Indexed OCR Text
Pages 1201-1220
سماعه منه، في كتابه (المراسيل)، بإيراد حديث الحسن عن سمرة فيه - هذا يوافق عبارته التي في (السنن)، لكن بتقدير سقوط (ما) التي للنفي، في تلك العبارة. وموافقة قول الإمام في موطن، لأقواله الأخرى في المواطن المتفرقة، أولى من ضربها ببعض، وعلى وجوه متناقضة !! وعلى هذا: يكون حُكم أبي داود بعدم سماع الحسن من سمرة، ذلك الحكمُ المُسْتَدلُّ عليه بإخراجه حديثًا للحسن عن سمرة في كتابه (المراسيل)، هذا الحكم يكون مؤيدًا لحصول ذلك السقوط في (السنن)، ومرجحًا جديدًا لذلك التقدير الذي أوردناه، يتفق به كلام أبي داود في هذه المسألة، ولا يتناقض حكمه في کتابیه . هذه هي القرائن التي أوردتْ احتمالَ وقوع سقطٍ في كلام أبي داود الذي في (السنن)، وتلك هي أسباب ترجيح ذلك التقدير، بسقوط (ما) النفي من عبارته. لكن لم نزل مع إشكال يُنغّص عَلَيَّ ذلك كله، ويكدِّر ذلك الطرح السابق جميعه !!! ألا وهو ثبوت العبارة على ما في (سنن أبي داود)، لا في طبعته وحسب، بل وفي نسخة الحافظ ابن حجر التي نقل منها العبارة في (التهذيب) و (النكت الظراف)، وفي نسخة العيني أيضًا، وفي نسخة شمس الحق آبادي أخيرًا !!! كل هؤلاء نقل عبارة أبي داود، بل واستشكلها، لأنها وردت دون ذلك السقط المقدر مني !! فهل يصح تقدير سقط في كلام أبي داود، في (سننه)، وكلامه في تلك النسخ كلها خال من ذلك التقدير؟ !! نعم .. ذلك عندي محتمل !!! ١٢٠٠ فيحتمل أن يكون وقع هذا السقط في نسخة عتيقة جدًا، وقد تكون نسخة جليلة، بخط أحد العلماء - وسبحان من لا يسهو - فوقع ذلك السقطُ في هذه النسخة، ثم اتُّخِذَتْ هذه النسخةُ - لما تحمله من ميزات - أَمَّا لغيرها من النسخ، وكذا هذه النسخ تكون أمهات لنسخ أخرى بعدها .. وهكذا !! هذا احتمال عقلي وارد !!! ويؤيد إمكان وقوع هذا الاحتمال، هو وقوعه فعلاً، وفي أصح كتابين بعد كتاب الله عز وجل: صحيحي البخاري ومسلم !! فهذا الحافظ أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد الغساني الجيّاني، (ت٤٩٨ هـ)، في كتابه الجليل (تقييد المهمل وتمييز المشكل)، خصص بابًا ضخمًا في كتابه، للأوهام الواقعة في صحيحي البخاري ومسلم، مِن قِبَل الرواة عن الشيخين .. غالبًا، لا من صاحبي الصحيح نفسيهما، ولا من رجال الصحيحين قبلهما .. إلا في النادر! وقد جاء هذا الباب الضخم في سبع وخمسين ومائتي صفحة(١)، من المخطوط المحفوظ بمكتبة الأوقاف الحلبية، رقم (٢٤٢)؛ وعندي صورة منه. قال أبو علي الغساني في مقدمة هذا الباب: ((هذا كتاب تضمن التنبيه على الأوهام الواقعة في المسندين الصحيحين، وذلك في ما يخص الأسانيد وأسماء الرواة، والحمل فيها على نقلة الكتابين عن البخاري ومسلم)»(٢). ومن نظر في هذا الباب الكبير، وقد طبع منه ما يختص (١) تقييد المهمل للغساني (٣٩١ - ٦٤٨). (٢) تقييد المهمل للغساني (٣٩١). ١٢٠١ بالأوهام الواقعة في صحيح البخاري(١)، علم أن وقوع الوهم في أمهات النسخ واقِعٌ مشهور !! بل وعلم أن وقوع الوهم من التلميذ المباشر لصاحب الكتاب، أيضًا