - ٢٤٥). (٤) غوامض الأسماء المبهمة (٤٧٢/١ رقم ١٥٥). ١٥٢٠ بل ولا يصح أن يكون له عمّ باسم صعصعة بن معاوية. فتعمد هديةُ إصلاح الخطأ، ولعله رآه في كتابه خطأ، فشك في صحة كتابته عند إملاء جرير بن حازم، فاستجاز لنفسه تعديل الخطأ، بأن يكون صعصعة بن معاوية، كما هو معلوم، عمّا للأحنف !!! المقصود: أن رواية هدية بن خالد، لشدة مخالفتها، بكثرة من خالفت، وجلالتهم، لا أرى أن لها وزنًا في حل هذا الإشكال . فرواية هدية بن خالد شاذة غير محتج بها !! والمقدمة الثانية: أنه بعد أن تفرَّد جرير بن حازم بهذا الحديث، وبعد أن لم يتابعه عليه أحد، ليس من المستبعد أن يقع له فيه خطأ! فإذا روى بعد ذلك، أن صعصعة بن معاوية عمّ للفرزدق، ولا يمكن أن يكون هذا صحيحًا، لأنه لو كان للفرزدق عمَّ اسمه صعصعة لَلَزِمَ أن يكون صعصعةَ بنَ صعصعة، لأنه هو اسم جد الفرزدق. إذا وقع الأمر غير الممكن في رواية المتفرد بها، فلا نتردد في الحكم بخطئه! فلا نشك إذًا أن قول جرير بن حازم: إن صاحب هذا الحديث هو صعصعة بن معاوية عم الفرزدق - وهم ظاهر من جرير. والمقدمة الثالثة: أن للفرزدق جدًا اسمه صعصعة، صحابي معروف الوفادة على النبي اَلَه. وليس كذلك صعصعة بن معاوية عمّ الأحنف بن قيس، فإنه تابعي على الأرجح، كما تقدم في ترجمته(١). (١) انظر ما تقدم (١٥٠٤). ١٥٢١ ومن أثبت لصعصعة بن معاوية صحبة، فإنما أثبتها استدلالاً بهذا الحديث، لما فيه من لقاء النبي وَلليه وسماعه. لكن هذا استدلالٌ بموطن النزاع، يلزم منه الدور، وهو باطل !! فالنتيجة: أن صعصعة الذي روى عن الحسن هذا الحديث، هو صعصعة بن ناجية جدّ الفرزدق، الذي وفد على النبي ◌َّ! وَهِم فيه جرير بن حازم وهمين، الأول: بتسمية أبيه معاوية، والثاني: بجعله عمّا للفرزدق. ولعل جريرًا حفظ اسمه: صعصعة، وحفظ أنه ذو قرابة بالفرزدق. ولم يحفظ اسم أبيه، ولم يُجَوِّد حقيقة القرابة بينه وبين الفرزدق !! ثم وجد أن شيخه الحسن يروي عن صعصعة بن معاوية، بل جرير بن حازم أحد الذين رووا سماع الحسن من صعصعة بن معاوية عمّ الأحنف، كما سبق في مبحثه(١). فظن جرير بن حازم أن ذلك الشيخ: صعصعة بن معاوية عمّ الأحنف هو شيخ الحسن هنا، فقال: صعصعة بن معاوية! ثم جعله بعد ذلك: عمّا للفرزدق !! فأصحاب هذا المسلك يقولون: إن صاحب هذا الحديث هو صعصعة بن ناجية، جدّ الفرزدق. ومن هؤلاء: ابن أبي عاصم، حيث ذكر هذا الحديث في ترجمة صعصعة بن ناجية، من كتابه (الآحاد والمثاني)(٢). ومثله ابن قانع، في (معجم الصحابة)(٣). (١) انظر ما تقدم (١٥٠٧). (٢) الآحاد والمثاني (رقم ١١٩٧، ١١٩٨). (٣) معجم الصحابة لابن قانع (٧٢/ ب). ١٥٢٢ ونسب ابن بشكوال في (غوامض الأسماء المهمة) هذا القول: إلى الإمام البخاري(١)، وكفى به !! ولا شك أن الإمام البخاري كان يقوله، لأن الإمام البخاري ممن جعل صعصعة بن معاوية - عمّ الأحنف ـ تابعيًا، كما تقدّم في مبحث صعصعة بن معاوية(٢). فلو كان يرى أنه هو صاحب هذا الحديث، لما اعتبره تابعيًا، لأن الحديث نفسه ينص صراحة على صحبة راويه، لنصه على اللقاء