Indexed OCR Text
Pages 1081-1100
وبعد هذه الروايات، لا تصفو منها رواية واحدة للقيام بالحجة، على أن الحسن رأى الزبير بن العوام رضي الله عنه. على أن ثبوت الرؤية، ليس له أثر على إثبات السماع! بعد أن نفى الحسن نفسه سماعه من أحد من أهل بدر، والزبير منهم، كما سبق. كما صرَّح بمثل هذا الموقف أبو زرعة الرازي، وقد نقلنا كلامه سابقًا، عندما نفى سماع الحسن من البدريين، ثم ذكر ما يُزوی عن الحسن من رؤيته للزبير رضي الله عنه. فالصحيح الدقيق، أن يقال: لم يسمع الحسن من الزبير بن العوام رضي الله عنه، ولم يثبت أنه رآه. وأحاديث الحسن عن الزبير رضي الله عنه، أو بعضها، تشهد لعدم السماع، وتُظهِر أن الحسن كان يرسل عنه. ١٠٨٠ الحديث الأول: وهو حديث الحسن، عن الزبير بن العوام رضي الله عنه، قال: ((لمَّا نزلت هذه الآية: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَةٌ﴾ الآية، قال: ونحن يومئذ متوافرون، فجعلت أتعجب من هذه الآية، أي فتنة تُصيبنا؟! ما هذه الفتنة؟! حتى أریناها)). رواه عن الحسن غير واحد من تلامذته: ١ - فرواه جرير بن حازم، قال: سمعت الحسن .. به. أخرجه الإمام أحمد (١) والنسائي في (التفسير) (٢) ونعيم بن حمَّاد في (الفتن)(٣). ٢ - ورواه إسرائيل بن موسى، عن الحسن .. به. أخرجه ابن أبي حاتم في (تفسيره)(٤). ٣ - ورواه حميد الطويل - إن صح عنه - عن الحسن .. به. أخرجه ابن جرير الطبري في (تفسيره)، من طريق زيد بن عوف أبي ربيعة، عن حمَّاد بن سلمة، عن حميد به .. به(٥). لكن زيد بن عوف متروك الحديث، كما سبق ذكره. ٤ - ورواه مبارك بن فضالة - إن صح عنه -. أخرجه ابن جرير الطبري في (تفسيره)، من طريق عبد العزيز بن أبان، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن .. به (٦). (١) المسند للإمام أحمد (رقم ١٤٣٨). (٢) تفسير النسائي (رقم ٢٢٦). (٣) الفتن لنعيم بن حمَّد (رقم ١٩٣). (٤) تفسير ابن أبي حاتم - تفسير سورتي الأنفال والتوبة (رقم ٢٣٤). (٥) تفسير الطبري (رقم ١٥٩٠٥). (٦) تفسير الطبري (رقم ١٥٩١٣). ١٠٨١ لكن عبد العزيز بن أبان بن محمد الأموي، أبا خالد الكوفي، نزيل بغداد (ت٢٠٧ هـ). قال عنه الحافظ: ((متروك، وكذبه ابن معين، وغيره)) (١). ٥ - وعمرو بن عبيد المعتزلي، المتهم. أخرجه ابن عدي في (الكامل)(٢). واختلف على راوٍ آخر من تلامذة الحسن، وهو داود بن أبي هند(٣). قال ابن أبي شيبة في (المصنف): ((حدثنا عفان (٤) قال: حدثنا وهيب(٥) قال: حدثنا داود بن أبي هند، عن الحسن، عن الزبير ... الحديث، إلى أن قال : - فقال بعضهم: يا أبا عبد الله، فلم جئت إلى البصرة؟ قال: ويحك! إنا نُبصر، ولكنّا لا نصبر !! ))(٦). وهذا إسناد صحيح إلى الحسن. لكنه خولف بإسناد آخر، ذكره الدارقطني في (العلل): ((رواه محمد بن إسماعيل الوساوسي، عن إسحاق الأزرق، عن داود، عن الحسن، عن [جون] بن قتادة، عن الزبير))(٧). (١) التقريب (رقم ٤٠٨٣). (٢) الكامل لابن عدي (١٠٦/٥). (٣) داود بن أبي هند القشيري مولاهم، أبو بكر أو أبو محمد، البصري، (ت١٤٠ هـ، وقيل قبلها). قال الحافظ في التقريب (رقم ١٨١٧): ((ثقة متقن، كان يهم بأخرة)). (٤) هو ابن مسلم الباهلي، تقدَّم أنه ثقة. (٥) هو ابن خالد، وتقدم أنه ثقة، تغير قليلاً بأخرة. (٦) مصنف ابن أبي شيبة (١١٥/١١) (رقم ٣٠٦٢٢). (٧) العلل للدراقطني (٢٤٩/٤ رقم ٥٤٥)، وتحرَّف فيه جون بن قتادة إلى عون بن قتادة !. ١٠٨٢ لكن محمد بن إسماعيل الوساوسي، قال عنه البزار: ((كان يضع الحدیث، وحديثه يدل على ذلك»(١). وقال عند الدارقطني في (العلل): ((ضعيف))(٢). فلا شك في أن روايته هذه مردودة، لا وزن لها. لكن توبع هذا الإسناد، بما أخرجه أبو عمرو الداني في (السنن الواردة في الفتن)، من طريق محمد بن يونس الكديمي، عن عمر بن حبيب، عن داود بن أبي هند، عن الحسن، قال: ((حدثني جون بن قتادة، قال: حدثني الزبير ... )) - الحديث(٣). لكن الكديمي تقدَّم أنه متروك! وشيخه عمر بن حبيب بن محمد العدوي القاضي (ت٢٠٦ أو - ٢٠٧ هـ). قال عنه الحافظ: ((ضعيف)) (٤). فلا قيمة لهذه المتابعة أيضًا! وهناك راوٍ آخر اختلف عليه أيضًا، وهو يونس بن عبيد. قال الدارقطني في (العلل) وسئل عن حديث أبي سليط عن الزبير؟ فقال: ((تفرَّد به رُوَيْم بن يزيد المقري، عن سلام بن سليمان القاري، عن يونس، عن أبي سليط، عن الزبير. وخالفه أصحاب يونس، فقال: عن الحسن، عن الزبير. (١) الضعفاء للعقيلي (٢٢/٤)، وانظر مسند البزار (٨٢). (٢) العلل للدارقطني (٢٢٢/١ رقم ٢٧)، وانظر لسان الميزان (٧٧/٥). (٣) السنن الواردة في الفتن رقم (١٢). (٤) التقريب (رقم ٤٨٧٤). ١٠٨٣ وكذلك رواه داود بن أبي هند، وعلي بن زيد، ومبارك بن فضالة، عن الحسن، عن الزبير. وهو المحفوظ))(١). قلت: أمَّا رويم بن يزيد القاري، فمما وقع فيه للحافظ زين الدين العراقي، ولتلميذه الحافظ ابن حجر - قصور عجيب !!! ترجم له العراقي في (ذيل ميزان الاعتدال)، فقال: ((أورده النباتي(٢) في (الحافل)، فقال: بغدادي مشهور، مسجده ببغداد، ناحية الكرخ، يعرف به. روى عن الليث حديثًا منكرًا، لا أخبره بجرح ولا عدالة، قاله الموصلي))(٣). وتبعه الحافظ ابن حجر في (اللسان) دون أي إضافة(٤)! والرجل مترجم في (الجرح والتعديل)، وإن كان ابن أبي حاتم لم يذكره بجرح أو تعديل، إلا أنه ذكر في الرواة عنه مثلاً: علي بن المديني (٥)! لكن الأهم: أن الخطيب ترجم له في (تاريخ بغداد) ترجمة مُوسّعة، وثَّقه فيها، وأرَّخ وفاته بسنة إحدى عشرة ومائتين(٦). وترجم له الذهبي في (معرفة القراء الكبار)، وابن الجزري محمد بن محمد بن محمد بن علي الدمشقي (ت٨٣٣هـ)، في (١) العلل للدارقطني (٤م ٢٤٨ - ٢٤٩ رقم ٥٤٥). (٢) هو أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرِّج الإشبيلي، الأموي مولاهم، الظاهري، النباتي العشّاب، صاحب كتاب (الحافل تكملة الكامل لابن عدي) (ت٦٣٧هـ). انظر سير أعلام النبلاء (٥٨/٢٣ - ٥٩). (٣) ذيل ميزان الاعتدال (رقم ٣٨٧). (٤) اللسان (٤٦٩/٢). (٥) الجرح والتعديل (٥٢٣/٣). (٦) تاريخ بغداد (٤٢٩/٨ - ٤٣٠). ١٠٨٤ (غاية النهاية في طبقات القراء)، وكلاهما قال: ((كان ثقة كبير القدر))(١). هذه تراجمه الموسّعة! ثم قد أخرج له البزار في (مسنده) حديثًا، ونسبه بـ (المِغْوَلي)، وقال عنه: ((كان ثقة))(٢). وذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال: ((ربما أخطأ))(٣). فرجل على هذا القدر من الجلالة والثقة، ما أعظم ما نقص من ترجمته، بالاقتصار على ما اقتصر عليه (ذيل الميزان) و (لسانه) !!! أمَّا شيخه: سلام بن سليمان المزني، أبو المنذر القاريء النحوي البصري، نزيل الكوفة (ت١٧١ هـ). فقال عنه الحافظ: ((صدوق يهم)) (٤). إذًا: فإسناد حديث رويم، عن سلام بن سليمان، عن يونس، عن الحسن، عن أبي سليط، عن الزبير - إسناد حسن! غير أن الدارقطني أشار إلى مخالفة هذا الإسناد لرواية أصحاب يونس، حيث رووه عنه عن الحسن، عن الزبير، بلا واسطة . ثم رجّح رواية بقية تلامذة الحسن، عنه، عن الزبير، بلا واسطة! وقال عن هذا الوجه: ((وهو المحفوظ))، كما تقدم. (١) معرفة القراء الكبار (٢١٥/١ رقم ١١٠)، وغاية النهاية (٢٨٦/١ رقم ١٢٧٥). (٢) مسند البزار الأزهرية - خط - (٥٢/ب - ٥٣/أ)، وانظر كشف الأستار (رقم ١٦٩٦). (٣) الثقات لابن حبان (٢٤٥/٨). (٤) التقريب (رقم ٢٧٠٥). ١٠٨٥ ولا شك أنّ ترجيح الدارقطني هذا، إنما يصح إن ثبت ما ذكره الدارقطني أيضًا، من أن رواية رُویم، عن سلام، عن يونس، عن الحسن، عن أبي سليط، عن الزبير - مخالفة لرواية أصحاب یونس. فإني لم أجد رواية من روايات أصحاب يونس هذه! على أني أيضًا لم أعرف: مَنْ أبو سليط ذاك؟! وأحسبه - إن كان ثابتًا صحيحًا - كنيةً لجون بن قتادة، إذ لم يذكروا لجون بن قتادة كنية، تجعلنا نجزم بأن أبا سليط غيره (١). ثم إن جون بن قتادة معروف الرواية عن الزبير بن العوام رضي الله عنه، كما سبق في ترجمته (٢). ثم إنه قد قيل: إن الحسن يروي هذا الحديث، عن جون عن الزبير، كما تقدم آنفًا. وإن كان ذلك لم يصح، بل هو شديد الضعف، لكنه قول، وقد قيل! وعلى كل حال، فهذا الحديث بذاته يشهد على أن الحسن أرسله عن الزبير رضي الله عنه، ولم يسمعه منه !! فقد جاء، كما سبق في رواية داود بن أبي هند، عن الحسن، أن الزبير إنما قرأ الآية، وقال بعدها ما قال، عند خروجه يوم الجمل إلى العراق. وهذا أمر تؤكده رواية أخرى، من غير طريق الحسن البصري. قال الإمام أحمد (المسند): ((حدثنا أبو سعيد مولى بني (١) انظر ما تقدم (٣٩٧ - ٤٠٢). (٢) انظر ما تقدم (٣٩٧ - ٤٠٢). ١٠٨٦ هاشم(١): حدثنا شداد - يعني ابن سعد(٢) -: حدثنا غيلان