Indexed OCR Text

Pages 1181-1200

هذا هو الموقف الأول للأئمة، من هذه المسألة.
الموقف الثاني: أن الحسن لم يسمع شيئًا من سمرة
رضي الله عنه، وإنما يروي أحاديث سمرة وجادة من
كتاب.
قال يحيى بن سعيد القطان: ((أحاديث سمرة التي يرويها
الحسن عنه، سمعنا أنها من كتاب))(١).
وفي (المراسيل) لابن أبي حاتم، أن بهز بن أسد سئل:
((على من اعتماد الحسن؟ فقال: على كتب سمرة)) (٢).
وقال يحيى بن معين في (التاريخ): ((لم يسمع الحسن من
سمرة شيئًا، وهو كتاب))(٣).
وقال أبو بكر البرديجي في كتابه (المراسيل): ((الحسن عن
سمرة: ليس بصحاح، إلا من كتاب. ولا يُحفظ عن الحسن، عن
سمرة، حدیث یقول فیه: (سمعت) إلا حديثًا واحدًا، وهو حديث
العقيقة. ولا يثبت، رواه قريش بن أنس، عن أشعث، عن
الحسن، عن سمرة، ولم يرو غيره، وهو وهم)) (٤).
وقول البرديجي عن رواية قريش بن أنس لحديث العقيقة،
أنه يرويها (عن أشعث) - وهمّ، كما قال ابن الملقن في (البدر
المنیر)(٥)!
(١) الطبقات لابن سعد (١٥٧/٧)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (١١/٣).
(٢) المراسيل لابن أبي حاتم (رقم ٩٥).
(٣) التاريخ لابن معين (رقم ٤٠٩٤).
(٤) التحقيق لابن الجوزي (١٨٦/أ)، إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (١٥٢/
أ)، والإعلام بسنته لمغلطاي أيضاً (٨٣/٤/أ)، والبدر المنير لابن الملقن
(٥٩/٢/أ)، ونصب الراية للزيلعي (٨٩/١).
(٥) البدر المنير لابن الملقن (٥٩/٢/أ - ب).
١١٨٠

-
وتعَقُّبُ ابنِ الملقن صحيحٌ، فقريشُ بن أنس إنما يروي
حديث العقيقة عن حبيب بن الشهيد، كما سيأتي في تخريج
حديث العقيقة، إن شاء الله تعالى.
وقال البيهقي في (السنن الصغرى) في حديث من أحاديث
الحسن عن سمرة رضي الله عنه: ((هو في معنى المرسل، لأن
الحسن أخذه من كتاب، لا عن سماع))(١).
وقال ابن القطان في (بيان الوهم والإيهام): ((حديث الحسن
عن سمرة: كتاب استعاره من بنيه بعد موته))(٢).
وهذا آخر الموقف الثاني.
الموقف الثالث: أن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديثًا
واحدًا، هو حديث العقيقة.
قال الدارقطني في (سننه): ((الحسن مختلف في سماعه من
سمرة، وقد سمع منه حديثًا واحدًا، هو حديث العقيقة، فيما زعم
قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد))(٣).
وقال عبد الغني بن سعيد المصري، فيما نقله عنه ابن
الملقن في (البدر المنير): ((لا يصح للحسن عن سمرة إلا حديث
واحد؛ وهو حديث تفرد به قريش بن أنس، عن حبيب. وقد دفع
قوم آخرون قول قريش، وقالوا: ما يصح له سماع))(٤).
وقال ابن حزم في (المحلى) في مواطن عدة منه: ((لا يصح
سماع للحسن من سمرة، إلا حديث العقيقة وحده))(٥) .
(١) السنن الصغرى للبيهقي (رقم ١٨٨١).
(٢) بيان الوهم والإيهام لابن القطان (١٧٤/٢/ب).
(٣) سنن الدارقطني (٣٣٦/١).
(٤) البدر المنير لابن الملقن (٥٩/٢/ب)، وانظر نصب الراية للزيلعي (١/
٩٠).
(٥) المحلى لابن حزم (١٢/٢) (٥٢٥/٧) (١٠٣/٩).
١١٨١

