Indexed OCR Text

Pages 781-800

(سير أعلام النبلاء) وفي (تذكرة الحفاظ)(١) وابن السبكي في
(طبقات الشافعية الكبرى)(٢) وابن حجر في (الأربعين المتباينة
بشرط السماع)(٣).
كلهم من طريق يونس بن عبد الأعلى، بل قال ابن ماجه:
((حدثنا يونس بن عبد الأعلى: حدثنا محمد بن إدريس الشافعي،
حدثني محمد بن خالد الجَنَدي، عن أبان بن صالح، عن
الحسن، عن أنس ... )).
وقد اشتد نكير الأئمة لهذا الحديث، وخاصة لكلمته
الأخيرة: ((ولا مهدي إلا عيسى بن مريم)). وذلك لمخالفة ظاهر
هذا الحصر للأحاديث المتواترة (٤) في المهدي وصفته، وأنه سوى
عيسى عليه الصلاة والسلام قطعًا.
وأنكروه أيضًا: لأن نفي الشارع للمهدي يستدعي سَبْقَ ذِكْرِ
له من غيره، والإخبار به إنما وقع منه وَلّر، لتواتر الأخبار عنه
بذلك، فكيف يخبر ◌َ# بشيء، وهو الذي لا ينطق عن الهوى،
ثم ينفيه؟ !! ومثل هذا لا يدخله النسخ لأنه خبر (٥)!
قلت: لذلك قال النسائي عن هذا الحديث، كما نقله عنه
ابن الجوزي في (العلل المتناهية): ((منكر)) (٦).
ولذلك أيضًا أورده ابن الجوزي في الواهيات، كما
ذكرنا(٧) .
(١) سير أعلام النبلاء (٦٧/١٠)، وتذكرة الحفاظ (٥٢٧ - ٥٢٨).
(٢) طبقات الشافعية الكبرى، لابن السبكي (١٧١/٢ - ١٧٢).
(٣) الأربعين المتباينة بشرط السماع (رقم ١٢).
(٤) انظر نظم المتناثر من الحديث المتواتر، للكتاني (رقم ٢٩٨).
(٥) انظر فتح الوهاب بتخريج أحاديث الشهاب، لأحمد بن محمد بن الصديق
الغماري (٢/ ١١٢).
(٦) العلل المتناهية (رقم ١٤٤٧).
(٧) المصدر السابق.
٧٨١

بل حكم عليه الإمام الحافظ اللغوي الحسن بن محمد
الصاغاني في (الدر الملتقط) بأنه حديث موضوع، بسياقه له في
الأحاديث الموضوعة التي في مسند الشهاب للقضاعي (١).
ولنكارة معناه - كما تقدم ـ انهالت على إسناده تعليلات
الأئمة، واهتموا باستخراج خفايا علله. فمنها ما أصابوا في
الإعلال به، ومنها ما قام الدليل على أنه ليس بعلة للحديث.
فأول ذلك: أن اعتقاد بعض الأئمة بتفرد يونس بن
عبد الأعلى بهذا الحديث عن الشافعي، حملهم على الكلام في
یونس!
وقد حكم بتفرد يونس بهذا الحديث عن الشافعي جماعة،
مثل: مسلمة بن القاسم القرطبي (ت٣٥٣هـ) (٢) وشيخ الإسلام ابن
(٦)
تيمية (٣) والذهبي(٤) وابن السبكي(٥) والحافظ ابن حجر®
وغيرهم.
فقال مسلمة بن القاسم عن يونس بن عبد الأعلى: ((كان
حافظًا، وقد انكروا عليه تفرَّده بروايته عن الشافعي حديث: لا
مهدي إلا عیسى))(٧).
وقال الذهبي في ترجمة يونس بن عبد الأعلى من (ميزان
الاعتدال): ((وثقه أبو حاتم وغيره، ونعتوه بالحفظ والعقل، إلا أنه
تفرَّد عن الشافعي بذاك الحديث: لا مهدي إلا ابن مريم. وهو
منكر جدًا))(٨).
(١) الدر الملتقط للصاغاني (رقم ٤٤).
(٢) التهذيب (٤٤١/١١).
منهاج السنة النبوية (٤/ ١٠٢).
(٣)
ميزان الاعتدال (٥٣٥/٣) (٤٨١/٤)، وسير أعلام النبلاء (١٠ /٦٧).
(٤)
(٥) طبقات الشافعية الكبرى (١٧١/٢، ١٧٣).
(٦) الأربعين المتباينة بشرط السماع (١٢١).
(٧) التهذيب (٤٤١/١١).
(٨) الميزان (٤٨١/٤).
٧٨٢