بن جرير(٣) عن مُطَرِّف(٤) قال: قال للزبير: يا أبا عبد الله، ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة حتى قُتِل، ثم جئتم تطلبون بدمه !! قال الزبير: إنا قرأناها على عهد رسول الله وَله وأبي بكر وعمر وعثمان: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَةٌ﴾ لم نكن نحسب أنَّا أهلها، حتى وقعت منا حيث وقعت))(٥). وهذا إسناد حسن. (١) عبد الرحمن بن عبد الله بن عبيد البصري، أبو سعيد، مولى بني هاشم، نزيل مكة، لقبه جزدقة، (ت١٩٧ هـ). قال الحافظ في التقريب (رقم ٣٩١٨): ((صدوق ربما أخطأ)). بينما قال الذهبي في الكاشف (رقم ٣٢٨٠): ((ثقة)). ونقل الحافظ في التهذيب (٢٠٩/٦): أن الإمام أحمد وثقه، وثقه أيضاً: يحيى بن معين، والبغوي، والطبراني، الدارقطني، وابن شاهين! وأن أبا حاتم قال: ((كان [أحمد] يرضاه، وما كان به بأس)). ثم نقل أن الإمام أحمد قال عنه: ((كثير الخطأ)، وأن الساجي قال عنه: (يهم في الحديث))، وقولاً آخر ليس إلا تصحيفاً لكلام أبي حاتم! فمن وثقه كل أولئك، وفيهم أحمد، ألا تكون كثرة خطئه كثرةً نسبيه، ككثرة خطأ شعبة بن الحجاج، كما سبق شرحه (٩٧٧). ثم فات الحافظ ما في المعرفة والتاريخ للفسوي (١٨٢/٢): ((وسمعت عليّاً - ابن المديني - يقول: كنت وأنا بمكة، أيّام سفيان، إذا ورد عليّ شيء خفي، لم يكن لي مفزع إلا أبا سعيد مولى بني هاشم! وكنت إذا فزعت إليه في شيء، وجدت عنده علماً وبياناً). الله أكبر !! ما أعظم ما فات الحافظ !!! (٢) شداد بن سعيد، أبو طلحة الراسبي. قال الحافظ في التقريب (رقم ٢٧٥٥): ((صدوق يخطيء). (٣) غيلان بن جرير المِغْوَلي، الأزدي، البصري، (ت١٢٩ هـ). قال الحافظ في التقريب (رقم ٥٣٦٩): ((ثقة). (٤) مطرف بن عبد الله بن الشِّخِير، العامري، الحرشي، أبو عبد الله البصري، (ت٩٥هـ). قال الحافظ في التقريب (رقم ٧٦٠٦): ((ثقة عابد فاضل)). (٥) مسند الإمام أحمد (رقم ١٤١٤). ١٠٨٧ وأخرجه البزار في (مسنده)، من وجه آخر عن شداد بن سعيد به(١). وهذا إسناد آخر يثبت أن الزبير بن العوام إنما قال الذي رواه عنه الحسن البصري، في العراق، عند خروجه يوم الجمل. والزبير بن العوام رضي الله عنه استشهد عقب يوم الجمل، كما سبق، ولم يرجع الزبير بَعْدَهُ إلى المدينة. والحسن يوم الجمل، وبعده بسنة كاملة، كان بالمدينة، لم يبر حها . فكيف يسمع الحسن ما قيل بالعراق، والقائل توفي بالعراق، قبل خروج الحسن إليها بسنة كاملة !! هذه هي دلالة الإرسال الذاتية في هذا الحديث !! (١) مسند البزار (رقم ٩٧٦). ١٠٨٨ الحديث الثاني: قال الحسن: ((جاء رجل إلى الزبير بن العوام - رضي الله عنه - فقال: أقتل عليًّا؟ قال: لا، وكيف تقتله، ومعه الجنود؟! قال: ألحق به، فأفتك به. قال: لا، إن رسول الله وَلّ قال: إن الإيمان قَيَّدَ الفتك، لا يفتك مؤمن)). رواه عن الحسن جماعة من تلامذته، وهم: ١ - مبارك بن فضالة، مصرّحًا بالسماع من الحسن. أخرجه الإمام أحمد (١) وأحمد بن منيع في (مسنده)(٢) وأبو القاسم البغوي في (الجعديات)(٣) وابن عساكر في (تاريخ دمشق) (٤). ٢ - أيوب السختياني. أخرجه الإمام أحمد(٥) وأبو عبيد القاسم بن سلام في (غريب الحديث)(٦) وابن أبي عمر العدني في (مسنده) و (الإيمان)(٧) . ٣ - يزيد بن إبراهيم التستري. أخرجه إبراهيم الحربي في (غريب الحديث)(٨). ٤ - عوف بن أبي جميلة. (١) مسند الإمام أحمد (رقم ١٤٢٦، ١٤٢٧). (٢) إتحاف الخيرة للبوصيري (٢٢/١/أ). (٣) الجعديات (رقم ٣٣٠٥). (٤) تاريخ دمشق - خط - (٣٨٢/٦). (٥) مسند الإمام أحمد (رقم ١٤٣٣). (٦) غريب الحديث لأبي عبيد (٣٠٢/٣) (٦/٤). (٧) إتحاف الخيرة للبوصيري (٢٢/١/أ)، والإيمان للعدني (رقم ٨١). (٨) غريب الحديث للحربي (٢٢١/١). ١٠٨٩ أخرجه ابن أبي شيبة في (المسند) و (المصنف)(١). ٥ - إسماعيل بن مسلم المكي. أخرجه عبد الرزاق في (المصنف)(٢). ٦ - أبوبكر الهذلي. أخرجه ابن أبي عمر العدني في (المسند)(٣). فالحديث صحيح إلى الحسن البصري، من رواية ثقات تلامذته، وغيرهم. وهذا الحديث كسابقه، في أن دليل إرساله يذكره الحديث نفسه! ودليل إرساله الذاتي، هو دليل إرسال الحديث السابق نفسه، أيضًا! فهو يذكر حادثة وقعت للزبير رضي الله عنه، في يوم الجمل، روى الزبير فيها حديثًا من أحاديث النبي وَلّر. والزبير توفي عقب يوم الجمل، في العراق، وما عاد للمدينة، ليلقاه الحسن، فيسمع منه الحديث. والحسن حينها بالمدينة لم يذهب للعراق، ليلقى الزبير عقب يوم الجمل حينما تكلم الزبير رضي الله عنه وذكر الحديث. وبعد ذلك: فالحسن نفسه قد صرَّح بعدم السماع، من رواية أحد تلامذته، سوى من سبق منهم. قال البخاري في (التاريخ الكبير): ((حدثني خالد بن (١) المصنف (١٢٣/١٥)، وإتحاف الخيرة للبوصيري (٢٢/١/أ). (٢) المصنف لعبد الرزاق (رقم ٩٦٧٦). (٣) إتحاف الخيرة (٢٢/١/أ). ١٠٩٠ يوسف بن خالد، عن يزيد بن زريع، عن يونس، عن الحسن: نُبِّئتُ أن رجلا أتى الزبير - في الفتك))(١). فهذا إسناد حسن إلى الحسن، صريح في الإرسال، لولا الخلاف في شيخ الإمام البخاري. فهو خالد بن يوسف بن خالد السمتي، أبو الربيع البصري (ت٢٤٩هـ)(٢). ترجم له الذهبي في (الميزان) فقال: ((أما أبوه فهالك، وأما هو فضعيف))(٣). ثم أورد له الذهبي حديثًا أنكره عليه ابن عدي. فأضاف الحافظ ابن حجر في (اللسان)(٤): ذكر ابن حبان له في (الثقات)، وأنه قال: ((يعتبر حديثه، من غير روايته عن [أبيه])»(٥) . ولم يذكر الحافظان أن ابن عدي قال في آخر ترجمته: ((وكل ما ذكرت من رواية خالد بن يوسف هذا، فلعل البلاء فيه من أبيه يوسف بن خالد، فإنه ضعيف))(٦). أمَّا الحديث الذي أنكره ابن عدي، ثم الذهبي، من رواية خالد بن يوسف عن غير أبيه، فإنه من طريق ابن جريج عن نافع عن ابن عمر. وابن