Indexed OCR Text

Pages 1501-1520

قال الإمام أحمد في (العلل): ((أملى عليَّ خالدُ بن خداش
باليمن، ونحن عند عبد الزراق: حديث حماد بن زيد، عن
أيوب، عن الحسن، عن صخر. وقال: أَيْشٍ ينكرون أصحابُ
الحديث؟ قلت: هذا الحديث!
قال (الإمامُ أحمد): أملاه علينا باليمن قديمًا))(١).
وقال عبد الباقي بن قانع في (معجم الصحابة) عقب إخراجه
للحديث: ((هذا ممّا ضُعَّفَ خالدٌ به، وأُنِكِرَ عليه))(٢).
وأومأ إلى ذلك الذهبي أيضًا، عندما ذكر هذا الحديث في
ترجمة خالد بن خداش في (ميزان الاعتدال)(٣).
وخالد بن خداش المهلّبي مولاهم، أبو الهيثم البصري،
(ت٢٢٤ هـ).
قال عنه الحافظ: ((صدوق يخطيء))(٤).
قلت: بل هو عندي ثقة. وقد دافع عنه الخطيب في (تاريخ
بغداد)، وذلك عندما نقل الخطيبُ عن الساجي قوله: ((خالد بن
خداش المهلبي فيه ضعف. قال يحيى بن معين: قد كتبت عنه،
تفرّد عن حماد بن زيد بأحاديث)»(٥)؛ فقال الخطيب: «لم يُورد
زكريا (هو الساجي) في تضعيفه حجة، سوى الحكاية عن
يحيى بن معين: أنه تفرّد برواية أحاديث. ومثل هذا موجود في
حديث مالك بن أنس، والثوري، وشعبة، وغيرهم من الأئمة.
ومع هذا فإن يحيى بن معين، وجماعةً غيره، قد وصفوا خالدًا
بالصدق، وغير واحد من الأئمة قد احتجّوا بحديثه))(٦).
(١) العلل لأحمد (رقم ٥١٣٣).
(٢) معجم الصحابة لابن قانع (٧٤/أ).
(٣) ميزان الاعتدال للذهبي (٦٢٩/١).
(٤) التقريب (رقم ١٦٢٣).
(٥) تاريخ بغداد للخطيب (٣٠٦/٨).
(٦) الموضع السابق.
١٥٠٠

ثم إن تفرّد خالد بن خداش عن حماد بن زيد بأحاديث،
مما لا يُنكر عليه، حيث ((كان كثير الاختلاف إلى حماد بن زيد،
أو كثير اللزوم له)»(١)، كما قال سليمان بن حرب. بل قال
خالد بن خداش: ((كنتُ ربّما غبتُ عن حماد بن زيد، فإذا جئت،
بعث إليّ، فأتيتُه وقد خبّأ لي الشيء من الفاكهة والحلواء،
(٢)
فيُطعمني))(٢) .
فخالد بن خداش ثقةٌ، وفي حماد بن زيد. أمّا وَهْمُه في
هذا الحديث، وهو ما أميل إليه، فلا يؤثر على توثيقه. إذْ وَهْمُهُ
في روايةٍ حديثٍ واحدٍ معروفٍ له، لا يقضي على أحاديث كثيرة
له أتقنها وضبط حفظها، وله في الرواة الثقات أمثلة.
ولذلك، فهذا ابنُ قانع الذي قال عن خالد بن خداش عقب
حديثه هذا: ((هذا مما ضُعّف به خالد، وأنكر عليه))، كما سبق،
يُبيِّنُ لنا حُكمَه فيه بقوله عنه: ((ثقة))(٣).
ويكفي خالد بن خداش أنه من شيوخ الإمام مسلم في
صحيحه!
أمّا أنّه وَهِمَ في هذا الحديث، فهذا هو ما أميل إليه،
وسوف ترى توجيه ذلك - إن شاء الله تعالى - في ترجمة
عبد الله بن قدامة بن صخر العقيلي(٤). وخلاصة ما تراه هناك
بدليله: أن صواب الحديث أنه من رواية الحسن عن عبد الله بن
قدامة بن صخر العقيلي عن الأسود بن سريع رضي الله عنه،
ولفظه نحو لفظ حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مرفوعًا:
((والذي نفسي بيده، ما أعلم اليوم نفسًا منفوسة، يأتي عليها مائة
(١) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٣٢٧/٣).
(٢) تاريخ بغداد (٣٠٥/٨).
(٣) التهذيب (٨٦/٣).
(٤) انظر ما يأتي (١٦٨١ - ١٦٩٨).
١٥٠١