واقعٌ ومشهور !!! فلك أن تتخيل، ما إذا وقع الوهم من أحد رواه (سنن أبي داود) الأربعة المشهورين، وهم: اللؤلؤي(٢) وابن داسة(٣) وابن الأعرابي(٤) وأبو الحسن الوراق(٥)، إذا وقع الوهم من أحد هؤلاء، في نسخته، كم سينشأ عن هذه النسخة الأم من نسخ؛ ثم هذه النسخ ستكون فيما بعد أصولاً لنسخ أخرى أيضًا !! وإذا كان الوهم قد وقع لرواة الصحيحين، مع جلالة الصحيحين على ما سواهما، ومع مزيد عناية العلماء وحفاوتهم بهما، فما سواهما نصيبه من ذلك الوهم أكبر، وحصوله في غيرهما أكثر !! ويبقى لذلك الجهابذة !!! أبو علي الغساني، وأضرابه !! ثم إني وجدت دليلاً واقعيًا على وهم أحد رواة (سنن أبي داود)، وهو أبو بكر بن داسة !! ذكر هذا الوهمَ الإمامُ الذهبي في (سير أعلام النبلاء)، حيث قال في ترجمة الحسن بن علي بن عفان العامري: ((فأمّا قول (١) طبع بعنوان (التنبيه على الأوهام الواقعة في الصحيحين من قبل الرواة: قسم البخاري)، بتحقيق محمد صادق آيدن الحامدي، طبع دار اللواء بالرياض، المملكة العربية السعوية الطبعة الأولى (١٤٠٧هـ). (٢) محمد بن أحمد بن عمرو، أبو علي اللؤلؤي، البصري، (ت٣٣٣هـ). قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣٠٧/١٥ - ٣٠٨): ((الإمام المحدث الصدوق». (٣) محمد بن بكر، تقدمت ترجمته. (٤) أحمد بن محمد بن زياد، تقدمت ترجمته. (٥) على بن الحسن بن العبد، أبو علي الوراق، البغدادي، (ت٣٢٨هـ). انظر تاريخ بغداد (٣٨٢/١١). ١٢٠٢ الحافظ ابن عساكر في (شيوخ النبل): إن أبا داود روى عن هذا، فوهم قدیم! والذي في النسخ القديمة بـ(السنن): أخبرنا الحسن بن علي: أخبرنا يزيد بن هارون .. - وذكر الحديث. ورواه ابن داسة وحده، فقال فيه: حدثنا الحسن بن علي بن عفان . ولا ريب أن الانفصال عن مثل هذا صعب !! لكن أجزم بأن قوله: ابن عفان، زيادة من كيس ابن داسة !!! ))(١). أردت من هذا كله، أن أقول: يُحتمل أن تكون المطبوعة لـ(سنن أبي داود)، ونُسَخُ كُلِّ من الحفاظ ابن حجر، والعيني، وشمس الحق آبادي، كلها نسخًا لأصل واحد وقع فيه ذلك السقط المُقَدَّر، فتوارثته النسخ بعده !!! لهذا كله، رأيت أن الباب الوحيد أمامي، بعد باب الله الذي لا يغلق، للانتهاء من هذه العقبة الكؤود، هو محاولة الوقوف على نسخ عتيقة لـ(سنن أبي داود)، برواياتها المختلفة، للفصل في هذه المعضلة! ومع كثرة النسخ الموثقة لـ(سنن أبي داود)، إلا أنه لم يُتَخ لي الوقوف على شيء منها !!! إلا على نسخة أحسبها حديثة، محفوظة في دار الكتب الظاهرية، رقم (١٠١٠)، ولها صورة في مركز البحوث بجامعة أم القرى، رقم (٤١٠/ حدیث). (١) سير أعلام النبلاء (٢٥/١٣). ١٢٠٣ وبالاطلاع عليها، وجدتها توافق المطبوع في نقل عبارة أبي داود وعلى ما فيها من إشكالات (١) !! لكن الأمر أخطر من أن يعتمد فيه على مخطوط واحد، فضلاً عن كونه مخطوطًا حديثًا؛ إذ التحريف الواقع في كلام أبي داود، إن صدق ظني، تحريفٌ قديم، مضى عليه الحافظ ابن حجر، والعيني، وغيرهما !! ليس هذا فقط، بل نحن في حاجة إلى النظر في روايات (السنن) لأبي