جريج (وحش التدليس، لا يدلس إلا فيما (١) التاريخ الكبير للبخاري (٢٩٠/٢). (٢) أرَّخ وفاته البخاري في التاريخ الأوسط - المطبوع باسم الصغير - (٢/ ٣٥٨). (٣) الميزان (٦٤٨/١ - ٦٤٩). (٤) اللسان (٣٩٢/٢). (٥) الثقات لابن حبان (٢٢٦/٨)، والزيادة بين معكوفتين من المصدر السابق. (٦) الكامل لابن عدي (٤٥/٣). ١٠٩١ سمعه من مجروح)(١)، كما قال الدارقطني. وقد عنعن في ذلك الحديث، فلا يلزم أن تكون نكارته من خالد بن يوسف، لاحتمال أن تكون من تدلیس ابن جريج. وفات (الميزان) و (لسانه) أن الدارقطني قال عنه، كما في (سؤالات السلمي): ((تكلموا فيه)(٢). وأقول: نعم، تكلموا فيه، لكن هل ما تكلموا به فيه مؤثر في عدالته أو ضبطه؟ أم أنهم تكلموا فيه لروايته عن أبيه المنكرات؟ والبلاء فيها لا منه، وإنما من أبيه، كما قال ابن عدي! وأجل ما فات (الميزان) و (لسانه)، وفات كثيرًا من المصادر غيرهما، أنَّ هذا الرجل من شيوخ الإمام البخاري، كما يثبته هذا الحديث الذي نترجم لخالد بن يوسف في رجال إسناده. ولا رأيت أحدًا ذكره في شيوخ البخاري، حتى ابن منده في (أسامي مشايخ الإمام البخاري)، وحتى ابن عساكر في (المعجم المشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النبل)، وغيرهما. وقد قيل: إن كل من روى عنهم الإمام البخاري، في الصحيح وخارجه، ثقات عنده(٣). وهذا ليس ببعيد، لكني لا أجزم به، لعدم وقوفي على ما يقطع به (٤) . لكن الذي لا شك فيه: أن رواية الإمام البخاري عن رجل، ترفع ذلك الرجل جدًّا، حتى إذا وافقه توثيقٌ لمثل ابن حبان، ثم بيان أن ما يقع في حديثه من المنكرات أنه من غيره، كما في (١) سؤالات الحاكم للدارقطني (رقم ٢٦٥). (٢) سؤالات السلمي (رقم ٣٩٢). (٣) قواعد في علوم الحديث للتهانوي (٢٢٢ - ٢٢٣). (٤) أقول هذا مع ما في هدي الساري، باب: ذكر مراتب مشايخه الذين كتب عنهم وحدَّث عنهم - (٥٠٣). ١٠٩٢ كلام ابن عدي - إطمأننا إلى هذا الراوي، وإلى أنه في أقل أحواله صدوق حسن الحدیث! إذًا: فخالد بن يوسف السمتي صدوق. وعليه يكون حديثه الذي رواه عن يزيد بن زريع، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، قال: نبئت عن الزبير - في الفتك؛ يكون هذا الحديث حسن الإسناد إلى الحسن. وهو صريح في عدم سماع الحسن لهذا الحديث من الزبير بن العوام رضي الله عنه. فيكون هذا الحديث، مع الحديث السابق، للحسن عن الزبير رضي الله عنه - دليلاً ثالثًا على عدم سماع الحسن من الزبير رضي الله عنه، سوى الدليلين اللذين ذكرناهما في بداية هذا المبحث. ذلك أنَّ هذين الحديثين يدلان على أن الحسن كان يروي عن الزبير رضي الله عنه ما لم يسمعه منه، وأنَّ هذا كان من شأنه في روايته عنه. وإذا أظهر الحسن هذا عن نفسه في روايته عن الزبير رضي الله عنه، لم نأمن أن تكون باقي رواياته عن الزبير كذلك. هذا بغض النظر عن دليلي