وقد أورد المزي في ترجمة محمد بن خالد الجندي من
(تهذيب الكمال) - رؤيا فيها: أنَّ الشافعي سئل عن هذا الحديث؟
فقال: ((ما هذا من حديثي، ولا حدثت به، كذب علي يونس))(١).
قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - في نهاية (البداية
والنهاية): ((يونس من الثقات، لا يطعن فيه بمجرد منام))(٢).
وصدق ابن كثير وبرّ، فيونس بن عبد الأعلى بن ميسرة
الصدفي، أبو موسى المصري، (ت٢٥٤هـ)، وله ست وتسعون
سنة .
وثّقه وأثنى عليه جماعة من الأئمة ثناءً عاطرًا(٣).
وقال الحافظ في التقريب: (ثقة)) (٤).
ولذلك قال ابن السبكي، عقب الحديث: (لم يروه عن
الشافعي غيره، ولكن ذلك غير قادح، فالرجل ثقة ثبت))(٥).
فلمَّا لم تسلم هذه العلة، أعلوا الحديث بأخرى!
فالعلة الثانية: أن يونس بن عبد الأعلى دلَّسه عن الشافعي،
ولم یسمعه منه!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، في (منهاج السنة النبوية):
((ورُوي عنه - يعني: عن يونس - أنه قال حُدِّثت عن الشافعي.
وفي (الخِلَعيّات) وغيرها: حدثنا يونس، عن الشافعي، ولم يقل:
حدثنا الشافعي)) (٦).
(١) تهذيب الكمال - خط - (١١٩٤/٣).
(٢) نهاية البداية والنهاية لابن كثير (٤٥/١).
(٣) انظر: التهذيب (٤٤٠/١١ - ٤٤١)، وزد عليه ما في الكامل لابن عدي:
ترجمة أحمد بن صالح المصري (١٨٣/١)، والانتقاء لابن عبد البر
(١١١، ١١٢).
(٤) التقريب (رقم ٧٩٠٧).
(٥) طبقات الشافعية الكبرى (١٧١/٢).
(٦) منهاج السنة النبوية (٤/ ١٠٢).
٧٨٣

وقال الذهبي في (الميزان): ((وقع لنا - يعني الحديث -
موافقة من حديث يونس بن عبد الأعلى، وهو ثقة، تفرَّد به (عن)
الشافعي. فقال في روايتنا (عن) هكذا: عن الشافعي. وقال في
جزء عتيق بمرة عندي، من حديث يونس بن عبد الأعلى، قال
حُدِّثت عن الشافعي. فهو على هذا منقطع! على أنَّ جماعة رووه
عن يونس، قال: حدثنا الشافعي !! والصحيح أنه لم يسمعه
منه))(١).
فاعترض ابن السبكي على كلام شيخه بقوله: ((وأنا أقول:
قد صَّرح الرواة عن يونس بأنه قال: حدثنا الشافعي))(٢).
وأسند من وجوه لا يمكن دَفْعها أنه صرَّح بالسماع من
(٣)
الشافعي(٣) .
وعلى كلِّ: فلم يتفرَّد يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي
بهذا الحديث! لا كما قال الحفاظ السابقون !!!
قال ابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله): ((حدثنا
أحمد بن عبد الله بن محمد، قال: حدثنا الميمون بن حمزة
الحسيني بمصر، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا المزني،
قال: حدثنا الشافعي، قال: حدثنا محمد بن خالد الجندي، عن
أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس بن مالك رضي الله
عنه ... ))(٤) - الحديث.
شيخ ابن عبد البر: أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي،
أبو عمر اللخمي، الإشبيلي، المعروف بـ (ابن الباجي)
(ت٣٩٦هـ).
(١) ميزان الاعتدال (٥٤٥/٣)، وانظر سير أعلام النبلاء (٦٧/١٠).
(٢) طبقات الشافعية الكبرى (١٧١/٢).
(٣) المصدر السابق.
(٤) جامع بيان العلم وفضله (٢٤٣).
٧٨٤

قال الذهبي عنه: ((الإمام الحافظ المحقق)) (١).
وقد ذكر الحميدي في (جذوة المقتبس في تاريخ علماء
الأندلس) في ترجمة ابن الباجي، أنَّ ممن كتب عنهم بمصر:
ميمون بن حمزة بن الحسين الحسيني (٢).
وهو ميمون بن حمزة بن الحسين بن حمزة بن الحسين بن
محمد بن أبي الشقف الحسين بن حمزة بن عبيد الله بن
الحسين بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب
رضي الله عنه.
كذا نسبه الشريف جمال الدين أحمد بن علي الحسني،
الشهير بابن عنبة (ت٨٢٨هـ)، في كتابه (عمدة الطالب في أنساب
آل أبي طالب)(٣).
وترجم له الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد بن عبد الله
الحبال المصري (ت٤٨٢هـ)، في كتابه (وفيات المصريين).
فقال في أوَّل سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة: ((أبو القاسم
الميمون بن حمزة الحسيني، يوم الاثنين، مع الظهر، النصف من
ربيع الآخر)) (٤).
وترجم له أيضًا جمال الدين أبو حامد محمد بن علي بن
محمود بن أحمد المحمودي، المعروف بابن الصابوني (ت
٥٩٨هـ)، في كتابه (تكملة إكمال الإكمال).
(١) سير أعلام النبلاء (١٧ - ٧٤ - ٧٥)، وأضف إلى مصادر ترجمته التي في
حاشية تحقيقه، مما فيه ثناء على صاحب الترجمة: مشتبه النسبة
لعبد الغني بن سعيد الأزدي المصري (٧٦).
(٢) جذوة المقتبس، للحميدي (٢٠٣/١ رقم ٢٢٣).
(٣) عمدة الطالب، لابن عنبه (٤٠٠).
(٤) وفيات المصريين، للحبال (رقم ١٢٨).
٧٨٥

