Indexed OCR Text
Pages 881-900
الكتاب - ثابت محفوظ، إن شاء الله تعالى، غير أنا نرى أنه كتاب غير مسموع عمن فوق الزهري، والله أعلم))(١). ومصداق رجوع الصحابة رضوان الله عليهم إلى الوجادة، وعملهم بها، في كتاب عَمرو بن حزم، كما جاء في كلام يعقوب بن سفيان هذا - مصداق ذلك، هو: ما أخرجه عبد الرزاق في (المصنف) وغيره. قال عبد الرزاق في (المصنف): ((عن الثوري، عن يحيى بن سعيد(٢) عن سعيد بن المسيب: أن عمر جعل في الإبهام خمس عشرة، وفي السبابة عشرًا، وفي الوسطى عشرًا، وفي البنصر تسعًا، وفي الخنصر ستًا. حتى وجدنا كتابًا عند آل حزم، عن رسول الله : أن الأصابع كلها سواء، فأخذ به. [وفي رواية: حتى وجد كتابا عند آل عمرو بن حزم، يذكرون أنه من رسول الله ◌َالتر ... ]»(٣). فهذا عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله عنه، يُقَدِّم الوجادة على رأيه(٤)! فهل بقي لقائل مقالاً، في حجيّة الوجادة، ووجوب العمل بها !!! وقبول الأئمة لكتاب عمرو بن حزم يكاد يكون إجماعًا، وعبارات الأئمة تدل على وقوع الإجماع بذلك فعلاً(٥). (١) الضعفاء للعقيلي (١٢٨/٢)، ترجمة سليمان بن داود الخولاني. (٢) يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، أبو سعيد القاضي، (ت١٤٤ هـ - أو بعدها). قال الحافظ: ((ثقة ثبت)) - (رقم ٧٥٥٩). (٣) مصنف عبد الرزاق (رقم ١٧٦٩٨)، والراسالة للشافعي (رقم ١١٦٠ - ١١٦٢)، وسنن البيهقي الكبرى (٩٣/٨)، ومعرفة السنن والآثار له (رقم ١٦١٦٣)، وموافقة الخبر الخبر لابن حجر (٤٥١/١). (٤) انظر كلام الإمام الشافعي في الرسالة على ذلك (٤٢٢ - ٤٢٣). (٥) انظر تحفة الطالب لابن كثير (٢٣١ - ٢٣٤)، ونصب الراية للزيلعي (٢/ ٣٤١ - ٣٤٢)، والعواصم والقواصم لابن الوزير (٤٤٦/١)، وموافقة الخبر الخبر لابن حجر (٤٥٣/١)، والتلخيص الحبير له أيضاً (٢٢/٤). ٨٨١ هذا مثال لقبول الوجادة، ودليل على وجوب العمل بها. وخير من تكلم عن حجية الوجادة - فيما علمت - العلامة المجتهد ابن الوزير الصنعاني، في كتابه الجليل (العواصم والقواصم). فقد أطال في الاستدلال له، وأتى بالقول الصواب(١)، خيرًا من كثير من كتب المصطلح !! ولا أرى هناك داعيًا للتفريق بين حكم الوجادة من جهة العمل وجهة الرواية (٢)، فما في هذا التفريق إلا نوع من الخلاف اللفظي القائِد إلى شُكوكٍ وشُبَهٍ لا حاجة لنا بها. ومع ذلك .. فإننا لا نشك في انحطاط الوجادة عن السماع والعرض، لكنَّها رواية مقبولة، يجب العمل بها. وللكلام الذي في الوجادة نَزَلَتْ بالحديث المروي بها إلى أن لا يصحح إسناده، ولكن يكون إسنادًا حسنًا. ثم وازن بين مسألتنا في رواية الحسن عن جابر رضي الله عنه، وأن بعض أحاديث هذه الطريق سماع، وبعضها وجادة - وازنه بقول الإمام الذهبي في عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، في (سير أعلام النبلاء). قال الإمام الذهبي: ((ولا ريب أن بعضها - يعني أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - من قبيل المسند المتصل، وبعضها يجوز أن تكون وجادة أو سماعًا، فهذا