فعلق ابن الملقن في (البدر المنير)، على قول ابن حزم
هذا، مع قول ابن حزم الآخر الذي نقلناه عنه سابقًا، ((لم يسمع
الحسن من سمرة)» - فقال: ((أمّا أبو محمد ابن حزم، فاضطرب
قوله فیه في محلاه))(١).
قلت: يكون هناك اضطراب حقيقي، لو أن تعليق ابن حزم
بقوله: ((لم يسمع الحسن من سمرة)) كان على حديث العقيقة،
الذي أثبت ابن حزم سماع الحسن له من سمرة، في كلامه الآخر!
أمّا وقول ابن حزم المطلق في النفي، لم يكن تعليقًا على
حديث العقيقة، فإنه ليس نصًا على شمول النفي لكل أحاديث
الحسن عن سمرة.
وإذا كان قول ابن حزم: ((لم يسمع الحسن من سمرة)) ليس
نصًا على شمول النفي؛ بينما قول ابن حزم: ((لا يصح سماع
للحسن من سمرة، إلا حديث العقيقة وحده)) - كلام مفسّر، وهو
نصِّ على سماع الحسن لحديث العقيقة.
إذا كان هذا .. فيُحمل المُجمَل على المُبَيَّن، ولا أرى في
كلام ابن حزم اضطرابًا. وإنما ترخّص ابنُ حزم في العبارة أوّلاً،
ثم دقق فيها، ولا بأس بذلك! ومن الذي ينجو من ذلك؟ !!
وسوف تقف على مواقف مشابهة أخرى كثيرة، مثل موقف
ابن حزم هذا، لغيره من الأئمة!
فَأَفْهَمْ كلامَ الأئمة - يا رعاك الله - وتَفَقَّه قليلاً فيه، بحمل
المجمل على المبين، أو المطلق على المقيد، أو العام على
الخاص، وأول الظاهر على النص!
(١) البدر المنير لابن الملقن (٥٩/٢/ب).
١١٨٢

وقال البيهقي في (السنن الكبرى)، ونحوه في (معرفة السنن
والآثار): ((أكثر الحفّاظ لا يُثْبِتُون سماع الحسن من سمرة، في
غير حديث العقيقة))(١).
وقال عبد الحق الإشبيلي في (الأحكام الوُسْطَى): ((الحسن
لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة))(٢).
الموقف الرابع: أن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث
العقيقة وحده، والباقي يرويه وجادة.
قال النسائي في (المجتبى): ((الحسن عن سمرة كتاب، ولم
يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة))(٣).
وقال أيضًا في (السنن الكبرى): ((الحسن عن سمرة: قيل
إنه من صحيفة غير مسموعة، إلا حديث العقيقة؛ فإنه قيل
للحسن: ممن سمعت حديث العقيقة؟ قال: من سمرة.
وليس كل أهل العلم يصحح هذه الرواية: قوله: قلت
للحسن: ممن سمعت حديث العقيقة؟))(٤).
وقال البزار في (مسنده): ((والحسن يقال إنه لم يسمع من
سمرة إلا حديثًا واحدًا، وإنما كان تركه لأنه رغب عنه، ثم إنه
بعد تبيّن له صِدْقُهُ، فصار إلى منزله بعد فأخذ هذه الصحيفة
(١) السنن الكبرى للبيهقي (٢٨٨/٥) (٣٥/٨) (٣٥٩/٩)، ومعرفة السنن
والآثار (رقم ١١٠٨٦، ١٨١٠٢).
(٢) بيان الوهم والإيهام لابن القطان (١٤٤/١/أ) (٢٣٢/١/أ) (١٢١/٢/ب)،
ثم وقفت عليه في الأحكام الوسطى - بعد أن طبعت - (٤١٤/١) (٢/
٥٤، ٩٨) (١٥/٤، ١٤٠).
(٣) السنن الصغرى للنسائي (رقم ١٣٨٠).
(٤) السنن الكبرى للنسائي (رقم ٦٩٣٩)، وفيه خطأ يسير إصلاحه من نقل
المزي في تحفة الأشراف (٦٣/٤).
١١٨٣

فرواها عنه. والذي يصح أنه سمعه من سمرة حديث [واحد] ... ))
وذكر حديث العقيقة (١).
وقال البزار في (مسنده) أيضًا: ((الحسن سمع من سمرة
حديث العقيقة، ثم رغب عن السماع منه، ولمّا رجع إلى ولده،
أخرجوا له صحيفة سمعوها من أبيهم. فكان يرويها عنه من غير
أن يخبر بسماع، لأنه لم يسمعها منه))(٢).
وقال البيهقي في (معرفة السنن والآثار): ((ذهب جماعة من
الحفاظ، إلى أن الحسن عن سمرة كتاب، وأنه لم يسمع منه غير
حديث العقيقة))(٣).
وقال ابن عبد البر في (التمهيد): ((الحسن عندهم لم يسمع
من سمرة، وإنما هي - فيما زعموا - صحيفة. إلا أنهم لم
يختلفوا: أن الحسن سمع من سمرة حديث العقيقة، لأنه وُقْف
على ذلك، فقال: سمعته من سمرة)) (٤).
وفي قول ابن عبد البر: ((إلا أنهم لم يختلفوا: أن الحسن
سمع من سمرة حديث العقيقة)) - نظر قوي !! فمنهم من نفى
السماع مطلقًا، وردّ حديث العقيقة، كما سبق! بل لقد نقلنا قبل
سطور، قول النسائي عن حديث العقيقة: ((وليس كل أهل العلم
يصحح هذه الرواية)).
وقال ابن عساكر في (أطرافه): ((حديثه عنه كتاب، إلا
حديث العقيقة))(٥).
(١) مسند البزار - الكتانية - (٢٥١)، واستعنتُ لقراءته وفي الزيادة التي بين
معكوفتين بالجرح والتعديل للدكتور عبد الله بن سعاف اللحياني (ص٦٨ -
٦٩).
(٢) نصب الراية للزيلعي (٨٩/١ - ٩٠).
(٣) معرفة السنن والآثار للبيهقي (رقم ١٥٧٦٩).
(٤) التمهيد لابن عبد البر (٢٨٦/٢٢).
(٥) البدر المنير لابن الملقن (٥٩/٢/ب).
١١٨٤

