Indexed OCR Text
Pages 601-620
قلت: شيخ ابن السني، وشيخه، لم أجد لهما ترجمة. والإسناد منكر، إذ لم أجد للحسن عن مكحول الشامي غير ما تزعمه هذه الرواية، ولا ذكر أحد أن الحسن روى عن مكحول، ثم لم أجد عجر بن مدراع التميمي هذا أيضًا في شيء من الکتب !! وبعد أن قلت هذا، وجدت أن الطبرانيَّ في (مسند الشاميين)، وأبا القاسم ابن عساكر قد أخرجا الحديث فقال الطبراني - ومن طريقه ابنُ عساكر - قال: ((حدثنا أحمد بن مسعود المقدسي: حدثنا عمرو بن أبي سلمة: حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن عجرد بن مدراع التميمي، أنه نازع رجلًاً عند أبي بن كعب، فقال: يال تميم! فقال أبي: أعضّك الله بأير أبيك ... ))(١) - الحديث. وقال بعده ابن عساكر: ((المحفوظ حديث الحسن عن عُتي، وعَجرد لم أسمع به إلا من هذا الوجه)». قتل: شيخ الطبراني: أحمد بن مسعود الدمشقي المقدسي، قال عنه الذهبي: ((الإمام المحدِّث))(٢)، وذكر أنه روى عنه غير واحد من كبار الحفاظ، أحدهم الطبراني. وعمرو بن أبي سلمة التّنيِّسي، أبو حفص الدمشقي، مولى بني هاشم (ت٢١٣هـ - أو بعدها). وقال عنه الحافظ: ((صدوق له أوهام)) (٣). وسعيد بن بشير، تأتي له ترجمة موسعة، رجحنا فيها أنه حسن الحديث عن قتادة، إلا إذا زاد في الإغراب أو خالف(٤). (١) مسند الشاميين للطبراني (رقم ٢٦٧٤)، وتاريخ دمشق (٤٦٧/١٣). (٢) سير أعلام النبلاء (٢٤٤/١٣). (٣) التقريب (رقم ٥٠٤٣). (٤) انظر (١٣٢٨ - ١٣٤٨). ٦٠١ فهذا إسناد يُحَسَّن، وليس فيه نكارة الإسناد السابق عند ابن السني، الذي زاد فيه مكحولاً . أمّا عجرد بن مدراع، فيبدو أنه صاحب القصة الثابتة في حديث ◌ُتي عن أبي. فأرسل الحسنُ في هذه الرواية الحديثَ إلى أُبي، بإسقاط اسم عتي، لكن مع التصريح باسم صاحب القصة. فَظُنَّ أن الحسن جعل عجردًا واسطته إلى أبي، وليس كذلك، وكل ما في الأمر، أن الحسن حكى القصة بقوله: ((أن عجرد بن مدراع نازع ... ))، فأخذ ذلك منه على الرواية! ٦٠٢ الحديث الثالث: حديث أبي بن كعب رضي الله عنه، عن النبي بَّرَ، قال: ((إنَّ الله عز وجل خلق آدم: رجلاً طوالاً، كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سحوق، فلما ذاق الشجرة، سقط عنه لباسه، فأول ما بدا منه: عورته، [وكان لا يراها قبل ذلك]، فلما نظر إلى عورته، جعل يشتد في الجنة. [وفي رواية: فانطلق هاربًا في الجنة]. فأخذت شعره الجنة، فنازعها. [وفي رواية: فتعلقت به شجرة، فقال لها: أرسليني، فقالت: لست بمرسلتك]. فناداه الرحمن: يا آدم، مني تفر! قال: يا رب، لا ... ولكني استحييتك. فأهبط اللهُ آدَمَ إلى الأرض، قال آدم: أرأيت يا رب إن تبت ورجعت، أعايدي إلى الجنة؟ قال: نعم. فذلك قوله تعالى: ﴿ فَلَقََّ ءَدَمُ مِن رَّبٍِّ، كَلِمَتٍ .. ﴾(١). فلما حُضِر آدم عليه السلام، قال لبنيه: أي بَنيَّ، إني أشتهي من ثمار الجنة [انطلقوا فاجنوا لي من ثمار الجنة] فذهبوا يطلبون له، فاستقبلتهم الملائكة، ومعهم أكفانه وحَنوطه، ومعهم الفؤوس والمساحي والمكاتل، فقالوا لهم: يا بني آدم ما تريدون؟ وما تطلبون؟ قالوا: أبونا مريض، فاشتهى من ثمار الجنة. قالوا لهم: ارجعوا، فقد قضي قضاء أبيكم. [وفي رواية: ارجعوا فقد كفيتم]. فجاؤا [حتى دخلوا على آدم]، فلما رأتهم حواء عرفتهم، فلاذت بآدم. (١) سورة البقرة: الآية ٣٧. ٦٠٣ [وفي رواية: فلما رأتهم حواء ذعرت منهم، وجعلت تدنو إلى آدم، وتلصق به]. فقال: إليك عني، فإني إنما أُتِيت من قِبَلك، خلِّي بيني وبين ملائكة ربي تبارك وتعالى. فقبضوه وغسلوه [وترًا] وكفنوه، وحنطوه، وحفروا له، وألحدوا له، وصلوا عليه، [فكبروا عليه أربعًا]، ثم دخلوا قبره، فوضعوه في قبره، ووضعوا عليه