محل نظر واحتمال. ولسنا ممن نعد نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده من أقسام الصحيح الذي لا نزاع فيه، من أجل الوجادة، ومن أجل أن فيها مناكير. فينبغي أن يُتأمَّل حديثه، (١) العواصم والقواصم، لابن الوزير (٣٣١/١ - ٣٤٥)، وانظر توضيح الأفكار (٣٤٨/٢ - ٣٥١). (٢) انظر علوم الحديث لابن الصلاح (١٨٠ - ١٨١)، وفتح المغيث للسخاوي (٢٦/٣ - ٢٩)، وتدريب الراوي للسيوطي (٦٣/٢ - ٦٤). ٨٨٢ ويتحايد ما جاء منه منكرًا، ويروى ما عدا ذلك في السنن والأحكام، مُحَسِّنين لإسناده))(١) . قلت: فمسألة رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، تشبه مسألة رواية الحسن عن جابر، في أن بعضها سماع وبعضها وجادة. غير أنَّ رواية الحسن عن جابر أجلُّ من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده! أولاً: لجلالة الحسن ورسوخه في العلم، على عمرو بن شعیب . ولزيادة العلم تأثير في قبول الوجادة، وفي الثقة بها. قال ابن الصلاح في (معرفة أنواع علم الحديث) وهو يتكلم عن الوجادة: ((فإن كان المطالع عالمًا فطنًا، بحيث لا يخفى عليه - في الغالب - مواضع الإسقاط والسقط، وما أحيل عن جهته من غيرها، رجونا أن يجوز له اطلاق اللفظ الجازم فيما يحكيه من ذلك)»(٢) . وكان لزيادة العلم والفهم تأثير في قبول الوجادة، لأنه كما قال الإمام الذهبي : - ((من جهة أن الصحف يدخل في روايتها التصحيف، لا سيما في ذلك العصر، إذ لا شكل بَعْدُ في الصحف، ولا نقط، بخلاف الأخذ من أفواه الرجال)) (٣). ولكن مثل الحسن البصري علمًا وفطنة، ودراية بالكتابة، وخبرة واسعة بها، حتى إنَّه عمل كاتبًا لأحد الولاة في مقتبل عمره كما سبق في ترجمته(٤). فَرَجُلٌ على هذه الدرجة، ثم إن له (١) سير أعلام النبلاء (١٧٥/٥). (٢) علوم الحديث لابن الصلاح (١٨٠). (٣) سير أعلام النبلاء (١٧٤/٥). (٤) انظر ما تقدم (٢٨٧). ٨٨٣ حفاوة واسعة بالوجادات، صاحب خبرة بقراءة الكتب، والأخذ منها، كما سبق تقريره(١) - لا شك أنَّه إذا روى وجادة، كاد أن يكون في مرتبة الصحيح. وأذكر هنا حادثة طريفة، وقعت للحسن البصري، تدل على مهارة عجيبة في معرفة التصحيف، وعلى إصلاحه، وكل ذلك بديهةً، دون شيء من التفكير !! أورد حمزة بن الحسن الأصفهاني (ت ٣٦٠هـ) في كتابه (التنبيه على حدوث التصحيف)، في باب: (ذكر التصحيف نثرًا المستعمل عمدًا لا سهوًا)، أن ((رجلاً وقف على مجلس الحسن البصري، فقال: أعتمر أخرج أبادر؟ فقال الحسن: كذبوا عليه، ما كان كذلك. فأراد السائل: أعثمان أخرج أبا ذر؟))(٢). فهل مثل هذا الإمام، في هذه الفطنة والبديهة الخارقة، يُخشى عليه التصحيف؟ !!! وثانيًا: أني لم أجد للحسن عن جابر حديثًا منكرًا، ولا وجدت أحدًا من الحفاظ وصف شيئًا من حديث الحسن عنه بالنكارة، مما صحَّ إسناده إلى الحسن البصري. بخلاف عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، كما سبق في كلام الإمام الذهبي، الذي ذكر أن في رواياته عن نسخة جدِّه منكرات. وهذا من أعظم ما جعل حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عند الإمام الذهبي، نازلاً عن الصحة إلى الحُسن، كما مَرَّ في كلامه. وهذا السبب الذي حطّ حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إلى الحُسْن، غير متحقق في حديث الحسن عن جابر. لذا، ولما سبق كلّه، أجدُ أحاديث الحسن عن جابر (١) انظر ما تقدم (٣٢٣، ٣٧١ - ٣٧٣). (٢) التنبيه على حدوث التصحيف لحمزة الأصفهاني (١٦١). ٨٨٤ رضي الله عنه - المروية بالصيغة المحتملة - جيدة الإسناد، أو صحیحة! لكن هذا بعد الثقة بالصحيفة التي يرويها الحسن هل هي صحيفة موثوقة .. أم لا؟! أمّا صاحب الصحیفة، فهو: سلیمان بن قيس الیشکرِي، مات قديمًا: قبل الثمانين. قال الحافظ: ((ثقة))(١). فصحيفته صحيفة موثوقة! ثم هي صحيفة محفوظة، اعتنت بحفظها أمّ سليمان اليشكري. حتى إنها رفضت تسليمها لأئمة التابعين بالبصرة: الحسن وقتادة وأمثالهما !! كما سبق في خبر سليمان بن حرب، الذي ذكرناه في أدلة نُفاةِ السماع(٢) . فلم تَرْضَ أم سليمان إعارتها لأئمة التابعين، إلا أن يحضروا فيقرؤوها !! كما في الخبر المشار إليه. فصحيفة لرجل ثقة، وهي محفوظة هذا الحفظ، ثم يتنافس أئمة التابعين على قراءتها - لا شك أنَّها صحيفة صحيحة، ما أجود الوجادة منها! ويدل على صحة صحيفة سليمان بن قيس هذه التي كان يروي منها الحسن، وعلى اعتمادها عند الأئمة: أنَّ ابن حبان - وهو الذي نصَّ على عدم سماع أبي بشر جعفر بن أبي وحشية من سليمان بن قيس في كتابه (الثقات)(٣) - مع ذلك أخرج في صحيحه لأبي بشر عن سليمان بن قيس (٤)! (١) التقريب (رقم ٢٦٠١). (٢) انظر ما سبق (٨٥٧). (٣) الثقات (٣٠٩/٤). (٤) الإحسان (رقم ٢٨٨٣). ٨٨٥ وما ذاك إلا تصحيحًا للصحيفة التي كان يروي أبو بشر منها، وهي صحيفة سليمان بن قيس، كما نص عليه البخاري(١). فهذا ظاهر في أنَّ ابن حبان يصحح الوجادة من صحيفة سلیمان بن قیس! ومثل ابن حبان: الحاكم الذي صحح رواية أبي بشر عن سليمان في مستدركه أيضًا (٢). ولن أطيل في الاستدلال لصحة صحيفة سليمان اليشكري بأكثر من ذلك، فالأمر فيها بعد هذا واضح بحمد الله تعالى. إذًا .. فرجعنا إلى التحرير السابق: ما صرَّح فيه الحسن بالسماع من جابر: فهو صحيح! وما لم يصرِّح: فهو جيّد يُصحّح. هذا خلاص الأمر! وهذا أوان سياق بقية أحاديث الحسن عن جابر رضي الله عنه، في الكتب الستة ومسند أحمد: (١) التاريخ الكبير للبخاري (٣٢/٤)، وجامع الترمذي (رقم ١٣١٢)، والعلل الكبير للترمذي (٧٥٥). (٢) المستدرك (٢٩/٣ - ٣٠). ٨٨٦ فالحديث الأول: حديث الحسن، عن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَّ: ((لا أعفي من قتل، بعد أخذه الدِّية)). أخرجه الإمام أحمد (١) وأبو داود(٢) والبيهقي في (السنن الكبرى)(٣). كلهم من طريق حمَّاد بن سلمة، قال: أخبرنا مطر الورَّاق، عن رجل أحسبه الحسن، عن جابر رضي الله عنه ... الحديث. وأخرجه البيهقي أيضًا في (السنن الكبرى) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن مطر، عن الحسن: أنَّ رسول الله وَّهِ - مرسلاً(٤). وعبد الوهاب بن عطاء ممن سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الاختلاط، كما سبق. ولم أجد مرجِّحًا خارجيًا لأحد الإسنادين على الآخر، غير أنَّ الشك الذي في الإسناد الأوَّل ـ وهو قول مطر الوراق: ((عن رجل أحسبه الحسن)) - يدل على عدم إتقانه، مما يُقوِّي احتمال وقوع الوهم فيه. فالأرجح - فيما يظهر - أنَّ الحديث إنما يرويه الحسن مرسلاً عن النبي ◌َّر، دون ذكر جابر رضي الله عنه! (١) مسند الإمام أحمد (٣٦٣/٣). (٢) سنن أبي داود (رقم ٤٥٠٧). (٣) السنن الكبرى للبيهقي (٥٤/٨). (٤) السنن الكبرى (٥٤/٨). ٨٨٧ الحديث الثاني: حديث الحسن، عن جابر رضي الله عنه، أنَّ رسول الله وَه قال لبلال: ((يا بلال، إذا أذِّنت فترسَّل في أذانك، وإذا أقمت فاخدُز. واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته. ولا تقوموا حتّی تروني)). أخرجه الترمذي(١) وعبد بن حميد في (مسنده)(٢) والطبراني في (معجمه الأوسط)(٣) وابن عدي في (الكامل) (٤) والسهمي في (تاريخ جرجان)(٥) والبيهقي في (السنن الكبرى)(٦) والخطيب في (تلخيص المتشابه في الرسم)(٧) وابن حجر في (نتائج الأفكار)(٨). كلهم من طريق عبد المنعم، عن يحيى بن مسلم، عن الحسن وعطاء، عن جابر رضي الله عنه ... الحديث. وقال الترمذي عقبه: ((حديث جابر هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث عبد المنعم، وهو إسناد مجهول))(٩) . وعبد المنعم بن نعيم الأسواري، أبو سعيد البصري، صاحب السقاء، قال الحافظ: ((متروك))(١٠). (١) جامع الترمذي (رقم ١٩٥، ١٩٦). (٢) منتخب مسند عبد بن حميد (رقم ١٠٠٨). (٣) معجم الطبراني الأوسط (رقم ١٩٧٣). (٤) الكامل لابن عدي (١٩٢/٧). (٥) تاریخ جرجان (١٥٣ - ١٥٤). (٦) السنن الكبرى، للبيهقي (٤٢٨/١). (٧) تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ٥٧). (٨) تنائج الأفكار، لابن حجر (٣٣٨/١ - ٣٣٩). (٩) جامع الترمذي (رقم ١٩٦). (١٠) التقريب (رقم ٤٢٣٤). ٨٨٨ ويحيى بن مسلم البصري، قال الحافظ: ((مجهول)) (١). أمَّا ابن عدي، والبيهقي، فاعتبرا يحيى بن مسلم الذي في إسناده، أنه البكاء. فذكر ابن عدي الحديث في ترجمة البكاء، وأعل البيهقي الحديث به بعد سياقه(٢). وهو يحيى بن مسلم، أو ابن سُليم، وهو ابن أبي خالد البصري، المعروف بيحيى البكّاء، والحُدَّاني (ت١٣٠هـ). قال الحافظ: ((ضعيف))(٣). فالحديث من رواية متروك، وهو عبد المنعم، عن مجهول أو ضعيف. ولكن قول الترمذي عن إسناد الحديث: إنه إسناد مجهول، يدل على أنه يفرِّق بين البكّاء المشهور بالضعف، ورجل آخر، هو صاحب حديثه. وقد فرَّق بينما أيضًا أبو زرعة الرازي، وابن أبي حاتم، كما في (الجرح والتعديل) (٤). وصنيع هؤلاء في التفريق، مُقدَّم - عندي - على صنيع غيرهم، لأنهم أعلم. ولأن احتمال وقوع الوهم على غيرهم بتطبيق اسم على غيره احتمال قريب، بخلاف من فرَّق الترجمة عالمًا متقصِّدًا لذلك. لكن قال الحافظ في (نتائج الأفكار): ((وأمَّا قول الترمذي - يعني بالغرابة - فيرد عليه مجيئه من وجه آخر ... )). ثم أسند إلى أبي الشيخ الأصبهاني، أنه قال: ((حدثنا (١) التقريب (رقم ٧٦٤٤). (٢) انظر تخريج الحديث. (٣) التقريب (رقم ٧٦٤٥). (٤) الجرح والتعديل (١٨٦/٩ - ١٨٧، ١٨٧). ٨٨٩ حمدان بن الهيثم(١): حدثنا صبيح بن عمر السيرافي: حدثنا الحسن بن عبيد الله، عن الحسن وعطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َ ر .. فذكر مثل حديث جابر سواء. هكذا أخرجه أبو الشيخ في كتاب (الأذان))(٢). قلت: وهكذا أخرجه البيهقي في (السنن الكبرى) من طريق أبي الشيخ، بإسناده ومتنه (٣). وقدَّمه البيهقي بقوله: ((إسناد غير معروف)). وأعقبه بقوله: ((والإسناد الأول أشهر من هذا))(٤). يعني إسناد حديث جابر الأول! قلت: وصبيح بن عمر السيرافي، ذكره الحافظ في (اللسان)، في ترجمة صبيح بن عمير، الذي قال عند الأزدي: ((فیه لین))(٥) . (١) سمَّاه في إسناد البيهقي: حمدان بن الهيثم بن خالد البغدادي، ولم أجده في (تاريخ بغداد)! لكن روى أبو الشيخ عن حمدان بن الهيثم بن أبي يحيى بن يزيد التيمي أبي العباس المديني (ت٣٠١هـ). وقال عنه أبو الشيخ، في طبقات الأصبهانيين (٢١١/٢ رقم ٤٤٩): ((ثقة دین)). وكذا قال أبو نعيم في ذكر أخبار أصبهان (١/ ٢٩٣). لكن تُكلِّم في حمدان بن الهيثم هذا، لروايته خبراً منكراً من كلام الإمام أحمد، فانظر لسان الميزان (٣٥٦/٢ - ٣٥٧). فلعل ما أُنِكرَ عليه وهمّ، لم يُحسن حمدان في نقله. لأن توثيق أبي الشيخ له، وهو شيخه، يقوِّي حاله جداً. فضلاً عن متابعة أبي نعيم له في توثيقه أيضاً! (٢) نتائج الأفكار (٣٤٠/١). (٣) السنن الكبرى للبيهقي (٤٢٨/١). (٤) المصدر السابق. (٥) ميزان الاعتدال (٣٠٧/٢ رقم ٣٨٥٨). ٨٩٠ قال الحافظ بعد ذكر كلام الأزدي في صبيح بن عمير: ((وأورد البيهقي في السنن الكبرى من طريق حمدان بن الهيثم، عن صبيح بن عمير السيرافي(١) عن الحسن بن عبد الله(٢) - حديثًا، وأشار إلى أنَّ صبيحًا مجهول. قلت: وهو في طبقة الذي ذكره الأزدي))(٣). أمَّا الحسن بن عبيد الله، فلم أعرفه، ولا أحسبه الحسن بن عبيد الله بن عُزوة النخعي، إذ لم يذكروا له رواية عن الحسن، ولا عن عطاء الراوي عن أبي هريرة رضي الله عنه (٤). فيُختمل أن يكون قول البيهقي عن هذا الإسناد: (ليس بالمعروف)» - منصرفًا إلى الحسن بن عبيد الله هذا، مع صبيح بن عمر! وللحديث طريق سوى طريق عبد المنعم الأولى، من حديث الحسن عن جابر مثلها! فقد أخرجه الحاكم في (المستدرك) من طريق عمرو بن فائد الأسواري، عن يحيى بن مسلم، عن الحسن وعطاء، عن جابر رضي الله عنه (٥). ثم قال الحاكم: ((هذا حديث ليس في إسناده مطعون فيه غير عمرو بن فائدة، والباقون شيوخ البصرة. وهذه سنة غريبة، لا أعرف لها إسنادًا غير هذا، ولم یخر جاہ))(٦). (١) كذا في مطبوع اللسان. (٢) كذا في مطبوع اللسان. (٣) لسان الميزان (١٨١/٣ - ١٨٢). (٤) تهذيب الكمال (١٩٩/٦ - ٢٠٠)، والتهذيب (٢٩٢/٢ - ٢٩٣). (٥) المستدرك (٢٠٤/١) (٦) المصدر السابق. ٨٩١ فتعقبه الذهبي في (التلخيص) بقوله: ((قلت: قال الدارقطني: عمرو بن فائد متروك)) (١). وهو: عمرو بن فائدة الأسواري، أبو علي البصري، توفي بعد المائتين بيسير. ضعفه جماعة، وهو