وسمّى ابن القطان في (بيان الوهم والإيهام) ترجمة (الحسن
عن سمرة)، مع ترجمات أخر، ثم وصفها بقوله: ((ممن حدّث
من كتاب من لم يسمعه منه»(١).
هذا مع إقرار ابن القطان لقول عبد الحق، بإمراره في عدة
مواضع، كما سبق نقله: ((الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث
العقيقة»(٢).
وقال الحافظ ابن كثير في (جامع المسانيد): ((حديثه عنه
كتاب، إلا حديث العقيقة)) (٣).
وهذه نهاية الموقف الرابع.
الموقف الخامس: إثبات السماع المطلق، للحسن من
سمرة بن جندب رضي الله عنه.
قال علي بن المديني: ((سماع الحسن من سمرة صحيح))(٤).
وقال البخاري فيما نقله عنه الترمذي في (العلل الكبير):
((سماع الحسن من سمرة بن جندب صحيح))(٥).
(١) بيان الوهم والإيهام لابن القطان (٢٥٥/١/ ب).
(٢) انظر ما تقدم (١١٨٣).
(٣) جامع المسانيد - مصوّر من دار الكتب المصرية، رقم ٨٤ حديث، وبمركز
البحوث بجامعة أم القرى، رقم ٩١١ حديث - (٣٠٨).
(٤) التاريخ الكبير للبخاري (٢٩٠/٢)، والتاريخ الأوسط المطبوع باسم الصغير
(٢٨٢/١)، وجامع الترمذي (رقم ١٨٢، ١٢٩٦)، والعلل الكبير له (٢/
٩٦٣)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (٥٢/٢).
وانظر العلل لعلي بن المديني، ففيه إثبات سماع الحسن من سمرة، لكن
عبارته غير تامة الوضوح في ذلك - (٥١ رقم ٥٠).
(٥) العلل الكبير للترمذي (٩٦٣/٢)، وانظره (٥٨٨/٢).
وانظر أيضاً: البدر المنير لابن الملقن (٥٩/٢/أ)، فقد نقل فيه عن
الاستذكار لابن عبد البر، كلاما ذكره ابن عبد البر، للترمذي عن
البخاري، لم أجده .. بل هو غير موجود في مطبوع (جامع الترمذي)، و
(علله) الصغير والكبير!
١١٨٥

وقال الإمام مسلم في (الكنى): ((سمع سمرة))(١).
وقال الترمذي في (جامعه): ((سماع الحسن من سمرة
صحيح، هكذا قال علي بن المديني وغيره))(٢).
وصحّح الترمذي وحسّن، في (جامعه)، للحسن عن سمرة،
أحاديث كثيرة(٣).
وقال مغلطاي في (الإعلام بسنته): ((وفي تاريخ أبي حاتم
الرازي رواية الكتاني: قلت: هل سمع الحسن من سمرة؟ فذكر
كلامًا يقتضي سماعه منه))(٤).
قلت: ليته ذكر نص كلامه! ولا أدري لم حاد عنه؟!
وأخرج ابن خزيمة للحسن عن سمرة في صحيحه، أحاديث
عدّة(٥).
وكذا انتقى ابن الجارود للحسن عن سمرة، أحاديث كثيرة،
في (المنتقى)(٦).
وصحّح الطحاوي أيضًا للحسن عن سمرة في (بيان مشكل
الأحاديث)(٧)، بل صرّح بثبوت سماعه منه، حيث قال: ((الحسن
(١) الكنى لمسلم - خط - (٤٣).
(٢) الجامع للترمذي (رقم ١٢٣٧).
(٣) انظر جامع الترمذي (رقم ١٨٢، ٢٣٣، ٤٩٧، ١٠٨٢، ١١١٠، ١٢٩٦،
١٢٣٧، ١٢٦٦، ١٣٦٨، ١٤١٤، ١٥٢٢، ١٥٨٣، ١٩٧٦، ٣٠٧٧،
٣٢٣٠، ٣٢٣١، ٣٩٣١، ٣٢٧١).
(٤) الإعلام بسنته لمغلطاي (٨٣/٤/أ).
(٥)
صحيح ابن خزيمة (رقم ١٥٧٨، ١٧١٠، ١٧١١، ١٧٥٧).
(٦) منتقى ابن الجارود (رقم ٢٨٥، ٦٢١، ٦٢٢، ٦٤٤، ٩١٠، ٩٧٣،
١٠١٥، ١٠٢٤، ١٠٢٦).
(٧) بيان مشكل الأحاديث للطحاوي (٤٤٥/١٣ - رقم ٥٤٠٠ - ٥٤٠٣).
١١٨٦