قال ابن الصابوني، عقب ترجمة أحد أحفاد ميمون بن
حمزة، قال: ((وجده أبو القاسم الميمون: سمع من أبي جعفر
أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، وغير واحد. وحدَّث
بانتخاب الحافظ أبي محمد عبد الغني بن سعيد الأزدي. وبيتهم
مشهور بالرئاسة والرواية. وحدَّث عنه جماعة))(١).
ثم ترجم له الإمام الذهبي في (تاريخ الإسلام)، فقال:
((ميمون بن حمزة بن الحسين بن حمزة، أبو القاسم العلوي
المصري، روى عن: أحمد بن عبد الوارث العسال، وأحمد بن
محمد الطحاوي، وجماعة. روى عنه: حفيده أبو إبراهيم
أحمد بن القاسم شيخ الرازي))(٢).
هذه هي الترجمات التي وجدتها للميمون بن حمزة، وليس
في شيء منها توثيق صريح، ولا جرح بالطبع!
وعندما ترجم ابن الحطاب: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن
إبراهيم بن أحمد الرازي، ثم المصري، الإسكندري، (ت٥٢٥هـ)،
في (مشيخته) للحفيد؛ قال: ((الشريف أبو إبراهيم أحمد بن
القاسم بن الميمون بن حمزة .. الثقة المأمون، وكان من بيت
الجلالة والنبل، ومن المكثرين في الحديث والمجتهدين في نشر
سنة جده المصطفى *... وكان جده الميمون بن حمزة يحدِّث
بانتخاب عبد الغني بن سعيد الحافظ المصري ... ))(٣).
ثم ذكر ما يرويه الحفيد عن جده، فذكر فيما ذكر: كتاب
(السنن) للشافعي رواية المزني عنه، رواية الطحاوي عنه، رواية
الميمون بن حمزة. وكتابَ (الفقه) للشافعي، رواية المزني، وعنه
(١) تكملة إكمال الإكمال، لابن الصابوني (١٩٣ - ١٩٤ رقم ١٥٧).
(٢) تاريخ الإسلام للذهبي - حوادث ووفيات ٣٨١هـ - ٤٠٠ هـ (٢٧٦).
(٣) مشيخة ابن الحطاب (١٦٢/أ)، وانظر ترجمة الحفيد أيضاً في المقفى
الكبير للمقريزي (٥٦٨/١ رقم ٥٥٦).
٧٨٦

الطحاوي، وعنه ميمون بن حمزة. إضافة إلى أجزاء من أمالي
الميمون بن حمزة بانتقاء عبد الغني الأزدي (١).
فزادتنا هذه الترجمةُ للحفيد فوائدَ لمعرفة الجد!
ومن ذلك أني رجعت إلى (سنن الشافعي) المطبوع، ونظرت
في مقدمة تحقيقه، للنظر في صفة مخطوطاته، والسماعات التي
توثقها، فوجدت (سنن الشافعي) المطبوع بتحقيق الأستاذ ملا
خاطر - وهو من رواية المزني عن الشافعي - مرويًّا من غير ما
وجه. لكن أكثر ما حَفِلَت به السماعات رواية ميمون بن حمزة،
عن الطحاوي، عن المزني عن الشافعي(٢)!
ثم جاء في أحد أسانيد تلك السماعات: ((أخبرنا الشيخ
الإمام الفقيه: أبو العباس أحمد بن رحال بن عبد الله المصري (٣)
وفقه الله، بقراءة الفقيه أبي نزار: ربيعة بن الحسن بن علي بن
عبد الله اليمني الحضرمي(٤)، قدم علينا مصر - حرسها الله - في
شهر رمضان، سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، بجامع عمرو بن
العاص، قال: أخبرنا الشيخ أبو القاسم عبد الغني بن الشيخ الإمام
العدل أبي الحسن طاهر بن إسماعيل بن عبد الملك الزعفراني (6)
(١) مشيخة ابن الخطاب (١٦٢/أ - ب).
(٢) انظر مقدمة تحقيق سنن الشافعي (٨٧/١ - ٩١).
(٣) هو أبو العباس أحمد بن رحال بن عبد الله بن أبي القاسم بن أبي الرنان
القرشي المخزومي الشافعي، وصفه بالإمامة والعدالة: تلميذه الثقة الحافظ
ربيعة بن الحسن الحضرمي.
انظر مقدمة تحقيق سنن الشافعي (٧٥/١).
(٤) ربيعة بن الحسن بن علي بن عبد الله، أبو نزار الحضرمي، الشافعي،
(ت٦٠٩ هـ).
قال الذهبي عنه: ((الإمام الفقيه الأوحد المحدث الرحال، الثقة)) - سير
أعلام النبلاء (١٤/٢٢ - ١٦).
(٥) وصفه تلميذه القاسم بن إبراهيم المقدسي (ت٥٨٨هـ)، بأنه: ((الشيخ
الأجل)). انظر مقدمة تحقيق سنن الشافعي (٩٠/١).
٧٨٧
=

