Indexed OCR Text
Pages 861-880
في (صحيحه)(١) والحاكم في (المستدرك)(٢). فاتفاقُ حديث الحسن هذا عن جابر، بحديث سليمان بن قيس اليشكري عن جابر، ثم اعترافُ الحسن بعد سماعه الحديث من جابر رضي الله عنه - هذا وحدَهُ يُقَوِّي أن يكون الحسن أخذه عن سليمان بن قيس اليشكري. فإذا تذكرنا ثبوت سماع الحسن لصحيفة سليمان اليشكري، لم يبق هناك شك في أنَّ الحسن إنما يروي ذلك الحديث من تلك الصحيفة . وإذا ثبت أنَّ الحسن روى عن صحيفة سليمان اليشكري، فأسقط ذكر الصحيفة، وذِكْرَ سليمان أيضًا، وأنمى الحديث إلى جابر رضي الله عنه، بدون واسطة .. إذا علمت هذا، ثم أضفت إليه ثبوت قراءة صحيفة سليمان على الحسن، لم يبق لديك شك، في أن الحسن روى تلك الصحيفة . ثم في المسألة نص، (يقطع قول كل خطيب)، وهو قول - سبق ذكره - لسليمان التيمي: ((ذهبوا بصحيفة جابر إلى الحسن، فأخذها، أو قال: فرواها))! وما زلنا مع شاهد آخر لعدم سماع الحسن من جابر رضي الله عنه، إن صحّ عنه! وهو حديث يرويه الحسن عن جابر رضي الله عنه، بواسطة، مما يشهد لاحتياج الحسن في حديثه عن جابر إلى الوسائط. قال الطبراني في (المعجم الأوسط) وأبو الشيخ في (أخلاق النبي ◌َر): ((حدثنا محمد بن شعيب التاجر: حدثنا عبد السلام بن (١) الإحسان (رقم ٢٨٨٢). (٢) المستدرك للحاكم (٢٩/٣). ٨٦١ عاصم الرازي: حدثنا معاذ بن هشام(١): حدثني أبي، عن قتادة (١) معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، البصري، وقد سكن اليمن، (ت ٢٠٠هـ). قال الحافظ في التقريب (رقم ٦٧٤٢): ((صدوق ربما وهم)). بينما قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (٩/ ٣٧٢) عنه: ((الإمام المحديث الثقة». قلت: هو في أبيه - خاصة - ثقة متقن! قال علي بن المديني: ((سمعت معاذ بن هشام بمكة يقول، و [وقيل] له: ما عندك! قال: عندي عشرة الآف. فأنكرنا علیه، وسخرنا منه. فلمّا جئنا إلى البصرة، أخرج إلينا من الكتب نحواً مما قال، يعني عن أبيه. فقال: هذا سمعت، وهذا لم أسمعه، فجعل يميزها !! )) الكامل لابن عدي (٦/ ٤٣٣)، والتصويب من سير أعلام النبلاء (٣٧٣/٩). فهذا يدل على جلالة قدره، وفي أبيه خاصة. ويدل أيضاً على أمانته، وعدم ادعائه سماع مالم يسمعه! والعجب من الحافظ! يقول ما سبق في معاذ بن هشام، مع قوله عنه في هدي الساري (٤٦٦): ((لم يكثر له البخاري، واحتج به الباقون)). إذاً .. فممن يحتج بمعاذ بن هشام الإمام مسلم في صحيحه! بل وحتى البخاري الذي ذكر الحافظ أنه لم يكثر لمعاذ بن هشام في صحيحه، يحتج به أيضاً !! فقد ذكر الحافظ في تلخيص الحبير (١/ ٥٠) حديث: ((ينضح بول الغلام ويغسل بول الجارية))، وذكر أن معاذ بن هشام تفرَّد برفع هذا الحديث، وخالفه غيره من الثقات. مع ذلك يذكر الحافظ أنَّ البخاري قد صححه !! فهل (صدوق له أوهام) يصحح حديثه؟! حتى مع التفرد !! بل والمخالفة !!! والأعجب من ذلك كله، أنَّ الحافظ نفسه، قال عن ذلك الحديث في ذلك الموطن: ((إسناده صحيح))! ولم ينفرد البخاري بتصحيح ذلك الحديث الغريب لمعاذ بن هشام، بل نقل الحافظ نفسه، أنه قد صححه أيضاً: ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم. قلت: ولم أر أحداً يتحاشى تصحيح حديث معاذ بن هشام، حتى بعض مفاریده! فانظر على سبيل المثال : صحيح البخاري (رقم ٢٦٨، ٢٤٤٠، ٦٥٣٨). ٨٦٢ = عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي (١) عن جابر رضي الله عنه، قال: أُعطي رسول الله وَِّ الكَفِيْت. قلت للحسن: ما الكفيت؟ قال: الجماع))(٢). وأخرجه محيي السنة البغوي في كتابه (الأنوار في شمائل النبي المختار)، من طريق أبي الشيخ (٣). قال الطبراني عقبه: ((لم يرو هذا الحديث عن قتادة عن وصحيح مسلم (رقم ١٧٨، ٢٩٦، ٣٨٩، ٧٤٦، ٩٠٢، ١٢٤٣، = ٢٠٦٩، ٢٧٦٦، ٢٨٠٥، ٢٨٨٩). وصحح الترمذي بعض مفاريده، بقوله عقب حديثه: ((حسن [صحيح] غريب)) - الجامع للترمذي (رقم ٢٥٦٣). ووقع في مطبوع الجامع أنه حسَّنه، والتصحيح ورد في تحفة الأشراف للمزي (رقم ٧٥٥٣)، وفي تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي (٣٧٢/٤ - ٣٧٣). وصحيح ابن حبان، انظر فهارس الإحسان (٢٤٦/١٨)، وقف على بعض مفاريده في صحيح ابن حبان [١٣٧٥، ٤٤٩٢، ٦٠٠٤، ٧٤٠٤]. ومستدرك الحاكم (٦٥/١، ٣٥٣، ٣٨٧) (١٤٢/٢، ٣٥٤) (١٩١/٤). وتذكّر أن الحاكم غالباً ما يقول عقب تلك الأحاديث: ((وإسناده صحيح)). فلا جرم أن يقول الذهبي بعد هذا، في تذكره الحفاظ (٣٢٥): ((صدوق صاحب حدیث، احتجوا به في الكتب كلها)). وقول الذهبي هذا كقولهم: ((ثقة صدوق)). ثم هذا الحافظ نفسه، يحرر مرتبة معاذ بن هشام تحريراً خيراً من تحريره في (التقريب)، عندما قال في (فتح الباري) - شرح الحديث (رقم ٤١٣٠): ((معاذ بن هشام ثقة صاحب غرائب)) !! (١) حطان بن عبد الله الرقاشي البصري، مات في ولاية بشر، على العراق، بعد السبعين. قال الحافظ في التقريب (رقم ١٣٩٩): ((ثقة)). وبشر هو ابن مروان بن الحكم، ولي العراق سنة (٧٢هـ)، وتوفي أميراً عليها سنة (٧٥هـ). انظر: تاريخ الإسلام للذهبي، حوادث ٦١هـ - ٨٠هـ (٣٠٧، ٣٧٠ - ٣٧٢). (٢) معجم الطبراني الأوسط (١١٣/٢/أ)، وأخلاق النبي وَلقر لأبي الشيخ (١٩٧). (٣) الأنوار في شمائل النبي المختار للبغوي (رقم ١٠٥٨). ٨٦٣ الحسن إلا هشام، ولا عن هشام إلا ابنه، تفرَّد به عبد السلام بن عاصم)) . ومحمد بن شعيب بن داود التاجر، أبو عبد الله، (ت ٣٠٠هـ). قال أبو الشيخ الأصبهاني في (طبقات المحدثين بأصبهان): ((حدَّث عن الرازيين بما لم نجده بالري، ولم يُكْتب إلا عنه))(١). وقال أبو نعيم في (ذكر أخبار أصبهان): ((يروي عن الرازيين الغرائب)»(٢). أمَّا (لسان الميزان) فتصحفت فيه عبارة أبي الشيخ، بل ونِسْبَةُ الراوي أيضًا، تصحيفًا محيلاً مضحكًا !! ففيه: (محمد بن شعيب المتأخر -! - قال أبو الشيخ: حدَّث عنه الوراس عالم يحدث بالري، ولم يكتبه إلا عنه))(٣) !!! لكني أخشى أن يكون محمد بن شعيب التاجر هذا، هو الذي قال عنه الدارقطني، في (سؤالات الحاكم): ((محمد بن شعيب البزاز: ثقة))(٤). فإن كان هو، فإن روايته للغرائب تدل على سعة حفظه، لا على وهن فيه! أمَّا عبد السلام بن عاصم الجعفي، الرازي. فقال عنه الحافظ: ((مقبول))(٥) (١) طبقات المحدثين بأصبهان (٢٧٦/٢ رقم ٥١٨). (٢) ذكر أخبار أصبهان (٢٥٢/٢). (٣) لسان الميزان (١١٩/٥). (٤) سؤالات الحاكم للدارقطني (رقم ٢٠٧). (٥) التقريب (رقم ٤٠٧١). ٨٦٤ وقد خولف عبد السلام بن عاصم في هذا الحديث! قال إبراهيم الحربي في (غريب الحديث): ((حدثنا عبيد الله بن عمر: حدثنا معاذ: حدثنا أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان، قال: أعطي نبي الله وَلّر الكفيت. قلت للحسن: ما الكفيت؟ قال: البضاع)»(١). أخرجه أيضًا أبو الشيخ في (أخلاق النبي ◌َّر)، من طريق عبيد الله بن عمر القواريري ... به (٢). عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري، أبو سعيد البصري، نزيل بغداد، (ت٢٣٥هـ)، وله خمس وثمانون سنة. قال الحافظ عنه: ((ثقة ثبت))(٣). فإسناد حديثه إسناد صحيح، وهو مقدَّم على إسناد حديث عبد السلام بن عاصم! فالحديث إنما يرويه الحسن عن حطان الرقاشي - مرسلاً، ليس فيه ذکر لجابر رضي الله عنه. فليس فيه شهادة على عدم سماع الحسن من جابر رضي الله عته! وبقي شاهد آخر على عدم السماع: أخرج أبو يعلى في (مسنده) وابن عدي في (الكامل): من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن يزيد الرقاشي، عن محمد بن المنكدر: حدثنا جابر بن عبد الله، قال: قال (١) غريب الحديث، الحربي (٢١٥/١). (٢) أخلاق النبي ◌َ ﴾ (١٩٧). (٣) التقريب (رقم ٤٣٢٥). ٨٦٥ رسول الله وَّطاهر: عسى أن يكذبني رجل، وهو متكيء على أريكته! يبلغه الحديث عني، فيقول: ما قال ذا رسول الله وَّلتر، دع هذا، وهات ما في القرآن. قال إسماعيل بن مسلم: فحدثت به عمرو بن عبيد، فقال: لا، حدثنا الحسن عن جابر بن عبد الله، فقلت: فانطلق بنا إلى الحسن. فأثينا الحسن، فسألناه عن الحديث؟ فقال: حدثني يزيد الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر))(١). قلت: لكن إسماعيل بن مسلم، وعمرو بن عبيد، كلاهما ضعيف، وعمرو أسوأ حالاً! فلا يشهد هذا الحديث بشيء! وهنا ننتهي من سياق أدلة من نفى سماع الحسن من جابر رضي الله عنه. أدلة سماع الحسن من جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. قد سبق أن ذكرنا أدلة تثبت - ولا شك - رواية الحسن عن جابر لأحاديث لم يسمعها منه، بل ولا من سليمان اليشكري، الذي أخذ الحسن البصري هذه الأحاديث من صحيفته من غير سماع. وبقيت أدلة سماع الحسن من جابر رضي الله عنه، عند من أثبت هذا السماع: فالدليل الأول: الحديث الصحيح الإسناد، الذي قد ذكرناه في موضع متقدم من هذا البحث، من طريق المبارك بن فضالة، أنه قال: ((شهدت الحسن، وقال له إبراهيم بن إسماعيل الكوفي: نحب أن تسند لنا؟ (١) مسند أبي يعلى (رقم ١٨٠٧، ١٨٠٨)، والكامل لابن عدي (١٠٣/٥). ٨٦٦ فقال: سل عمَّا بدا لك، قال: حديثك في قيام الساعة؟ فقال: حدثني به ثلاثة حدثني به جابر بن عبد الله، وحدثنيه أنس بن مالك ... )) الخبر(١). فصحة إسناد هذا الخبر، وجه أول: يدل على قوّة الاستدلال به، على أنّ الحسن قد سمع من جابر. والوجه الآخر: أن تصريح الحسن بالسماع في هذا الخبر، تصريح لا يقبل التأويل، بل هو أبعد ما يكون عن التأويل أو الوهم! لأن الخبر كلَّه يحكي تَوَثُقَ ذلك الراوي من إسناد الحسن، وسؤالَهُ الحسنَ أن يحدثه مصرحًا بالسماع. فهذا التصريح بالسماع من أصح وأصرح ما يُعْتَمَدُ عليه في ذلك !! ولو لم يصرّح الحسن بالسماع من جابر رضي الله عنه إلا في هذه الرواية، لكفى بها في إثبات السماع منه. والدليل الثاني: قال الحافظ أحمد بن منيع بن عبد الرحمن، أبو جعفر البغوي، الأصم، (۔ ٢٤٤هـ)، في (مسنده): «حدثنا يزيد: حدثنا حميد الطويل، قال: صلى بنا الحسن إحدى صلاتي العشي، فأطال، فرأيت اضطراب لحيته. فلما انصرف، قلت: أكنت تقرأ؟ قال: حدثنا جابر بن عبد الله، قال: كنا ندعو قيامًا وقعودًا، ونسبح رکوعا وسجودا»(٢). قلت: يزيد هو ابن هارون، حافظ واسط، تقدمت ترجمته. فهذا إسناد صحيح، لا مغمز فيه! (١) انظر ما سبق (٣٣٥). (٢) انظر إتحاف الخيرة، للبوصيري (٢٠٠/١/ ب). ٨٦٧ لكن أخرج الحديث أبو داود في (السنن) من طريق أبي إسحاق الفزاري، وحماد بن سلمة(١). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في (المصنف) من طريق (٢) معاذ بن معاذ العنبري ثلاثتهم عن حميد الطويل، عن الحسن، عن جابر، معنعنًا! كذا من غير تصريح بالسماع، ومن غير ذكر قصة صلاة حميد خلف الحسن! لكن لا يُعَلّ حديث يزيد بن هارون عن حميد: بتصريح الحسن بالسماع من جابر رضي الله عنه، بأن خالفه غيره من الرواة! أولاً: لما قررناه، من عدم إعلال تفرد أحد الرواة الثقات بصيغة للسماع، دون غيره(٣). أعني أن لا تُعَل (حدثنا) بصيغة (عن)، عند اختلاف الرواة في ذلك. وثانيًا: أن في رواية يزيد بن هارون عن حميد قصة، وقد سبق عن الإمام أحمد أنه قال: ((إذا كان في الحديث قصة، دل على أن راويه حفظه))(٤). ولذلك فإن مغلطاي في (الإعلام بسنته عليه السلام) عقب نقله قول من نفي سماع الحسن من جابر رضي الله عنه، قال: ((ولو رأينا الحديث الذي في مسند أحمد بن منيع، لأذعنًا له سمعًا وطاعة ... - ثم ساقه، وقال : - فهذا كما ترى سند كالشمس، فيه تصريح بسماعه منه، فلا مطعن في سماعه بعد هذا))(٥). والأمر كما قال مغلطاي! (١) سنن أبي داود (رقم ٨٣٣، ٨٣٤). (٢) مصنف بن أبي شيبة (٤٤٣/١٠ - ٤٤٤) (رقم ٢٩٨٧٤). (٣) انظر ما سبق (٧٠١ - ٧٠٧). (٤) هدي الساري، لابن حجر (٣٨٢). (٥) الإعلام بسنته، لمغلطاي (٤٨/١/أ). ٨٦٨ والدليل الثالث: قال ابن أبي حاتم في (المراسيل): ((سألت أبي رحمه الله: سمع الحسن من جابر؟ قال: ما أرى، ولكن هشام بن حسان يقول عن الحسن: حدثنا جابر! وأنا أنكر هذا. إنما الحسن عن جابر: كتاب، مع أنه أدرك جابرًا))(١). قال العلامة أحمد محمد شاكر - رحمه الله - معلقًا على كلام أبي حاتم، في تخريجه لـ (تفسير الطبري): ((وأنا أرى أنَّ رواية هشام بن حسان كافية في إثبات سماع الحسن من جابر، فقد قال ابن عيينة: كان هشام أعلم الناس بحديث الحسن))(٢). قلت: ولم أجد رواية هشام بن حسان هذه، فيا للحسرة !!! لکن كلام العلامة أحمد محمد شاكر في محله! والدليل الرابع: روى الحسن عن جابر رضي الله عنه، عن النبي وَّو، قال: (([إن الله عز وجل رفيق يحب الرفق]، فإذا سافرتم في الخضب، فأمكنوا الركاب أسنَّتها، ولا تجاوزوا بها المنازل. وإذا سرتم في الجدب، فاسْتَبِقوا، وعليكم بالدُّلجة، فإن الأرض تُطوى بالليل. وإذا تغولت الغيلان، فنادوا بالأذان. وإياكم: والصلاة على جواد الطريق، ولا تنزلوا عليها، فإنها مَمَرُّ السباع ومأوى الحيات. وقضاء الحاجة، فإنها الملاعن)). ومعنى قوله: ((فأمكنوا الركاب أسنتها)) أي: فأمكنوا الإبل التي تسافرون عليها من الرَّغي(٣). (١) المراسيل، لابن أبي حاتم (رقم ١١٥). (٢) تفسير الطبري، الحاشية (٣٦٨/٤). (٣) انظر غريب الحديث لأبي عبيد (٦٩/٢). ٨٦٩ أخرجه الإمام أحمد (١) وأبو داود(٢) والنسائي في (عمل اليوم والليلة)(٣) وابن ماجة(٤) وأبو عبيد في (غريب الحديث)(٥) وابن أبي شيبة في (المصنف)(٦) وابن خزيمة في (صحيحه)(٧) مقدِّمًا له بالشك في اتصاله، وأخرجه أبو يعلى(٨) وابن الأعرابي في (معجمه)(٩) وابن السني في (عمل اليوم والليلة)(١٠). كلهم من طريق هشام بن حسان، عن الحسن، عن جابر - كذا معنعنًا. وإسناده صحيح إلى الحسن البصري. بينما أخرجه عبد الرزاق في (المصنف)، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن النبي وَلِّ ـ مرسلاً(١١)! ولا يُعِلُّ انفرادُ الواحد، اجتماعَ الثقات !! وهذا كله ليس فيه دليل على سماع الحسن من جابر، لأنه لیس فیه تصریح بالسماع! لكن روى هذا الحديث راوٍ آخر عن الحسن، فذكر فيه تصريحه بالسماع منه. (١) مسند الإمام أحمد (٣٠٥/٣، ٣٨١ - ٣٨٢). (٢) سنن أبي داود (رقم ٢٥٧٠). (٣) عمل اليوم والليلة، للنسائي (رقم ٩٥٥). (٤) سنن ابن ماجه (رقم ٣٧٧٢). (٥) غريب الحديث، لأبي عبيد (٦٩/٢). (٦) المصنف، لابن أبى شيبة (٤٠١/٢) (٣٠/٩) (٣٩٧/١٠) (رقم ٧٧٤٦، ٢٦٣٥٢)، (٢٩٧٤١). (٧) صحيح ابن خزيمة (رقم ٢٥٤٩). (٨) مسند أبي يعلى (رقم ٢٢١٦). (٩) معجم ابن الأعرابي (رقم ٧٦). (١٠) عمل اليوم والليلة، لابن السني (رقم ٥٢٣). (١١) مصنف عبد الرزاق (رقم ٩٢٤٧). ٨٧٠ قال سالم الخياط: ((سمعت الحسن يقول: حدثنا جابر بن عبد الله ... )) - وذكر الحديث. أخرجه ابن ماجه (١) وابن خزيمة في صحيحه(٢). قدّمه ابن خزيمة بقوله: ((ون صحَّ الخبر، فإن في القلب من سماع الحسن من جابر)). وأعقبه بقوله: ((سمعت محمد بن يحيى يقول: كان علي بن عبد الله ينكر أن يكون الحسن سمع من جابر)). غير أنّ سالم بن عبد الله الخياط البصري، نزل مكة، وهو سالم مولى عكاشة. قال الحافظ: ((قيل هما اثنان، صدوق سيء الحفظ))(٣). هذه ترجمته كما في (التقريب). لكن قد فرَّق البخاري(٤) وابن أبي حاتم(٥) وابن حبان(٦) بين سالم الخياط، وسالم مولى عكاشة. فهو الصحيح المعتمد، لا كما يوهمه كلام الحافظ! وأمّا سالم الخياط، فما وُفْق الحافظ في الحكم عليه! نعم .. هناك من وثّقه، كما سيأتي، لكن ذلك لا يقوى على دفع كلام الأكثرين في تضعيفه، والدليل الماثل! فسوف تقف بنفسك على كثرة مناكير هذا الراوي، خلال هذا البحث، إن شاء الله تعالى. (١) السنن لابن ماجه (رقم ٣٢٩). (٢) صحيح ابن خزيمة (رقم ٢٥٤٨). (٣) التقريب (رقم ٢١٧٨). (٤) التاريخ الكبير، للبخاري (١١٥/٤، ١٢٠). (٥) الجرح والتعديل (١٨٤/٤ - ١٨٥، ١٩٢). (٦) المجروحين، لابن حبان (٣٤٢/١)، والثقات له (٤١١/٦). ٨٧١ والذين وثقوا سالمًا الخياط، هم: ١ - سفيان الثوري، حيث قال: ((حدثنا سالم المكي، وكان مرضيًا))(١) والذي دلَّنا على أن سالمًا المكي هو سالم الخياط، أمران : الأول: تصريح الأئمة بذلك، كالإمام أحمد، والبخاري، وابن أبي حاتم (٢). الثاني: أنَّ الخبر الذي قال سفيان في إسناده ذلك التعديل لسالم، رُوي من وجه آخر عن سفيان، أنه قال: ((حدثنا سالم الخياط)»(٣). ٢ - والإمام أحمد، فقد قدَّم كلام سفيان الثوري في (العلل)، بقوله عن سالم الخياط: ((ثقة، روى عنه سفيان الثوري)»(٤). وشك عبد الله بن أحمد، في موطن آخر من (العلل)، فقال: ((سألته عن سالم الخياط المكي؟ فقال: ثقة. أو قال: ليس به بأس»(٥) . ونقل الحافظ في (التهذيب)، عن رواية حرب بن إسماعيل (١) العلل للإمام أحمد (رقم ١١٦٩، ٢٣٠٤، ٣٣٥٣)، والتاريخ الكبير للبخاري (١١٥/٤)، والجرح والتعديل (١٨٤/٤)، وتاريخ أسماء الثقات لابن شاهين، وقد سقط من مطبوعته التي بتحقيق السامرائي، فاستدركها عليه الدكتور سعدي الهاشمي في (نصوص ساقطة من طبعات أسماء الثقات) (٦٤ - ٦٦). (٢) المصادر السابقة. (٣) انظر الكامل لابن عدي (٣٤٥/٣) المحلى لابن حزم (١٧٣/٥)، ووازنه بالعلل للإمام أحمد (رقم ١١٦٩، ٢٣٠٤، ٣٣٥٣). (٤) العلل (رقم ٣٣٥٢). (٥) العلل (رقم ٤٦٢٦). ٨٧٢ الكرماني (ت٢٨٠هـ)، عن الإمام أحمد، أنه قال عن سالم: ((ثقة))(١). والظاهر أنَّ الإمام أحمد إنما اتبع سفيان الثوري في ذلك، كما هو لائح في كلامه الأول، ومن اتباعه توثيقه له بتوثيق الثوري، كعمل المُسْتَدِلّ والمظهر للحجة التي عنده. ٣ - أمَّا ابن عدي، فذكر سالمًا الخياط في (الكامل) ثم أورد له بضعة أحاديث، ثم قال: ((وما أرى بعامة ما يرويه بأسًا))(٢). وكأن ابن عدي لم يقف على بعض مناكيره، وهي ظاهرة، كما ستراه في هذا البحث، إن شاء الله تعالى! وهذا الإمام الذهبي، يشير إلى قصور حُكم ابن عدي هذا، بقوله في (الميزان)، عقب ذكره كلام المضعفين: ((وأمَّا ابن عدي، فساق له تسعة أحاديث جيّدة المتون وقال: لم أر بعامة ما يرويه بأسًا!))