عام)). فحدّث خالد بن خداش بهذا الحديث في زمن الطلب
(قديمًا) كما قال الإمام أحمد، وهو (باليمن) بعيدًا عن أصوله،
فوهم أوهامًا، في المتن والإسناد، وإذا بـ(عبد الله بن قدامة بن
صخر)، يصبح (صخر بن قدامة) !! ثم يُذكر صخر بن قدامة في
الصحابة !!!
إذن فالحسن لم يروٍ عن راوٍ اسمه صخر بن قدامة أصلاً،
حتى يُتّهَم الحسن بالتدليس عنه !! ولا أدري كيف جاز اتّهامُ
الحسن بتدليس حديثٍ موضوع، وكأنّه أسقط كذّابًا من إسناده
ليُحَسِّنه؟ !!! وواقعُ الأمر، كما هو دائمًا، أن الحسن بريءُ الساحةِ
من هذا الحديث الموضوع؛ وإنما هو وَهْمُ الرواة عليه !!
هذا .. والله أعلم.
١٥٠٢

صعصعة بن معاوية التميمي
قال علي بن المديني في (العلل)، عن الحسن البصري:
((من صعصعة بن معاوية صحيح))(١).
وقال البخاري في (التاريخ الكبير)، في ترجمة صعصعة:
((سمع منه الحسن))(٢).
وقال الدارقطني في (العلل): ((الحسن، عن صعصعة، عن
أبي ذر: متصل))(٣) .
وقال الحاكم في (المستدرك): ((سمعت أبا حفص عمر بن
جعفر البصري الحافظ (٤) - غير مرّة - يقول: ليس للبصريين باب
أحسن من طرق حديث الحسن عن صعصعة))(٥).
وأخرج حديث الحسن عن صعصعة، كل من: أبي عوانة
في (المستخرج على صحيح مسلم) (٦)، وابن حبان في (صحيحه)(٧)
والحاكم مصحّحًا له في (المستدرك)(٨).
(١) العلل لعلي بن المديني (رقم ٦٩).
(٢) التاريخ الكبير للبخاري (٣٢٠/٤).
(٣) العلل للدارقطني (٢٩٣/٦ رقم ١١٥١).
(٤) عمر بن جعفر البصري، أبو حفص، (ت٣٥٧هـ). حافظ متكلم فيه، لكن
قال الذهبي في الميزان (١٨٤/٣): ((كان صدوقاً إن شاء الله))، وانظر
اللسان (٢٨٧/٤ - ٢٨٩).
(٥) المستدرك (٨٦/٢).
(٦) مسند أبي عوانة (٩٩/٥ - ١٠١).
(٧) الإحسان (رقم ٤٦٤٣ - ٤٦٤٥).
(٨) المستدرك (٨٦/٢).
:
١٥٠٣

وصعصعة بن معاوية بن حصين التميمي السعدي، البصري،
عم الأحنف بن قيس، مات في ولاية الحجاج على العراق،
وكانت ولايته من (٧٥ هـ)، إلى (٩٥ هـ).
قال الحافظ: ((له صحبة، وقيل إنه مخضرم))(١).
قلت: الثاني (وهو أنه مخضرم) هو الصواب، الذي عليه
يحيى بن معين، وخليفة بن خياط، والبخاري، ومسلم،
والنسائي، وابن حبان، وابن مندة، وابن عبد البر، وابن الأثير(٢) -
كلهم على أنه تابعي، ليس بصحابي.
المهم: أن صعصعة بن معاوية بصري، عاصره الحسن في
البصرة زيادة عن ثمان وثلاثين سنة.
فاحتمال اللقاء قائم قوي جدًا.
وليس هذا فقط، فقد صرّح الحسن بسماعه منه.
والحديث هو حديث الحسن، عن صعصعة بن معاوية،
قال: ((ذهبت إلى أبي ذر، فلم أجده في منزله. فرجعت،
فاستقبلني يقود بعيرًا، أو يسوق بعيرًا، في عنقه قربة قد استقاها
لأهله. فقلت: أنت أبو ذر؟ قال: كذلك يقول أهله. قلت:
حدِّثني حديثًا سمعته من رسول الله وَلقر، لعل الله أن ينفعني به.
قال: سمعت رسول الله ﴿ يقول: من أنفق من ماله زوجين في
سبيل الله، ابتدرته حجبة الجنة.
(١) التقريب (رقم ٢٩٢٩)، وتاريخ ولاية الحجاج في تاريخ الطبري (٢٠٢/٦
- فما بعد).
(٢) تاريخ يحيى بن معين (رقم ٤٤٢٣)، وطبقات خليفة (١٩٥)، والتاريخ
الكبير للبخاري (٣٢٠/٤)، وطبقات مسلم (رقم ١٦٨١)، والثقات لابن
حبان (٣٨٣/٤)، والاستيعاب (٧١٧/٢ - ٧١٨)، وأسد الغابة (٢١/٣ -
٢٣)، والتهذيب (٤٢٣/٤).
١٥٠٤