والسماع، وهذا ما لم يتوفر أبدًا لصعصعة بن معاوية التابعي! ولذلك أيضًا يصح عَدُّ كل - أو جُلّ - الذين اعتبروا صعصعة بن معاوية - عمّ الأحنف ـ تابعيًا، فيمن يرجحون أن صاحب هذا الحديث إنما هو صعصعة بن ناجية جدّ الفرزدق. وذلك للسبب الذي قلناه آنفًا، من أن هذا الحديث ذاته ينص على صحبة راويه . وقد عددنا في ترجمة صعصعة بن معاوية، أن من الذين اعتبروه تابعيًا: الإمام مسلم، والنسائي، وهو ممن أخرج هذا الحديث، وخليفة بن خياط، وابن حبان، وابن مندة، وابن عبد البر وابن الأثير(٣). فهؤلاء كلهم يمكن عدّهم فيمن وهّموا جرير بن حازم بتسميته للصحابي صاحب هذا الحديث: بصعصعة بن معاوية عم الأحنف، أو عم الفرزدق. وهؤلاء كلهم يمكن عدّهم فيمن اعتبروا الصحابي صاحب هذا الحديث: صعصعة بن ناجية جدّ الفرزدق! (١) غوامض الأسماء المبهمة (١/ ٤٧٢ رقم ١٥٥). (٢) انظر ما تقدم (١٥٠٤). (٣) انظر ما تقدم (١٥٠٤). ١٥٢٣ وبعد أن كتبت هذا، أو نحوه، في المسوّدات، وقفت على الكاشف عن علة هذا الحديث، والقاطع بصحة أحد تلك المسالك، في حل إشكال هذا الحديث، بتعيين صعصعة روايه !!! قال الإمام عبد الله بن المبارك في (الزهد): ((حدثنا جرير بن حازم، قال سمعت الحسن، قال: قدم صعصعة - يعني عمّ الفرزدق، أو جدّه - على النبي ◌َلخير ... ))(١) - الحديث. وأخرجه الثعالبي في تفسيره (الكشف والبيان)، من طريق عبد الله بن المبارك، مثله، بالشك الذي فيه (٢) . فلعمري! هذه القاطعة بأن جرير بن حزم هو صاحبها !!! فقد كان يتوارع ويشك (كما في هذه الرواية الأخيرة)، ثم تجرأ وتَقَخَّم الجزم، فأخطأ !!! وهذا يقطع بأن صاحب هذا الحديث هو صعصعة بن ناجية جدّ الفرزدق، لا صعصعة بن معاوية عم الأحنف بن قيس. والحسن قد صرّح بالسماع من صاحب هذا الحديث. فالحسن قد سمع من صعصعة بن ناجية. والله أعلم. (١) الزهد لابن المبارك (رقم ٨٠). (٢) مرويات الحسن البصري في التفسير من أوَّل الإسراء إلى آخر القرآن (رقم ٢٣٤٢). ١٥٢٤ ضَبّة بن مِحْصَن العنزي قال ابن طاهر المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين)، عن الحسن البصري: ((سمع ضبة بن محصن)) (١). وصحح حديث الحسن عنه: الإمام مسلم في (صحيحه)(٢)، والترمذي في (جامعة)(٣). وهو: ضبة بن محصن العنزي، البصري، تابعي من كبارهم. قال عنه الحافظ: ((صدوق)) (٤) وهو أحد وسائط الحسن إلى أم المؤمنين أم سلمة رضي الله (٥) عنه (٥) . لكني لم أجد تصريحًا للحسن بالسماع منه! غير أن كونه تابعيًا، وأحد وسائط الحسن، ثم تصحيح مسلم والترمذي لحديث الحسن عنه، بل ونص ابن طاهر على السماع - كل ذلك قائم مقام الوقوف على السماع !! فالحسن قد سمع من ضبة بن محصن. والله أعلم. (١) الجمع بين رجال الصحيحين (٨٠/١). (٢) صحيح مسلم (رقم ١٨٥٤). (٣) جامع الترمذي (رقم ٢٢٦٥). (٤) التقريب (رقم ٢٩٦٣). (٥) انظر التعليق رقم (٢)، و(٣). ١٥٢٥ ضروف الضحاك بن سفيان الكلابي قال علي بن المديني في (العلل) عن الحسن: ((لم يسمع من الضحاك بن سفيان شيئًا))(١). قال راوي (العلل): ابن البراء: ((وسئل - يعني ابن