Indexed OCR Text

Pages 1141-1160

جعل علي بن المديني يحصر ذكر قبيصة بن حريث من رواية
قتادة، في إسناد الحديث، بأنه إنما يذكره معمر، يعني: من غير
اختلاف عليه في ذلك!
والوجه الثالث عن شعبة: أن بكر بن بكار، رواه عن شعبة،
عن قتادة، عن الحسن، عن جون بن قتادة، عن سلمة بن المحبق
رضي الله عنه(١) - بذكر جون بدلاً من قبيصة.
وبكر بن بكار تقدم أنه ضعيف.
وقد تفرد بكر بن بكار بهذه الرواية، وخالف غيره ممن رواه
عن الحسن عن سلمة، أو عن الحسن عن قبيصة عن سلمة
رضي الله عنه. ولم يذكر جونا، في إسناد هذا الحديث، غير
بكر بن بكار في روايته هذه عن شعبه.
ولذلك تعقب علي بن المديني في (العلل)، رواية بكر بن
بكار هذه بقوله: ((وهذا عندي باطل))(٢).
وقد أعلن بكر بن بكار نفسه عن عدم إتقانه وسوء حفظه
لهذه الرواية، بما جاء من وجه آخر عنه، عن شعبة، عن قتادة،
عن الحسن، عن جون بن قتادة، أو عن رجل، عن سلمة بن
المحبق رضي الله عنه(٣) - كذا قال بكر بن بكار على الشك.
(١) أخرجه محمد بن مندة بن أبي الهيثم منصور الأصبهاني في الجزء التاسع
من حديثه (٢٢١/ب)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٤٤/٣)،
والطبراني في المعجم الكبير (رقم ٦٣٣٥)، وابن عدي في الكامل (٢)
١٧٨ - ١٧٩)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٩١/١/أ)، وفي أخبار
أصبهان (٢٣٥/١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢٤٠/٨)، والخطيب في
المتفق والمفترق (رقم ٩٤)، والحازمي في الاعتبار (٤٧٧).
(٢) العلل لابن المديني (٥٩ رقم ٧٤).
(٣) أخرجه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٢٥٢)، وابن عساكر في
تاريخ دمشق - خط - (٤ /٤٩).
١١٤٠

هذان راويان عن قتادة: سعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وبقي
ثالثهم :
حيث رواه معمر بن راشد، عن قتادة، عن الحسن، عن
قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق رضي الله عنه (١) - بذكر
قبيصة فيه .
ورواه عن الحسن أيضًا، عمرو بن دينار، واختلف عليه:
فرواه حمّاد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن الحسن، عن
سلمة بن المحبق رضي الله عنه(٢).
ووافقته رواية صحّت عن سفيان بن عيينة، بروايته عن
(١) أخرجه الإمام أحمد (٦/٥)، وأبو داود (رقم ٤٤٦٠)، والنسائي في
المجتبى (رقم ٣٣٦٣) وفي الكبرى (رقم ٥٥٥٦، ٧٢٣٣)، وأبوالقاسم
البغوي في معجم الصحابة (٢٥٣)، والطبراني في المعجم الكبير (رقم
٦٣٣٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢٤٠/٨)، وابن عساكر في تاريخ
دمشق - خط - (٤ / ٥٠).
كلهم من طريق عبد الرزاق، عن معمر .. به، بتسمية الواسط بين الحسن
وسلمة: بقبيصة بن حريث.
بينما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (رقم ١٣٤١٨)، لكن بتسمية الواسطة
بين الحسن وسلمة: بقبيصة بن ذؤيب!
ونبّه محقق مصنف عبد الرزاق إلى أنه كذا ورد في المخطوط، ومال
المحقق إلى أنّ هذا الخطأ من إسحاق بن إبراهيم الدبري، راوي المصنف
عن عبد الرزاق.
ولا أحسبه من الدبري كما مال إليه محقق المصنّف، لأن الطبراني أخرجه
عن الدَّبري عن عبد الرزاق في المعجم الكبير، كما سبق، فذكره على
الصواب: قبيصة بن حريث!
فلعله خطأ من النساخ، أو من أحد رواة المصنف بعد الدبري!
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٦/٥)، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة
(٢٥٢)، والبيهقي (٢٤٠/٨)، وأبو الحسن علي عمر بن محمد ابن
القزويني في جزء من مجالس أماليه (٤/ب)، وابن عساكر في تاريخ
دمشق - خط - (٤/ ٥١).
١١٤١