قلت له: زدني؟ قال: سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: ما من
مسلمَينٍ يموت بينهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث، إلا
أدخلهم الله الجنة، بفضل رحمته إياهم.
قلت له: زدني؟ قال سمعت رسول الله وَل يقول: من همّ
بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت له عشر
أمثالها، إلى ما شاء الله. ومن همّ بالسيئة فلم يعملها، لم تكتب
له شيئًا، فإن عملها كتبت سيئة، أو يمحوها الله عز وجل)).
روى هذا الحديث عن الحسن جماعة كبيرة من تلامذته،
نقل منهم تصريح الحسن بالسماع من صعصعة أربعة رواة، هم:
- قرة بن خالد السدوسي.
قال الإمام أحمد في (المسند): ((حدثنا يحيى بن سعيد، عن
قرة: حدثنا الحسن: حدثني صعصعة بن معاوية ... ))(١) - الحديث.
وأخرجه أبو عوانة في (مستخرجه)(٢) وابن حبان في
(صحيحه)(٣) كلاهما من طريق سوى طريق الآخر، عن غير
القطان، عن قرة بن خالد، عن الحسن، بتصريحه بالسماع من
صعصعة، عند جمعیهم.
وهذا إسناد صحيح.
- هشام بن حسان.
قال الإمام أحمد في (المسند): ((حدثنا عبد الرزاق ويزيد،
قالا: حدثنا هشام، عن الحسن: حدثني صعصعة ... )) (٤)
الحديث .
(١) مسند الإمام أحمد (١٥٩/٥).
(٢) مستخرج أبي عوانة (٩٨/٥ - ٩٩).
(٣) الإحسان (رقم ٤٦٤٥).
(٤) مسند الإمام أحمد (١٦٤/٥).
١٥٠٥

وقال ابن أبي شيبة في (المصنف): ((حدثنا يزيد بن هارون:
أخبرنا هشام عن الحسن، قال: حدثني صعصعة بن
معاوية ... ))(١) - الحديث.
وأخرجه أبو عوانة في (مستخرجه) وابن عبد البر في
(التمهيد)، من طريقين آخرين عن يزيد بن هارون، بالتصريح
بالسماع أيضًا (٢).
وإسناده صحيح.
- وأبو حريز عبد الله بن الحسين الأزدي(٣):
قال البخاري في (الأدب المفرد): ((حدثنا علي، قال: حدثنا
معتمر، قال: قرأت على الفضيل(٤) عن أبي حريز، أن الحسن
حدّثه بواسط، أن صعصعة بن معاوية حدّثه ... ))(٥) - الحديث.
وأخرجه ابن عدي في (الكامل)، من طريق يعقوب بن
شيبة، عن علي بن المديني .. به، وبالتصريح بالسماع(٦).
(١) المصنف لابن أبي شيبة (٣٥٣/٣) (٣٤٨/٥ - ٣٤٩) (رقم ١١٨٨٤،
١٩٥٤٥).
(٢) مستخرج أبي عوانة (٩٩/٥)، والتمهيد لابن عبد البر (١٨٦/٧).
(٣) عبد الله بن الحسين الأزدي، أبو حريز، البصري، قاضي سجستان.
قال الحافظ في التقريب (رقم ٣٢٧٦): ((صدوق يخطىء)).
قلت: بل هو أسوأ مما قال الحافظ، فهو على ما ترجح عندي: ضعيف
يعتبر به. انظر الكامل لابن عدي (١٥٨/٤ - ١٦١)، والتهذيب (٥/
١٨٨).
(٤) الفضيل بن ميسرة، أبو معاذ البصري.
قال الحافظ في التقريب (رقم ٥٤٣٩): ((صدوق)).
(٥) الأدب المفرد للبخاري (رقم ١٥٠).
(٦) الكامل لابن عدي (١٥٩/٤).
١٥٠٦

وإسناد ضعيف، حسن بالمتابعات. لحال أبي حريز، فإنه
ضعیف یعتبر به.
- وجرير بن حازم:
قال أبو القاسم ابن عساكر في (الأربعون في الحث على
الجهاد): ((أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي (١) أخبرنا
الحسن بن علي بن محمد (٢) أخبرنا محمد بن المظفر بن موسى(٣)
حدثنا محمد بن محمد بن سليمان (٤) حدثنا شيبان بن فروخ
الأبلي: حدثنا جرير بن حازم: حدثنا الحسن: حدثنا صعصعة بن
معاوية عم الأحنف بن قيس ... ))(٥) - الحديث.
وهذا إسناد صحيح.
ثم يرويه عن الحسن جماعة من تلامذته، فلا يذكرون سماع
الحسن من صعصعة، ولكن يروونه بالصيغة المحتملة.
(١) محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله الأنصاري الخزرجي، أبو
بكر، البغدادي، النصري، ولد سنة (٤٤٢هـ)، وتوفي سنة (٥٣٥هـ).
حافظ متقن ثقة، تكلم فيه بكلام لا وزن له. انظر سير أعلام النبلاء
(٢٣/٢٠ - ٢٨)، ولسان الميزان (٢٤١/٥ - ٢٤٣).
(٢) هو أبو محمد الجوهري، تقدمت ترجمته، وأنه أحد الحفاظ الثقات.
(٣) محمد بن المظفر بن موسى بن عيسى، أبو الحسين البغدادي، ولد سنة
(٢٨٦ هـ)، وتوفي سنة (٣٧٩هـ).
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (٤١٨/١٦ - ٤١٩): ((الشيخ الحافظ
المجود .. وتقدّم في معرفة الرجال، وجمع وصنف، وعمر دهراً، وبعد
صيته، وأكثر الحفاظ عنه، مع الصدق والإتقان، وله شهرة ظاهرة، وإن
كان ليس في حفظ الدارقطني)).
(٤) محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث الأزدي، أبو بكر الباغندي،
الواسطي، البغدادي، ولد سنة (بضع عشرة ومائتين)، (ت٣١٢هـ).
إمام حافظ كبير، ناقد، لكن تكلم فيه، فقال الخطيب مدافعاً عنه في
تاريخ بغداد (٢١٣/٣): ((لم يثبت من أمر ابن الباغندي ما يعاب به سوى
التدليس، ورأيت كافة شيوخنا يحتجون بحديثه، ويخرجونه في الصحيح)).
وانظر سير أعلام النبلاء (٣٨٣/١٤ - ٣٨٨).
(٥) الأربعون في الحث على الجهاد، لابن عساكر (١٠٤ - ١٠٥ رقم ٣٢).
١٥٠٧