اللبن، ثم خرجوا من القبر، ثم حثوا عليه، ثم قالوا: يا بني آدم، هذه سنتكم [في موتاكم، فكذلك فافعلوا])). هذا الحديث بهذا الطول لم أجد رواية واحدة تنتظمه كله في سياق واحد، كالسياق الذي جمعته لك من مجموع المقبول منها! وإنما يَرِدُ جزء الحديث الأول: في صفة آدم في رواية، ويرد هذا الجزء مع بقية قصة فرار آدم بعد أكله من الشجرة في رواية أخرى، ثم يرد حديث احتضار آدم وموته في رواية منفصلة، ويرد أيضًا صلاة الملائكة عليه، وعدد تكبيراتهم في رواية أخرى. وبعض الروايات تذكر أول الحديث وآخره، وتحذف أواسطه . والحديث مخرجه واحد، فكونه حديثًا واحدًا رواه أبي بن كعب رضي الله عنه، في مجلس واحد، هو الظن الأرجح. ويدل على ذلك أيضًا: أن الإمام البخاري ذكر بعض طرق هذا الحديث لبيان بعض علله، في (التاريخ الكبير) (١)، فلم يلتزم اتفاق المتن، واكتفى بأن تكون الطرق التي يذكرها تتحدث عن (١) التاريخ الكبير، للبخاري (٧٩/١). ٦٠٤ قصة آدم عليه السلام، مما يدل على أنَّ الحديث بمجموع رواياته عند البخاري حديث واحد، فصَّله الرواة واختصروه. ذلك هو ما أباح لي جمع ما تفرق من الروايات في سياق واحد، مع هذا التنبيه، ولا يصح بدونه! ثم إن غرضي الكلام عن علل الحديث، وعلله تستلزم سياق جميع طرقه، وجميع طرقه تنتظم ذلك المتن كله، فكان لزاما علي سياقه كلَّه، للكلام على علله الإسنادية. والحديث فيه اختلاف كثير: في رفعه، ووقفه، وفي ذكر عتي بن ضمرة بين الحسن وأبي بن كعب رضي الله عنه، وعدم ذكره بينهما في إسناده. فالحديث يرويه جماعة من تلامذة الحسن عنه، واختلف علیهم : فرواه قتادة، واختلف عليه : وقبل سياق الاختلاف عليه، أنبه إلى أنَّ قتادة ممن اتهم بالتدليس، بل وذكره الحافظ في المرتبة الثالثة: مرتبة من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرَّحوا فيه بالسماع(١). وذكره أيضًا العلائي في مرتبة من اختلف فيهم، فقبل عنعنتهم قوم مطلقًا، وتوقف فيما لم يصرّحوا فيه بالسماع آخرون(٢). بينما ذكره ابن حزم في طبقة من قبل الأئمة عنعنته، ولم يؤثر تدليسه على قبول شيء من حديثه(٣). (١) تعريف أهل التقديس، لابن حجر (١٠٢ رقم ٩٢). (٢) جامع التحصيل (١١٣). (٣) الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم (١/ ١٤١ - ١٤٢). ٦٠٥ وسبقه إلى ذلك الحاكم أبو عبد الله في (معرفة علوم الحديث)، حيث ذكر قتادة في الجنس الأول من أجناس التدليس الستة . قال الحاكم: ((فمن المدلسين: من دلس عن الثقات الذين هم في الثقة مثل المحدث، أو فوقه، أو دونه، إلا أنهم لم يخرجوا من عداد الذين يقبل أخبارهم، فمنهم من التابعين: أبو سفيان طلحة بن نافع، وقتادة بن دعامة، وغيرهما))(١). قلت: وتدليس قتادة في غالبه إنما هو لروايته عمن عاصرهم، ولم يلقهم، ولذلك لم يؤثر على قبول عنعنته. ودليل ذلك: أنَّ ترجمة قتادة في (المراسيل) لابن أبي حاتم(٢)، وفي (جامع التحصيل)(٣) للعلائي، وفي (التهذيب) لابن حجر(٤)، وفي (تحفة التحصيل) لأبي زرعة العراقي(٥) - ترجمته عند هؤلاء مليئة وطويلة بذكر من روى عنهم قتادة ممن عاصرهم ولم يلقهم. لذلك فحريٌّ أن يكون وصفُ قتادة بالتدليس إنما هو لروايته عمن عاصرهم ولم يلقهم! ولشعبة بن الحاج في قتادة كلام اشتهر عنه، واستدل به من وصفه بالتدليس على تدليسه. قال شعبة: ((كنت أنظر إلى فم قتادة (وفي رواية: كنت أن (١) معرفة علوم الحديث، للحاكم (١٠٣). (٢) المراسيل، لابن أبي حاتم (١٦٨ - ١٧٥ رقم ٦١٩ - ٦٤٠). (٣) جامع التحصيل (رقم ٦٣٣). (٤) التهذيب (٣٥١/٨ - ٣٥٦). (٥) تحفة التحصيل، لأبي زرعة العراقي - خط - (١٨١/ب - ١٨٢/أ). ٦٠٦ أتفطن إلى فم قتادة] فإذا قال: (حدثنا) كتبت، وإذا قال: (حدث) لم