قال: أخبرنا والدي(١) رحمه الله، قال - قراءة عليه وأنا أسمع -:
قال الشيخ عبد الغني الزعفراني، وأبو أحمد عبد الله بن جعفر بن
محمد بن الفضل المارستاني (٢) قالا: حدثنا الشريف أبو القاسم
الميمون بن حمزة بن الحسين الحسيني العدل، في رجب سنة
تسع وثمانين وثلاثمائة ... ))(٣).
فهذا تعديل للميمون بن حمزة، استخرجته بالمناقيش،
والحمد لله !!
وقد روى عن الميمون بن حمزة جماعة، سبق منهم:
حفيده الثقة المأمون: أحمد بن القاسم بن ميمون.
والحافظ أحمد بن عبد الله بن محمد ابن الباجي الإشبيلي.
وعبد الغني الزعفراني.
والشيخ الفاضل: أبو محمد عبد الله بن جعفر بن محمد
المارستاني.
وما زلنا نستخرج التلامذة من السماعات:
والمقرىء المحدث الثقة: رشأ بن نظيف بن ما شاء الله
الدمشقي (ت٤٤٤هـ)(٤).
والقاسم بن إبراهيم بن عبد الله المقدسي، وصفه المقرىء الثقة مرتضى بن
=
حاتم الحارثي بأنه: ((الشيخ الصالح الأجل الثقة)). انظر مقدمة تحقيق سنن
الشاعفي (٩٠/١).
وترجمة مرتضى بن حاتم في سير أعلام النبلاء (١١/٢٣ - ١٢).
(١) عدَّله تلميذ تلميذه: أحمد بن رحال بن عبد الله المصري، كما في الإسناد
نفسه .
(٢) وصفه تلميذه طاهر بن إسماعيل الزعفراني بأنه: ((الشيخ الفاضل)) - انظر
مقدمة تحقيق سنن الشافعي (٩٠/١).
(٣) مقدمة تحقيق سنن الشافعي (٨٨/١).
(٤) انظر مقدمة تحقيق سنن الشافعي (٦٦/١، ٨٧).
٧٨٨

والمقرىء المجود عبد الباقي بن فارس بن أحمد بن موسى
الحمصي (ت حدود ٤٥٠ هـ)(١).
ثم تلامذته أيضًا استخراجًا من التراجم:
العالم الزاهد عمر بن عبادل أبو حفص الرَّعيني (ت٣٧٨هـ
أو ٣٩٦هـ)(٢).
والمقريء المجوِّد الحاذق محمد بن أحمد بن علي أبو
عبد الله بن أبي سعد القزويني (ت٤٥٢هـ)، عن نيِّف وثمانين
سنة(٣) .
والعالم المقريء المحدث الحافظ أبو العباس أحمد بن
علي بن هاشم المصري، المقلب بتاج الأئمة (ت٤٤٥هـ) (٤).
والمحدث المسند الثقة: محمد بن مكي بن عثمان الأزدي
المصري، (ت٣٨٤هـ)(٥).
والمحدث محمد بن أبي عدي بن الفضل، أبو صالح
السمرقندي، (ت٤٤٤هـ)(٦).
وذيل تاريخ مولد العلماء ووفياتهم للكتاني (رقم ٢٥٥)، وتاريخ دمشق -
=
خط - (٢٥٦/٦)، ومعرفة القراء الكبار للذهبي (٤٠١/١ - ٤٠٢ رقم
٣٤٢).
(١) انظر مقدمة تحقيق سنن الشافعي (٩٠/١).
ومعرفة القراء الكبار للذهبي (٤٢٤/١ رقم ٣٦٣)، وغاية النهاية، لابن
الجزري (٣٥٧/١).
(٢) ترتيب المدارك، للقاضي عياض (٦٨٥/٢ - ٦٨٧)، والصلة لابن بشكوال
(٥٧٥/٢ - ٥٧٦ رقم ٨٥٢).
(٣) مشيخة ابن الخطاب (١٦٤/ أ - ب)، وغاية النهاية لابن الجزري (١/ ٧٥
رقم ٢٧٥٨)، والمقفي الكبير للقريزي (٢٣٥/٥ - ٢٣٦ رقم ١٧٩٢).
(٤) مشيخة ابن الخطاب (١٥٩/ب - ١٦٠/ب)، وغاية النهاية (٨٩/١ - ٩٠
رقم ٤٠٣)، وحسن المحاضرة للسيوطي (٤٩٣/١).
(٥) سير أعلام النبلاء (٢٥٣/١٨ - ٢٥٤).
(٦) مشيخة ابن الحطاب (١٥٩/أ)، وتاريخ دمشق - خط - (٦٦٢/١٥)،
والمقفي الكبير للمقريزي (٢٢٥/٦ - ٢٢٦).
٧٨٩