فأخرجه بالعنعنة أيضًا: الإمام أحمد(١)، والنسائي في
(المجتبى) و (الكبرى)(٢). والبزار في (مسنده)(٣) وأبو عوانة في
(مستخرجه) (٤) والطبراني في (معاجمه الثلاثة)(٥) وابن حبان في
(صحيحه)(٦) والإسماعيلي في (معجم شيوخه)(٧) وأبو محمد
المخلدي في (فوائده)(٨) والحاكم وصححه في (المستدرك)(٩)
والبيهقي في (السنن الكبرى)، و (شعب الإيمان)(١٠) والمزي في
(تهذيب الكمال)(١١).
وقد جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث إدراج، في شرح
(الزوجين)، في قوله ◌َ﴿: ((من أنفق زوجين من ماله)). وليس من
صلب بحثي توضيح ذلك، فاكتفيت بالتنبيه عليه (١٢).
وللحديث علل أخرى في إسناده، وفي رفعه ووقفه، بيّنها
(١) مسند الإمام أحمد (١٥١/٥، ١٥٣).
(٢) المجتبى للنسائي (رقم ١٨٧٤، ٣١٨٥)، والكبرى له (رقم ٢٠٠٢،
٤٣٩٤).
(٣) مسند البزار - الكتانية (١٧٩ - ١٨٠).
(٤) مسند أبي عوانة (٩٨/٥ - ١٠١).
(٥) المعجم الكبير للطبراني (رقم ١٦٤٤، ١٦٤٥)، والأوسط المطبوع (رقم
٩٦٦، ١٣٨٨)، والمخطوط (١٩٠/١/أ، ٢١٨/أ) (٣٩/٢/ ب، ٥٠/ب،
٧٣/أ، ١٣٨/ب، ١٥١/ب)، والمعجم الصغير (رقم ٨٩٥).
(٦) الإحسان (رقم ٢٩٤٠، ٤٦٤٣، ٤٦٤٤).
(٧) معجم شيوخ الإسماعيلي (٤٦٨/١).
(٨) فوائد المخلدي (رقم ١٠٦).
(٩) مستدرك الحاكم (٨٦/٢).
(١٠) السنن الكبرى للبيهقي (١٧١/٩)، وشعب الإيمان (رقم ٩٧٤٨).
(١١) تهذيب الكمال (١٧٢/١٣ - ١٧٣).
(١٢) وقع الإدراج في مسند الإمام أحمد (١٥١/٥)، ومعجم الطبراني الكبير،
ومستدرك الحاكم وغيرهما، وسبق بيان العزو إليهما.
وجاء بيان الإدراج، وتفصيل الكلام في الحديث، في مصنف ابن أبي
شيبة (٣٥٣/٣) (٣٤٨/٥ - ٣٤٩)، وبوجه آخر من البيان في صحيح ابن
حبان، الإحسان (رقم ٤٦٤٥).
١٥٠٨