المديني - عن حديث الضحاك، قال رسول الله وَاليه: ((ما طعامك؟)) قال: حديث بصري، إسناده منقطع، لأن الحسن لم يسمع من الضحاك. كان الضحاك یکون بالبوادي فلم يسمع منه))(٢). وهو: الضحاك بن سفيان بن عوف العامري الكلابي، أبو سعيد، من شجعان الصحابة، وأحد عمّال النبي ◌َّر على الصدقات، وأحد قوّاده في السرايا - رضي الله عنه. كان ينزل في بادية المدينة (٣) وفي بادية نجد (٤). لم أجد له تاريخ وفاة (٥)! (١) العلل لابن المديني (٥٥ رقم ٦٣). (٢) العلل لابن المديني (٥٥/ رقم ٦٤). (٣) طبقات خليفة (٥٨)، وطبقات مسلم (رقم ١٢٦)، والاستيعاب (٢/ ٧٤٢ - ٧٤٣)، وأسد الغابة (٤٧/٣). (٤) الجرح والتعديل (٤٥٧/٤)، والثقات لابن حبان (١٩٨/٣)، والإصابة (٢٦٧/٣)، وتهذيب الكمال (٢٦١/١٣ - ٢٦٣). (٥) انظر المصادر السابقة في ترجمته، وأضف إليها: مسند الإمام أحمد (٣/ ٤٥٢)، والتاريخ الكبير للبخاري (٣٣١/٤ - ٣٣٢)، ومغازي الواقدي (٣/ ٩٧٣، ٩٨٢)، وطبقات ابن سعد (٤٩٤/١) (١٦٢/٢ - ١٦٣)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (٣٣٠/٣)، ومعجم الطبراني الكبير (رقم ٨١٣٨ -= ١٥٢٦ ولا أعلم في أخبار الضحاك بن سفيان رضي الله عنه، ما يدل على بقائه بعد وفاة النبي وَلّ، في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فضلاً عمّن بعدهما! غير أنّ تعليل علي بن المديني، وقوله بعدم سماع الحسن من الضحاك بن سفيان بناءً على أن الضحاك بن سفيان كان يسكن البادية، هذا التعليل قد يوحي بثبوت معاصرة للحسن بالضحاك! ولذلك لجأ علي بن المديني إلى بُعْدِ احتمال اللقاء، بدلاً من أن يلجأ إلى نفي الإدراك والمعاصرة. لكن يمكن أن يكون علي بن المديني علل عدم السماع ببعد الموطن، لأنه لم يكن لديه دليل قاطع على المعاصرة أو عدمها، فترك ما لا علم له فيه، وأجاب بما له فيه علم قاطع، وهو بعد موطن الضحاك عن أن يكون الحسن سمع منه. وعلى كل: فهذا قول علي بن المديني ودليله على عدم السماع، وهو ما لم أجد له مخالفًا! ولم أجد للحسن عن الضحاك بن سفيان سوى حديث واحد، ولا أحسب للحسن عنه سواه. لأن الضحاك بن سفيان من مُقِلِّي الصحابة، حتى ذكره ابن حزم في أصحاب الأربعة الأحاديث، في كتابه (أسماء الصحابة الرواة، وما لكل واحدٍ من العدد)(١). وقد وقفت على تلك الأحاديث الأربعة، فلم أجد فيها غير ذلك الحديث الواحد للحسن عنه(٢) . . ومع أنه ليس للحسن عن الضحاك غير حديث واحد، كما ٨١٤٢)، ودلائل النبوة للبيهقي (٣٥٣/٣)، وتخريج الدلالات السمعية = للتلمساني (٤٢٩ - ٤٣١)، والبداية والنهاية (٢٩٦/٥)، وغيرها مما يأتي في تخريج حديثه. (١) أسماء الصحابة وما لكل واحد من العدد - ضمن جوامع السيرة (٢٩١). (٢) انظرها في مصادر الترجمة، وفي المصادر الآتية لتخريج حديثه. ١٥٢٧ أحسب، فإن حديثه الوحيد هذا قد يدل هو بذاته على أنه ليس للحسن عن الضحاك سماع .. بل رواية !!! وحديث الحسن عن الضحاك بن سفيان رضي الله عنه، هو: حديث حمّاد بن زيد، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن الضحاك بن سفيان: ((أن رسول الله وَ ﴿ قال له: يا ضحاك، ما طعامك؟ قال: يا رسول الله، اللحم واللبن. قال: ثم يصير إلى ماذا؟ قال: إلى ما قد علمت. قال: فإن الله تبارك وتعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلاً للدنيا)). أخرجه الإمام أحمد(١) وابن قتيبة في (عيون الأخبار)(٢) وابن أبي الدنيا في (التواضع)(٣) و(الجوع) (٤) وأبو القاسم البغوي في (معجم الصحابة)(6) والطبراني في (المعجم الكبير)(٦) وعبد الباقي بن قانع في (معجم الصحابة)(٧) والبيهقي في (شعب الإيمان)(٨) والشجري في (أماليه)(٩). كلهم من طريق حمّاد بن زيد ... به. وإسناده حسن إلى الحسن البصري. ولكن قال ابن الجنيد في (سؤالاته ليحيى بن معين): ((قلت ليحيى: حمَّاد بن زيد [عن علي بن زيد] (١٠) عن الحسن عن (١) مسند الإمام أحمد (٤٥٢/٣). (٢) عيون الأخبار (٣٢٧/٢ - ٣٢٨). (٣) التواضع لابن أبي الدنيا (رقم ٢١٠). (٤) الجوع لابن أبي الدنيا (رقم ١٦٤). (٥) معجم الصحابة (٣١١ - ٣١٢). (٦) المعجم الكبير (رقم ٨١٣٨). (٧) معجم الصحابة لابن قانع (٧٤/ب). (٨) شعب الإيمان (رقم ٥٦٥٣). (٩) أمالي الشجري (٢/ ١٦١). (١٠) سقط من المصدر! ويدل على وجودها: بقية الكلام، وتعليل ابن معين، مع واقع الرواية، مع تعليق المحقق في الحاشية، الذي لم يشر إلى اضطراب في الكلام، لو كان فيه سقط! ١٥٢٨ الضحاك بن سفيان الكلابي: قال لي رسول الله: ما طعامك؟ .... وحمّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان أن النبي وَلّ قال للضحاك؟ فقال لي يحيى: حماد بن سلمة أعرف بعلي بن زيد بن حماد بن زيد))(١). فيحيى بن معين يرجح أن الحديث ليس من حديث الحسن البصري، وأن الحسن لم يروه أصلاً عن الضحاك بن سفيان !! غير أني لم أجد رواية حمّاد بن سلمة التي ذكرت ليحيى بن معين، بل وجدت ما يناقضها !! قال البيهقي في (شعب الإيمان): ((أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان: حدثنا أحمد بن عبيد: حدثنا الباغندي(٢) حدثنا مسلم بن إبراهيم(٣) حدثنا حماد بن سلمة: حدثنا علي بن زيد عن [الحسن، عن] الضحاك بن سفيان الكلابي ... ))(٤) - الحديث. وقد تحرف في مطبوع (شعب الإيمان)، الذي أخرجه أبو هاجر زغلول، في هذا الإسناد، قوله: ((عن الحسن عن الضحاك))، إلى ((عن الحر بن الضحاك بن سفيان)) !! (١) سؤالات ابن الجنيد (رقم ٨٤٠). (٢) محمد بن سليمان بن الحارث، الواسطي، أبو بكر الباغندي، والد الحافظ محمد بن محمد (ت٢٨٣هـ). حافظ متكلم فيه، كابنه وحفيده! لكن رجح الذهبي أنه: ((لا بأس به». ميزان الاعتدال (٥٧١/٣)، وسير أعلام النبلاء (٣٨٦/١٣)، ولسان الميزان (١٨٦/٥ - ١٨٧)، وأضف إليه ما في معرفة علوم الحديث للحاكم (٢٥٦). (٣) مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي، أبو عمرو البصري، (ت٢٢٢هـ). قال الحافظ في التقريب (رقم ٦٦١٦): ((ثقة مأمون مكثر، عمي بأخرة)). (٤) شعب الإيمان (رقم ١٠٤٧٢). ١٥٢٩ ولأهمية موطن التحريف، رجعت إلى نسختين خطيتين لـ (شعب الإيمان). الأولى: نسخة نور عثمانية رقم ١١٢٥، المصورة بمركز البحوث بجامعة أم القرى برقم (٢٣٣/ حديث). فوجدت الإسناد فيها على الصواب، كما أثبته: ((عن الحسن عن الضحاك))(١)، لا كما جاء في مطبوع (شعب الإيمان) المذكور آنفًا . . والثانية: نسخة أحمد الثالث رقم ٤٩٩، المصورة بمركز البحوث بجامعة أم القرى برقم (٨٩/ حديث). فوجدت الحديث كله ساقطًا منها، إسناده ومتنه !!! (٢). لكن ما جاء في النسخة الأولى، مع صورة التحريف الذي في المطبوع، يكفي لإثبات أن الصواب هو ما بيناه. فهذا إسناد حسن، من طريق حماد بن سلمة، يتابع حماد بن زيد، خلافًا لما جاء في تعليل الحديث في (سؤالات ابن الجنيد لابن معین) !! غير أن هذا الإسناد، وروايته من طريق الباغندي المتكلّم في حفظه، لا تجعلني مطمئنًا إليه. بل ما جاء في (سؤالات ابن الجنيد) لم يزل أجل وأوثق في نفسي! فالحديث على ما قاله يحيى بن معين: لعلي بن زيد، عن أبي عثمان مرسل إلى النبي وَله أنه قال للضحاك ... الحديث. (١) نسخة نور عثمانية، وهي غير مرقمة، فعددتها إلى الصفحة المطلوبة في شريط (الميكروفيلم) فبلغت (١٣٠/ ب - ١٣١/أ). (٢) نسخة أحمد الثالث (١٨٤/أ). ١٥٣٠ غير أني وجدت الحديث من طريق عبد الله بن المبارك عن سفيان الثوري عن عاصم بن سليمان الأحول عن أبي عثمان النهدي .. به مرسلاً نحوه. أخرجه عبد الله بن المبارك في (الزهد)(١)، ومن طريقه ابن أبي الدنيا في (الجوع)(٢). ويُروى الحديث أيضًا من طريق أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه .. بنحو مرفوعًا (٣). وليس للحسن - بناء على هذا - رواية عن الضحاك بن سفيان، لا سماع ولا إرسالاً !! فإن أَبَيْتَ إلا أن له رواية، جاءك كلام ابن المديني بنفي السماع، مع دليله ببعد الموطن، كافيًا لإثبات عدم السماع. فالحسن لم يرو عن الضحاك كما في كلام يحيى بن معين !! فإن كان قد روى، فإنه لم يسمع منه، كما في كلام علي بن المديني !! والله أعلم. (١) الزهد لابن المبارك (رقم ٤٩١). (٢) الجوع لابن أبي الدنيا (رقم ١٦٧). (٣) انظر زوائد ابن صاعد على زهد ابن المبارك (رقم ٤٩٢)، والمعجم الكبير للطبراني (رقم ٦١١٩). ١٥٣١ الضحاك بن قيس الفهري iese لم يذكره المزي في شيوخ الحسن البصري، ولم أجد لأحد كلامًا في سماع الحسن منه أو إرساله. وهو: الضحاك بن قيس بن خالد بن وهب الفهري، أبو أنس، الأمير القائد المشهور، صحابي صغير - رضي الله عنه (١). قال ابن عساكر في (تاريخ دمشق): ((شهد فتح دمشق، وسكنها إلى آخر عمره ... وشهد صفين مع معاوية))(٢). لكنه أيضًا ولي الكوفة لمعاوية رضي الله عنه، من سنة خمس وخمسين إلى سنة ثمان وخمسين(٣). وقيل: إنه دخل البصرة (٤). ثم إنه رجع إلى دمشق، واليًا عليها من قبل معاوية، إلى أن (١) الاستيعاب (٧٤٤/٢ - ٧٤٦ رقم ١٢٥٣)، وأسد الغابة (٤٩/٣ - ٥٠)، والإصابة (٢٦٨/٣). (٢) تاريخ دمشق - خط (٤٠٩/٨)، وانظر طبقات ابن سعد (٤١٠/٧)، وطبقات خليفة (٣٠١)، ومشاهير علماء الأمصار لابن حبان (رقم ٣٦٨). (٣٠) تاريخ الطبري (٣٠٠/٥، ٣٠٤، ٣٠٨، ٣٠٩). وجاء في طبقات خليفة (١٢٧): ((وليها لمعاوية سنة ثمان وخمسين))، وهو خطأ قديم في طبقات خليفة! فقد نقله على الخطأ ابن عساكر