عن سمرة: موهومٌ فيه لقاءُ الحسنِ سمرةً وأَخْذُهُ عنه، بل قد صحّ
ذلك وثبت .. ))، ثم ذكر الطحاوي حديث العقيقة(١).
وأخرج أبو عوانة للحسن عن سمرة رضي الله عنه في
(مستخرجه على صحيح مسلم)(٢).
وقال الحاكم في (المستدرك)، عقب حديث للحسن عن
سمرة: ((لا يتوهم متوهم أن الحسن لم يسمع من سمرة! فإنه قد
سمع منه»(٣).
وقال ابن طاهر المقدسي في (الجمع بين رجال
الصحيحين): ((سمع سمرة بن جندب، عند البخاري)) (٤).
وقال ابن الجوزي في (التحقيق): ((وقول علي بن المديني:
إن أحاديث الحسن عن سمرة صحاح، يعني أنه قد سمعها منه،
يقدَّم على قول يحيى بن سعيد القطان: إن أحاديث الحسن عنه
كتاب، وعلى قول ابن حبان: إنه لم يشافه سمرة!))(٥) .
قلت: هذا مع أن ابن الجوزي أعلّ أكثر من حديث، في
كتابه (التحقيق) أيضًا، بعدم سماع الحسن من سمرة !! (٦).
وهذا من المآخذ على ابن الجوزي في كتابه (التحقيق)، كما
نبه على ذلك ابن عبد الهادي في (التنقيح) وغيره !!! (٧).
وقال النووي في (تهذيب الأسماء واللغات): ((سمع
سمرة»(٨).
(١) بيان مشكل الأحاديث للطحاوي (٣٧٤/١٥ عقب رقم ٦٠٩٢).
(٢) القسم المفقود من مستخرج أبي عوانة (ص٣٣).
(٣) المستدرك (٢١٥/١).
(٤) الجمع بين رجال الصحيحين (٨٠/١).
(٥) انظر البدر المنير لابن الملقن (٥٩/٢/أ).
(٦) التحقيق (١٨٦/أ، ٢٢٠/أ).
(٧) التنقيح لابن عبد الهادي (١١٦/١، ١٢١ - ١٢٥، ٣٦٥).
(٨) تهذيب الأسماء واللغات، للنووي (١٦١/١).
١١٨٧

وقال الحافظ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي
(ت ٧٠٥ هـ)، في كتابه (كشف المغطى في تبيين الصلاة
الوسطى): ((وترجمة الحسن عن سمرة ترجمة جليلة محفوظة،
أخرجها البخاري في جامعه الصحيح، في حديث العقيقة.
وقد ذكر عن شعبة، أنه قال: لم يسمع الحسن من
سمرة بن جندب.
والصحيح الأول، لأنه مثبت، وهذا نافي.
وعلى تقدير عدم السماع، قد قيل: إنه كتاب، والكتاب
حجة عن أهل النقل))(١).
وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء): ((اختلف النقاد في
الاحتجاج بنسخة الحسن عن سمرة، وهي نحو من خمسين
حديثًا. فقد ثبت سماعه من سمرة، فذكر أنه سمع منه حديث
العقيقة))(٢).
وقال ابن قيم الجوزية في (إعلام الموقعين عن رب
العالمين): ((قد صحّ سماع الحسن من سمرة، وغاية هذا أنه
کتاب))(٣).
وهذا آخر الموقف الخامس، وهو آخر المواقف المتناولة
لمسألة رواية الحسن عن سمرة بن جندب رضي الله عنه.
وقبل الانتقال عن هذا العرض، وقبل التعليق عليه أيضًا،
نقف مع موقف غامض لأحد الأئمة الكبار من هذه المسألة.
أعرض لك في هذه الوقفة، الغموض الذي اكتنف كلامه،
واستشكال الأئمة له بعده، وبعض جهودي في كشف هذا
الغموض .. دون جدوی !!!
(١) كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى، للدمياطي (٣٦ - ٣٧).
(٢) سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٨٧).
(٣) إعلام الموقعين لابن قيم الجوزية (١٤٤/٢).
١١٨٨

نعم ... دون جدوى، إلا من الترجيح، المبني على
الظن !!!
قال الإمام أبو داود السجستاني في كتابه (السنن): ((حدثنا
محمد بن داود بن سفيان: حدثنا يحي بن حسان: حدثنا
سليمان بن موسى أبو داود: حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن
جندب: حدثني خبيب بن سليمان بن سمرة، عن أبيه سليمان بن
سمرة، عن سمرة بن جندب: أما بعد أمرنا رسول الله وَله، إذا
كان في وسط الصلاة، أو حين انقضائها، فابدؤوا قبل التسليم،
فقولوا: التحيات الطيبات، والصلوات، والملك لله. ثم سلموا
على قارئكم، وعلى أنفسكم.
قال أبو داود: سليمان بن موسى كوفي الأصل، كان
بدمشق.
قال أبو داود: دلت هذه الصحيفة على أن الحسن سمع من
سمرة))(١).
يعني أبو داود بالصحيفة: صحيفة سمرة بن جندب رضي الله
عنه، التي أرسلها سمرة إلى بنيه؛ وهذا الحديث أحد الأحاديث
التي تضمنتها تلك الرسالة الكبيرة.
وسوف يأتي الكلام عن هذه الصحيفة، التي يرويها بنو
سمرة وأحفاده عن سمرة رضي الله عنه، بشيء من التوسع، في
آخر هذا المبحث، إن شاء الله تعالى (٢).
وعندما وقف الحافظ ابن حجر على هذا الحديث، ونقل منه
كلام أبي داود عقبه، في كتابيه: (النكت الظراف على الأطراف) و
(تهذيب التهذيب)(٣)، فأورده كما نقلته من (سنن أبي داود)
المطبوع.
(١) سنن أبي داود (١/ ٥٩٧ - ٥٩٨ رقم ٩٧٥).
(٢) انظر ما سيأتي (١٤٢٢ - ١٤٣١).
(٣) النكت الظراف (٧٧/٤)، التهذيب (٢٦٩/٢).
١١٨٩