عمرو بن دينار، عن الحسن، عن سلمة بن المحبق رضي الله
عنه (١).
قال علي بن المديني، بعد أن رواه عن ابن عيينة من هذا
الوجه: ((فقلت لسفيان: إن قتادة يقول عن الحسن: عن قبيصة بن
حريث، عن سلمة بن المحبق؟.
فقال سفيان: قال لي عمرو بن دينار: بينهما إنسان أو
رجل. فقال أبو بكر الهذلي لعمرو بن دينار: بينهما قبيصة بن
حریث.
قال سفيان: وإنما عرف الهذلي هذا، لأنه من قوم سلمة بن
المحبق، من هذيل))(٢).
وهذا النقل من التعليلات الجليلة الخفية، التي تصلح مثالاً
لتنقير الأئمة عن علل الحديث!
فهو يوضح، تمام الوضوح، علة حديث عمرو بن دينار عن
الحسن عن سلمة، بأن عمرًا حذف قبيصة بن حريث من إسناده،
لعدم حفظه لاسمه، لا لأن سماعه للحديث من الحسن كان
بحذف قبيصة.
ويبين ذلك أيضًا، رواية أخرى لسفيان بن عيينة، عن
عمرو بن دينار، عن الحسن، عن رجل عن سلمة بن المحبق
(١) أخرجه الشافعي كما في كتاب حرملة عنه، انظر معرفة السنن والآثار (رقم
١٦٨٨٤)، وعلي بن المديني في العلل (٥٩،٥٧ رقم ٧٠، ٧٤)، وابن أبي
عاصم في الآحاد والمثاني (رقم ١٠٦٦)، والبغوي في معجم الصحابة
(٢٥٢)، والطبراني في المعجم الكبير (رقم ٦٣٣٧)، وابن عساكر في
تاريخ دمشق - خط - (٤ / ٥٠).
(٢) انظر العلل لابن المديني (٥٧ - ٥٨، ٥٩ رقم ٧٤،٧٠)، ومعجم الطبراني
الكبير (رقم ٦٣٣٧). وقد دمجت بتصرف يسير بين المصدرين، لزيادة
التوضيح، وإلا فلا اختلاف ذا قيمة مؤثرة بينهما!
١١٤٢

رضي الله عنه(١).
فهذه الرواية نَقْلٌ يُثبت - عمليًّا - ما جاء في كلام سفيان بن
عيينة من أن عمرو بن دينار إنما روى الحديث عن الحسن إلى
سلمة بن المحبق رضي الله عنه بواسطةٍ بينهما. لكن عمرو بن
دينار نسي اسم هذه الواسطة فأبهمها أوّلاً، ثم حذفها بالكلية
ثانيًا !!
لكن يبدو أن عمرو بن دينار عاد فاعتمد كلام أبي بكر
الهذلي له، فتذكر اسم تلك الواسطة، بتذكير أبي بكر الهذلي!
حيث أخرج عبد الرزاق في (المصنف): ((عن ابن عيينة،
عن عمرو بن دينار، قال: سمعت الحسن يحدِّث عن قبيصة بن
[حريث](٢) عن سلمة بن المحبق ... ))(٣).
وهذا إسناد صحيح، يقطع بأن عمرو بن دينار إنما سمع
الحديث من الحسن، يذكره عن قبيصة، عن سلمة بن المحبق
رضي الله عنه!
مع ذلك تفرّد محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن
دينار، عن الحسن، أنه قال: ((سمعت سلمة بن المحبق .. ))(٤) !!
ومحمد بن مسلم الطائفي (ت قبل ١٩٠هـ).
(١) أخرجه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٢٥٢)، وابن عساكر في
تاريخ دمشق - خط - (٤ / ٥٠).
(٢) وقع هذا الاسم في مخطوط (مصنف عبد الرزاق) كما نبه المحقق، وكما
أثبته في (المطبوع): ((قبيصة بن ذؤيب)! وذلك في سياق إسنادين في
(المصنف) !!
وقد سبق الكلام عن الخطأ، وبيان صوابه، بدليله، فانظره (١١٤١).
(٣) مصنف عبد الرزاق (رقم ١٣٤١٨)، وذكره ابن عبد البر في الاستذكار
(١٤٩/٢٤ - ١٥٠) على الصواب في اسم (قبيصة بن حريث).
(٤) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٧٢/٤)، وأبو القاسم البغوي في
معجم الصحابة (٢٥٢)، والطبراني في المعجم الكبير (رقم ٦٣٣٨)، وابن
عساكر في تاريخ دمشق - خط - (٤/ ٥٠)، والحازمي في الاعتبار (٤٧٧) . =
١١٤٣

قال عنه الحافظ: ((صدوق، يخطيء من حفظه))(١).
قلت: فمثله لا يحتمل التفرد، فضلاً عن مخالفة مثل
سفيان بن عيينة! وغيره من تلامذه الحسن، الذين ذكروا أن
الحسن إنما يروي الحديث عن سلمة بن المحبق بواسطة!
ولذلك تعقب الإمام البخاري في (التايخ الكبير)، رواية
محمد بن مسلم هذه، التي تذكر تصريحًا للحسن بالسماع من
سلمة بن المحبق، بأن قال: ((لم يسمع الحسن من سلمة، بينهما
قبيصة بن حريث، ولا يصح))(٢).
وكذا تعقبها أبو حاتم الرازي في (العلل)، تصنيف ابنه،
بقوله: ((هذا عندي غلط، غير محفوظ))(٣).
وبذلك يترجح عن عمرو بن دينار: ذكر قبيصة بن حريث
في إسناد حديث الحسن، بينه وبين سلمة بن المحبق رضي الله
عنه .
وبهذا الترجيح، يكتمل القول: إن الحسن إنما يروي حديثه
هذا، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق رضي الله عنه.
واكتمل هذا القول: بمجيء ذكر قبيصة بن حريث، بين
الحسن وسلمة بن المحبق رضي الله عنه، من وجوه متعددة، وعن
جماعة من تلامذه الحسن.
نعم .. قد اختلف على غير واحد من تلامذة الحسن، بذكر
قبيصة وعدم ذكره؛ لكن اتفاق الوجه الذي يُذكر فيه قبيصة عن
وجاء التصريح بالسماع عند البخاري في التاريخ الكبير، وعند ابن عساكر
=
في إحدى رواياته. أمّا عند البقية، فجاء من طريق محمد بن مسلم، عن
عمرو، عن الحسن، عن سلمة - كذا بالعنعنة.
(١) التقريب (رقم ٦٢٩٣).
(٢) التاريخ الكبير للبخاري (٧٢/٤).
(٣) العلل لابن أبي حاتم (رقم ١٣٤٦).
١١٤٤