ونخلص من هذا كله في الميمون بن حمزة:
أنه رجل غير مجهول العين، بل هو معروف النسب، كريم
فيه .
بل هو رجل مشهور بالرواية، روى عنه ذلك الجمع.
ومن أدلة شهرته أيضًا أنه كان يُذكر مع قلةٍ غيره، في سياق
أمثلةٍ من الشيوخ الذين يروي عنهم بعض المترجَمِين. فيقولون في
ترجمة الواحد منهم: روى عن جماعة منهم الميمون بن
حمزة ... وفلان، وفلان، وغيرهم.
بل ربما ذكروا أنَّ المُترجَم له رَحَلَ إلى مصر، وهو من غير
أهلها، فسمع من الميمون بن حمزة، كأنه رجل مقصود، يرحل
إليه طلاب الرواية!
هذا ما ستراه لو رجعت إلى مصادر ترجمات من ذكرناهم،
من الرواة عن ميمون بن حمزة.
ثم إن الميمون بن حمزة من أهل بيت الجلالة والرياسة
والنبل والرواية، كما في قول كل من ابن الحطاب، وابن
الصابوني، الذي أوردناه سابقًا.
ثم هو مع هذه الشهرة، والقصد من حفاظ السنة، لم يذكره
أحد في المجروحين، وخلت كتب الضعفاء منه، ولا وصمه أحد
ممن اعتنوا بالسنة من جهابذة النقاد المدافعين عن الدين بشيء
يوجب ذكره في كتب المتكلم فيهم.
هذا .. مع شهرته تلك، كما تقدم، وتصدره للإملاء
والإسماع.
بل لقد انتخب عليه حافظ مصر، وأحد حفَّاظ عصره ونقًّاده
الأفراد، وهو عبد الغني بن سعيد الأزدي!
والانتخاب أوالانتقاء هو: أن يتطوع أن يُكلَّف أحد النقاد
٧٩٠

العارفين، بالاطلاع على أصول أحد المحدثين المكثرين من
الروايات والسماع، ليختار منها الأحاديث الفوائد: من الغرائب
الأفراد، والزيادات في المتون أو الأسانيد.
وكما أنَّ انتخاب المُنتخِب يدل على أنه بلغ مبلغ النقاد، في
تمييز الغرائب، ومعرفة الفوائد من الأحاديث. حتى إنهم ربما
ترجموا للحافظ من الحفاظ، فقالوا في ترجمته: انتخب على
فلان، أو انتقى حديث فلان، أو حدَّث فلان بانتخابه - ذلك كله
للدلالة على أنَّ ذلك الحافظ المنتقي ناقد عارف من فرسان العلم.
كما هو كذلك بالنسبة للمنتقي، فإنه أيضًا يدل على جلالة
المُنتخَبِ عليه. لأن الانتخاب من حديثه، يدل على كثرة ما جمع
فأوعى من الروايات، وأنه لتنقيره وجِدُه في الطلب حصل له الكثير
من الغرائب الفوائد، التي حدَثْ بذلك الناقد أن ينتخبها من
حديثه. تسهيلاً وتقريبًا للاستفادة منها لطلاب الحديث، بالوقوف
عليها غير مخلوطة بالمشهورة المعلوم الكثيرِ رُواتُهُ.
والانتخاب أيضًا فيه تقوية للمنتخَب عليه، لأن الغرائب
والأفراد إنما تستفاد من الثقة، الذي يُحتَجُّ بانفراده، وتُقبل زياداته.
أمَّا الكذَّاب أو الضعيف، فكل حديثه أو جله فوائد: غرائب
وانفرادات !! ولا وزن لها، بل هي سبب جرحه، فليس فيها ما
يستحق الانتقاء.
ولدلالة الانتخاب هذه، نص ابن الحطاب وابن الصابوني
على انتخاب عبد الغني الأزدي حافظ مصر على الميمون بن
حمزة .
ثم هو - أعني: الميمون بن حمزة - بعد ذلك كله: معدَّل
من أحد الشيوخ الفضلاء، كما سبق!
فلا أجدني بعد هذا جميعه إلا مطمئنًا إلى توثيق الميمون بن
حمزة، اطمئنانَ الثقة في ثقته!
٧٩١

والحمد لله رب العالمين !!
وبتوثيق الميمون بن حمزة، يكون لحديث: «لا مهدي إلا
مريم)) طريقٌ إلى الشافعي، سوى طريق يونس بن عبد الأعلى
عنه .
وهناك زعمّ بمتابع آخر، هو الحسن بن عرفة!
أخرجه ابن الفرضي في (تاريخ علماء الأندلس) (١)، ورده،
وبيّن أنه وَهْمٌ من راويه، وأن صوابه: (يونس بن عبد الأعلى)!
وعلى كل حال، فبالمتابعة المذكورة قبل هذه، ظهر أن يونس بن
عبد الأعلى لم ينفرد بالحديث كما زُعِمَ.
فقد رواه الميمون بن حمزة، عن الطحاوي، عن المزني،
عن الشافعي.
فتابع المزنيُّ يونسَ بن عبد الأعلى، كلاهما عن الشافعي.
وهذه فائدة فاتت من وجدت له كلامًا في هذا الحديث، من
الأئمة المُطلِعین !!
وهذه الفائدة تُبْطِل أيضًا القول بأنَّ الشافعي لم يسمع هذا
الحديث من محمد بن خالد الجندي. وهذه هي:
العلة الثالثة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة النبوية): ((وفي
الخلعيات وغيرها: حدثنا يونس عن الشافعي، لم يقل: حدثنا
الشافعي. ثم قال: عن حديث محمد بن خالد الجندي، وهذا
تدليس يدل على توهينه»(٢).
(١) تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي (٨٠٧/٢ - ٨٠٨ رقم ١٤٠٣).
(٢) منهاج السنة النبوية، لابن تيمية (١٠٢/٤).
٧٩٢