وقال في (التهذيب)، عقب نقله قول أبي داود: ((دلت هذه
الصحيفة على أن الحسن سمع من سمرة))، قال: ((ولم يظهر لي
وجه الدلالة بعد)) !!! (١).
هذا أول وقوفي على إشكال هذه المسألة: يقول أبو داود،
عقب حديث لأبناء سمرة عن أبيهم: ((دلت هذه الصحيفة على أن
الحسن سمع من سمرة)»، ولا علاقةَ ظاهرةً بين إسناد هذا الحديث
والحسن البصري، ولا من وجه! حتى يكون الحديث - بعد هذا -
دالاً على سماع الحسن من سمرة رضي الله عنه !!!
ثم يقف فارس من فرسان الحديث، وهو الحافظ ابن
حجر، حائرًا، ليقول: ((ولم يظهر لي وجه الدلالة بعد)) !!!
فتناولت - بعد ذلك - أقرب شرح إلى يدي، لـ ((سنن أبي
داود)» عسى أن أجد فيه شيئًا.
فتناولت (عون المعبود شرح سنن أبي داود) لمؤلفه: أبي
الطيب محمد شمس الحق بن أمير علي بن مقصود علي الصديقي
العظيم آبادي، رحمه الله (ت١٣٢٩ هـ).
فوجدته يوجه دلالة كلام أبي داود، ففرحت بذلك، وقلت:
كم ترك الأول للآخر !!
قال الشيخ محمد شمس الحق رحمه الله: ((أمّا قول
المؤلف: دلت هذه الصحيفة ... إلخ - فوجه دلالتها، وتعلقها
بالباب: أن هذا اللفظ الذي رواه سليمان بن سمرة، عن أبيه،
بقوله: أما بعد فإن رسول الله وَلّر ... إلخ - من ألفاظ الصحيفة
التي أملاها سمرة، ورواها عنه ولده سليمان. فأراد أبو داود: أن
سليمان بن سمرة كما صح سماعه من أبيه بهذه الصحيفة وغيرها
(١) التهذيب (٢٦٩/٢).
١١٩٠

من سمرة. لأن كلا منهم، أي: سليمان بن سمرة، وكذا
الحسن بن يسار - من الطبقة الثالثة.
فدل ذلك أن الحسن سمع من سمرة، كما أن سليمان بن
سمرة سمع من أبيه سمرة، لأنهما من الطبقة الثالثة.
فلمّا سمع سليمان بن سمرة من أبيه سمرة، فلا مانع أن
یکون الحسن سمع منه.
وأن أبا داود من القائلين بأن الحسن البصري ثبت سماعه
من سمرة))(١) .
ثم نقل صاحب (عون المعبود) بعد ذلك، قول الحافظ ابن
حجر في تعقيبه على كلام أبي داود: ((لم يظهر لي وجه الدلالة
بعد»(٢).
وبعد قراءة هذا الكلام، وهو أمامك فاقرأه، بَانَ ولا مُحَصِّل
منه !!!
فلا تغتر بسطوره، فإنما هي بياض في الحقيقة !!
وامْضٍ .. فكأنه كلام ما قيل !!!
ولا تطالبني ببيان عُوّار هذا الكلام، فهو ما رأيته في الكلام
نفسه، والله يعينك !!
ورحم الله أبا الطيب محمد شمس الحق آبادي، وبارك الله
له جهوده في خدمة السنة النبوية، وأجزل له المثوبة في ذلك.
لكن حومته في هذا الموطن، لم يظفر فيها بشيء!
(١) عون المعبود (٢٦٣/٣ رقم ٩٩٦٢).
(٢) عون المعبود (٣٦٤/٣).
١١٩١