ذلك الراوي عن الحسن، بما رواه راوٍ آخر عن الحسن، من غير
اختلاف عنه في ذكره، يدل على أن من ذكر قبيصة قد حفظ ما
لم يحفظ غيره!
ورواية عمرو بن دينار دليل واقعي على ذلك.
على أن الحسن كان ربما أرسل الحديث مرّات، وأسنده
أخرى، بدليل رواية جماعة من كبار الآخذين عن الحسن هذا
الحديث عنه مرسلاً، من غير ذكر قبيصة.
وهذا ما يفسر لنا صحة رواية قتادة للوجهين عن الحسن:
المرسل والمسند. ذلك أن قتادة سمع الوجهين، فأدى كلا
الوجهين، فسمع بعض الرواية عنه وجهًا، وسمع بعضهم غيره.
ولذلك اتفق علي بن المديني(١) والبخاري(٢) وأبو حاتم
الرازي(٣) وأبو القاسم البغوي (٤) - على أن الصواب في هذا
الحديث: إدخال قبيصة بن حريث في إسناده، بين الحسن
وسلمة بن المحبق رضي الله عنه!
وقال ابن عبد البر في (الاستذكار)، عن حديث الحسن عن
قبيصة عن سلمة: ((رُوي من وجوه ثابتةٍ عن الحسن ... وهو
حدیث صحیح))(٥).
بينما قال النسائي في (السنن الكبرى)، عقب هذا الحديث:
(١) العلل لابن المديني (٥٧ - ٦٠ رقم ٧٠، ٧١، ٧٤).
(٢) التاريخ الكبير للبخاري (٧٢/٤)، والعلل الكبير للترمذي (٦١٦/٢ -
٦١٧).
(٣) العلل لابن أبي حاتم (رقم ١٣٤٦).
(٤) معجم الصحابة للبغوي (٢٥٢ - ٢٥٣)، ونقله عنه ابن عساكر في تاريخ
دمشق - خط - (٤ / ٥٠).
(٥) الاستذكار لابن عبد البر (١٤٩/٢٤ - ١٥٠ رقم ٣٥٨٣٠ - ٣٥٨٣١).
١١٤٥

((وليس في هذا الباب شيء صحيح يحتج به))(١).
وقال العقيلي في (الضعفاء): ((في هذا الحديث
اضطراب))(٢).
قلت: أمّا الاضطراب الذي في إسناده، فقد زال، بما رجحه
النظر في طرق هذا الحديث، وأيده ترجيح الأئمة السابق ذكرهم!
وأمّا صحة إسناد الحديث، فإنه إسناد حسن على أقل
تقدير، لأن قبيصة بن حريث صدوق، كما تقدم في هذا
البحث(٣).
وأمّا الاحتجاج بهذا الحديث والعمل بما فيه، فإنه لا يحتج
به ولا يعمل !!
لأنه منسوخ، نسخته الحدود بعد نزولها!
قال أبو بكر الحازمي في كتابه الجليل (الاعتبار في الناسخ
والمنسوخ في الآثار): ((أخبرنا محمد بن أحمد بن الفرج(٤):
أخبرنا عبد القادر بن محمد(٥): أخبرنا الحسن بن محمد(٦) أخبرنا
(١) السنن الكبرى للنسائي (رقم ٧٢٣٣).
(٢) الضعفاء للعقيلي (٤٨٤/٣).
(٣) انظر ما تقدم (٤٣٦ - ٤٤٣).
(٤) محمد بن أحمد بن الفرج أبو منصور ابن الدقاق، ولد سنة (٥٠٤هـ)،
وتوفي سنة (٥٧٥هـ).
قال ابن الدبيئي في تاريخه: ((كان ثقة صحيح السماع)). انظر المختصر
المحتاج إليه من تاريخ ابن الدبيئي للذهبي (٧ رقم ١٤).
(٥) عبد القادر بن محمد بن عبد القادر اليوسفي، أبو طالب ابن أبي بكر،
(ت٥١٦هـ).
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣٨٦/١٩): ((الشيخ الأمين، الثقة العالم
المسند».
(٦) الحسن بن علي بن محمد بن الحسن الشيرازي، ثم البغدادي، أبو محمد
الجوهري، (ت٤٥٤هـ)، عن نيف وتسعين سنة.
١١٤٦
=