أكتب))(١). وفي هذا دلالة على عدم قبول ما لم يصرح قتادة فيه بالسماع من حديثه، عند شعبة! لكن لكلام شعبة السابق رواية أخرى مُبَيِّنَة لها، تدل على نقيض الدلالة المذكورة آنفًا !! قال شعبة: ((كنت أتفطن إلى فم قتادة إذا حدَّث. فإذا حدَّث بما قد سمع قال: (حدثنا سعيد بن المسيب) و (حدثنا أنس) و (حدثنا الحسن) و (حدثنا مطرف). وإذا حدَّث بما لم يسمع، قال: (حدث سليمان بن يسار) و (حدَّث أبو قلابة) و (حدَّث سعيد بن جبير))(٢). فأوَّل ما وقفت على كلام شعبة هذا، استوقفني فيه أمر ظاهر، وهو أنَّه عندما ذكر ما يصرح فيه قتادة بالسماع، ذكر شيوخًا معينين، هم غير الشيوخ الذين ذكرهم لما لم يصرح فيه قتادة بالسماع !! ولو كان قتادة مدَلسًا عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، مكثرًا من ذلك، لكان الواجب أن يكرر شعبة الشيوخ أنفسهم (١) العلل لأحمد (رقم ٥٠٧٧)، وتاريخ عثمان بن سعيد الدارمي (رقم ٧٠٣)، والجعديات، لأبي القاسم البغوي (رقم ١٠٧٣، ١٠٧٤)، وتقدمة الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (١٦٩، ١٦٩ - ١٧٠)، والكامل لابن عدي (٦٨/١)، والمدخل إلى الإكليل للحاكم (٤٦)، والكفاية، للخطيب (٤٠١). (٢) العلل للإمام أحمد (رقم ٥٠٦٨)، وطبقات ابن سعد (٢٢٩/٧)، والجعديات لأبي القاسم البغوي (رقم ١٠٧٥)، وتاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم ١١٥٧)، والمحدث الفاصل للرامهرمزي (رقم ٦٦٠)، والكفاية للخطيب (٤٠١)، والتمهيد لابن عبد البر (٣٥/١). ٦٠٧ الذين ذكرهم فيما صرح فيه قتادة بالسماع، لما لم يصرح فيه بالسماع، ليؤدي كلامُه المعنى المقصودَ. أمّا وقد غَايَرَ شعبةُ بين من صرح قتادة بالسماع منهم، ومن لم يصرح بالسماع منهم، فالأمر إذن لا كما يُزْعم في تدليس قتادة: أنه (عمن سمع منهم، ما لم يسمعه منه). وبالتمعن في ذلك: وجدت أنَّ من ذكرهم شعبة في سياق من كان يصرح قتادة بالسماع منهم، أنهم من شيوخ قتادة الذين اشتهر سماع قتادة منهم. وضدهم الآخرون، الذين ذكر شعبة أنه كان لا يقبل عدم تصريح قتادة بالسماع منهم !! فلقد نفى جماعةٌ من الأئمة سماع قتادة من كل من سليمان بن يسار وأبي قلابة وسعيد بن جبير: فنفى سماعَ قتادة من سليمان بن يسار بالكلية، كلٍّ من: يحيى بن سعيد القطان، والإمام أحمد، ويحيى بن معين، والدار قطني (١). ونفى أن يكون قتادة سمع شيئًا من أبي قلابة، كل من: الإمام أحمد، ويحيى بن معين، والفلاس، وأبو حاتم الرازي، والفسوي، والنسائي(٢). بل قال يحيى بن معين: ((قال ابن عُليّة، عن أيوب: لم يسمع قتادة من أبي قلابة شيئًا، إنما وقعت كتب أبي قلابة إليه))(٣). (١) انظر: المراسيل لابن أبي حاتم (رقم ٦٢٧.، ٦٣٤، ٦٣٥ ب)، وسؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين (رقم ١٨٠، ٣٧٣)، وسنن الدارقطني (٢١٢/٢). (٢) انظر: تاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم ١١٥٧)، والمراسيل لابن أبي حاتم (رقم ٦٣١)، والعلل لابن أبي حاتم (رقم ٢٦)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (٦٦١/٢)، والسنن الكبرى للنسائي (رقم ٣١٥٥)، والتهذيب (٣٥٥/٨). (٣) الطيوريات، لابن الطيوري (٢٥١/أ). ٦٠٨ وأنكر سماع قتادة من سعيد بن جبير، كل من: الإمام أحمد، ويحيى بن معين، والفسوي، والبرديجي، والطحاوي(١). فهؤلاء الثلاثة: سليمان بن يسار، وأبو قلابة، وسعيد بن جبير؛ وهم الذين لم يقبل شعبة من قتادة روايته عنهم مع عدم تصريحه بالسماع، لم يسمع قتادة منهم أصلاً. فعدم قبول شعبة لرواية قتادة عنهم، مع عدم التصريح بالسماع، لا لأنَّ قتادةَ مردودُ العنعنة، وإنما لأن قتادة لم يسمع منهم. وتطَلُّبُ شعبةً لسماعات قتادة، إنما