منكر الحديث جدًّا، لا يعتبر به (٢). وقد ظهر لي أن في الأمر تواطؤًا! فعبد المنعم بن نُعيم الأسواري، من بني عم عمرو بن فائد، كما هو ظاهر النسب، فكلاهما أسواري، بضم أوله أو فتحه، وهُم أبناء الأساورة الذي نزلوا البصرة، في بني تميم، واختطوا بها(٣). ثم إن عبد المنعم خَتَنُ عمرو بن فائد: زوج ابنته، كما وجدته في إسناد الحديث عند الخطيب في (تلخيص المتشابه في الرسم) (٤). فاتفاق هذين المتروكين، مع القرابة والصهر الذي بينهما، يزيد الحديث ضعفًا، ولا يزيده قوة !! فالحديث بمجموع طرقه شديد الضعف. (١) تلخيص المستدرك (٢٠٤/١). (٢) لسان الميزان (٣٧٢/٤ - ٣٧٣)، وأضف إليه كلام علي بن المديني في سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة (رقم ٤٥). (٣) انظر الأنساب للسمعاني، وحاشيته (٢٤٩/١ - ٢٥١)، ومعجم البلدان للحموي (١٩١/١) (٣١٧/٥)، وعجالة المبتدي للحازمي (١٦)، واللباب لابن الأثير (٦٠/١). ووهم ابن ناصر الدين الدمشقي في توضيح المشتبه (٢٠٨/١)، فنسب إلى الحازمي أنه ضبطها بالضم والكسر، وليس كذلك! فهو في العجالة بالفتح والضم، وقد سبق العزو إليه. وتبعه على هذا الوهم - معذوراً - المعلمي في تحقيقه الأنساب السمعاني! ١ (٤) تلخيص المتشابه في الرسم (٥٧/١). ٨٩٢ الحديث الثالث: للحسن عن جابر رضي الله عنه، قال: ((كنّا نسافر مع رسول الله ﴿، فإذا صعدنا كبَّرنا، وإذا هبطنا سبَّحنا)). أخرجه الإمام أحمد (١) والنسائي في (عمل اليوم والليلة) وفي السير في (السنن الكبرى)(٢) والمحاملي في (الدّعاء)(٣) وابن السني في (عمل اليوم والليلة) (٤) والدارقطني في (السنن) (٥) . كلهم من طريق أشعث بن عبد الملك، عن الحسن عن جابر رضي الله عنه. وهذا إسناد صحيح. ٠ (١) مسند الإمام أحمد (٣٣٣/٣). (٢) عمل اليوم والليلة للنسائي (رقم ٥٤١)، والسنن الكبرى (رقم ٨٨٢٥). (٣) الدعاء للمحاملي (رقم ٤٥). (٤) عمل اليوم والليلة، لابن السني (رقم ٥١٦). (٥) سنن الدارقطني (٢٣٣/٢). ٨٩٣ الحديث الرابع: للحسن عن جابر رضي الله عنه: ((أنَّ رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة، ورسول الله وَ ﴿ يخطب، فجعل يتخطَّى الناس. فقال رسول الله وَحر: اجلس. فقد آذيت وآنيت)). أخرجه ابن ماجه، من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جابر رضي الله عنه (١). وهذا إسناد ضعيف، لضعف إسماعيل المكي. لكن قال الدارقطني في (العلل) بعد أن سئل عن هذا الحديث: ((اختُلِف فيه على الحسن: فرواه يونس بن عبيد، وسفيان بن حسين، وإسماعيل بن مسلم، عن الحسن عن جابر. ورواه هشام بن حسَّان، وعاصم الأحوال، عن الحسن - مرسلاً. ولا يثبت سماعٌ من جابر))(٢). كذا، ولعله: ((ولا يثبت للحسن سماع من جابر)). فيذكر الدارقطني أن إسماعيل بن مسلم متابَعْ بيونس بن عبيد، وسفيان بن حسين، ولم أجد روايتهما على ما ذكره! بل قال أبو عبيد في (غريب الحديث): ((حدثنا هشيم: حدثنا منصور ويونس، عن الحسن ... )) الحديث - مرسلاً إلى النبي ◌ِ﴾(٣). (١) سنن ابن ماجه (رقم ١١١٥). (٢) العلل للدارقطني (٨٤/٤/أ). (٣) غريب الحديث، لأبي عبيد (٧٥/١). ٨٩٤ وأخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) عن هشيم أيضًا(١)، والبيهقي في (معرفة السنن والآثار) من طريق أبي عبيد بإسناده(٢). فهذا يونس ومنصور .. كلاهما يروي الحديث عن الحسن مرسلاً! ووافقهما قتادة أيضًا! أخرجه عبد الرزاق في (المصنف)(٣). فلا أدري، أفي علل الدارقطني خطأ نسخي، بجعل كلام الدارقطني على حديثٍ ما كلامًا على حديث آخر، بانتقال بصر الناسخ من موطن إلى موطن! هذا احتمال وارد وواقع في غير ما موطن من مخطوطة علل الدار قطني (٤) !! أم أنَّ ليونس بن عبيد وجهين: مرسلاً، وموصولاً! وهذا احتمال واردٌ أيضًا. لكن على ما ظهر لي، يكون الحديث للحسن عن جابر غير محفوظ، ويكون المحفوظ: عن الحسن مرسلاً. أمَّا إذا صحَّ ما في علل الدارقطني، فیکون كلا الوجهين محفوظًا عن الحسن، لاتفاق غير ما راوٍ على كل وجهٍ منهما !! (١) مصنف ابن أبي شيبة (١٤٤/٢) (رقم ٥٤٧٣). (٢) معرفة السنن والآثار (رقم ٦٦١٥). (٣) مصنف عبد الرزاق (رقم ٥٤٩٨). (٤) انظر (٧٤٧). ٨٩٥ الحديث الخامس: للحسن عن جابر رضي الله عنه، قال: ((صليت مع النبي ◌َ﴿ الظهر والعصر، فلمَّا سلْم، قال لنا: على أماكنكم. وأُهديتْ له جرَّةً فيها حلواء [وفي رواية: عسل]، فجعل يُلْعِق كل رجل لُعْقه. حتى أتى عليَّ، وأنا غلام، فألعقني لعقة، ثم قال: أزيدك؟ قلت: نعم (وفي رواية: ثم قلت: يا رسول الله: أزداد أخرى؟ قال: نعم] فزادني لصغري. فلم يزل كذلك، حتى أتى على آخر القوم)). قال ابن ماجه: ((حدثنا أبو بشر بكر بن خلف: حدثنا عمر بن سهل: حدثنا أبو حمزة العطار، عن الحسن، عن جابر رضي الله عنه ... ))(١). بكر بن خلف البصري، خَتَنُ المقريء، أبو بشر، (ت ٢٤٠ هـ). قال الحافظ: ((صدوق))(٢). أمَّا الذهبي فقال في (الكاشف): ((ثقة))(٣). والتوثيق هو مقتضى ترجمته في (التهذيب) (٤)! وأضف إلى (التهذيب) أنَّ ابن حبان صحح حديثه، بتخريجه له في صحيحه(٥) . وعمر بن سهل بن مروان المازني التميمي، بصري سكن مكة. (١) سنن ابن ماجة (رقم ٣٤٥١). (٢) التقريب (رقم ٧٣٨). (٣) الكاشف (رقم ٦٣٠). (٤) التهذيب (٤٨١/١). (٥) انظر فهارس الإحسان (١٠٨/١٨). ٨٩٦ قال الحافظ: ((صدوق يخطىء))(١). وأبو حمزة العطار: إسحاق بن الربيع، تقدَّم أنه صدوق. فهذا إسناد حسن. وله متابعة : قال أبو الشيخ الأصبهاني، في (أخلاق النبي ◌َّر): ((حدثنا محمد بن عبد الله بن رسته: حدثنا أبو معمر القطيعي: حدثنا إسماعيل بن عليه، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن جابر رضي الله عنه ... ))(٢). وأخرجه محيي السنة البغوي في (الأنوار في شمائل النبي المختار)، في طريق أبي الشيخ بإسناده(٣). محمد بن عبد الله بن رُسْته بن الحسن الضبي، أبو عبد الله المديني (ت٣٠١هـ). أثنى عليه أبو الشيخ ثناءً عظيمًا في (طبقات المحدثين بأصبهان) (٤) . وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء): ((الحافظ المحدّث الصدوق»(٥) . وأبو معمر: إسماعيل بن إبراهيم بن معمر بن الحسن الهلالي، القَطيعي، أصله