داود المختلفة، لاحتمال أن يكون الوهم قديمًا، قِدَمَ نُسخةٍ تلميذ أبي داود المباشر، كما شرحناه آنفا !!! وحاولت جاهدًا في البحث عن تلك النسخ الكثيرة لسنن أبي داود، وعن مصوّراتها الأكثر، في القريب والبعيد، وترفّقتُ في طلب ذلك بالوسائط والشفعاء، للنظر في صفحة من (سنن أبي داود) فقط، لا لتصويرها، ولا لاقتناء نسخة منها - فما عُدتُ إلا بخفي حنين !!! فكيف يباركُ اللَّهُ جهودًا تزعم أنها تخدم السنة، وهي تكتم السنة، وتمنعها طلابها؟ !! أم كيف ينتفع بالكتب كانِزُها، لا هو ينشرها، ولا يبذلها، ولا يسمح بالاطلاع عليها؟ !! اللهم فارحم هذه الأمة! فقد عمّها البلاء في كل شيء، حتى في كثير من القائمين على خدمة الدين !!!! فيا لغربة الإسلام !!! فإذا عدنا إلى معضلتنا، عدنا إلى أنني لم أستطع الجزم فيها بشيء، لأنه - في هذا الموطن - قد حيل بيني وبين سنة رسول الله آلڑ ! ! (١) سنن أبي داود - النسخة الخطية (٥٦/أ). ١٢٠٤ غير أني ما زلت أميل ميلاً قلبيا إلى أن صواب عبارة أبي داود، هو بإضافة النفي إليها: ((دلت هذه الصحيفة على أن الحسن [ما] سمع من سمرة)). ومَيَلانُ القلب ليس من العلم! سأل المَرُوذي الإمامَ أحمد، عن سالم بن عبد الله بن عمر، ونافع مولى ابن عمر، وقد اختلفا في حديث؟ قال المروذي: ((قلت: فأيما الثبت؟ فتبسم، وقال: الله أعلم. قلت: ما الذي يميل إليه قلبك؟ قال: أرى، والله أعلم، نافع)»(١) . أرأيت؟ سئل العلم، فقال: الله أعلم؛ وسئل ميلان القلب فأجاب !! ثم اضربْ عن هذه المسألة صفحًا، وَعُدْ - بعد أن أَمْلَلْنَاكَ، وما إخالك إلا متذرعًا بالصبر لاستجلاء الحقيقة - إلى مواقف العلماء من رواية الحسن عن سمرة رضي الله عنه. والذي أريد التنبيه عليه، بالنسبة لتلك المواقف الخمسة، هو ما قد لاحظته فيها أنت، من أنك قد تجد للإمام الواحد في أكثر من موقف - قولاً! فيحيى بن معين ممن نفى السماع مطلقًا، وممن قال أيضًا بأن أحاديث الحسن عن سمرة رضي الله عنه كتاب. والبيهقي ممن تعقب بعض الأحاديث بأن الحسن إنما يروي من كتاب سمرة، وأيضًا هو ممن قال بأن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة، وقال كذلك بأن الحسن عن سمرة كتاب إلا حديث العقيقة. (١) العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد، برواية المروذي (رقم٨). ١٢٠٥ وهذا ونحوه، سبق في سياقنا لأقوال الأئمة ومواقفهم من هذه المسألة. ولا يخفى عليك - أخي المؤمن الفطن، والقاريء اللَّقِن - أنه لا تعارض بين هذه الأقوال، وأنها بمجموعها تبين حقيقة رأي الإمام الواحد من المسألة. بل إن تلك المواقف الخمسة نفسها، قد نّهنا في تقديمنا لها، أنه قد يدخل بعضها في بعض. ولا يخفى ذلك التداخل، لمن أمعن النظر قليلاً! وإنما شَقَّقْنا المسألة ذلك التشقيق، مبالغةً في توضيح الاختلاف الواقع في المسألة، حرصًا على تمام ملاحظة الناظر لأوجه التباين والافتراق فيها. والمواقف الخمسة تلك، ترجع في حقيقتها إلى ثلاثة أصول : الأول: نفي السماع المطلق. الثاني: أن الحسن إنما يروي من كتاب سمرة رضي