هو فيمن لم يثبت عنده لقاؤه بهم، لأن قتادة كان يروي عمن عاصرهم ولم يلقهم. لذلك تعلم بأنّ من احتجّ بكلام شعبة على أن قتادة مدلْسٌ (عمن سمع منه ما لم يسمعه) فهو مخالفٌ لشعبة! وممن فعل ذلك الحاكم أبو عبد الله، حيث قال في (المدخل إلى الإكليل)، وهو يتكلم عن التدليس: ((وكذلك قتادة بن دعامة، إمامُ أهل البصرة، إذا قال: قال أنس، أو قال الحسن، وهو مشهور التدليس عنهما))(٢)، ثم ذكر الحاكم دليله على ذلك، فإذا به كلام شعبة بن الحجاج !! هذا مع أن الحاكم قد حكم بقبول عنعنة قتادة مطلقًا، كما سبق نقل كلامه في ذلك، من كتابة (معرفة علوم الحديث). ولديَّ نص صريح، وتصرف واضح، على أنَّ رد عنعنة قتادة إنما هو عمن لم يثبت لقاؤه بهم أصلاً. (١) العلل للإمام أحمد (رقم ٥٢٦٣)، وسؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين (رقم ١٨٠، ٣٧٣)، والمراسيل، لابن أبي حاتم (رقم ٦٣٢)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (٦٦١/٢)، وبيان مشكل الأحاديث للطحاوي (٦/ ٣٨٢)، وجامع التحصيل للعلائي (٢٥٦). (٢) المدخل إلى الإكليل للحاكم (٤٦). ٦٠٩ قال ابن عبد البر في (التمهيد): ((سماع قتادة عندهم من عطاء غير صحيح، وقتادة إذا لم يقل: ((سمعت)) وخولف في نقله، فلا تقوم به حجة؛ لأنه يدلس كثيرًا عمن لم يسمع منه، وربما كان بينهما غير ثقة))(١). هذا مع قول ابن عبد البر في موطن آخر: ((قال بعضهم: قتادة إذا لم يقل: ((سمعت)) أو ((حدثنا)) فلا حجة في نقله! وهذا تعسف)) (٢). فهذا صريح من القول: أن قتادة مقبول العنعنة مطلقًا، خاصة فيمن ثبت سماعه منهم. أمَّا من لم يثبت سماعه منهم، وقامت قرينة تشهد لعدم السماع، كالنكارة مثلاً، فعندها نقول بعدم سماعه، ونردّ عنعنته لعدم وقوع السماع أصلاً. وللإمام أحمد موقفٌ شبية بهذا؛ حيث روى حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي وَلّ قال: ((رأيت ربيّ عز وجل ... ))(٣) - الحديث. وهو حديثٌ ثابتٌ عن حمّاد بن سلمة، ثابتٌ عن قتادة، لم يحدّث قتادةُ به أحدًا إلا حمادَ بن سلمة ورجلاً آخر (٤). بل قال أبو زرعة الرازي عن هذا الحديث: (صحيح، لا ينكره إلا معتزلي))(٥). وقد نقل أبو بكر المرُّوذي محاولةً لبعضهم لإعلال (١) التمهيد لابن عبد البر (٣٠٧/٣). (٢) التمهيد، لابن عبد البر (٢٨٧/١٩). (٣) أخرجه الإمام أحمد (رقم ٢٥٨٠)، وغيره. فانظر تخريجه في حاشية كتاب الرؤية للدارقطني (رقم ٢٦٤ - ٢٦٦)، والأسماء والصفات للبيهقي (رقم ٩٣٨). (٤) انظر كتاب الرؤية للدارقطني (ص٣٤٦)، وصوّب ما فيه من اللآلىء المصنوعة للسيوطي (١/ ٣٠). (٥) اللآلي المصنوعة للسيوطي (٢٩/١ - ٣٠)، نقلاً عن كتاب (السنة) للطبراني. ٦١٠ الحديث، وسأل الإمامَ أحمد عن ذلك، فقال في ذلك سائلاً الإمامَ أحمد: ((يقولون: لم يسمع قتادة من عكرمة؟ قال: فغضب، وأخرج كتابَه، فيه سماعُ قتادة عن عكرمة ستة أحاديث))(١) . فهذا - أوّلاً - يدلّ على أنّ قتادة لم يصرّح بالسماع من عكرمة في هذا الحديث، بدليل لُجُوء الإمام أحمد إلى إثبات سماعه منه بأحاديث أخر صرّح فيها بالسماع، وبدليل واقع الرواية أيضًا، حيث إنّه من جميع وجوهه التي وقفت عليها بالعنعنة بين قتادة وعكرمة. وثانيًا - وهو المقصود - أن الإمام أحمد لم يكن يرى صحّة إعلال هذا الحديث بعدم سماع قتادة من عكرمة، بدليل ثبوت سماع قتادة من عكرمة في أحاديث أخرى! فأين تدليس قتادة الذي زُعم أنه تُرَدُّ به عنعنتُه؟ !! إذن يكون قتادةُ مقبولَ العنعنة عند الإمام أحمد، ويُمكن أن يُضاف إليه أبو زرعة الرازي، لتصحيحه هذا الحديث الذي عَنْعَنَهُ قتادة، کما سبق عنه! هذا هو صواب حكم عنعنة قتادة. وهذا هو توجيه عنعنات قتادة في الصحيحين، وغيرهما من كتب الصحاح، فليست مردودة مطلقًا، كما تزعمه المرتبة التي ذكرها الحافظ ابن حجر لقتادة في مراتب المدلسين !! أمَّا عنعنات قتادة عن الحسن، فكالأخذ باليد قوة وثقة! قال قتادة: ((جالست الحسن اثنتي عشرة سنة، أصلي معه الصبح ثلاث سنين، ومثلي أخذ عن مثله!))(٢). (١) الكامل لابن عدي - ترجمة حماد بن سلمة - (٢٦١/٢). (٢) طبقات ابن سعد (٢٢٩/٧)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (١٦٥/٢)، والجعديات لأبي القاسم البغوي (رقم ١٠٥٥). ٦١١ لذلك اعتُبر قتادة بحق من الطبقة العليا من أصحاب الحسن البصري . قال الإمام أحمد: ((ما أحد في أصحاب الحسن أثبت من يونس، ولا أحد أسند من قتادة))(١). وقال علي بن المديني: ((أصحاب الحسن: حفص المنقري، ثم قتادة، وحفص فوقه، ثم قتادة بعده، ويونس، وزياد الأعلم))(٢). فمرتبةٌ مثل هذه المرتبة، واختصاصٌ مثل هذا الاختصاص بالحسن البصري، لا يبقى معه شك في تقديم عنعنة قتادة على كثير من تصريح غيره من الثقات عن الحسن البصري! ونعود إلى علل حديثنا المذكور سابقًا، فأقول: رواه قتادة عن الحسن، واختلف عليه: فاتفق شيبان بن عبد الرحمن(٣)، وسعيد بن أبي عروبة: من رواية علي بن عاصم عنه(٤). فرواه شيبان، وسعيد - في رواية عنه (١) المعرفة والتاريخ للفسوي (١٦٥/٢). (٢) المعرفة والتاريخ للفسوي (٥٣/٢). (٣) أخرجه أحمد في الزهد (رقم ٢٦٥). وشيبان بن عبد الرحمن التميمي مولاهم، النحوي، أبو معاوية، البصري، نزيل الكوفة، (ت١٦٤هـ). قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٢٨٣٣): ((ثقة صاحب كتاب)). وذكر يحيى بن معين شيبان بن عبد الرحمن مع أعلى طبقة من الرواة عن قتادة، وقدَّمه على معمر في قتادة، انظر معرفة الرجال، لابن معين برواية ابن محرز (١/ رقم ٥٣٩)، والتاريخ ليحيى بن معين (رقم ٤٠٤١). (٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (رقم ١٠٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره، تفسير سورة البقرة (رقم ٣٩٢، ٤١٠)، وتفسير سورة الأعراف (رقم ١٦٠، ١٧٠، ٢٢٣)، وأخرجه أيضاً: أبو القاسم التيمي في الترغيب والترهيب (رقم ٧٤٨). = ٦١٢ - عن قتادة عن الحسن، عن أبي بن كعب رضي الله عنه، مرفوعًا، من دون ذكر عتي بن ضمرة السعدي في إسناده. واختلف على سعيد بن أبي عروبة بغير ما سبق: فرواه عبد الوهاب بن عطاء الخفاف(١) وعباد بن العوام(٢) عن سعيد عن قتادة، عن الحسن، عن عتي، عن أبي بن كعب رضي الله عنه، بذكر عتي بن ضمرة. لكن رواه عبد الوهاب بإسناده مرفوعًا، رواه عباد بن العوام موقوفًا على أبي بن كعب. ورواه يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قال: حدثنا الحسن، عن أبي بن كعب رضي الله عنه، موقوفًا(٣). فلا تختلف رواية يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة، علي بن عاصم بن صهيب الواسطي، التيمي مولاهم (ت٢٠١هـ)، وقد = جاوز التسعين. قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٤٧٥٨): ((صدوق يخطىء، ويصر، ورمي بالتشيع)). (١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣١/١)، والحاكم وصححه (٢٦٢/٢)، والبيهقي في البعث والنشور (رقم ١٧٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق - خط - (٢ /٦٢٩). عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، أبو نصر العجلي مولاهم، البصري، نزيل بغداد، (ت٤ - أو - ٢٠٦هـ). قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٤٢٦٢): ((صدوق ربما أخطأ، أنكروا عليه حديثاً في العباس دلسه عن ثور)). (٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣١/١)، والحاكم في المستدرك (٥٤٣/٢ - ٥٤٤)، وأبو نعيم