هروي، (ت٢٣٦هـ). قال الحافظ: ((ثقة مأمون))(٦). (١) التقريب (رقم ٤٩١٤). (٢) أخلاق النبي ◌َا﴾ (٢٠٠ - ٢٠١). (٣) الأنوار للبغوي (رقم ٢٦٧). (٤) طبقات المحدثين بأصبهان (١٩٤/٢ - ١٩٦ رقم ٤٣٢). (٥) سير أعلام النبلاء (١٦٣/١٤). (٦) التقريب (رقم ٤١٥). ٨٩٧ وبقية الإسناد مترجمون. فهذا إسناد صحيح. وتوبع أبو معمر القطيعي أيضًا: قال أبو بكر الشافعي في (الغيلانيات): ((حدثنا ابن شاكر السمرقندي: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الهروي: حدثنا إسماعيل بن عليه: حدثنا يونس عن الحسن: أنَّ جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال :... ))(١). ابن شاكر، هو: الحسين بن عبد الله بن شاكر السمرقندي، أبو علي ورَّاق الفقيه داود بن علي الظاهري (ت٢٨٢هـ). قال الدارقطني: ((ضعيف))(٢). وقال أبو سعد عبد الرحمن بن محمد بن محمد الإدريسي صاحب (تاريخ سمرقند) (ت٤٠٥): ((كان فاضلا ثقة، كثير الحديث، حسن الرواية))(٣). قلت: فلعله ثقة في نفسه یهِم، فيُحسِّن حديثه! إبراهيم بن عبد الله بن حاتم الهروي، أبو إسحاق، نزيل بغداد (ت٢٤٤ هـ). قال الحافظ: ((صدوق حافظ، تُكلِّم فيه بسبب القرآن))(٤). فهذا إسناد حسن أيضًا. فالحديث صحيح. (١) العيلانيات (رقم ٩٩٢)، وفي المنشورة (برقم ٩٥٤). (٢) سؤالات الحاكم (رقم ٨٩). (٣) تاريخ بغداد (٥٨/٨ - ٥٩) وانظر لسان الميزان (٢٩٠/٢ - ٢٩١). (٤) التقريب (رقم ١٩٣). ٨٩٨ الحديث السادس: للحسن عن علي بن أبي طالب، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وأبي أمامة الباهلي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين - رضي الله عنهم، كلهم يحدِّث عن رسول الله وَّر، أنه قال: ((من أرسل بنفقةٍ في سبيل الله، وأقام في بيته، فله بكل درهم سبعمائة درهم. ومن غزا بنفسه في سبيل الله، وأنفق في وجهه ذلك، فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يُضَنِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾))(١). أخرجه ابن ماجه، من طريق الخليل بن عبد الله، عن الحسن، عمن ذكرهم من الصحابة رضي الله عنهم، وفيه جابر بن عبد الله(٢). والخليل بن عبد الله، قال عنه الحافظ: ((مجهول العين))(٣). لكن نقل الحافظ في (التهذيب) عن ابن عبد الهادي أنه قال عن حديثه هذا: ((حديث منكر))(٤). ونقل الحافظ نفسه أيضًا أنَّه روى حديثًا منكرًا آخر، لكنه لم يجزم بأنه صاحب الترجمة، بل تردد في ذلك(٥) . ومن فوات التهذيب: أنَّ البيهقي روى في (شعب الإيمان) من طريق ابن أبي فديك عن الخليل بن عبد الله، عن مكحول، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه - (١) سورة البقرة: الآية ٢٦١. (٢) سنن ابن ماجه (رقم ٢٧٦١). (٣) التقريب (رقم ١٧٥٤). (٤) التهذيب (٦٧/٣). (٥) التهذيب (٦٨/٣). ٨٩٩ حديثًا منكرًا، ثم قال: ((الخليل بن عبد الله هذا مجهول، ومتن الحديث منكر)) (١). قلت: فرجل غير معروف مثل الخليل بن عبد الله، ثم لم نعرفه إلا بالمنكرات !! لا جرمَ أن يكون متروك الحديث !! (١) شعب الإيمان للبيهقي (رقم ٤٢٧٩). ٩٠٠