الإرسال السابق ذكرهما، أمَّا معهما: فالأمر منتةٍ، على عدم سماع الحسن من الزبير رضي الله عنه! والحديثان السابقان هما كل ما للحسن عن الزبير رضي الله عنه، مما اشترطته في هذا البحث. لكن يبقى سواهما مما هو على غير شرط هذا البحث، وهي ما أحيل إليها، فانظر: مصنف ابن أبي شيبة (رقم ١٦٧٣٧). ١٠٩٣ وتهذيب الآثار لابن جرير الطبري - مسند علي (١١١ - ١١٢ رقم ١٨٠ - ١٨٢). وأدب الكتاب لأبي بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباسي الصولي (ت٣٣٥هـ) - (١٣٧). وأخبار القضاة لوكيع (٦٧/٢). ومقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصبهاني (٩ - ١٠). والكامل لابن عدي (٣٠٦/١). وشعب الإيمان للبيهقي (رقم ٨٨٩٢). والله أعلم. ١٠٩٤ زياد بن رباح قال ابن طاهر المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): (سمع منه الحسن)(١). وحديث الحسن عنه في (صحيح مسلم)(٢) و (مستخرج أبي عوانه)(٣) و (صحيح ابن حبان)(٤). وهو أحد وسائط الحسن إلى أبي هريرة رضي الله عنه(٥). وهو زياد بن رياح أبو قيس البصري، أو المدني، تابعي کبیر. قال عنه الحافظ: ((ثقة))(٦). وبعد نص ابن طاهر على سماع الحسن منه، وبعد تصحيح من ذكرناهم لحديث الحسن عنه، وبعد ملاحظة اتخاذ الحسن له واسطة إلى أبي هريرة، مع كونه بعد جميع ذلك تابيعيًا، قريبًا من طبقة الحسن - لا شك بعد كل هذا أن الحسن سمع منه! والله أعلم. (١) الجمع بين رجال الصحيحين (٨٠/١). (٢) صحيح مسلم (٢٢٦٧/٤ رقم ٢٩٤٧). (٣) انظر إتحاف المهرة لابن حجر (١٢٥/١١/أ). (٤) صحيح ابن حبان - الإحسان - (رقم ٦٧٩٠). (٥) انظر التعاليق الثلاثة السابقة. (٦) التقريب (رقم ٢٠٧٤). ١٠٩٥ رضوعية زيد بن عبد الله الأنصاري لم أجد أحدًا ذكره في شيوخ الحسن البصري، ولم أر متكلمًا في سماع الحسن منه أو إرساله عنه. بل لا يُغرف عن هذا الصحابي - إن ثبتت له الصحبة - إلا حديث واحد، فلم يذكروا في ترجمته شيئًا عنه، سوى ذلك الحديث(١). وهو الحديث الذي قيل إن الحسن يرويه عنه، وقيل الشعبي(٢). ومع أن حديث الحسن عنه معنعن، لا يُثبت السماع، فإنه أيضًا لا يصح إسناده الغريب إلى الحسن. فلا حاجة بعد هذا، للكلام على سماع الحسن منه. وحديثه: هو ما رواه الليث بن سعد، عن إسحاق بن رافع، عن سعد بن معاذ الأنصاري، عن الحسن البصري، عن زيد بن عبد الله الأنصاري، أنه قال: ((عرضنا على رسول الله وَ له رُقْيَة [الحيّة](٣) فأذن لنا فيها، وقال: إنما هي مواثيق. (١) التاريخ الكبير للبخاري (٣٨٥/٣ - ٣٨٦)، والجرح والتعديل (٥٦٦/٣)، والثقات لابن حبان (١٤١/٣)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٣٥٨/١/ ب)، والاستيعاب لابن عبد البر (٥٥٧/٢ رقم ٨٥٤)، وأسد الغابة (٢/ ٢٩٣)، والإصابة (٣٠/٣). (٢) المصدر السابق. (٣) تحرَّفت في (عمل اليوم والليلة) لابن السني، إلى (الحمه)، والتصويب من باقي المصادر التي أخرجت الحديث. ١٠٩٦ والرقية هي: بسم الله، شجة، ملحة، قرنية، بحري، قفطي)) . أخرجه البخاري في (التاريخ الكبير) (١) وابن الأعرابي في (معجمه)(٢) والطبراني في (المعجم الأوسط)(٣) وابن السني في (عمل اليوم والليلة)(٤) وأبو نعيم في (معرفة الصحابة)(٥). كلهم من الطريق المذكور آنفًا . بل قال الطبراني عقبه: ((لا يُزوي هذا الحديث عن زيد بن عبد الله إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به الليث)). وقال ابن السكن: ((لم نجد حديثه إلا من هذا الوجه، وليس بمعروف في الصحابة)) (٦). وإسحاق بن رافع بن عويمر الأنصاري المدني. قال عنه أبو حاتم: ((ليس بقوي، لين، وهو أحب إلي من أخيه إسماعيل وأصلح)»(٧). بينما ذكره ابن حبان في (الثقات)(٨). وهذا هو كل ما ذكره فيه الحافظ ابن حجر في (اللسان)(٩) (١) التاريخ الكبير للبخاري (٣٨٥/٣ - ٣٨٦). (٢) معجم ابن الأعرابي (٢٨٨/أ). (٣) المعجم الأوسط (٢٥٠/٢ب - ٢٥١/أ). (٤) عمل اليوم والليلة لابن السني (رقم ٥٧٥). (٥) معرفة الصحابة لأبي نعيم (٣٥٨/١/ب). (٦) الإصابة (٣٠/٣). (٧) الجرح والتعديل (٢١٩/٢). (٨) الثقات لابن حبان (١٠٦/٨). (٩) لسان الميزان (٣٦٢/١). ١٠٩٧ أمَّا سعد بن معاذ، فترجم له البخاري في (التاريخ الكبير)(١) وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل)(٢)، ولم يذكرا فيه جرحًا أو تعديلاً. بينما أورده ابن حبان في (الثقات)(٣). فإسناد الحديث إسناد ضعيف، وفي لفظه نكارة، تفرد بها من لا يحتمل التفرد. وليس هناك حاجة إلى البحث عن سماع الحسن من زيد بن عبد الله رضي الله عنه، بعد ضعف حديث الحسن عنه. والله أعلم. (١) التاريخ الكبير (٦٥/٤). (٢) الجرح والتعديل (٩٣/٤). (٣) الثقات لابن حبان (٣٧٧/٦). ١٠٩٨ سراقة بن مالك المدلجي قال عبد الله بن الإمام أحمد، في روايته لكتاب (العلل) عن أبيه: ((سئل: سمع الحسن من سراقة؟ قال: لا، هذا علي بن زيد! يعني يرويه. كأنه لم يقنع به))(١). وقال علي بن المديني في (العلل): ((روى الحسن بن أبي الحسن: أن سراقة بن مالك حدَّثهم، في رواية علي بن زيد بن جدعان. وهو إسناد ينبو عنه القلب: أن يكون الحسن سمع من سراقة! إلا أن يكون معنى (حدثهم): حدَّث الناس، فهذا أشبه))(٢). وقال أبو داود، كما في (سؤالات الآجري): ((لم يسمع الحسن من سراقة قليلاً، ولا كثيرًا))(٣). وقال البزار: ((قال علي بن زيد عن الحسن: إن سراقة بن مالك حدَّثهم. إنما حدَّث من حدَّثه، ولذلك لم يقل حدثني))(٤). قلت: وهذا من هؤلاء الأئمة، وإنكارهم سماع الحسن منه، مع تصريحه بالسماع - إنما هو لقدم وفاة سراقة بن مالك رضي الله عنه. (١) العلل لأحمد بن حنبل (رقم ١٥١١). (٢) العلل لابن المديني (٥٤ رقم ٦٢)، ونحوه (٥١ رقم ٥٠). (٣) سؤالات الآجري (رقم ٥٥٦). (٤) نصب الراية للزيلعي (٩٠/١). ١٠٩٩