أبو الحسن الدارقطني في (علله)، ثم صوّب منها المرفوع
المتصل(١). وما صوّبه هو الذي اتفق عليه الجمع من تلامذة
الحسن، كما نقلناه في التخريج، فهو الصواب كما قال.
المهم أن هذا الحديث أثبت سماع الحسن من صعصعة بن
معاوية، بالتصريح الصحيح.
ولم أجد تصريحًا للحسن بالسماع من صعصعة بن معاوية
إلا في هذا الحديث، وإن كان للحسن عنه غير ما حديث سواه.
وليس في شيء من أحاديث الحسن عن صعصعة بن
معاوية، إلا حديثًا واحدًا، هو الذي من شرط البحث، بعد حديثه
السابق.
وهو حديث الحسن عن صعصعة بن معاوية، قال: ((دخلت
على عائشة امرأة، معها بنتان لها. فأعطتها ثلاث تمرات، فأعطت
كل واحدة منهما تمرة، ثم صدعت الباقية بينهما.
قالت: فأتى النبي وَلهر، فحدثته. فال: ما عجبك؟ لقد
دخلت به الجنة)).
وقد وقع في إسناد هذا الحديث اختلاف كثير، عرض بعضه
الدارقطني في (علله). فأنا أذكر كلام الدارقطني، معقبًا إياه بما لم
يذكره من طرق الحديث.
قال الدارقطني، وسئل عن هذا الحديث: ((يرويه سعد بن
إبراهيم(٢) واختلف عليه:
(١) العلل للدارقطني (٢٩٢/٦ - ٢٩٣ رقم ١١٥١).
(٢) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، ولي قضاء المدينة،
(ت١٢٥ هـ)، وقیل بعدها.
قال الحافظ في التقريب (رقم ٢٢٢٧): ((كان ثقة فاضلاً عابداً)).
١٥٠٩

فرواه مِسْعر، عن سعد بن إبراهيم، واختلف على مسعر:
فرواه عبيد الله بن موسى(١) عن مسعر، عن سعد، عن
الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن عائشة (٢).
وخالفه إبراهيم بن طهمان، رواه عن مسعر، عن سعد، عن
الحسن، عن صعصعة بن معاوية، عن الأحنف، عن عائشة(٣).
وقال إبراهيم بن سعد(٤) عن أبيه، عن عمّ الأحنف، وهو
صعصعة بن معاوية، عن عائشة - ولم يذك الحسن فيه(٥).
وهو مضطرب))(٦).
كذا قال الدارقطني.
وقد وجدت لرواية إبرهيم بن سعد وجهًا، على خلاف
الوجه الذي ذكره الدارقطني لها.
قال البخاري في (التاريخ الكبير): ((عن يعقوب (٧) حدثنا
أبي، عن أبيه، عن الحسن، عن عم الأحنف: دخلت امرأة)»(٨).
وترك الدارقطني أيضًا وجهًا مشهورًا لهذا الحديث!
(١) هو العبسي تقدم أنه ثقة.
(٢) أخرجه من هذا الوجه: البخاري في التاريخ الكبير (٣٢٠/٤).
(٣) لم أجده من هذا الوجه.
(٤) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهر، أبو إسحاق
المدني، نزيل بغداد، (ت١٨٥ هـ).
قال الحافظ في التقريب (رقم ١٧٧): ((ثقة حجة، تكلم فيه بلا قادح)).
(٥) لم أجد هذه الرواية، لكني وجدتها من هذا الوجه على خلاف ما ذكر،
کما یأتي.
(٦) العلل للدارقطني (٧٧/٥/ب).
(٧) يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري،
أبو يوسف المدني، نزيل بغداد، (ت٢٠٨هـ).
قال الحافظ في التقريب (رقم ٧٨١١): ((ثقة فاضل)).
(٨) التاريخ الكبير للبخاري (٣٢٠/٤).
١٥١٠

فالحديث أخرجه البخاري في (التاريخ الكبير)، وابن ماجة
في (السنن)، كلاهما عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن
بشير العبدي، عن مسعر، عن سعد بن إبراهيم، عن الحسن، عن
صعصعة عمّ الأحنف .. به (١).
بينما رواه عبد بن حميد في (مسنده)، عن أبي بكر بن أبي
شيبة أيضًا، لكن قال فيه: عن محمد بن بشر، عن مسعر، عن
سعد بن إبراهيم، عن الحسن، عن صعصعة، عن الأحنف(٢).
ونبّه محقق إحدى طبعتي (منتخب مسند عبد بن حميد)،
إلى أنه هكذا جاء في الأصل الخطي(٣). مما يؤكد عدم كونه خطأ
مطبعيًا!
وكان يمكن تخطئة ما جاء في ذلك الأصل الخطي لـ
(منتخب مسند عبد بن حميد)، لولا ما جاء في (مسند إسحاق بن
راهوية) !!
قال إسحاق بن راهوية في (مسنده): ((أخبرنا محمد بن بشر
العبدي: حدثنا مسعر، عن سعد بن إبراهيم، عن الحسن، عن
صعصعة وهو عمّ الأحنف، عن الأحتف .. )) (٤).
قلت: فزياداتي على ما ذكر الدارقطني من طرق الحديث،
لم تزد الحديث إلا اضطرابًا !!!
فالحديث من طريق الحسن مضطرب، كما قال الدارقطني.
لكن اضطرابه في إسناده لا يؤثر في صحة متنه، وفي كونه
مقبولاً !!
فهو من طريق الحسن إمّا: عن صعصعة عن عائشة
(١) التاريخ الكبير للبخاري (٣٢٠/٤)، وسنن ابن ماجة (رقم ٣٦٦٨).
(٢) منتخب مسند عبد بن حميد (رقم ١٥٣٠).
(٣) منتخب مسند عبد بن حميد، بتحقيق مصطفى العدوي (رقم ١٥٢٨).
(٤) مسند إسحاق بن راهوية - مسند عائشة (رقم ٧٩٢).
١٥١١