الله عنه . الثالث: أن الحسن سمع من سمرة رضي الله عنه، بتصريحه بالسماع منه في حديث العقيقة. فتفرّع من دمج الأول مع الثالث، أن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة وحده. وتفرع من دمج الأول والثاني والثالث: أن الحسن لم يسمع من سمرة، إلا حديث العقيقة، والباقي كتاب. ولأن أصول تلك المواقف الخمسة، هي تلك الأصول الثلاثة، فإن بيان أدلة تلك الأصول، هو بيان لأدلة ما تفرع منها. ثم بعد بيان أدلة تلك الأصول، يجب على صاحب كل فرع، ١٢٠٦ ممن دمج بين أكثر من أصل، أن يبين أدلة أو أسبابَ أخذه بأكثر من أصل، بدمجه بينها. لذلك فإني سوف أذكر أوّلاً أدلة تلك الأصول الثلاثة، وأعرضها للقاريء الكريم، ثم أذكر أيضًا توجيه أصحاب الفرعين الآخرين؛ ثم يكون بعد ذلك - إن شاء الله تعالى - تقويمُ أدلة الأقوال الخمسة، والموازنةُ بينها؛ فالترجيحُ، وبيانُ أحق الأقوال بالقبول، وأقواها ثبوتًا، وأولاها بالصواب. والله أستعين. ١٢٠٧ عرض الأدلة أدلة من نفى السماع نفيًا مطلقًا: أولاً: كثرة إرسال الحسن الكثرة البالغة، حتى إنه لا يمكن معه الاكتفاء بمجرّد المعاصرة وإمكان اللقي. وهذا أمر سبق تقريره، في بيان حكم من أكثر تدليس الرواية عن معاصر لم يلقه. ثانيًا: أن الحسن لم يثبت عنه التصريح بالسماع من سمرة رضي الله عنه، ولا في حديث واحد! والمستدلون بهذا الدليل، من أصحاب هذا القول، بنفي السماع النفي المطلق - لا يخرجون عن أحد الاحتمالين التاليين: الأول: أنهم لم يبلغهم حديث العقيقة، الذي صرّح الحسن فيه بالسماع من سمرة. الثاني: أنهم علموا بحديث العقيقة، لكنهم لا يرونه حديثًا قائمًا بالاحتجاج، فهم يردونه بالضعف. وهذا هو الواضح من كلام الإمام أحمد، عندما قال مُنكِرًا: ((قال بعضهم: سمع من سمرة بن جندب !! ))(١). وأصرح منه قول الأثرم، بعد أن روى عن الإمام أحمد نفي السماع، قال: ((وكأنه ضعف حديث قريش))(٢). (١) انظر ما سبق (١١٧٦). (٢) انظر ما تقدم (١١٧٧). ١٢٠٨ فحديث قريش هذا، هو حديث قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، أنه سأل الحسن ممن سمع حديثه في العقيقة؟ فقال له الحسن: ((سمعته من سمرة))، كما سيأتي إن شاء الله تعالی. وكذلك كان الإمام يحيى بن معين ينكر سماع الحسن لحديث العقيقة من سمرة. قال الحافظ عبد الملك بن محمد بن عبد الله، أبو قلابة الرقاشي، (ت٢٧٦ هـ)، بعد أن روى حديث العقيقة: ((فسمعت يحيى بن معين يقول: لم يسمع الحسن من سمرة. فقلت: على من تطعن؟ على قريش بن أنس؟! على حبيب بن الشهيد؟ !! قال: فسكت!))(١). ولعل هذه المناظرة، هي التي عناها ابن الملقن، عندما قال في (البدر المنير): ((وقد تكلم بعضهم مع يحيى بن معين في هذا، فأنكر يحيى سماعه. فاحتج عليه بقول ابن سيرين: اسأل الحسن ممن سمع حديث العقيقة؟ فقال: من سمرة - فلم يكن عند یحیی جواب))(٢). وقد نقل الكلاباذي في (رجال صحيح البخاري) عن رواية الغلابي عن يحيى بن معين، أن يحيى تكلم في حديث قريش بن (٣) أنس(٣). وليت الكلاباذي - رحمه الله - نقل لنا نص ذلك الكلام! حيث إن رواية الغلابي عن ابن معين، لا أعلم لها ذكرًا في فهارس دور المخطوطات !! (١) تهذيب الكمال في أسماء ارجال (٥٨٧/٢٣ - ٥٨٨). (٢) البدر المنير لابن الملقن (٥٩/٢/أ). (٣) رجال صحيح البخاري للكلاباذي (١٦٧/١). ١٢٠٩ وممن رد حديث العقيقة أيضًا: البرديجي. فالبرديجي هو القائل عن حديث العقيقة، وقد سبق نقله كاملاً: ((لا يثبت، رواه قريش بن أنس، عن أشعث، عن الحسن، عن سمرة، ولم يروه غيره، وهو وهم))(١). وقد ذكر أيضًا الخلاف في ثبوت سماع الحسن لحديث العقيقة من سمرة، كل من النسائي وعبد الغني بن سعيد الأزدي. قال النسائي، بعد ذكر حديث العقيقة: ((وليس كل أهل العلم يصحح هذه الرواية: قوله: ممن سمعت حديث العقيقة؟))(٢). وقال عبد الغني بن سعيد، وذكر حديث العقيقة: ((تفرّد به قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد. وقد ردّه آخرون، وقالوا: لا یصح له سماع منه»(٣). ثالثًا: أن الحسن أدخل بينه وبين سمرة رضي الله عنه واسطة في أحد أحاديثه عنه. وقد أوضحنا - في موضع متقدم(٤) - دلالة الوسائط على عدم السماع. وقد قال الإمام أحمد بعد أن سئل عن سماع الحسن من سمرة: ((قد أدخل بينه وبينه هيّاج بن عمران، لا أراه سمع منه)) . وحديث الحسن عن هياج بن عمران عن سمرة رضي الله (١) انظر ما تقدم (١١٨٠). (٢) انظر ما تقدم (١١٨٣). (٣) انظر ما تقدم (١١٨١). (٤) انظر ما تقدم (٦٩٤ - ٦٩٥). (٥) انظر ما تقدم (١١٧٧). ١٢١٠ عنه، هذا الذي يشير إليه الإمام أحمد، هو حديث من مشهور حديث الحسن البصري، وهو حديث النَّهي عن المُثْلة. وسيأتي تخريجه والكلام على علله - إن شاء الله تعالى(١). عند ذكرنا لمن قال بسماع الحسن من سمرة رضي الله عنه! فالحديث اختُجَّ به من أحد طرقه على عدم السماع، ومن طريق أخرى على ثبوت السماع !!! ووقفتُ على حديثٍ آخر يُذكر فيه عن الحسن واسطةٌ بينه وبين سمرة رضي الله عنه: قال الطبراني في (المعجم الصغير): ((حدثنا أحمد بن محمد الصيدلاني البغدادي: حدثنا عبد الله بن محمد بن عيشون الحراني: حدثنا محمد بن سليمان بن أبي داود: حدثنا سلام بن أبي المطيع، عن قتادة، عن الحسن، عن سعد بن هشام، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله وَ﴿: خير أمتي القرن الذي بُعِثتُ فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم))(٢). وأخرجه الخطيب في (تاريخ بغداد)، من طريق الطبراني(٣). وقال الطبراني عقبه: ((لم يروه عن قتادة إلّا سلّم بن أبي المطيع، تفرد به محمد بن سليمان بن أبي داود)). قلت: لكن شيخ الطبراني لم أجد فيه جرحًا أو تعديلاً، إلا أن الخطيب ترجم له وذكر له هذا الحديث(٤). وكذا عبد الله بن محمد بن عيشون، حيث لم أجد فيه توثيقًا صريحًا(٥). (١) انظر ما سيأتي (١٢٣٢ - ١٢٤٩). (٢) المعجم الصغير للطبراني (رقم ٩٦). (٣) تاريخ بغداد للخطيب (١٣٧/٥). (٤) المصدر السابق. (٥) انظر الإكمال لابن ماكولا (٣١١/٦)، والأنساب للسمعاني (٤٢٥/٩)، ونزهة الألباب لابن حجر (رقم ٢٠٥٠). ١٢١١ فليس في هذا الإسناد الفَرْد المنكر، ما يشهد لعدم سماع