(٣). هذا .. والذهبي ممن يرجحون تضعيف سالم، كما في (الكاشف) له(٤). أمَّا المضعفون : فقال عمرو بن علي الفلاس: ((ما سمعت يحيى، ولا عبد الرحمن يحدثان عن سالم الخياط بشيء قط))(٥). (١) التهذيب (٤٤٠/٣). (٢) الكامل (٣٤٤/٣ - ٣٤٦). (٣) الميزان (١١٢/٢). (٤) الكاشف (رقم ١٧٩٣). (٥) الجرح والتعديل (١٨٥/٤)، والضعفاء للعقيلي (١٥١/٢)، والكامل لابن عدي (٣٤٤/٣). ٨٧٣ وقال يحيى بن معين: ((ليس بشيء))(١). وقال أيضًا: ((لا يسوى فلْسًا))(٢). وقال أبو حاتم الرازي: ((ليس بقوي، يكتب حديثه، ولا يحتج به))(٣). وقال النسائي في (الضعفاء): ((ليس بثقة))(٤). وقال ابن حبان في (المجروحين): ((يقلب الأخبار، ويزيد فيها ما ليس منها، ويجعل روايات الحسن عن أبي هريرة سماعًا، ولم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئًا، لا يحل الاحتجاج به))(٥). ولم یسرف ابن حبان، بل صدق ونصح! وقال الدارقطني: ((لين الحديث))(٦). وذكره العقيلي في (الضعفاء)(٧). ومع ضعف سالم الخياط هذا الضعف المطلق، فهو مختص أيضًا بنوع معين من أنواع المخالفة والخطأ، وهو الخطأ في صيغ الأداء التي يذكرها عمن يروي عنهم، كما في كلام ابن حبان السابق! ويوافق ابن حبان على ذلك أبو حاتم الرازي !. (١) تاريخ الدارمي (رقم ٣٨٠)، والجرح والتعديل (١٨٥/٤)، والكامل لابن عدي (٣٤٥/٣). (٢) تهذيب الكمال (١٥٧/١٠). (٣) الجرح والتعديل (١٨٥/٤). (٤) الضعفاء للنسائي (رقم ٢٤٤). (٥) الجروحين، لابن حبان (٣٤٢/١). (٦) الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (رقم ١٣٣٨)، والميزان (١١١/٢ - ١١٢). (٧) الضعفاء للعقيلي (١٥١/٢). ٨٧٤ فقد نقل ابن أبي حاتم عن أبيه في كتاب (المراسيل) أنَّ أباه أبا حاتم الرازي كان ينكر سماع الحسن من أبي هريرة، فسأل ابن أبي حاتم أباه، قائلاً: ((إن سالمًا الخياط روى عن الحسن، قال: سمعت أبا هريرة؟ فقال: هذا ما يُبَيِّن ضعف سالم!»(١). وبهذا يكون سالم الخياط في مبحثنا هذا، لا يعتمد عليه بحال، بل ولا يعتبر به! لأنه مختص بحكاية صيغ للسماع لم يَقُلْها من رواها عنهم، معلوم عنه ذلك، حتى كان الدليل - أو أحد أدلة - ضعفه. لذلك .. لا يصح الاحتجاج بحكاية سالم الخياط لسماع الحسن من جابر رضي الله عنه، لوقوعها في دائرة ما اختص سالم بالوهم فيه، بعد أن كان موصوفًا بالضعف المطلق أيضًا. والدليل الخامس: قال أبو الليث السمرقندي في (تنبيه الغافلين): ((حدثنا الفقيه أبو جعفر: حدثنا الثقة، بإسناده إلى الحسن البصري! قال: طلبت خطبة النبي ◌َّر التي كان يخطب بها كل جمعه أربع سنوات، فلم أقدر عليها، حتى بلغني أنها عند رجل من الأنصار. فأتيته؛ فإذا هو جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، فقلت له: أنت سمعت خطبة النبي 18 التي كان يخطب بها كل جمعة؟ قال: نعم، سمعته يقول - ◌َل﴾ -: ((أيها الناس، إنَّ لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم. وإن العبد المؤمن بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه ... ))(٢) - إلى آخر الحدیث . (١) المراسيل، لابن أبي حاتم (رقم ١١١). (٢) تنبيه الغافلين، لأبي الليث (٢٥٩/١). ٨٧٥ كذا أخرجه أبو الليث السمرقندي، بإسناد تنقطع في مفاوزه أعناق المطي، ولا تبلغه !! فهو إسناد مظلم، والحديث شديد النكارة، شبه موضوع !! والحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في (قِصَرِ الأمل)، ومن طريقه: البيهقي في (شعب الإيمان)، والديلمي في (مسند الفردوس)، لكن مع إبهام اسم الصحابي، وعدم ذكره !. قال ابن أبي الدنيا: ((حدثني أحمد بن عبد الأعلى (١): حدثني أبو جعفر المكي، قال: قال الحسن البصري: طلبت خطب النبي وَّر في الجمعة، فأعيتني. فلزمت رجلاً من أصحاب النبي ◌َله، فسألته عن ذلك؟ فقال :... ))(٢) وذكره. ولم أجد لأبي جعفر المكي هذا ما يُعيّنه، وطبقته طبقة من لم يدرك الحسن البصري! وقد قال الحافظ العراقي في تخريجه لإحياء علوم الدين للغزالي (المغني عن حمل الأسفار في الأسفار) قال: ((رواه البيهقي في الشعب، من رواية الحسن عن رجل من أصحاب النبي ◌َّر، وفيه انقطاع))(٣). والحديث مع ذلك منكر، مع حسن عبارته، وجمال عظمته! ونكارته في تفرد الإسناد المظلم بمثله !! (١) أحمد بن عبد الأعلى الشيباني، أبو عبد الرحمن الشافعي، البغدادي. روى عنه ابن أبي الدنيا في عدد من مصنفاته، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: كتاب العيال، لابن أبي الدنيا، وحاشيته (رقم ٢٠٧)، والثقات لابن حبان (٢٠/٨). (٢) قصر الأمل لابن أبي الدنيا (رقم ١٩٠) وشعب الإيمان للبيهقي (رقم ١٠٥٨١) والفردوس - حاشية تحقيق السعيد بن بسيوني - (رقم ٨١٧٨). (٣) تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (رقم ٢٩٥٣). ٨٧٦ هذه أدلة سماع الحسن من جابر رضي الله عنه. والدليلان الأولان منها كفيلان بإثبات السماع، ولا يعارض في ذلك أحد وقف على أحدهما! وهذا تعارض !! أن تكون أدلة من نفوا السماع صحيحة، وأن تكون أدلة مثبتيه صحيحةً أيضًا !!! لكن سبيل الجمع مفتوح، ولن يلبث التعارض أن يصبح توافقًا، بعد النظر والتفكر، إن وفق الله عز وجل لذلك! فأقول: إن أحاديث إثبات السماع، والأوَّلَيْنِ منها خاصة، قاطعة في صحة سماع الحسن من جابر رضي الله عنه. وقد سبق أن بينا دلالتهما القاطعة على ذلك، وعدم احتمال صيغة السماع في الحديثين للتأويل، وبخاصة الأول منهما، وليس في الثاني قرب لاحتمال في التأول أيضًا! لأن كلا الحديثين يصرِّح الحسن فيه بالسماع، بقصد إظهار حجته، متعمِّدًا إظهار إسناده فيهما، محيلاً سامعه إلى إسناده لكليهما. فلا مجال لردِّ السماع، ولا لتأول صيغته! أمَّا أدلة من نفى السماع، فخلاصتها: ثبوت رواية الحسن من صحيفة سليمان اليشكري، التي كتبها سليمان من جابر رضي الله عنه. واستدلوا أيضًا: بِمَدَنِيَّة جابر رضي الله عنه، بعد أن تقرر عدم سماع الحسن من المدنيين. أمَّا الدليل الأول لنفاة السماع، فيصلح - في غير هذا الموطن - أن يكون نافيا للسماع مطلقًا، بعد أن اشتهر الحسن بكثرة الإرسال. وقيّدته بغير هذا الموطن، لأنه إنّما يصلح لذلك، فيما لو لم يثبت سماع الحسن من جابر رضي الله عنه! أمّا وقد ثبت تصريح الحسن بالسماع من جابر رضي الله ٨٧٧ عنه، فغاية ما يمكن أن يقال عن دليل النافين الأول: أنه دليل على أنَّ الحسن روى روايات عن جابر رضي الله عنه، لم يسمعها منه، وإنما أخذها من الصحيفة! فيكون الحسن قد سمع من جابر رضي الله عنه أحاديث، وروى عنه أحاديث أخرى من غير سماع، أخذها من صحيفة اليشكري. هذا هو سبيل الجمع بين دليل النافين والمثبتين للسماع! أمَّا كون جابر رضي الله عنه مدنيًا، فهذا ليس دليلاً قاطعًا على عدم سماع الحسن منه. وإنما هو قرينة قوية عليه، يُسْتشهَدُ بها، مُخْتَفَّة بما يعضدها. حتى إنها - في غير هذا الموطن - ربما بلغت بما يُعضِّدها درجة الدليل على عدم السماع، وربما دفعت تصريحًا بالسماع مُخْتَمِلاً للتأول أو لوقوع الوهم فيه !! أمَّا هنا: فجابر رضي الله