عمر بن علي الزيات(١) حدثنا عبد الله بن محمد(٢) حدثنا
إسماعيل بن مسعود الجحدري(٣) حدثنا خالد بن الحارث: حدثنا
أشعث، قال: كان الحسن يأبى إلا حديث سلمة، يأبى غيره،
يعني حديث سلمة: في رجل وقع على امرأته.
قال أشعث: بلغني أن هذا قبل نزول الحدود))(٤).
وأخرج كلام أشعث هذا أيضًا: البيهقي في (السنن الكبرى)،
من وجه آخر، إلى خالد بن الحارث به؛ لكنه مختصر، ليس فيه
إلا قول أشعث: ((بلغني أن هذا قبل نزول الحدود))(٥).
وإسناده صحيح إلى أشعث بن عبد الملك، بلفظيه المطوّل
والمختصر.
وأشعث بن عبد الملك ممن روى الحديث عن الحسن، كما
سبق .
وفائدة اللفظ المطوّل لكلام أشعث، أنه يدل على أن الحسن
كان يأخذ بهذا الحديث، ويفتي به، ولا يرى في غرابته(٦)
غضاضة من أن يحتج به ويعتمد عليه.
قال عنه الخطيب في تاريخ بغداد (٣٩٣/٧): ((كتبنا عنه، وكان ثقة أميناً،
==
كثير السماع)).
انظر سير أعلام النبلاء (٦٨/١٨ - ٦٩).
(١) عمر محمد بن علي بن يحيى البغدادي، أبو حفص الزيات، (ت٣٧٥هـ).
قال الذهبي في سيرأعلام النبلاء (٣٢٣/١٦): ((الشيخ الحافظ الثقة)).
(٢) عبد الله بن محمد بن ناجية البربري، أبو محمد البغدادي (ت٣٠١هـ).
قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٦٤/١٤): ((الإمام الحافظ
الصادق .. كان إماماً حجة، نصيراً بهذا الشأن، له مسند كبير)).
(٣) إسماعيل بن مسعود الجحدري، البصري، يكني أبا مسعود، (ت٢٤٧ هـ).
قال عنه الحافظ في التقريب (رقم ٤٨٢): ((ثقة)).
(٤) الاعتبار في النساخ والمنسوخ من الآثار الحازمي (٤٧٩).
(٥) السنن الكبرى للبيهقي (٢٤٠/٨).
(٦) انظر تفصيل نواحي غرابته، وفقه الحديث، من كلام الخطابي، في معالم
السنن (٢٧١/٦ رقم ٤٢٩٥).
١١٤٧

وهذا يدل، وبكل قوة، على أن الحسن يوثق قبيصة بن
حريث، ولا يشك في صدق روايته!
وهذا يعارض قول من تكلم في قبيصة، بادعاء الجهالة
عليه، أو غير ذلك، كما سبق فيما تقدم من هذا البحث(١).
فإذا عدنا إلى ما أشار إليه أشعث بن عبد الملك، من أن
حديث سلمة بن المحبق رضي الله عنه، منسوخ بنزول الحدود -
نجد أن إمامًا كبيرًا، وحافظًا من أئمة السنة، وافق أشعثًا على
ذلك.
ألا وهوسفيان بن عيينة!
وسفيان بن عيينة فوق جلالته وعلمه وفقهه، فإنه أيضًا ممن
روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار، عن الحسن، كما سبق.
قال ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني): ((حدثنا
يعقوب بن حميد (٢) حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار،
عن الحسن، عن سلمة بن المحبق ... - الحديث.
قال سفيان: هذا قبل أن تنزل الحدود))(٣).
وهذا إسناد جيد عن سفيان، فإن يعقوب بن حميد وإن كان
صدوقًا له أوهام، فإنه يروي هنا كلامًا لشيخه سفيان بن عيينة،
سمعه منه، فيستبعد حصول الوهم له في هذا ومثله!
والذي يؤكد نسخ حديث سلمة بن المحبق رضي الله عنه،
ما يلي:
(١) انظر ما تقدم (٤٣٦ - ٤٤٣).
(٢) يعقوب بن حميد بن كاسب المدني، نزيل مكة، وقد ينسب إلى جده،
(ت ٢٤٠ هـ أو ٢٤١هـ).
قال عنه الحافظ في التقريب (رقم ٧٨١٥): ((صدوق رما وهم)).
(٣) الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (رقم ١٠٦٦).
١١٤٨

أنّ ابن مسعود رضي الله عنه كان يفتي بمقتضى حديث
سلمة بن المحبق رضي الله عنه، كما ثبت عنه من وجوه(١).
فأخرج عبد الرزاق في (المصنف): ((عن الثوري، عن
خالد(٢) عن ابن سيرين، قال: قال علي: لو أتيتُ به لرجمته -
يعني الذي يقع على جارية امرأته - إن ابن مسعود لا يدري ما
حَدَثَ بعده))(٣).
وخرجه الطحاوي في (شرح معاني الآثار)، من وجه آخر،
عن خالد الحذاء .. به (٤).
وأخرجه البيهقي في (السنن الكبرى)، من طريق أخرى، عن
الثوري به(٥) .
وهذا إسناد صحيح إلى ابن سيرين، لكنه مرسل، لأن ابن
سيرين لم يدرك عليّا وابن مسعود رضي الله عنهما إدراكًا يسعه
معه السماع منهما. حيث إنه ولد سنة ثلاث وثلاثين(٦)، أي أن
عليًّا رضي الله عنه توفي ولابن سيرين سبع سنوات.
لكن ابن سيرين من أصح الناس مراسيل، بل قال ابن
عبد البر في (التمهيد): ((أجمع أهل العلم: أن ابن سيرين أصح
(١) انظر مصنف عبد الرزاق (رقم ١٣٤١٩ - ١٣٤٢٣)، ومصنف ابن أبي شيبة
(١٣/١٠، ١٥، ١٦، ١٦ - ١٧)، وسنن سعيد بن منصور (رقم ٢٢٦٤،
٢٢٦٥)، وموسوعة فقه عبد الله بن مسعود للقلعه جي (٣١٠)، وما يأتي
في تخريج أثر علي رضي الله عنه.
(٢) خالد بن مهران أبو المنازل، البصري، الحذاء.
قال الحافظ في التقريب (رقم ١٦٨٠): ((ثقة يرسل، أشار حماد بن زيد
إلى أنه تغير لمّا قدم من الشام، وعاب عليه بعضهم دخول في عمل
السلطان)».
(٣) معصنف عبد الرزاق (رقم ١٣٤٢٤).
(٤) شرح معاني الآثار للطحاوي (١٤٧/٣ - ١٤٨).
(٥) السنن الكبرى (٢٤٠/٨).
(٦) انظر ما تقدم (٦٩٢).
١١٤٩