الحسن من سمرة، لعدم ثبوته! هذه هي أدلة من نفى سماع الحسن من سمرة رضي الله عنه نفيًا مطلقًا. وفحوى دليلهم: أن الحسن ممن لا نقبل عنعنتهم، إلا ممن ثبت لقاؤه بهم وسماعه منهم، لكثرة إرساله. والحديث الذي يُزعم أن الحسن صرح فيه بالسماع من سمرة رضي الله عنه، وهو حديث العقيقة، حديث مردود عندهم. فيبقى الحسن لا دليل على لقائه بسمرة رضي الله عنه عندهم، لذلك قالوا: لم يسمع الحسن من سمرة. أدلة القائلين بأن الحسن إنما يروي من كتاب لسمرة رضي الله عنه: وهم يعنون بذلك: كتابا يرويه الحسن وجادة، من غير سماع، أو عرض؛ ولذلك تكلموا في رواية الحسن منه، ولم يقبلوها . وقد نص على ذلك جماعة، سبقوا في سياق الأقوال والمواقف. منهم يحيى بن معين، الذي قال: ((لم يسمع الحسن من سمرة شيئًا، وهو كتاب))(١). ومنهم النسائي، الذي قال: ((الحسن عن سمرة: قيل إنه من صحيفة غير مسموعة))(٢). وكل من وصف حديث الحسن عن سمرة رضي الله عنه (١) انظر ما تقدم (١١٨٠). (٢) انظر ما تقدم (١١٨٣). ١٢١٢ بالإرسال، أو ردّه، مع قوله بأنه روى من كتاب سمرة - فهم ممن يعنون برواية الحسن من كتاب سمرة: أنه كتاب وجده الحسن، لا سماع له فيه ولا عرض. وهذا واضح، لكني نبّهت عليه خوفًا من اعتراض، يكون له بعد قائله أتباع؛ فأحببت سد باب للاختلاف قبل وجوده، والله المعین! أمّا أدلة القائلين بأن الحسن إنما يروي من كتاب سمرة، فتنقسم إلى قسمين: الخبر في ذلك، وواقع روايات الحسن عن سمرة رضي الله عنه. أمّا الخبر، فهو خبر يرويه عبد الله بن عون عن الحسن البصري، وله روايات بألفاظ متعددة. ففي كتاب (السير) لأبي إسحاق الفزاري يرويه: ((عن ابن عون قال: قرأت كتابًا عن الحسن، من سمرة بن جندب إلى بنيه، فإذا فيه: يجزيء من الضرورة، أو من الإضطرار، صبوحٌ أو غبوق»(١). وقد ورد في (السير) المطبوع: (صبوحًا أو غبوقًا) بالنصب، وحقها الرفع كما أثبته! وقال الإمام أحمد في (العلل)، وفي (مسائل صالح): ((حدثنا هشيم، قال: أخبرنا ابن عون، قال: دخلنا على الحسن، فأخرج إلينا كتابًا من سمرة، فإذا فيه: إنه يجزي من الإضطرار صبوح أو غبوق))(٢). وقال أبو عبيد في (غريب الحديث): ((حدثنا معاذ، عن ابن (١) السير لأبي إسحاق الفزاري (رقم ٣٥٧). (٢) العلل للإمام أحمد (رقم ٢١٨٧)، ومسائل صالح (رقم ٨٢٠). ١٢١٣ [عون](١) قال: رأيت عند الحسن كتاب سمرة، أنه كتب إلى بنيه: أنه يجزي من الإضطرار، أو الضارورة، صبوح أو غبوق))(٢). وأخرجه البيهقي في (السنن الكبرى)، من طريق أبي عبيد(٣). بينما أخرجه الحاكم في (المستدرك)، من طريق شيخ أبي عبيد: معاذ بن معاذ العنبري (٤). ولفظه عند الحاكم: ((قرأت عند الحسن كتاب سمرة بن جندب إلى بنيه، وفيه: إن رسول الله و 18- قال: يجزي من الضرورة، أو الضارورة، غبوق، أو صبوح))(٥). قدّمه الحاكم بقوله: ((إسناد صحيح، على شرط الشیخین)»(٦). وهذه الألفاظ كلها، أسانيدها صحيحة، إلى الحسن البصري . وهي تدل على أن الحسن البصري كان عنده كتاب سمرة بن جندب رضي الله عنه. لكن ليس فيه نص صريح على أن الحسن كان يروي