ففي رواية المزني عن الشافعي السابقة، صرَّح الشافعي
بالسماع من محمد بن خالد الجندي(١).
بل تصريح الشافعي بالسماع من محمد بن خالد الجندي
ثبت في رواية يونس بن عبد الأعلى أيضًا، من غالب الوجوه
عنه، في (سنن ابن ماجه)، وغيرها(٢).
وبعد ثبوت تحديث الشافعي بهذا الحديث عن محمد بن
خالد الجندي، فقد قيل: إن الشافعي تفرَّد بهذا الحديث.
قال الحاكم عقبه: ((يعد في أفراد الشافعي))(٣).
لكن الحاكم نفسه أخرج ما ينقضه!
وقال ابن السبكي: ((وقيل: إن الشافعي تفرَّد به عن
محمد بن خالد الجندي، وليس كذلك. إذ قد تابعه عليه: زيد بن
السكن، وعلي بن زيد اللَّخجي، فروياه: عن محمد بن خالد))(٤).
أمَّا المتابعة الأولى للشافعي، التي ذكرها ابن السبكي:
فأخرجها الحاكم(٥) والقضاعي في (مسند الشهاب)(٦) كلاهما
من طريق المفضل بن محمد الجَنَدي (٧) قال: ((حدثنا الصامت بن
معاذ».
(١) انظر ما سبق (٦٩٢).
(٢) انظر تخريج الحديث (٦٨٨).
(٣) نقله عنه الذهبي في تلخيص المستدرك (٤٤١/٤)، وهو ساقط من
الأصل.
(٤) طبقات الشافعية الكبرى (١٧٣/٢).
(٥) نقله الذهبي عن الحاكم بإسناده، في تلخيص المستدرك (٤٤١/٤). وهو
ساقط من الأصل !! ثم وقفت عليه بإسناده فيما نقله الحافظ ابن حجر عن
مستدرك الحاكم في إتحاف المهرة (١/ ٥٨١).
(٦) مسند الشهاب، للقضاعي (رقم ٩٠٠).
(٧) المفضل بن محمد بن إبراهيم، أبو سعيد الشعبي الجندي، (ت٣٠٨هـ) . =
٧٩٣

ثم نقل في (تلخيص المستدرك) (١) وفي (إتحاف المهرة) عن
إسناد الحاكم، أنَّ الصامت بن معاذ قال: ((حدثنا يحيى بن
السكن: حدثنا محمد بن خالد الجندي».
كذا قال: ((يحيى بن السكن)) !! وهو خلاف ما ذكره ابن
السبكي: ((زيد بن السكن)).
وأكده الذهبي بقوله: ((يحيى بن السكن ضعفه صالح
جزرة»(٢).
وكذلك يحيى بن السكن، ضعفه صالح جزرة، واتهمه
غيره، بينما ذكره ابن حبان في (الثقات)(٣).
إذًا .. لم يصحف اسم (يحيى بن السكن) خطأ مطبعي (٤)!
أمَّا القضاعي فقد أسند حديثه إلى الصامت بن معاذ كما
ذكرنا، ثم قال: ((حدثنا زيد بن السكن: حدثنا محمد بن خالد
الجندي».
وزيد بن السكن هذا، قال عنه الأزدي: ((منكر الحديث))(٥).
= وثّقه أبو علي النيسابوري وغيره. انظر فهارس صحيح ابن حبان (١٨/
٧٧)، وسير أعلام النبلاء (٢٥٧/١٤ - ٢٥٨)، ولسان الميزان (٨١/٦ -
٨٢)، وترجمته في طبقات فقهاء اليمن للجعدي - مفيدة جداً (٦٩ - ٧١)،
وفي السلوك في طبقات العلماء والملوك لبهاء الدين الجندي (٣٥/ ب -
٣٦/أ).
(١) حيث سقط هذا الإسناد من الأصل، كما سبق في تعليقنا على التخريج.
(٢) تلخيص المستدرك (٤/ ٤٤١).
(٣) انظر الجرح والتعديل (١٥٥/٩)، والثقات لابن حبان (٩/ ٢٥٣)، وتاريخ
بغداد (١٤٦/١٤)، ولسان الميزان (٢٨/١) (٢٥٩/٦).
وعلى اللسان في ترجمته فوات، أكمله من المصادر السابقة.
(٤) وانظر ما يؤكد أنَّ في الاسم اختلافاً قديماً، ترجمة محمد بن خالد
الجندي في تهذيب الكمال - خط - (١١٩٣/٣)، وتهذيب التهذيب (٩/
١٤٣).
(٥) ميزان الاعتدال (١٠٤/٢)، ولسان الميزان (٥٠٧/٢).
٧٩٤