رضي الله عنها، أو عن صعصعة، عن الأحنف، عن عائشة
رضي الله عنهما - وكلاهما ثقة معاصر، لا يُعَلُّ الحديث بضعفٍ
من أي الوجهین!
والحديث من غير طريق الحسن، محفوظ عن عائشة
رضي الله عنها في (الصحيحين)(١) وغيرهما.
وهذا الحديث هو كل ما للحسن، مما هو على شرط
البحث، عن صعصعة بن معاوية.
وللحسن عنه مما ليس على شرط البحث، ما يلي:
المعجم الصغير للطبراني (رقم ٥٠٢)
والكامل لابن عدي (٢٦٥/٥).
والله أعلم.
(١) صحيح البخاري (رقم ١٤١٨، ٥٩٩٥)، وصحيح مسلم (رقم ٢٦٢٩،
٢٦٣٠).
١٥١٢

صعصعة بن ناجية التميمي
لم أجد من أثبت سماع الحسن منه أونفاه!
وهو: صعصعة بن ناجية بن عقال التميمي الدارمي، له
وفادة وصحبة، وهو ممن نزل البصرة من سادات تميم(١).
وهو جد الفرزدق الشاعر المعروف، فالفرزدق اسمه:
همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية(٢).
وصعصعة رضي الله عنه ممن أحيا الموثودة في الجاهلية(٣)،
ولذلك كان الفرزدق يفخر بجده، فيقول:
أبي غالبٌ والمَرْءُ صعصعةُ الذي إلى دارمِ يُنْمَى فمن ذا يناسبه(٤)
ويقول :
أبي أحد الغيثين صعصعة الذي متى تُخْلِفِ الجوزاءُ والنجمُ يُمْطِرِ
أجار بناتِ الوائدين، ومَنْ يُجِزْ على الفقر يُعْلَمْ أنه غَيْرُ مُخْفِرٍ (٥)
(١) طبقات ابن سعد (٣٨/٧)، والتاريخ الكبير للبخاري (٣١٩/٤)، والجرح
والتعديل (٤٤٥/٤)، والاستيعاب لابن عبد البر (٧١٨/٢)، وأسد الغابة
(٢٢/٣)، والإصابة (٢٤٥/٣).
(٢) طبقات فحول الشعراء لابن سلام (٢٩٨/١ رقم ٣٨٩)، والأغاني (٢١/
٢٧٦).
(٣) انظر الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (رقم ١١٩٩)، ومعجم الطبراني
الكبير (رقم ٧٤١٢)، والأغاني (٢٧٦/٢١ - ٢٨١).
(٤) ديوان الفرزدق (٥٣/١).
(٥) ديوان الفرزدق (٣٧٩/١)، والأغاني (٢٧٨/٢١).
١٥١٣

ويقول :
ومِنَّا الذي منع الوثيدات فأحيا الوئيدَ فلم تُوأَدٍ(١)
فصعصة بن ناجية: جد الفرزدق، كما تثبته ترجمة الفرزدق،
وأشعاره، وكما يثبته علماء النسب!(٢).
ولم أستطرد في هذا، ولكن لهذا كله تأثير في مبحثنا هنا،
وفي تعيين صعصعة الذي يروي عنه الحسن الحديث الآتي.
والمهم بعد ذلك، أن الحسن قد صرّح بالسماع من صعصعة
الآتي حديثه، سواء أكان صعصعة بن ناجية أم غيره!
فالحسن قد سمع من صعصعة صاحب الحديث الآتي، ولا
شك !!
وحديث الحسن عن صعصعة، هو:
أن صعصعة قال: ((قدمت على النبي وَلّر، فسمعته يقرأ:
وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ
ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَؤُ﴾ .
قال: ما أبالي ألا أسمع غيرها، حسبي حسبي !! ))
ومقصدي الأول الآن: بيان سماع الحسن من صعصعة لهذا
الحديث، ثم بعد ذلك أتعرض للخلاف في تحديد صعصعة
صاحب هذا الحديث.
فقال الإمام أحمد في (مسنده): ((حدثنا أسود بن عامر:
حدثنا جرير قال: سمعت الحسن، قال: حدثنا صعصعة بن معاوية
عمّ الفرزدق ... ))(٣) - الحديث.
(١) ديوان الفرزدق (١٧٣/١)، والإشراف في منازل الأشراف لابن أبي الدنيا
(رقم ٣٠٩).
(٢) جمهرة النسب لابن الكلبي (٢٠٢)، والنسب لأبي عبيد القاسم بن سلام
(٢٣٤)، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم (٢٣٠).
(٣) مسند الإمام أحمد (٥٩/٥).
١٥١٤