فتركت كتاب (عون المعبود)، ومددت بصري إلى شروح
المتقدمين لـ(سنن أبي داود)، عَلّ أجد ضالتي!
فوقفت على شرح مخطوط، لـ(سنن أبي داود)،
لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن الحسين بن الحسن بن
علي بن يوسف بن علي بن أرسلان الرملي الشافعي، الشهير بابن
رَسْلان - بحذف الألف - (ت ٨٤٤ هـ).
وهو مخطوط مصور عن مكتبة لا له لي، باستنبول، رقم
(١٥٠٢). ومصورته في مركز البحوث بجامعة أم القرى، رقم
(١٣٥/ حدیث).
وبعد التفتيش في هذا الشرح، وقفت على الموطن المراد،
ورأيت فيه الحديث الذي تعقبه أبو داود بكلامه المشكل ذاك(١).
لكني وجدت الحديث، وشرحه لابن رسلان؛ ولم أجد
كلام أبي داود الذي تعقبه به، وبالتالي لم يشرحه ابن
رسلان(٢) !!.
فلا أدري أسقط كلامه على ابن رسلان؟! أم بيض له في
شرحه لعدم ظهور وجه الدلالة له منه؟ !!.
فتطلعت إلى شرح آخر، هو (شرح سنن أبي داود)،
لبدر الدين محمود بن أحمد بن موسى العيني الحنفي (ت٨٥٥ هـ).
فوقفت على نسختين خطيتين له، إحدى هاتين النسختين
بخط المؤلف بدر الدين العيني نفسه!
وهما من محفوظات دار الكتب المصرية، رقم (٢٨٦/
حديث)، ورقم (١٩٦٩٧).
(١) شرح سنن أبي داود لابن رسلان (٤٠٩/١/أ - ب).
(٢) ما سبق.
١١٩٢

وهما مصوّرتان في مركز البحوث بجامعة أم القرى، أمّا التي
بخط العيني، فبرقم (٢٨٦/ حديث)، وأما الأخرى، فبرقم (٨٥٨/
حدیث).
وفتشت المخطوطة التي بخط المؤلف، فوقفت على الموضع
المقصود.
فبعد أن ذكر العيني الحديث الذي تعقبه أبو داود بذاك
الكلام المشكل، شرع في شرحه، إلى أن نقل قول أبي داود:
(دلت هذه الصحيفة على أن الحسن سمع من سمرة)).
بعد أن نقل العيني هذه العبارة، ومن خطه أذكر هذا، بيّض
بعدها موضع سطرين أو ثلاثة (١) !!!
وكذا في النسخة الأخرى لشرح العيني، وهي نسخة منقولة
عن النسخة التي بخط العيني. نقل الناسخ شرح العيني للحديث،
ثم كلام أبي داود، ثم قال عقبه: ((بياض بالأصل))(٢) !!.
ويبدو أن العيني (لم يظهر له وجه الدلالة) من كلام أبي
داود، فأَجَّل شرح عبارة أبي داود إلى حين ظهور وجه الدلالة له
منها!
ويظهر أن هذا منهج للعيني في شرحه: التبييض لما يؤجل
شرحه، بسبب غموضه أو رجاء الزيادة عليه ونحو ذلك. كما نص
عليه صاحب الرسالة العلمية (بدر الدين العيني وأثره في علوم
الحديث): صالح يوسف معتوق(٣).
(١) شرح سنن أبي داود للعيني، النسخة التي بخطه (٥١/ ب - ٥٢/أ).
(٢) شرح سنن أبي داود للعيني، النسخة المنقولة عن النسخة التي بخط العيني
(٣٢٢/٣/أ).
(٣) بدر الدين العيني وأثره في علوم الحديث لصالح يوسف معتوق (١٨٥).
١١٩٣

فلم أستفد من شرح العيني، إلا أنه (لم يظهر له وجه
الدلالة) بعد، من كلام أبي داود!
فانضاف العيني إلى ابن رسلان، إلى الحافظ ابن حجر، في
عدم ظهور وجه الدلالة من كلام أبي داود لأيّ منهم !!!
ولم أستطع الوقوف على غير هذه الشروح لسنن أبي داود!
فيئست من حل إشكال كلام أبي داود، ومن معرفة وجه
الدلالة فيه؛ بعد أن بذلت فيه وسعي، وقلبته على جميع وجوهه،
فلم أظفر من ذلك بشيء !!
ويزيد من إشكال كلام أبي داود، بل ويجعله شبه مستغلق
مستحيل الظهور: أن نسخة رواية أبناء سمرة عن أبيهم رضي الله
عنه؛ هذه النسخة نفسها حجة من قال بأن الحسن إنما يروي من
صحيفة سمرة، لا عن سماع. كما سبق في تضاعيف كلام جماعة
من الأئمة، وكما سيأتي إيضاح ذلك وإثباته بالأدلة الظاهرة إن
شاء الله تعالى(١).
فكيف تكون النسخة التي هي دليل على عدم سماع الحسن
من سمرة، عند جماعة من الأئمة، دليلاً - هي نفسها - عند أبي
داود على سماع الحسن من سمرة؟ !!
هذا مستحيل، أن يكون هذا الدليلُ الواحد دليلاً للشيء
ونقيضه !!!
أرأيت هذا الاستغلاق !!!
ثم بعد هذا كله، وقفت على ما زاد الموقف غموضًا، بل
ما جعل الأمر مبهمًا، ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده
لم يكد يراها !!!
(١) انظر ما تقدم (١١٨٠ - ١١٨٥) وما سيأتي (١٢١٢ - ١٢١٩).
١١٩٤