وصامت بن معاذ بن شعبة بن عقبة الجندي، أبو محمد.
ذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال: ((يروي عن سفيان بن
عيينة، وكان راويًا لأبي قرَّة. حدثنا عنه المفضل بن محمد
الجندي: يهم ويُغرب))(١) .
وترجم له الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان)، فنقل فيه
كلام ابن حبان، ثم قال - كما في مطبوع كتابه -: ((وروى
المفضل بن محمد الجندي، عن صامت بن معاذ، عن المثنى بن
الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه
- رفعه - قال: تشد الرحال إلى أربعة مساجد: مسجدي،
والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد الحبشة! وهذا
باطل بلا ريب، فإن كان الصامت حفظه، فهو من تخليطات
المثنى، والذي أظنه أنه من أوهام الصامت. والله أعلم. ثم تبين
لي أنه صحفه، وأن الصواب: مسجد الخيف. وأخرج الدارقطني
في غرائب مالك، عن أبي طالب الحافظ: حدثنا محمد بن
عبد الله بن صامت: حدثنا جدي صامت بن معاذ الجندي: حدثنا
عبد المجيد بن أبي رؤَّاد، عن مالك، عن سمي، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة رضي الله عنه - مرفوعًا -: نساء كاسيات
عاريات ... الحديث. قال: تفرَّد به صامت بهذا الإسناد))(٢).
قلت: أمَّا حديث شدّ الرحال، فقد وقع فيه تصحيف،
وسقط في إسناده.
فقد علَّقه ابن عبد البر في (التمهيد)، قائلاً: ((وقد روى
محمد بن خالد الجندي، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله وَله: تُعْمَّل
(١) الثقات، لابن حبان (٣٢٤/٨).
(٢) لسان الميزان (١٧٨/٣).
٧٩٥

الرحال إلى أربعة مساجد: إلى المسجد الحرام، ومسجدي هذا،
والمسجد الأقصى، وإلى مسجد الجند.
قال أبو عمر: هذا حديث منكر، لا أصل له. ومحمد بن
خالد الجندي، والمثنى بن الصباح: متروكان، ولا يثبت من جهة
النقل.
والجَنَّد: باليمن، بلد طاوس))(١).
فظهر بهذا أن راويه عن المثنى بن الصباح هو محمد بن
خالد الجندي، وليس صامت بن معاذ، كما جاء في اللسان.
وظهر أيضًا: أنَّ المسجد الرابع: هو مسجد الجَنَد، باليمن.
أمَّا مؤرخ علماء اليمن: عمر بن علي بن سمرة الجعدي،
(من علماء القرن السادس)، فذكر إسناده في كتابه (طبقات فقهاء
اليمن)، من طريق المفضل الجندي، عن صامت بن معاذ
الجندي، عن محمد بن خالد الجندي، عن المثنى بن الصباح،
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ... وذكره(٢).
فظهر بهذا: أن صامت بن معاذ إنما كان يرويه عن
محمد بن خالد الجندي، ومحمد بن خالد هو الذي يرويه عن
المثنى بن الصباح.
قال الجعدي عقب سياقه للحديث: ((قال الشيخ الحافظ
عبد الملك: وليس في رواته كذَّاب ولا متروك))(٣).
والحافظ عبد الملك هو: ابن محمد بن أبي ميسرة اليافعي
اليمني، (ت٤٩٣هـ).
(١) التهميد، لابن عبد البر (٣٨/٢٣ - ٣٩).
" (٢) طبقات فقهاء اليمن، للجعدي (٧١).
(٣) المصدر السابق.
٧٩٦

حافظ عالم فقيه رحَّال، ثبت، عارف بطرق الحديث
ورواته. كما وصفه بذلك مؤرخو اليمن، وغيرهم. وأطنبوا في
الثناء على دينه، وزهده، وذكر فضائله(١).
فهو عليم برجال اليمن، خبير برواة بلده.
لكن عبارة هذا الحافظ دقيقة، حيث قال: ((ليس فيه كذا ولا
متروك)).
فلم ينف وجود الضعيف !!
أمَّا الحديث الثاني الذي ذكره الحافظ ابن حجر في
(اللسان)، في ترجمة الصامت بن معاذ؛ فإن محمد بن عبد الله بن
الصامت، حفيد الصامت، الحمل عليه فيه أولى. إذ لم أجد له
ترجمة، ولا وثّقه أحد فيما أعلم، بخلاف الصامت بن معاذ!
وبهذا تكون المتابعة الأولى للإمام الشافعي، فيها زيد بن
السكن، والصامت بن معاذ. وزيد بن السكن أسوأ حالاً من
الصامت!
فلا أرى هذه المتابعة صالحة للمتابعة !!
لكن ذكر ابن السبكي، كما سبق أن نقلناه عنه (٢)، أنه قد
تابع الشافعي على حديثه هذا اثنان: زيد بن السكن، وعلي بن
زيد اللحجي.
ولم أقف على هذه المتابعة! ولا على إسناد لها!
ولا وقفت على ترجمة لراويها المذكور: علي بن زيد
اللحجي !!
(١) طبقات فقهاء اليمن، للجعدي (٩٨ - ٩٩)، والعقد الثمين في تاريخ البلد
الأمين، لتقي الدين الفاسي (٥١٤/٥ - ٥١٥)، والسلوك في طبقات
العلماء والملوك لبهاء الدين الجندي (٥٠/ب)، وطبقات الخواص أهل
الصدق والإخلاص لأحمد بن أحمد بن عبد اللطيف الزبيدي. (١٩٠).
(٢) انظر ما سبق (٧٩٣).
٧٩٧