وأخرجه الضياء المقدسي في (المختارة)، من طريق الإمام
أحمد، مثله ذاكرًا التصريح بالسماع(١).
وإسناده صحيح.
وتوبع أسود بن عامر علیه:
فأخرجه النسائي في (التفسير)، قال: ((أخبرنا إبراهيم بن
يونس بن محمد (٢) حدثنا أبي(٣) حدثنا جرير بن حازم، قال:
سمعت الحسن يقول: حدثنا صعصعة عمّ الفرزدق ... )) (٤) -
الحدیث.
وأخرجه ابن بشكوال في (غوامض الأسماء المبهمة).، من
طريق النسائي ذاكرًا التصريح بالسماع مثله(٥).
وهذا إسناد حسن.
وتوبعا أيضًا عليه:
قال ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني): ((حدثنا شيبان بن
فروخ: حدثنا جرير بن حازم، قال: سمعت الحسن يقول: حدثني
صعصعة بن معاوية عمّ الفرزدق .. ))(٦) - الحديث.
وهذا إسناد جيد.
وأنت تلاحظ أن روايات الحديث الثلاث من طريق جرير بن
حازم، والحديث لم أجده إلا من حديث جرير بن حازم عن
الحسن، سواء بالتصريح بالسماع أو من غير تصريح.
(١) المختارة - بمركز البحوث ١٦٦ حديث (٤/أ).
(٢) إبراهيم بن يونس بن محمد البغدادي، نزيل طرسوس، لقبه حرمي.
قال الحافظ في التقريب (رقم ٢٧٧): ((صدوق)).
(٣) يونس بن محمد بن مسلم البغدادي، أبو محمد المؤدب، (ت٢٠٧هـ).
قال الحافظ في التقريب (رقم ٧٩١٤): ((ثقة ثبت)).
(٤) تفسير النسائي (رقم ٧١٤).
(٥) غوامض الأسماء المبهمة، لابن بشكوال (٤٧٢/١ رقم ١٥٥).
(٦) الآحاد والمثاني (رقم ١١٩٧).
١٥١٥

فالحديث - ولا شك - يثبت سماع الحسن من صعصعة
راويه، الذي هو صحابي، كما ينص على ذلك الحديث نفسه،
بذكر وفود هذا الصحابي على النبي ◌ُّ وسماعه قراءته.
أمّا من هو هذا الصحابي؟ فهذه هي مسألتنا الثانية في هذا
المبحث.
فالحديث - كما سبق - تفرّد به جرير بن حازم، واختلف
عليه :
فاتفق يزيد بن هارون(١) وأسود بن عامر (٢) وشيبان بن
فروخ(٣) - ثلاثتهم عن جرير بن حازم، عن الحسن، عن
صعصعة بن معاوية عمّ الفرزدق.
واتفق عفان بن مسلم (٤) ويونس بن محمد(٥) ووهب بن
جرير(٦) وعبد الله بن المبارك (٧) وسليمان بن حرب(٨) وأبو الربيع
سليمان بن داود الزهراني(٩) - ستتهم، وأسود بن عامر(١٠) في
رواية عنه، عن جرير بن حازم، عن الحسن، عن صعصعة عمّ
الفرزدق، دون تسمية أبيه.
(١) أخرجه الإمام أحمد (٥٩/٥)، وابن سعد في الطبقات (٣٩/٧)، وابن
بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة (٤٧٢/١ - ٤٧٣ رقم ١٥٥)،
والضياء في المختارة - بمركز البحوث رقم ١٦٦/ حديث (٤/أ).
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٥٩/٥)، والضياء في المختارة - بمركز البحوث
(١٦٦ / حديث (٤/ أ).
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (رقم ١١٩٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد (٥٩/٥).
(٥) أخرجه النسائي في التفسير (رقم ٧١٤).
(٦) أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث (١٥٩)، والبيهقي في الزهد الكبير
(رقم ٨٦٨).
(٧) أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (رقم ٨٦٨).
(٨) أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٣٢٨/١/ب).
(٩) أخرجه الواحدي في الوسيط (٥٤٣/٤).
(١٠) أخرجه ابن قانع في معجم الصحابة (٧٢/ب).
١٥١٦