التابعين مراسيل، وأنه كان لا يروي ولا يأخذ إلا عن ثقة، وأن
مراسيله صحاح كلها))(١).
ثم يشهد لمرسل ابن سيرين هذا، مراسيل لغير عن علي
رضي الله عنه أيضًا.
١ - مرسل لمغيره بن مقسم، أخرجه ابن أبي شيبة في
(المصنف)(٢).
٢ - ومرسل لعطاء بن أبي مسلم الخراساني، أخرجه
الحازمي في (الاعتبار)(٣).
٣ - ومرسل لعبد الكريم بن مالك الجزري، أو ابن أبي
مخارق، أخرجه عبد الرزاق في (المصنف)(٤).
فأرى أن أثر ابن سيرين عن علي رضي الله عنه يصح بهذه
المراسيل!
وأثر ابن سيرين هذا، ومن تابعه، عن علي بن أبي طالب
رضي الله عنه - قاطع بأن الحُكْم الوارد في حديث سلمة بن
المحبق رضي الله عنه، الذي كان ابن مسعود يفتي بمقتضاه،
منسوخ بما نزل من الحدود.
قال علي رضي الله عنه: ((إن ابن مسعود لا يدري ما حدث
بعده»!
وقد احتج الطحاوي في (شرح معاني الآثار)، لنسخ حديث
سلمة بن المحبق رضي الله عنه، بما أخرجه هو، وعبد الرزاق،
في (المصنف)، وسعيد بن منصور في (سننه)، عن علقمة بن
(١) التمهيد (٣٠١/٨).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (١٥/١٠) (رقم ٢٨٥٤٦).
(٣) الاعتبار للحازمي (٤٧٩).
(٤) المصنف لعبد الرزاق (رقم ١٣٤٣٤).
١١٥٠

قيس النخعي، أنه سئل: ((عن رجل أتى جارية امرأته؟ قال: ما
أبالي إياها أتيت، أو جارية امرأة عوسجه))(١).
وعوسجة جار لعلقمة!(٢).
قال الطحاوي عقبه: ((فهذا علقمة رحمه الله، وهو أجل
أصحاب عبد الله رضي الله عنه، وأعلمهم، قد ترك قول عبد الله
في ذلك، مع جلالة عبد الله رضي الله عنه عنده، وصار إلى
غيره.
وذلك - عندنا - لثبوت نسخ ما كان ذهب إليه عبد الله في
ذلك عنده))(٣).
ولئن احتج الطحاوي بذلك، فقد يحق لغيره أن يحتج على
النسخ أيضًا بنحو ما احتج به!
قال ابن أبي شيبة في (المصنف): ((حدثنا عبد الأعلى، عن
هشام، عن الحسن، قال: عليه الحد))(٤).
ذكر ابن أبي شيبة هذا، تحت باب (الرجل يقع على جارية
امرأته).
وإسناده صحيح، عبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى السامي،
وهشام هو ابن حسان.
فهذا يدل على أن الحسن كان يفتي بخلاف حديث سلمة بن
المحبق، والأشبه أن يكون هذا هو آخر الآمرين من الحسن
البصري.
(١) المصنف لعبد الرزاق (رقم ١٣٤٢٦)، وسنن سعيد بن منصور (رقم
٢٢٦٦، ٢٢٦٧)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١٤٨/٣).
(٢) المصادر السابقة.
(٣) شرح معاني الآثار للطحاوي (١٤٨/٣).
(٤) مصنف ابن أبي شيبة (١٤/١٠) (رقم ٢٨٥٤٣).
١١٥١

ولا أحسب رجوع الحسن عن الفتوى بحديث سلمة
رضي الله عنه، إلا لثبوت نسخه عنده، بعد أن كان يظنه محكمًا!
وممن ذهب إلى نسخ حديث سلمة بن المحبق رضي الله
عنه: البيهقي كما في (السنن الكبرى)(١) والحازمي في
(الاعتبار)(٢) وبرهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عمر الجعبري
(ت٧٣٢هـ) في كتابه (رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار)(٣).
وأطلت في إثبات نسخ هذا الحديث، حتى لا يَتَلَقَّفَهُ
مُتَلَقِّف، فيُسْقِطَ به حدًّا.
وأطلت في بيان نسخة، حتى لا يُتَعَلّق بغرابته، للطعن في
قبيصة بن حريث، شيخ الحسن البصري فيه، وللطعن في شيوخ
الحسن عامة بعد ذلك!
فالحدیث منسوخ!
ولا عجب بعد ذلك أن يكون الحكم المستنبط منه مخالفًا
لما استقر عليه الحكم الشرعي بعد ذلك، مما جاء في الحدود.
قال البيهقي في (السنن الكبرى): ((حصول الإجماع من
فقهاء الأمصار، بعد التابعين، على ترك القول به دليل على أنه -
إن ثبت - صار منسوخًا بما ورد من الأخبار في الحدود))(٤).
والله أعلم.
(١) السنن الكبرى للبيهقي (٢٤٠/٨).
(٢) الاعتبار للحازمي (٤٧٧ - ٤٧٩).
(٣) رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار الجعبري (٤٨٨ - ٤٩١ رقم ٥١٩ -
٥٢٢).
(٤) السنن الكبرى (٢٤٠/٨).
١١٥٢