عنه، مع كونه مدنيًا إلا أنه متأخر الوفاة، حيث إنه توفي سنة ثمان وسبعين، عند جمع من الأئمة، أو نحوها عند غيرهم (١). وتأخر الوفاة يجعل نصيب احتمال لقاء الحسن به رضي الله عنه وافرًا قويًا! ثم إن جابرًا رضي الله عنه كان يُجاور بمكة - شرَّفها الله - السنة والأشهر (٢)، ويحج(٣). فلا يبعد أن يكون لقاء الحسن بجابر رضي الله عنه كان بمكة، كما لقي غيره من المدنيين بها أيضًا! (١) انظر تهذيب الكمال (٤٥٣/٤ - ٤٥٤). (٢) انظر أخبار مكة للفاكهي (رقم ١٥٤٢)، وسير أعلام النبلاء (١٩١/٣، ١٩٣). (٣) من حجاته حجة سنة خمس وسبعين، انظر سير أعلام النبلاء (١٩٣/٣) ووازنه بما في تاريخ الطبري (٢١٥/٦). ٨٧٨ بل لا أستبعد أن يكون لجابر رضي الله عنه رحلة إلى العراق، أو إلى فتوح المشرق الإسلامي، في العهد الأموي، لقي الحسن فيها جابرًا رضي الله عنه! وعدم وقوفي على ما يثبت لجابر رضي الله عنه شيئًا من ذلك، لا يعني عدم روايته ووروده. وعدم روايته لا يلزم منه عدم حصوله فعلاً! المقصود أن تصريح الحسن بالسماع من جابر رضي الله عنه، ذلك التصريح الصحيح القاطع، قائم بإثبات اللقاء والسماع لا ريب، أين كان؟! أو متى كان؟ !! فنعود بعد ذلك، إلى أن تصريح الحسن بالسماع من جابر ثابت لا يدفعه دليل من نفاه، ولا جلالة النُّفاة وكثرتهم أيضًا! ووالله! إنه لبقدر فرحي بمعرفة الصواب والحق، لبقدر حُزني من مخالفة ذلك الصواب لأولئك الأئمة! ذلك لأنهم ملء القلب حُبًّا وإعظامًا وإجلالاً، وإنا لنتقرب إلى الله تعالى بمحبة أئمة الإسلام، رجاء رُفْقتهم، فاللهم أنِلْنَا ذلك يا ذا الفضل والجود والعفو .. يا رحيم! وخلاصة الأمر: أنَّ الحسن البصري - رحمه الله تعالى - كان يروي عن جابر رضي الله عنه، وله في ذلك طريقان: سماع، ووجادة. فما حكم حديثه إذًا عن جابر رضي الله عنه؟ أمّا ما صرَّح فيه بالسماع، ثابتَ الإسناد عنه، فمما لا يُترَدَّدُ في تصحیحه. والشبهة في ما رواه بالصيغة المحتملة، كالعنعنة ونحوها! فإذا عنعن الحسن عن جابر، احتمل أن يكون مما سمعه ٨٧٩ الحسن من جابر، واحتمل أن يكون مما أخذه من الصحيفة دون سماع. لكن إذا وَجَدْنا ما رواه الحسن عن جابر موافقًا لما رواه صاحب الصحيفة (سليمان بن قيس) عن جابر. كانت هذه الموافقة قرينة قويّة على أنَّ ذلك الحديث مما لم يسمعه الحسن، وإنّما رواه وجادةً، كما سبق ذكر مثال له(١). لكن من المعلوم أنَّ الوجادة من طُرق التحمل المقبولة، على الصحيح! ولسنا هنا في مجال الكلام عن أدلة وجوب العمل بالوجادة، لكني مضطر إلى ذكر بعض ما يدل على أنَّ عامة أئمة الإسلام يقبلونها، خلافًا لمن حكى عن معظم المحدثين أنهم لا يرون العمل بها(٢). فهذا كتاب عمرو بن حزم الأنصاري في الزكاة والديات، يقول يعقوب بن سفيان الفسوي في (المعرفة والتاريخ): ((لا أعلم في جميع الكتب كتابًا أصح من كتاب عمرو بن حزم، وكان أصحاب النبي وّله والتابعون يرجعون إليه، ويدعون آراءهم))(٣). وقال الشافعي عن هذا الكتاب في (الرسالة): ((ولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم - والله أعلم - حتى يثبت لهم أنه كتاب رسول الله [َلِ﴾]»(٤). وقال العقيلي عنه أيضًا في (الضعفاء): ((وهو عندنا - يعني (١) انظر ما سبق (٨٥٨ - ٨٦٠). (٢) الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع، للقاضي عياض (١٢٠). (٣) المعرفة والتاريخ، للفسوي (٢١٦/٢). (٤) الرسالة (رقم ١١٦٣)، وفي بعض نسخ الرسالة: ((حتى ثبت لديهم))، فانظر حاشية الشيخ أحمد شاكر رحمه الله. ٨٨٠