هذا الكتاب، أو أنه كان يقرؤه، أو يُقرأ عليه! لكن قال الإمام أحمد في (العلل): ((حدثنا [إسماعيل] (٧) عن (١) في المصدر: (ابن عوف)، وهو تصحيف واضح، وقد ورد على الصواب في سنن البيهقي الكبرى (٣٥٦/٩). (٢) غريب الحديث لأبي عبيد (٦١/١). (٣) السنن الكبر للبيهقي (٣٥٦/٩). (٤) مستدرك الحاكم (١٢٥/٤). (٥) المصدر السابق. (٦) المصدر السابق. (٧) في العلل طبعة تركيا: (شعبة) (١ / رقم ١٣٧٤)، والتصحيح من مخطوط (العلل) كما يأتي في التعليقة التالية. ١٢١٤ ابن عون، قال: وجدت عند الحسن كتاب سمرة، فقرأته علیه))(١). وقال ابن جرير الطبري في (تفسيره): ((حدثني يعقوب بن إبراهيم(٢) قال: حدثنا ابن علية، عن ابن عون، قال: وجدت عند الحسن كتاب سمرة، فقرأته عليه. وكان فيه: يجزي من الاضطرار غبوق أو صبوح))(٣). وإسناد هذا اللفظ صحيح أيضًا. وهو نص على أن الحسن كان يروي هذا الكتاب، وأن ابن عون قرأه عليه. لكن يحتمل أن يكون الحسن سمع هذا الكتاب من أبناء سمرة، بعد أن نص العلماء على أنه لم يسمعه من سمرة نفسه رضي الله عنه. فقال مغلطاي في (إكمال تهذيب الكمال): ((وفي تاريخ سمرقند: عند ابن عون، قال: دخلت على الحسن، وإذا بيده صحيفة، فقلت له: ما هذه؟ قال: هذه صحيفة كتبها سمرة لابنه. قال: فقلت له: سمعتها من سمرة؟ قال: لا. فقلت له: سمعتها من ابنه؟ فقال: لا. (١) اعتمادي في هذا البحث على (العلل) للإمام أحمد، بتحقيق الدكتور وصي الله عباس. لكن سقط هذا النص على الدكتور في الطبع! وموضعه من طبعته، بين الخبرين (رقم ٤٧٩١) و (رقم ٤٧٩٢). فذهبت إلى الدكتور وصي الله في منزله، فأخرج مصوّرة مخطوطة الكتاب لي، فوجدناه فيه بتصحيح ما ورد في الطبعة التركية، من (شعبة) إلى (إسماعيل) !! (٢) يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي، سبقت الترجمة له. (٣) تفسير الطبري (رقم ١١١٢٩). ١٢١٥ رواه عن محمد بن أحمد بن حمدان: حدثنا عبدان: حدثنا علي بن منصور الأهوازي: حدثنا أزهر، عنه))(١). محمد بن أحمد بن حمدان، أبو عَمرو الحيري، ولد في (٢٨٣ هـ)، وتوفي (٣٧٦ هـ). قال عنه الذهبي في (سير أعلام النبلاء): ((الإمام المحدِّث الثقة، النحوي البارع، الزاهد العابد، مسند خراسان))(٢). وعبدان، لقب: عبد الله بن أحمد بن موسى بن زياد، أبو محمد الأهوازي، الجواليقي، (ت ٣٠٦ هـ)، عن تسعين سنة. قال عنه الذهبي في (سير أعلام النبلاء): ((الحافظ الحجة العلامة، صاحب التصانيف)) (٣). أمّا علي بن منصور الأهوازي، فلم أجد له ترجمة! وأخشى أن يكون محرّفًا، أو أن الخط صوّر الاسم هكذا، حيث إن الخطّ في (إكمال تهذيب الكمال) يوهم بأن الاسم كما ذكرت، لا أنه يقطع بذلك !! وأزهر بن سعد السمّان، أو بكر الباهلي، تقدّم أنه ثقة. وهو من الطبقة العليا من أصحاب ابن عون. كما قال حمّاد بن زيد، وعبد الرحمن بن مهدي(٤) ويحيى بن معين(٥) والدار قطني(٦) وغيرهم. (١) إكمال تهذيب الكمال (١٥٢/أ). (٢) سير أعلام النبلاء للذهبي (٣٥٦/١٦ - ٣٥٨). (٣) سير أعلام النبلاء للذهبي (١٦٨/١٤ - ١٧٢). (٤) التعديل والتجريح، لأبي