الحديث الثاني:
حديث الحسن، عن سلمة بن المحبق رضي الله عنه عن
النبي ◌َّر في جلود الميته، قال: ((دباغها ذكاتها)).
رواه عن الحسن البصري ثلاثة من تلامذته، فيما علمت.
اختلف على اثنين منهم، ولم أجد خلافًا على أوّلهم فيه!
فرواه عمران بن داور القطان، عن الحسن، عن جون بن
قتادة، عن سلمة بن المحبق رضي الله عنه - بذكر جون، بين
الحسن وسلمة رضي الله عنه(١).
ورواه قتادة، واختلف فيه علیه.
فاتفق هشام بن عبد الله الدستوائي(٢) وهمام بن يحيى(٣)،
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (رقم ٦٣٤١).
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٤٧٦/٣) (٧/٥)، والبخاري في التاريخ الكبير (٤/
٧٢)، والنسائي في المجتبى (رقم ٤٢٤٣) وفي السنن الكبرى (رقم
٤٥٦٩)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (رقم ١٢٤٣)، وابن أبي شيبة في
المصنف (٣٨١/٨) (رقم ٢٤٧٨٢)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار
- مسند ابن عباس (رقم ١٢٠٧، ١٢٠٨)، والطحاوي في شرح معاني
الآثار (٤٧١/١)، وابن عدي في الكامل (١٧٨/٢)، والدارقطني في سننه
(٤٥/١)، والحاكم وصححه في المستدرك (١٤١/٤)، والبيهقي في السنن
الكبرى (٤٧١/١)، وابن حزم في المحلى (١٢٠/١)، وابن عساكر في
تاريخ دمشق - خط - (٤ / ٤٨).
(٣) أخرجه الإمام أحمد (٤٧٦/٣) (٦/٥)، وابن داود (رقم ٤١٢٥)، وابن أبي
شيبة في المصنف (٨/ ٣٨١) (رقم ٢٤٧٨٣)، وسقط من مطبوعه ذكر الحسن
البصري، وتصويبه من مسند ابن أبى شيبة (٤٢/أ)، ومن الذين أخرجوه من
طريق ابن أبي شيبة، كابن أبي عاصم، وابن حبان، كما سيأتي !.
وأخرجه أيضاً ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (رقم ١٠٦٤)، وابن
المنذر في الأوسط (٢٦٢/٢ رقم ٨٤١)، والطبراني في المعجم الكبير
(رقم ٦٣٤٠)، وابن حبان في صحيحه، انظر الإحسان (رقم ٤٥٢٢)،
والدارقطني (٤٦/١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٩١/١/أ - ب)،
والبيهقي في السنن الكبرى (٢١/١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق - خط
- (٤٩/٤)، والحافظ ابن حجر في موافقه الخبر الخبر (١٢٧/٢ - ١٢٨).
١١٥٣

كلاهما: عن قتادة، عن الحسن، عن جون بن قتادة، عن
سلمة بن المحبق رضي الله عنه - بذكر الجون فيه.
ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، واختلف عليه:
فروه محمد بن جعفر غندر(١) ويزيد بن زريع(٢) كلاهما:
عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سلمة بن المحبِّق
رضي الله عنه - بدون واسطة بينهما.
ووافق سعيدًا على هذا الوجه حماد بن سلمه، فرواه عن
قتادة، عن الحسن، عن سلمة بن المحبق(٣) رضي الله عنه - بلا
واسطة.
بينما رواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد، عن
قتادة، عن الحسن، عن جون بن قتادة، عن سلمة (٤) رضي الله عنه
- بذكر جون فيه.
أمّا اختلاط سعيد بن أبي عروبة، فسبق أن قلنا: إن رواية
يزيد بن زريع(6) وكذا عبد الأعلى(٦) من صحيح حديث سعيد.
أمّا محمد بن جعفر غندر، فإنه أيضًا ممن سمع من سعيد
قبل الاختلاط.
وفي (سؤالات ابن الجنيد): ((قلت: ليحيى: غندر سمع من
(١) أخرجه الإمام أحمد (٦/٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق - خط - (٤/
٤٩).
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (رقم ٦٣٤٣)، وأبو القاسم بن بشران
في أماليه (١١٠/٢/أ).
(٣) ذكره المزي في تحفة الأشراف (رقم ٤٥٦٠).
(٤) أخرجه ابن عدي في الكامل (١٧٨/٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق -
خط - (٤/ ٤٩).
(٥) انظر ما تقدم (٦٢١).
(٦) انظر ما تقدم (٦٦٥).
١١٥٤