في الحلية (٢٥٤/١). عباد بن العوام بن عمر الكلابي، مولاهم، أبو سهل الواسطي، (ت١٨٥ هـ أو بعدها)، وله نحو من سبعين. قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٣١٣٨): ((ثقة). (٣) أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير (رقم ١٤٤٠٣). يزيد بن زُريع البصري، أبو معاوية، (ت١٨٢ هـ). قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٧٧١٣): ((ثقة ثبت)). ٦١٣ عن رواية علي بن عاصم، عن سعيد إلا في أنَّ رواية يزيد موقوفة، والأخرى مرفوعة. وهذا الاختلاف على سعيد، مِنْ سعيد نفسه! فهو سعيد بن أبي عروبة: مهران اليشكري، مولاهم، أبو النضر البصري، (ت٦ - أو - ١٥٧ هـ). قال الحافظ: ((ثقة حافظ، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة)) (١). قلت: أمَّا التدليس، فقد ذكره الحافظ في المرتبة الثانية(٢)، مرتبة من اغتفر تدليسه في جنب ما روى. وأمَّا اختلاطه وتأريخه: فَبَدْءُ تغيّرٍ سعيد بن أبي عروبة كان سنة اثنتين وثلاثين ومائة(٣)، ولم يزل متماسكًا قويًا حتى سنة خمس وأربعين ومائة(٤)، فاختلط في هذه السنة: في آخرها(٥). ثم اشتد به الاختلاط سنة ثمان وأربعين ومائة(٦)، حتى أطبق واستحكم، وما زال يشتد حتى خَرِفَ في آخر عمره(٧). (١) التقريب (رقم ٢٣٦٥). (٢) تعريف أهل التقدسي (رقم ٥٠). (٣) التهذيب (٦٦/٤)، وفتح المغيث للخاوي (٣٧٦/٤)، وانظر تاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم ١١٣٩). (٤) سوف يأتي تسمية من ذكر هذه السنة توقيتاً لاختلاط سعيد بن أبي عروبة. (٥) حيث إنهم إنما أرخوا اختلاط سعيد (بالهزيمة)، يعنون بها هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عندما خرج على أبي جعفر المنصور، بالبصرة، فقُتل في ذي القعدة، سنة خمس وأربعين ومائة. انظر: تاريخ خليفة بن خياط (٤٢٢)، وتاريخ الطبري (٦٤٧/٧). (٦) انظر التهذيب (٦٥/٤). (٧) انظر بعض أخبار خَرَفِهِ في الضعفاء للعقيلي (١١٣/٢)، والكامل لابن عدي (٣٩٤/٣). ٦١٤ قال البزار: ((وعامة الرواة عنه سمعوا منه قبل الاستحكام، وإنما اعتبر الناس اختلاطه بما قال يحيى بن القطان))(١). قلت: والذي قاله يحيى بن سعيد القطان هو: أن اختلاط سعيد بن أبي عروبة، كان سنة خمس وأربعين ومائة(٢). فالذي يعنيه البزار، هو: أن هذه السنة هي الحد الفاصل بين من سمع من سعيد قبل الاختلاط: فيصحح، ومن سمع منه بعد الاختلاط: فیرد. وقوله: ((وعامة الرواة سمعوا منه قبل الاستحكام)) يعني: أن عامة الرواة، حتى من سمع بعد الاختلاط، فإنما سمعوا منه قبل شدة اختلاطه في أواخر عمره. ووافق جماعةٌ من الأئمة يحيى القطان في اعتبار سنة خمس وأربعين ومائة هي سنة اختلاط سعيد بن أبي عروبة، وأنها الحد الفاصل بين من سمع منه قبل الاختلاط وبعده، ومن هؤلاء: تلميذ سعيد بن أبي عروبة: عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي(٣)، والإمام أحمد(٤)، ويحيى بن معين(٥) - على اختلاف عنه في ذلك، حرَّره السخاوي في (فتح المغيث)(٦) - وحافظ الشام عبد الرحمن بن إبراهيم بن عمرو الدمشقي، المشهور بـ (١) التهذيب (٦٦/٤)، فتح المغيث للسخاوي (٣٧٦/٤). (٢) العلل للإمام أحمد (رقم ٢٥٧٢)، والعلل له برواية المروذي (رقم ٤٧)، والمعرفة والتاريخ (٣ - ٦٢/٦١). (٣) سؤالات الآجري لأبي داود (رقم ٩٢٦٣). عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري السامي، أبو محمد، (ت١٨٩هـ). قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٣٧٣٤): ((ثقة)). (٤) العلل للإمام أحمد (رقم ٨٦، ٥٣١٤، ٥٤٢٧). (٥) الكامل لابن عدي (٣٩٤/٣). (٦) انظر تاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم ١١٣٩)، وفتح المغيث