ذلك أن لأبي داود السجستاني كتابًا مشهورًا خصه بالمراسيل
من الأحاديث، كما سمّاه: (المراسيل).
في هذا الكتاب، يروي أبو داود بإسناده حديثًا، إلى الحسن
البصري عن سمرة بن جندب رضي الله عنه. هو حديث سمرة
عن النبي ◌ّر: ((من وجد عين ماله عند رجل، فهو أحق به،
ويتبع البيع من باعه))(١).
وإخراج أبي داود هذا الحديث في كتابه (المراسيل)، يعني
أنه عند أبي داود من (المراسيل).
وقد قال أبو داود في إسناده لهذا الحديث: ((حدثنا عمرو بن
عون: حدثنا هشيم، عن موسى بن السائب، عن قتادة، عن
الحسن، عن سمرة .. ))(٢) - الحدیث.
وقد صرّح هشيم بالسماع من موسى بن السائب، كما في
(المنتقى) لابن الجارود(٣).
وسيأتي - إن شاء الله تعالى - تخريج هذا الحديث، تخريجًا
موسعًا، فيما نستقبل من هذا المبحث(٤).
فإسناد الحديث متصل إلى الحسن البصري.
هذا أولاً .
ثانيًا: أني باستقراء كتاب (المراسيل) لأبي داود وجدته إنما
یذکر فيه صورتین في الإرسال:
الأولى: رواية التابعي عن النبي بَّ؛ وعلى هذا غالب
الكتاب.
(١) المراسيل لأبي داود (رقم ١٩٣).
(٢) المصدر السابق.
(٣) المنتقى لابن الجارود (رقم ١٠٢٦).
(٤) انظر ما سيأتي (١٣٠٦ - ١٣٠٧).
١١٩٥

الثانية: رواية التابعي عمن لم يلقه من الصحابة رضي الله
عنهم؛ وهذا في خمسة عشر حديثًا فقط، من كتابه، منها حديثنا
هذا، إن كان منها!
وظاهر أن حديث الحسن عن سمرة رضي الله عنه، ليس من
الصورة الأولى؛ فلن يكون - إذًا - إلا من الصورة الثانية.
فيكون مقصود أبي داود، من إيراده هذا الحديث في كتابه
(المراسيل)، على نهجه الذي بيناه - أنه مرسل بين الحسن وسمرة
رضي الله عنه !!
وعلى هذا، فيكون الحسن، عند أبي داود، لم يسمع من
سمرة رضي الله عنه !!
فكيف يكون الحسن لم يسمع من سمرة عند أبي داود؟ مع
قول أبي داود في (السنن): ((دلّت هذه الصحيفة على أن الحسن
سمع من سمرة» !!!
قف من هذا الإشكال ما شئت من وقفات، فلن تخرج إلا
بالحيرة، وبالإشكال أكثر من ذي قَبْلِ إشكالاً !!
كان من السهل أن نقول: إن أبا داود اختلف اجتهاده في
المسألة، فقال في (السنن) بقول، وخالفه باجتهاد آخر في
(المراسيل).
لكن: أنسيت إشكالنا الأول، وهو عدم ظهور وجه
الاستدلال في كلام أبي داود: ((دلت هذه الصحيفة على أن الحسن
سمع من سمرة»؟!
أنسيت أن تلك الصحيفة هي دليلٌ لجماعةٍ من الأئمة، على
أن الحسن لم يسمع من سمرة؛ لا دليلٌ على أن الحسن سمع من
سمرة، كما في عبارة أبي داود؟!
فَلَنَفْهَمْ عبارةً أبي داود، ولنَفْهِمْ وَجْهَ دلالةِ الصحيفة على
١١٩٦

السماع، ولنفهم كيف يكون ذلك مع كون الصحيفة عند غير أبي
داود دليلاً على عدم السماع .. لنفهم هذا كله، ثم لنقل إن أبا
داود قال بقول، ثم خالفه باجتهاد آخر !!
أمّا أن نقول إن أبا داود قال في (السنن) بسماع الحسن من
سمرة، ونحن لم نفهم كلامه، ولم يظهر لنا وجه استدلاله،
واستدلاله الذي يُناقضُ استدلالَ جماعة من الأئمة سواه - فهذا ما
لا يليق بالبحث العلمي الصادق الجاد.
أقول هذا .. بعد أن وقفت مع هذا الإشكال طويلاً طويلاً،
ولي في حله محاولات عدّة، يشهد ببعضها مسوّدات البحث.
وكنت خلال ذلك أستشير وأستخير، وأطلب العون من السميع
العلیم !!
إلى أن لاح لي احتمال، إن صدق، كان الحل لجميع
إشكالات المسألة، والكاشف لكل ستور غموضها !!!
وهو أن يكون أصاب كلام أبي داود في (السنن) تحريفٌ،
أخل بمعناه، سبَّبَ كُلَّ ذلك الغموض والإشكال.
يُقوِّي ورودَ هذا الاحتمال على كلام أبي داود في (السنن)،
الغموضُ الذي يكتنفه، مما أعيا الشُّرَّاحَ من الأئمة: ابنَ حجر،
وابنَ رسلان، والعينيَّ .. حتى شمسَ الحق آبادي !!
ولعمري! لئن كان في الصحيفة التي يرويها أبناء سمرة عن
أبيهم دلالةٌ على سماع الحسن من سمرة، كما تزعمه تلك العبارة
الواردة في (السنن) لأبي داود؛ وكانت تلك الدلالة على ذلك
القدر من الغموض، الذي أعجز العلماء كَشْفَهُ - لَكَان لِزَامًا على
أبي داود إيضاحُ وجه استدلاله، ولكان من أعظم الأخطاء والعيوب
في التصنيف سكوتُهُ عن هذا الأمر الشديد الإشكال.
وحُسْن تصنيف أبي داود لكتابه (السنن)، ذلك الحُسْن الذي
١١٩٧