سعيد بن أبي عروبة في الاختلاط؟ أو قبله؟ فقال لي يحيى:
زعموا أنه لم يسمع منه إلا في الصحة، وإن أوّل من عرف
اختلاط سعيد بن أبي عروبة غندر))(١).
وفي تاريخ الدارمي، أنه سأل ابن معين: ((فعبد الأعلى
عندك أثبت في سعيد؟ أو غندر؟ فقال: كل ثقة)(٢).
وقد أخرج الإمام مسلم في (صحيحه)، لغندر عن سعيد بن
أبي عروبه(٣).
وكذا أخرج ابن حبان في (صحيحه)، لغندر عن ابن أبي
عروبة، بعض مفاريده عنه (٤).
وقد كان غندر شديد الضبط لحديث سعيد بن أبي عروبه،
فقد قال الإمام أحمد في (العلل): ((كان غندر إذا كان في شيء
من حديث سعيد عليه (عين) - يعني علامة - قال فيه: (حدثنا
سعيد)، وقال: قد سمعته، وعرضته على سعيد. وإذا لم تكن
عليه (عين)، لم يقل فيه: (حدثنا سعيد)، قال: قد سمعته من
سعید))(٥).
أمّا عبد الرحمن بن مهدي، فنقل عنه ابن عدي، أنه قال:
((سمع غندر من سعيد بن الاختلاط))(٦).
قال ابن عدي في (الكامل): ((ذكرت قول ابن مهدي لابن
(١) سؤالات ابن الجنيد (رقم ٦٧).
(٢) تاريخ الدارمي (رقم ٦٥٨).
(٣) صحيح مسلم (رقم ٢٢٧٩).
(٤) الإحسان (رقم ٢٧٠٢،٤٦٩٩).
(٥) العلل للإمام أحمد (رقم ٤٨٠٢).
(٦) الكامل لابن عدي (٣٩٤/٣).
١١٥٥

مكرم(١) فقال لي: كيف يكون هذا؟! وقد سمعت عمرو بن علي،
يقول: سمعت غندر يقول: ما أتيت شعبة، حتى فرغت من
سعيد بن أبي عروبة !! ))(٢).
قلت: فهذا قاطع في المسألة، حاسم لكل خلاف، وراد
لكلام ابن مهدي رحمه الله في هذه المسألة !!
وبهذا .. يكون الثلاثة الذين رووا ذلك الحديث عن ابن أبي
عروبة، بالوجهين عنه، جميعهم سمعوا منه في حال صحته !!
ونعود للاختلاف على قتادة في هذا الحديث:
فقد رواه عنه أيضًا شعبة بن الحجاج، واختلف عليه فيه:
فرواه أسود بن عامر (٣) وشبابة بن سوار(٤) كلاهما: عن
شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن رجل قد سمّاه، عن سلمة بن
المحبق رضي الله عنه - كذا على إبهام الواسطة، بين الحسن
وسلمة رضي الله عنه.
بينما رواه روح بن عبادة، وبقية بن الوليد(6) والوليد بن
(١) محمد بن الحسين بن مكرم البغدادي، نزيل البصرة، (ت٣٠٨هـ)، وله
بضع وتسعون سنة.
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢٨٦/١٤): ((الإمام الحافظ البارع
الحجة)).
(٢) الكامل لابن عدي (٣٩٤/٣)، وشرح علل الترمذي (٧٤٤/٢).
(٣) أخرجه الإمام أحمد (٦/٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق - خط - (٤/
٤٩).
(٤) ذكر حديث شبابه الحافظ ابن حجر في النكت الظراف على الأطراف (٤/
٥٣)، في موافقة الخبر الخبر (١٢٧/٢)، وقد تصحف في النكت
الظراف: (شعبة) إلى (سعيد)، وتكرر هذا التصحيف في الموطن نفسه
عدة مرات، فتنبه!
(٥) ذكر رواية روح وبقية - الحافظ ابن حجر في النكت الظراف (٥٣/٤).
وقد تصحف فيه (شعبة) إلى (سعيد)، راجع التعليقة السابقة.
١١٥٦

عبد الرحمن الجارودي(١) وبكر بن بكار(٢) عن شعبة، عن قتادة،
عن الحسن، عن جون بن قتادة، عن سلمة بن المحبق رضي الله
عنه - مصرحًا باسم جون، بين الحسن وسلمة رضي الله عنه.
ولا شك أن هذه الرواية الأخيرة، مفسرة للرواية الأولى،
فهي المعتمدة عن شعبة.
وبقي آخر الاختلافات في هذا الحديث، على التلميذ الثالث
فيه للحسن البصري :
فقد رواه منصور بن زاذان، وعن هشيم بن بشير، واختلف
على هشيم فيه :
فرواه أبو بكر بن أبي شيبة في (مسنده)(٣) وأحمد بن
منيع(٤) ويحيى بن أيوب المقابري(6) وشجاع بن مخلد(٦)
(١) ذكر رواية الوليد بن عبد الرحمن الجارودي الحافظ ابن حجر، نقلا عن
ابن مندة، في موافقة الخبر الخبر (١٢٧/٢).
وهو الوليد بن عبد الرحمن بن حبيب الجارودي، أبو العباس، (ت
١٨٢ هـ).
قال عنه الحافظ في الترقيب (رقم ٧٤٣٤): ((ثقة)).
(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار - مسند ابن عباس (رقم
١٢٠٩)، والدارقطني في سننه (٤٦/١)، وابن عدي في الكامل (٢/
١٧٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق - خط - (٤٩/٤)، وابن حجر في
موافقة الخبر الخبر (١٢٧/٢).
(٣) مسند ابن أبي شيبة (٤٢/أ)، وأخرجه ابن أبي عاصم في الأحاد والثماني،
من طريق ابن أبي شيبة (رقم ١٠٦٣).
(٤) أخرجه الترمذي في العلل الكبير (٧٢٤/٢)، وأبو القاسم البغوي في
معجم الصحابة (٧٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق - خط - (٤٨/٤).
(٥) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق - خط - (٤٧/٤ - ٤٨)، من طريق
ابن مندة.
يحيى بن أيوب المقابري، البغدادي، العابد (ت٢٣٤هـ)، وله سبع
وسبعون .
قال الحافظ في التقريب (رقم ٧٥١٢): ((ثقة)).
(٦) أخرجه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٧٥)، ومن طريقه ابن
عساكر في تاريخ دمشق - خط - (٤ / ٤٧).
١١٥٧