للسخاوي (٣٧٦/٤). ٦١٥ (دحيم)) (ت٢٤٥هـ)(١)، وأبو داود السجستاني(٢)، وابن حبان(٣) .. وغيرهم. كل هؤلاء أرخ اختلاط سعيد بن أبي عروبة بسنة خمس وأربعين ومائة، فهذا التاريخ هو المعتمد. فمن سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل سنة خمسٍ وأربعين ومائة فحديثه صحيح، وكذا الرواية الموافقة لرواية الثقات غير سعيد، حتى لمن روى عن سعيد بن أبي عروبة بعد الاختلاط، فهذه أيضًا صحيحه، أمّا من روى عنه بعد السنة المذكورة، فحديثه عنه ضعيف، إذا لم يوافق سعيدًا أحدُ الثقات على حديثه ذاك المعين . وهذا حكم المختلطين عمومًا، كما حرره ابن حبان في مقدمة صحيحه(٤). ونعود إلى حديث سعيد بن أبي عروبة، واختلاف الرواة عنه، وتمييز من روى عنه قبل الاختلاط وبعده. فالوجه الأول: يرويه علي بن عاصم، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب رضي الله عنه، مرفوعًا. وعلي بن عاصم الواسطي لم أجد من ميَّز سماعه من سعيد بن أبي عروبة، أهو قبل الاختلاط؟ أم بعده؟ لكن لأهل واسط ميزة على غيرهم في سعيد بن أبي عروبة، (١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم ١١٤١). (٢) السنن لأبي داود (عقب الحديث رقم ٢٦٩٥). (٣) الثقات لابن حبان (٦/ ٣٦٠). (٤) انظر الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١٦١/١)، ومقدمة محقق الكواكب النيرات لابن الكيال، الدكتور عبد القيوم عبد رب النبي (١١ - ١٢). ٦١٦ كما يشير إليه قول يحيى بن معين: ((أما يزيد بن هارون فصحيح السماع، كان سمع منه بواسطة، وهو يريد الكوفة))(١). فهذا يدل على أنَّ لسعيد رحلةً قديمةً إلى الكوفة، مرَّ خلالها بواسط، فسمع منه أهلها، وذلك قبل اختلاطه، ورحلة سعيد إلى الكوفة، سوف يأتي - بإذن الله تعالى - الحديث عنها في موطنها. ويدل على صحة حديث سعيد بن أبي عروبة هذا، من رواية علي بن عصام عنه، أن شيبان بن عبد الرحمن وافق سعيدًا في روايته عن قتادة، فرواه شيبان عن قتادة عن الحسن عن أبي بن كعب رضي الله عنه مرفوعًا، كما سبق. فهذا وجه صحيح عن قتادة، من رواية اثنين عنه. والوجه الثاني ذو شقين: الشق الأول: يرويه عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن الحسن، عن عُتي بن ضمرة، عن أبي بن كعب رضي الله عنه مرفوعًا. والشق الثاني: يرويه عباد بن العوام، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عتي بن ضمرة، عن أبي بن كعب رضي الله عنه موقوفًا. فهذان راويان عن ابن أبي عروبة اتفقا على زيادة عتي بن ضمرة في إسناد الحديث، بين الحسن وأبي بن كعب رضي الله عنه، واختلفا في رفع الحديث ووقفه. لكن رواية الرفع أقوى، لأنها من رواية عبد الوهاب بن عطاء الخفاف. فعبد الوهاب بن عطاء الخفاف صحيح الحديث عن سعيد، لقدم سماعه منه، وإن كان في ذلك اختلاف! (١) الكامل لابن عدي (٣٩٤/٣). ٦١٧ وخلاصة القول في ترجيح قدم سماع عبد الوهاب الخفاف من ابن أبي عروبة، هو: ما صح عن عبد الوهاب نفسه. قال ابن سعد في (الطبقات الكبرى): (سمعت عبد الوهاب بن عطاء يقول: جالست سعيد بن أبي عروبة سنة ست وثلاثين ومائة))(١). قلت: فهذا يعني أنَّ سماع الخفاف من ابن أبي عروبة قبل اختلاط ابن أبي عروبة بسنوات عدة. فبعد ثبوت هذا عن عبد الوهاب، نقف من قوله هو أيضًا عن نفسه، بأنه سمع من ابن أبي عروبة قبل الاختلاط وبعده، كما نقله ابن رجب في (شرح علل الترمذي) عن يحيى بن معين، عنه(٢)! نقف من ذلك موقفًا .. ينجلي - بعد التمعن - عن تَأْوُّلٍ للاختلاط الذي ورد في كلام الخفاف عن نفسه! فيُحمل الاختلاط الذي عناه الخفاف على بداية تغير ابن أبي عروبة، التغير الذي لم يَحُطِّه عن مرتبة الصحة، والذي بدأ - كما سبق - سنة اثنتين وثلاثين ومائة(٣). يدل على صحة هذا التأوّل للاختلاط والأخذ به في كلام الخفاف عن نفسه: أنَّ الإمام أحمد مع أنه ذكر أنَّ عبد الوهاب سمع من سعيد في حال الاختلاط وقبله(٤)، إلا أنه لم يزل مع ذلك يقوي رواية عبد الوهاب عن سعيد(٥)، بل يصف سماعَهُ أيضًا بأنه قديم(٦)! (١) الطبقات، لابن سعد (٢٧٣/٧). (٢) شرح علل الترمذي، لابن رجب (٧٤٧). (٣) انظر ما سبق (٦١٥ - ٦١٦). (٤) العلل للإمام أحمد، برواية المروذي (رقم ٤٧، ٤٨). (٥) العلل للإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (رقم ٥٣٤٠، ٥٣٤٣، ٥٣٤٤)، وشرح علل الترمذي، لابن رجب (٧٤٤). (٦) العلل للإمام أحمد (رقم ٢٥٧٦) وسؤالات الآجري لأبي داود (رقم ٢٦٢). ٦١٨ فماذا يعني وصفُ الإمام أحمد لسماع الخفاف من ابن أبي عروبة بالقدم، مع ذكره أنه سمع منه في الاختلاط! إلا أن يكون الاختلاطُ الذي قصده الإمام أحمد هو بدايةَ التغيُّر لحفظ ابن أبي عروبة، التغيُّرِ الذي سبق سنة خمس وأربعين ومائة، سنة الحد الفاصل لاختلاط سعيد، عند الإمام أحمد وغيره كما سبق. وهذا هو ذاته معنى ما ذكره الخفاف عن نفسه من أنه سمع من سعيد في حال الاختلاط وغيره. ويدل على ذلك أيضًا: أنَّ يحيى بن معين مع أنه هو الذي ذكر أنه سمع عبد الوهاب يذكر أنه سمع من سعيد قبل الاختلاط وبعده، يذكر يحيى بن معين نفسه أيضًا أنَّ يحيى بن سعيد القطان لمّا قدم عبد الوهاب عليهم البصرة، قال: ((قوموا بنا إلى عبد الوهاب، فإنه كان معنا عند سعيد بن أبي عروبة))(١). فذكر يحيى بن سعيد القطان أنَّ سماع عبد الوهاب الخفاف من ابن أبي عروبة كان معه، يدل على قدم سماع عبد الوهاب! لأن يحيى القطان أحد ثلاثة هم أثبت الناس في سعيد بن أبي عروبة، كما قال ابن عدي في (الكامل)(٢)، وكما قال الإمام أحمد عن القطان: ((كان عالمًا بسعيد بن أبي عروبة))(٣). فهذا دليل آخر يدل على قدم سماع عبد الوهاب من ابن أبي عروبة، بل وعلى عُلُوٌ قدره فيه. لذلك كان قول أبي داود حقًا، عندما سُئل عن الخفاف ورجلٍ معه في ابن أبي عروبة؟ فقال: ((عبد الوهاب أقدم، فقيل (١) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٢٧/٦). (٢) الكامل لابن عدي (٣٩٧/٣). (٣) العلل لأحمد (رقم ٢٥٧١). ٦١٩ لأبي داود: عبد الوهاب سمع في زمن الاختلاط! فقال: من قال هذا؟ !! سمعت أحمد بن حنبل، سئل عن عبد الوهاب في سعيد بن أبي عروبة؟ فقال: عبد الوهاب أقدم))(١). أقول: لذلك كان قول أبي داود هذا مقدَّمًا على اشتطاط الحافظ الكبير محمد بن عبد الله بن نمير، عندما قال :· ((عبد الوهاب الخفاف كان أصحاب الحديث يقولون: إنه سمع من سعيد بأخرة، كان شبه المتروك)) (٢) !!! ويشهد لصحة حديث عبد الوهاب الخفاف عن ابن أبي عروبة: أنه لم يتخلف عن إخراج حديثه عنه غالب أصحاب الصحاح في صحاحهم: كالإمام مسلم (٣) وابن الجارود(٤) وابن خزيمة(٥) وابن حبان (٦) والحاكم(٧) والضياء(٨). فلا شك بعد هذا كله أن سماع عبد الوهاب بن عطاء الخفاف من سعيد بن أبي عروبة قديم، وأن حديث الخفاف عن ابن أبي عروبة لذلك صحيح. هذا عبد الوهاب! أمَّا عباد بن العوام الذي وافق عبد الوهاب عن ابن أبي عروبة في ذكر عتي بن ضمرة بين الحسن وأبي بن كعب رضي الله عنه، وخالفه في وقف الحديث، بينما ذكره عبد الوهاب مرفوعًا، (١) سؤالات الآجري لأبي داود رقم (٢٦٢). (٢) شرح علل الترمذي لابن رجب (٧٤٦ - ٧٤٧). (٣) صحيح مسلم (رقم ٢٤٦٧، ٢٨٠٥، ٢٨٧٠). (٤) المنتقى لابن الجارود (رقم ٥٦٨). (٥) صحيح ابن خزيمة (رقم ٢٦٧). (٦) صحيح ابن حبان، انظر الإحسان (رقم ٢٠٤، ٢٣٨٣، ٥٠٤٩، ٥٠٥٠). (٧) المستدرك للحاكم (٧٢/١) (٣٤/٢) (١٠١/٤). (٨) المختار للضياء (رقم ٣٢٥٥، ٢٣٥٦). ٦٢٠