بوأ (السنن) لأبي داود مرتبته في أمهات الدين وأصوله؛ مع إمامة
أبي داود الغنية عن التنويه؛ مع عربيته نسبًا ولسانًا - هذا كله
يُسْتبعد معه أن يكون أبو داود قال كلامًا على تلك الدرجة من
الاستبهام وخفاءِ المقصود!
هاتان قرينتان تُقوِّيان حصولَ تحريفٍ في عبارة أبي داود التي
في (السنن)، وبقيت قرينةٌ ثالثة، ورابعةٌ أيضًا !!
فالقرينة الثالثة: وهي قرينة تساعدنا أيضًا على معرفة حقيقة
عبارة أبي داود قبل التحريف المظنون، وتدل على ما يجب أن
تكون عليه العبارة، لتتخلص من جميع إشكالاتها!
هذه القرينة هي مناقضة استدلال أبي داود لاستدلال جماعة
من الأئمة سواه، بصحيفة أبناء سمرة عن أبيهم رضي الله عنه.
فهذه قرينة ثالثة على حصول تحريف في عبارة أبي داود،
لاستحالة أن تكون صحيفة أبناء سمرة عن أبيهم دليلاً على السماع
وعدمه في آنٍ واحد !!!
لذلك، فقد دلني هذا التناقض المستحيل في الاستدلال،
إلى أنّ الجادة في أن يكون أبو داود مستدلاً بالصحيفة على مثل
ما استدل به الأئمة غيره بها.
والأئمة استدلوا بالصحيفة على عدم سماع الحسن من
سمرة، فالجادة أن يكون أبو داود مثلهم: مستدلاً بالصحيفة على
عدم السماع؛ لا أن يكون نقيضهم: مستدلاً بالصحيفة على
السماع !!!
وعبارة أبي داود في (السنن)، تحتمل وقوع سقط يسير بها،
يقلب معناها إلى النقيض حقًا!
فالعبارة في (السنن): ((دلت هذه الصحيفة على أن الحسن
سمع من سمرة)).
١١٩٨

فيمكن أن يكون سقط من هذه العبارة أداة للنفي، كـ(ما)،
قبل الفعل: (سمع).
فتكون عبارة أبي داود، على المظنون منها: ((دلت هذه
الصحيفة على أن الحسن [ما] سمع من سمرة)).
ويؤيد حصول هذا السقط، وأنه أداة للنفي، كما شرحت -
أن العبارة على هذا (النفي) تنفي معها كل الإشكالات التي جعلتها
مُسْتَبْهَمَة المعنى، غريبةَ الاستدلال، بعيدةَ القبول!
ومن تلك الإشكالات التي تحلها: ما ذكرناه آنفًا، من أن
غموض العبارة، وعدم ظهور وجه الاستدلال فيها، من عيوب
التصنيف، التي يُجَلّ عنها أبو داود و(سننه).
إذ إن دلالة صحيفة أبناء سمرة على عدم سماع الحسن من
سمرة رضي الله عنه، دلالة ظاهرة، أتت الأخبار تثبتها، وواقع
روايات الحسن عن سمرة يوضحها، كما سيأتي في موطنه قريبًا،
خلال هذا المبحث، إن شاء الله تعالى(١).
فزال بتقدير ذلك السقط: إشكال عدم ظهور وجه الدلالة،
وإشكال تناقض الاستدلال بالصحيفة بين أبي داود وغيره من
الأئمة؛ وأخيرًا إشكال تناقض موقف أبي داود نفسه من هذه
المسألة، في كتابيه (السنن) و (المراسيل)!
وهذه هي القرينة الرابعة على حصول تحريف في عبارة أبي
داود التي في (السنن).
وهي قرينة أيضًا على صواب السقط الذي قدرناه: ((دلت
هذه الصحيفة على أن الحسن [ما] سمع من سمرة)).
إذ إن حكم أبي داود بإرسال الحسن عن سمرة، وعدم
(١) انظر ما سيأتي (١٢١٢ - ١٢١٩).
١١٩٩