في تاريخ دمشق - خط (٨ / ٤١١). وصواب العبارة، بإضافة (إلى) بين (لمعاوية) و(سنة)، فتكون: ((وليها لمعاوية [إلى] سنة ثمان وخمسين)). وخليفة نفسه قال بخلاف ما في الطبقات! كما في تاريخه (٢١٩، ٢٢٣). (٤) كذا ذكره خليفة بصيغة التمريض، في الطبقات (١٨٥). ١٥٣٢ توفي معاوية. فكان الضحاك هو الذي ولي الصلاة على معاوية، (١) سنة ستين(١). ثم بقي بالشام زمن يزيد بن معاوية، إلى أن قتل، وهو قائد موقعة مرج راهط، سنة أربع وستين(٢). فاحتمال سماع الحسن منه، بناء على ذلك كله، ليس بقوي، كما أنه ليس ببعيد! لاحتمال لقاء الحسن به في الكوفة، أو بالبصرة إن كان دخلها. لكن الذي يثبت عدم سماع الحسن من الضحاك بن قيس رضي الله عنه حدیثُ الحسن نفسه عنه! فهو حديث ظاهر الإرسال، ثم هو حديث معلول، لا يجعل هناك حاجة إلى النظر في احتمال اللقاء أو عدمه !! فالحديث يرويه حمّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن: ((أن الضحاك بن قيس كتب إلى قيس بن الهيثم (٣)، حين مات يزيد بن معاوية : سلام عليك. أمّا بعد: فإني سمعت رسول الله وَلو يقول: ((إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الدخان، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يصبح الرجل مؤمنًا ويسمى كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع أقوام خلاقهم ودينهم بعرض من الدنيا. (١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم ١٦٩٣)، وسير أعلام النبلاء (٢٤٢/٣)، وغيرهما. (٢) انظر الاستيعاب، وأسد الغابة، والإصابة - سبق بيان العزو إليها، وغيرها. (٣) قيس بن الهيثم بن قيس السلمي، من الخطباء الشجعان، ومن أعيان البصرة في صدر الإسلام، وله أخبار في حروب مصعب بن الزبير، توفي بالبصرة. انظر الأعلام للزركلي (٢٠٩/٥). ١٥٣٣ وإن يزيد بن معاوية مات، وأنتم أشقاؤنا وإخواننا، فلا تسبقونا حتى نختار لأنفسنا)). أخرجه الإمام أحمد (١) وابن سعد في (الطبقات)(٢) وابن أبي شيبة في (مسنده)(٣) وابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني) (٤) والطبراني في (المعجم الكبير)(٥) وابن بطة في (الإبانة) (٦) والحاكم في (المستدرك)(٧)، وأبو نعيم في (معرفة الصحابة)(٨) وابن عساكر في (تاريخ دمشق)(٩) . كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن .. به. وهذا إسناد ظاهره الحسن، إلى الحسن البصري. والحديث ظاهره الإرسال، حيث إنه كتاب بعثه الضحاك بن قيس، كما يقول الحديث نفسه. فهو كتاب، لم يسمعه المُرْسَل إليه: قيس بن الهيثم، فأنّى یسمعه الحسن؟ !! وأقصى ما يمكن أن يحتمل، أن يكون الحسن رواه وجادة، بالوقوف على الكتاب، أو على نسخة منه. ومع ذلك كله، فللحديث علة تبطل القول بأن للحسن رواية عن الضحاك بن قيس! (١) مسند الإمام أحمد (٤٥٣/٣). (٢) الطبقات لابن سعد (٤١٠/٧). (٣) مسند ابن أبي شيبة (٢٤/أ). (٤) الآحاد والمثاني (رقم ٨٥٧). (٥) المعجم الكبير للطبراني (رقم ٨١٣٥). (٦) الإبانة (رقم ٧٤٢). (٧) المستدرك (٥٢٥/٣). (٨) معرفة الصحابة لأبي نعيم (٣٣٠/١/أ). (٩) تاريخ دمشق لابن عساكر - خط (٤١٠/٨). ١٥٣٤ فعلي بن زيد بن جدعان تفرّد بالحديث، مخالفًا: يونس بن عبيد(١)، والمبارك بن فضالة (٢)، اللذين رويا الحديث عن الحسن: ((أن النعمان بن بشير كتب إلى قيس بن الهيثم .. )) - الحديث، نحوه. كما سيأتي تخريج ذلك موسعًا، إن شاء الله تعالى، في مبحث النعمان بن بشير رضي الله عنه، إن يسّر الله تعالى إتمام البحث. فالحديث من رواية الحسن عن كتاب النعمان بن بشير رضي الله عنه، لا من حديث الحسن عن كتاب الضحاك بن قيس رضي الله عنه، كما تزعمه رواية علي بن زيد. ذلك أن يونس بن عبيد وحده، يُسقط مخالفةً علي بن زيد! فكيف وقد وافق المباركُ بن فضالة يونس بن عبيد، على مخالفة علي بن زيد؟! فليس للحسن رواية عن الضحاك بن قيس، لا وجادة ولا إرسالاً، فضلاً عن أن یکون له منه سماع !! ٠ . والله أعلم. (١) أخرجه الإمام أحمد (٢٧٧/٤)، وأبو نعيم في دلائل النبوة (رقم ٤٨٣)، وفي حديث يونس بن عبيد (١٤٢/ب). (٢) أخرجه الإمام أحمد (٢٧٢/٤ - ٢٧٣)، وعبد الله بن المبارك في المسند (رقم ٢٤٨)، وغيرهما. ١٥٣٥ طلحة بن عبيد الله. قال ابن الأثير في (جامع الأصول): ((يقال: لقي طلحة، ولم يصح منه سماع))(١). وقال المزي في (تهذيب الكمال): ((رأى طلحة ولم يصح له سماع منه))(٢). بينما قال البزار: ((ذكر الحسن أنه رأى طلحة))(٣). وسبقهُ عبد الرحمن بن مهدي إلى القول بنحو ذلك، حيث تعقّب حديث رؤية الحسن لطلحة رضي الله عنه بقوله: ((وقد أدركه الحسن)»(٤) . وطلحة بن عبيد الله بن عثمان القرشي التيمي، أبو محمد، أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن السابقين الأولين، والسادة المعدودين - رضي الله عنه. هاجر إلى المدينة مع المهاجرين، واستقر بها. إلى أن خرج يوم الجمل، فقتل رضي الله عنه، سنة ست (٥) وثلاثین(٥) . (١) تتمة جامع الأصول (٣٠٨/١). (٢) تهذيب الكمال (٩٧/٦). (٣) نصب الراية للزيلعي (٩١/١). (٤) الكامل لابن عدي (١٣٧/٧). (٥) انظر تهذيب الكمال (٤١٢/١٣ - ٤٢٤)، وفيه مصادر ترجمته، وهو أشهر من أن يعرف به! ١٥٣٦ وقد قررنا في مقدمات هذا الباب، أن الحسن ليس له سماع في المدينة، من أهلها. وطلحة خرج من المدينة، واستشهد، قبل خروج الحسن من المدينة. فعلى هذا، وعلى عموم نفي العلماء لسماع الحسن من المدنيين، يكون الحسن لم يسمع من طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، كما قال ابن الأثير والمزي. أمّا رؤية الحسن له: فقال البخاري في (التاريخ الكبير): ((قال لي إبراهيم بن موسى، عن عيسى بن يونس، عن الفضيل بن محمد، قال: سمعت الحسن يقول: أنا يوم الدار ابن أربع عشرة سنة، جمعت القرآن، انظر إلى طلحة بن عبيد الله))(١). إبراهيم بن موسى بن يزيد التميمي، أبو إسحاق الفراء الرازي، يلقب بالصغير، (ت بعد ٢٢٠ هـ). قال عنه الحافظ: ((ثقة حافظ))(٢). وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، تقدَّم أنه: ثقة مأمون . أمّا الفضيل بن محمد، فبعد تعب وبحث طويل، لم أجد له ترجمة! ثم وجدت الذهبي في (سير أعلام النبلاء)، تعقب هذا الخبر ذاته بقوله: ((الفضيل لا يعرف))(٣). فأين هذا المجهول من (الميزان) و (لسانه)؟! لكن سبق في مبحث الزبير بن العوام رضي الله عنه، أن علي بن المديني رجّح في خبر، يقول فيه الحسن: ((رأيت طلحة (١) التاريخ الكبير للبخاري (٢٨٩/٢). (٢) التقريب (رقم ٢٥٩). (٣) سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٧٧). ١٥٣٧ يبايع عليًا في حش»، أنه هكذا في (طلحة)؛ فرجحه علي بن المديني على من جعله في (الزبير)!(١). وتقدم بيان ذلك في موضعه المشار إليه. لكن صحّ عن الحسن البصري، في مبايعة طلحة لعلي رضي الله عنهما، ما لا يدل على سماع الحسن من طلحة رضي الله عنه. قال ابن الأعرابي في (معجمه): ((حدثنا ابن وهب(٢) حدثنا عبيد الله بن معاذ(٣) حدثني أبي، عن قرّة بن خالد، عن الحسن، قال: قال طلحة بن عبيد الله: بايعت واللَّجُّ على قفيَّ) (٤). واللج: السيف. وقفيَّ لغة في قفاي(٥). وإسناده صحيح إلى الحسن البصري. لكن ليس في الحديث ما يدل على سماع، والحسن لم يسمع من طلحة، كما تقرر، فالحديث مرسل. وأحسب أن الحسن أخذه عن أبي نضرة المنذر بن مالك القطعي، فالحديث معروف صحيح عن أبي نضرة: بالقصة، مطولة. (١) انظر ما تقدم (١٠٧٣ - ١٠٧٦). (٢) محمد بن وهب بن يحيى بن العلاء الثقفي، أبو بكر البغدادي المقرىء، (ت تقريباً ٢٧٠هـ)، وثقه ابن الجزري في غاية النهاية (٢٧٦/٢)، وانظر تاريخ بغداد (٣٣٢/٣)، ومعرفة القراء الكبار للذهبي (٢٥٧/١ - ٢٥٨ رقم ١٦٨). (٣) عبيد الله بن معاذ بن معاذ بن نصر العنبري، أبو عمرو البصري، (ت٢٣٧ هـ). قال الحافظ في التقريب (رقم ٤٣٤١): ((ثقة حافظ)). (٤) معجم ابن الأعرابي (رقم ٧٥٣). (٥) انظر غريب الحديث لأبي عبيد (٩/٤ - ١٠). ١٥٣٨ أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في (غريب الحديث)(١)، وابن أبي شيبة في (المصنف)(٢). وكان بين أبي نضرة والحسن البصري علاقات حميمة، حتى إن أبا نضرة أوصى حين حضرته الوفاة، وأتاه الحسن يعوده، أن لا يصلي عليه إلا الحسن، وصلى الحسن عليه(٣). فأحسب الحسن أخذه عن أبي نضرة. ثم أبو نضرة في سماعه من طلحة وعلي أيضًا كلام!(٤). وعلى كل حال، فالقصة في مبايعة طلحة لعلي، مروية من غير ما وجه آخر، عن غير أبي نضرة أيضًا(٥). وأخيرًا: يبقى الحسن لم يسمع من طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه. وللحسن عن طلحة غير ما سبق، في: مصنف عبد الرزاق (رقم ٢٠٠٨٤). والمحتضرين لابن أبي الدنيا - المطبوع - (رقم ٢٥٤). ومكارم الأخلاق للخرائطي (رقم ٦٤١). والدلائل في غريب الحديث لقاسم بن ثابت - نسخة الظاهرية (٢٠/ ب). وغريب الحديث للخطابي (٢١٧/٢). والله أعلم. (١) غريب الحديث لأبي عبيد (٩/٤ - ١٠). (٢) مصنف ابن أبي شيبة (٢٦١/١٥). (٣) انظر زوائد الحسين بن الحسن المروزي على زهد ابن المبارك (رقم ١١٨١)، وحلية الأولياء (٩٨/٣)، مع طبقات ابن سعد (٢٠٨/٧). (٤) انظر جامع التحصيل للعلائي وحاشيته (رقم ٨٠٠). (٥) انظر مصنف ابن أبي شيبة (١٠٧/١١)، (٢٦٠/١٥ - ٢٦١)، وغريب الحديث للحربي (١٣١/١)، وتاريخ الطبري (٤٢٨/٤، ٤٢٩، ٤٣١). ١٥٣٩