الوليد الباجي (٣٩٧/١). (٥) الجرح والتعديل (٣١٥/٢)، والتهذيب (٢٠٢/١). (٦) سؤالات ابن بكير للدارقطني (٤٥ رقم ٣٦). ١٢١٦ فلولا عدم وجودي ترجمةً لعلي بن منصور، لكان إسناد هذا الخبر صحيحًا !! لكن قد تكفل بالنص على ما نريده من هذا الخبر، الإمام النسائي، حيث قال، كما نقلناه سابقًا: ((الحسن عن سمرة، قيل: إنه من صحيفة غير مسموعة))(١). ونحوه قول البيهقي في (السنن الصغرى)، من حديث من أحاديث الحسن عن سمرة رضي الله عنه: ((هو في معنى المرسل، لأن الحسن أخذه من كتاب، لا عن سماع))(٢). فبعد ذلك لا يحتاج إلى هذا الخبر، خبر أزهر بن سعد عن ابن عون، إلا متنطع !! فالحسن کثیر الإرسال جدًّا. والحسن عظيم الحفاوة بالوجادات، كما تقدم في هذا البحث(٣). وقد كان عند الحسن كتاب سمرة لبنيه، لا كتاب سمرة للحسن! ولا كتاب أبناء سمرة للحسن !! وقد روى الحسن من هذا الكتاب. فماذا يريد الناظر ببصيرته سوى هذا؟! ثم بعد أن نص أهل الشأن، أنه لم يسمع هذا الكتاب !! ثم تأتي رواية أزهر بن سعد، برواية من لم نجد له ترجمة، مُستأنسًا بها في ذلك، بكلام صادر من صاحب الشأن، من الحسن البصري نفسه . (١) انظر ما تقدم (١١٨٣). (٢) السنن الصغرى للبيهقي (رقم ١٨٨١). (٣) انظر ما تقدم (٣٢٣، ٣٧١ - ٣٧٣، ٨٨٤). ١٢١٧ هذا هو القسم الأول من قسمي دليل القائلين بأن الحسن إنما يروي من كتاب سمرة رضي الله عنه، وهو قسم الخبر الدال على ذلك. وبقي القسم الثاني: وهو الدليل الواقعي في مرويات الحسن البصري : إذ إن نسخة كتاب سمرة بن جندب رضي الله عنه إلى بنيه، من رواية أبناء سمرة عنه، لم يزل جزء حسن منه محفوظًا في بعض كتب السنة. وقد أفردت للحديث عن هذه النسخة عنوانًا خاصًا، في آخر هذا المبحث، فانظره إن شئت(١). قال ابن القطان في (بيان الوهم والإيهام)، عن هذه النسخة: ((وهو إسناد تروى به جملة أحاديث قد ذكر البزار منه نحو مائة حدیث)»(٢). وبموازنة أحاديث هذه النسخة، بالأحاديث التي رواها الحسن عن سمرة رضي الله عنه، تبين أن هناك توافقًا كبيرًا بين الروایتین، في أحادیث کثیرة، بلغت خمسة وثلاثین حديثًا !! خمسة وثلاثون حديثًا من رواية أبناء سمرة عن كتاب أبيهم، وافقت مثلها من رواية الحسن عن سمرة رضي الله عنه !! وسوف نبين هذا الاتفاق، بيانًا شافيًا واضحًا، إن شاء الله تعالى؛ عقب ذكر أدلة المواقف كلها، وعقب الترجيح بينها، بإذن ربي سبحانه. المهم هنا، أن تعلم أن واقع روايات الحسن عن سمرة (١) انظر ما سيأتي (١٤٢٢ - ١٤٤١). (٢) بيان الوهم والإيهام لابن القطان (١٣٢/٢/أ). ١٢١٨ رضي الله عنه، تأكد أن الحسن كان معتمدًا على كتاب سمرة إلى بنيه؛ كما قال أصحاب هذا القول، الذي نذكر أدلته. وبهذا .. ننتهي من عرض أدلة من قال: إن الحسن إنما يروي من كتاب سمرة. أدلة من أثبتوا للحسن سماعًا مطلقًا من سمرة رضي الله عنه. للحسن عن سمرة رضي الله عنه عدة أحاديث، ورد تصريح الحسن فيها بالسماع! لكن ليس كل هذه الأحاديث يقوم بإثبات السماع، لأنها ليست كلها أيضًا صحيحة إلى الحسن البصري. وإليك هذه الأحاديث : ١٢١٩