ومحمد بن حاتم بن سليمان المؤدب(١) والحسن بن عرفه(٢)
وعمرو بن زرارة (٣)، جميعهم: عن هشيم، عن منصور، عن
الحسن، عن جون بن قتادة - بالحديث، على أنه هو الصحابي
راوي الحديث! ولم يذكر سلمة بن المحبق.
بينما رواه زكريا بن يحيى الواسطي زحموية، وحده، عن
هشيم، عن منصور، عن الحسن، عن جون، عن سلمة بن
المحبق رضي الله عنه (٤) - على الجادة، كما رواه غير هشيم، عن
غير منصور!
فنسب ابن مندة في (معرفة الصحابة) الوهم في الإسناد
(١) أخرجه ابن حزم في المحلى (١٢٠/١).
(٢) أخرجه عبد الباقي بن قانع في معجم الصحابة (٢٥/ب).
(٣) ذكره ابن مندة، فيما نقله عنه ابن عساكر في تاريخ دمشق - خط - (٤/
٤٨).
وعمرو بن زررة بن واقد الكلابي، أبو محمد النيسابوري، (ت٢٣٨هـ)،
كان مولده سنة (١٦٠ هـ).
قال الحافظ في التقريب (رقم ٥٠٣٢): ((ثقة ثبت)).
(٤) أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (١٤١/١/ب).
وزكريا بن يحيى بن صبيح بن راشد زحمويه، الواسطي، أبو محمد
اليشكري، ولد سنة (١٨٥هـ)، وتوفي سنة ٢٣٥هـ).
سئل يحيى بن معين: ((يا أبا زكريا، عمن نكتب بواسط؟ قال: عليك
بزحمويه وهناد»، نقله ابن عدي في ترجمة محمد بن خالد بن عبد الله
الواسطي من كاملة.
قال ابن حبان في الثقات: ((كان من المتقنين في الروايات)).
وأخرج له ابن حبان في صحيحه، في مواطن كثيرة منه.
وقال ابن عدي في الكامل، في ترجمة ثابت بن موسى الضبي: ((زحموية
ثقة)) .
انظر: الجرح والتعديل (٦٠١/٣)، وتاريخ واسط لبحشل (١٩٧ - ١٩٨)،
والثقات لابن حبان (٢٥٣/٨)، والإحسان، الفهارس (١٣٢/١٨)، الكامل
لابن عدي (٩٩/٢) (٢٧٢/٦، ٣٠٣)، والمؤتلف والمختلف للدارقطني
(١٤٥٢/٣)، والإكمال لابن ماكولا (١٧٩/٤)، ولسان الميزان (٤٨٤/٢ -
٤٨٥)، ذكره فيه للتمييز.
١١٥٨

الأول إلى هشيم، أنه هو الواهم، بجعل الحديث لجون بن قتادة،
مع أن جونا لا صحبة له(١)!
فدافع أبو نعيم في (معرفة الصحابة) عن هشيم، ووهّم ابن
مندة في توهيمه لهشيم، وزعم أبو نعيم أن الرواة غلطوا على
هشيم، بدليل رواية زكريا بن يحيى زحمويه للحديث، عن هشيم،
على الصواب (٢)!
فرد الحافظ أبو الحجاج المزي في (تهذيب الكمال) على
أبي نعيم، فقال: ((وقد أصاب ابن مندة، فيما نسبه إلى هشيم من
الوهم. لأن ذلك هو المحفوظ عن هشيم، رواه عنه غير واحد
كذلك. أمّا رواية زحموية فشاذة عن هشيم))(٣).
فقال الحافظ ابن حجر في (الإصابة): ((ويحتمل أن يكون
هشيم حدّث به على الوهم مرارًا، وعلى الصواب مرّة))(٤).
قلت: لاحِظْ أن الحُفّاظ لم يختلفوا في أن رواية هشيم عن
منصور عن الحسن عن جون - من غير ذكر سلمة بن المحبق
رضي الله عنه - أنها وهم، لكنهم اختلفوا في نِسْبَةِ الوهم، إلى
من؟
ولا شك بعد عرض علل هذا الحديث، أن الصواب في
إسناده: أنه للحسن عن جون بن قتادة، عن سلمة بن المحبق
رضي الله عنه - بذكر جون في إسناده، بين الحسن وسلمة بن
المحبق رضي الله عنه.
وهذا هو ما صححه أبو القاسم البغوي في (معجم
(١) انظر تاريخ دمشق لابن عساكر - خط - (٤/ ٤٧ - ٤٨)، وتهذيب الكمال
للمزي (١٦٣/٥).
(٢) معرفة الصحابة لأبي نعيم (١٤١/١/ب).
(٣) تهذيب الكمال للمزي (١٦٤/٥).
(٤) الإصابة (٢٨٤/١).
١١٥٩