إلا أن يكون محرَّفًا عن علي بن زياد اللحجي، وهو غالب
الظن.
قال ابن حبان في (الثقات): ((علي بن زياد اللحجي، من
أهل اليمن، سمع من ابن عيينة، وكان راويًا لأبي قرة، حدثنا عنه
المفضل بن محمد الجندي. مستقيم الحديث، مات يوم عرفة
سنة: ثمان وأربعين ومائتين))(١).
ونقل السمعاني: الحافظ عبد الكريم بن محمد بن منصور
التميمي (ت٥٦٢هـ)، في كتابه (الأنساب)، كلام ابن حبان. فسمَّاه
كما عند ابن حبان: علي بن زياد اللحجي (٢).
ثم وجدت له ترجمة في كتب علماء اليمن، ككتاب
(السلوك في طبقات العلماء والملوك) للبهاء الجندي يوسف بن
يعقوب (ت٧٢٣هـ)، و (طبقات الخواص أهل الصدق والإخلاص)
لأبي العباس أحمد بن أحمد بن عبد اللطيف الشرجي الزبيدي
(ت٨٩٣هـ). فسمياه (علي بن زياد الكناني اللحجي) وأرَّخا سنة
وفاته بخمس وثلاثين ومائتين، أو أربعين ومائتين.
قال البهاء الجندي: ((كان صاحب کرامات)).
وقال الشرجي: ((كان فقيها عالمًا صالحًا مشهورًا صاحب
کرامات»(٣).
وليتني أقف على هذه المتابعة !!
فأخشى ما أخشاه أن يكون في الإسناد إلى علي بن زياد هذا
من لا يحتج به ولا يعتبر!
(١) الثقات، لابن حبان (٤٧٠/٨).
(٢) الأنساب للسمعاني (٢٠٩/١١ - ٢١٠)
(٣) السلوك في طبقات العلماء والملوك (٢٥/أ - ب)، طبقات الخواص
(٢١٧).
٧٩٨

وعلى كل حال، فبعد ثبوت الحديث عن الشافعي، فليس
بالإمام حاجة إلى متابع !!
فننتقل إلى علة أخرى أعل بها الحديث.
فالعلة الرابعة:
محمد بن خالد الجندي، فهو المتفرّد الحقيقي بهذا
الحدیث.
فبعد أن دفع ابن السبكي تفرد الشافعي بالحديث، قال:
((والصحيح أن الجندي تفرد به))(١).
قلت: وهذا ما لا يدفعه أحدٌ، وعليه كلام غالب من يعل
هذا الحدیث.
لكن اختلف في محمد بن خالد الجندي، ما بين موثق
ومجرح!
أمَّا الإمام الشافعي فروى عنه، وهذا يرفع شأنه ولا شك.
بل لقد قال الإمام الشافعي في (الأم): ((سألت محمد بن
خالد، وعبد الله بن عمرو بن مسلم، وعِدّةً من علماء أهل اليمن،
فكلهم حكى لي عن عددٍ مضوا قبلهم، كلهم ثقة: أن صلح
النبي ◌ّ لهم، كان لأهل ذمة اليمن، على دينار كل
سنة ... )) (٢).
ففي هذا تزكية قوية لمحمد بن خالد، إذ وَصَفه الشافعي مع
غيره بأنه من علماء أهل اليمن، وخصَّه بالاسم من بينهم اعتدادًا
به، بل وصدّر به الكلام. ثم احتج بما رواه محمد بن خالد، عن
(١) طبقات الشافعية الكبر (١٧٣/٢).
(٢) الأم للشافعي (١٧٩/٤)، وانظر معرفة السنن والآثار للبيهقي رقم
١٨٥٢١، والسنن الكبرى له (١٩٤/٩).
٧٩٩

الثقات عنده على الإبهام! فلا تكون هذه الثقةُ من الشافعي بتوثيق
شيخه للمبهَمِين، إلا إذا كان شيخُه نفسُه ثقةً في ذاته، وإلا لما
كان لتوثيقه المُعَيَّنين وزنًا، فضلاً عن توثيقه للمبهمَین !!
لكن يعكر على هذا: أنَّ البيهقي أسند إلى الدارقطني، ذِكْره
الشيوخ الإمام الشافعي. فبعد أن ذكرهم عن الدارقطني، وكان
فيهم: محمد بن خالد الجندي هذا (١). قال البيهقي: وقد روى
الشافعي أيضًا عن: علي بن ظبيان الجنبي، وروى عن محمد بن
خالد، وعبد الله بن عمرو بن مسلم: في الجزية))(٢).
فَفِعْلُ البيهقي هذا يدل على أنه يفرق بين محمد بن خالد
الجندي، ومحمد بن خالد آخر روى عنه الشافعي في الجزية،
وهذا الأخير هو الذي وصفه الشافعي بأنه من علماء اليمن، واعتد
به!
لكن الظاهر أن هذا التفريق غير سديد، فالشافعي يروي عن
محمد بن خالد الجندي اليمني، كما في حديثنا هذا الذي نتكلم
عنه. فإذا سمَّى الشافعي شيخًا له بمحمد بن خالد، ووصفه بأنه
يمني، فلا يُزْتاب في أنه هو الجندي.
وهذا هو ما وقع هنا!
فقد سماه الشافعي بمحمد بن خالد، بل ووصفه بأنه من
علماء اليمن.
فيبدو أنَّ البيهقي ذهل عن هذا!
ويبدو أنَّ الدارقطني تنبَّه لهذا، ولذلك لم يسم في شيوخ
الشافعي من يقال له: (محمد بن خالد)، سوى واحد هو الجندي
اليمني.
(١) مناقب الشافقي للبيهقي (٣١٣/٢).
(٢) مناقب الشافقي للبيهقي (٣١٤/٢ - ٣١٥).
٨٠٠