بينما رواه وهب بن جرير، في رواية أخرى عنه، عن أبيه،
عن الحسن، عن صعصعة(١) - كذا مهملاً، دون نسب أو ذكر
عمومته للفرزدق.
بينما تفرّد راو واحد، وهو هدبة بن خالد، فرواه عن
جرير بن حازم، عن الحسن، عن صعصعة بن معاوية عمّ
الأحتف بن قيس(٢).
فأنت ترى أن جماعة من الأئمة والثقات رووا الحديث عن
جرير بن حازم، عن الحسن، فسموا صعصعة: بابن معاوية، وعمّ
الفرزدق.
وجماعة مثلهم رووا الحديث عن جرير بن حازم، بإسناده،
فسموا صعصعة: بعم الفرزدق، ولم ينسبوه.
وتفرّد واحد، بأحد الوجهين عنه، وهو وهب بن جرير بن
حازم، عن أبيه بإسناده، فقال: عن صعصعة، بلا نسب أو ذكر
عمومة. وهذا لا له، ولا عليه! بل أخرج نفسه من الاختلاف،
فاستراح!
ثم خالف ذلك الجمع الكبير راو واحد، هو هدية بن
خالد، عندما روى الحديث عن جرير بن حازم، بإسناده، فسمّى
صعصعة: بابن معاوية، ولم يخالف في هذا، لكنه خالف عندما
قال: عمّ الأحنف بن قيس.
ومع هذه المخالفة الواضحة لهدبة بن خالد، التي خالف بها
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (رقم ١١٩٨).
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (رقم ٧٤١١)، وأبو نعيم في معرفة
الصحابة (٣٢٨/١/ب)، والحاكم في المستدرك (٣١٦/٣)، والضياء في
المختارة - بمركز البحوث ١٦٦/ حديث (٤/أ)، والمزي في تهذيب
الكمال (١٧٣/١٣ - ١٧٤).
١٥١٧

كل من ذكر عمومة صعصعة للفرزدق، مع ذلك فقد قبل حديثه
هذا غير واحد من الأئمة !! وإن كان قد خالفهم غيرهم أيضًا!
وسبب قبول من قبل مخالفة هدية بن خالد، في ذكر عمومة
صعصعة للأحنف بن قيس، هو أنه ليس للفرزدق عمّ باسم
صعصعة(١). ثم إن كان للفرزدق عمّ يُسَمَّ صعصعة، فلن يكون
ابن معاوية، ولكن كان يجب أن يسمى بصعصعة بن صعصعة،
لأن جدّ الفرزدق أبا والده: صعصعة بن ناجية، كما سبق بيانه.
أمّا صعصعة بن معاوية، فهو عمّ الأحنف بن قيس، كما
سبق في مبحثه الخاص به.
ولذلك قبل بعض الأئمة تفرد هدية بن خالد بتسمية صعصعة
الذي روى هذا الحديث بصعصعة بن معاوية عمّ الأحنف بن
قيس، مع مخالفة هدبة بن خالد في ذلك للجماعة الذين رووا
الحديث، فجعلوه لصعصعة بن معاوية عمّ الفرزدق؛ لأنه لا يصح
أن يكون ابن معاوية عمّا للفرزدق، ولأن ابن معاوية عمّ للأحنف،
والحسن معروف السماع والرواية عنه.
هذا أحد مسالك العلماء في حل إشكال هذا الحديث.
وهذا المسلك هو الذي سلكه الحاكم، حيث ذكر الحديث
من رواية هدية بن خالد في (المستدرك)، تحت ترجمة
(صعصعة بن معاوية عم الأحنف بن قيس)(٢).
ومثله أبو نعيم في (معرفة الصحابة)(٣).
لكن يضعف هذا المسلك، أنه تفرّد به راو واحد، وهو وإن
(١) انظر تهذيب الكمال (١٧٥/١٣)، والإصابة (٢٤٤/٣ - ٢٤٥).
(٢) المستدرك (٦١٣/٣).
(٣) معرفة الصحابة لأبي نعيم (٣٢٨/١/ب).
١٥١٨

كان ثقة، فقد خالف: عبد الله بن المبارك وأعظم به، ويزيد بن
هارون وأجل به، وأسود بن عامر، وشيبان بن فروخ، وعفان بن
مسلم، ويونس بن محمد، ووهب بن جرير، وسليمان بن حرب -
وكلهم ثقات أثبات عدول.
فمهما كان من خالف هؤلاء، فلا أتردد في توهيمه!
كيف ومن خالفهم: هدبة بن خالد، مع كون الراجح فيه أنه
ثقة، إلا أنه قد (تفرّد النسائي بتليينه)؟!(١).
فأين هذا من الإمام المجمع على إمامته وجلالته:
عبد الله بن المبارك؟!
ونحوه إمام واسط: يزيد بن هارون!
ويتابعهما جلة وثقات، بلغوا ثمانية من الرواة، كلهم اتفقوا
على خلاف هدبة بن خالد، وهو أن صعصعة عمّ الفرزدق، لا
عم الأحنف.
والمسلك الثاني للعلماء: في حل هذا الإشكال: هو قبول
رواية الجماعة، في أن صاحب هذا الحديث هو صعصعة بن
معاوية، مع قبول ما جاء في إسناد الجماعة أيضًا، من أنه عمّ
الفرزدق!
ومَنْ قال بذلك من الأئمة، لا يخفى عليهم أن الفرزدق بن
غالب بن صعصعة، لا يصح أن يكون عمّه أخو أبيه اسمَه
صعصعة بن معاوية. فلا يصح أن يكون صعصعة بن معاوية عمّا
للفرزدق على الحقيقة، فلعلهم تأولوا العمومة هنا، بغير عمومة
النسب القريبة.
(١) ترجمته في التقريب (رقم ٧٢٦٩)، وقد سبقت.
١٥١٩