Indexed OCR Text

Pages 481-500

عاملوهم بضد ما يقتضيه تدليسهم، وإن لم يكن له أثرٌ فقد
عاملوهم بما لا يستحقون! فتأمّل ذلك !!
وقال السخاوي في (فتح المغيث): ((بل وُصف به - أي:
بالتدليس - من صرح بالإخبار في الإجازة، كأبي نعيم، أو
بالتحديث في الوجادة، كإسحاق بن راشد الجزري، وكذا فيما لم
يسمعه كفطر بن خليفة، أحَدٍ من روى له البخاري مقرونًا، ولذا
قال علي بن المديني قلت ليحيى بن سعيد القطان: يُعتمد على
قول فطر: (ثنا)؟ ويكون موصولاً؟ فقال: لا. فقلت: أكان ذلك
منه سَجِيّة؟ قال: نعم.
وكذا قال الفلاس: إن القطان قال له: وما يُنْتَفَعُ بقول فطر:
(ثنا عطاء)، ولم يسمع منه!
وقال ابن عمار عن القطان: كان فطر صاحب ذي:
(سمعت ... سمعت)، يعني: أنه يدلس فيما عداها، ولعله تجوَّز
في صيغة الجمع، فأوهم دخوله، كقول الحسن البصري: ((خطبنا
ابن عباس)) و((خطبنا عتبة بن غزوان)) وأراد أهل البصرة بلده، فإنه
لم يكن بها حين خطبتهما، ونحوه في قوله - يعني: قول الحسن
-: ((حدثنا أبو هريرة))، وقول طاوس: ((قدم علينا معاذ اليمن))،
وأراد أهل بلده، فإنه لم يدركه، كما سيأتي الإشارة إلى ذلك، في
أول أقسام التحمل، ولكن صنيع فطر فيه غباوة شديدة، يستلزم
تدليسًا صعبًا، كما قال شيخنا .. ))(١).
قلت: هذه كلها صنوف من التدليس، تقتضي التحرُّز من
بعض صيغ السماع، دون بعض، وفي أحوال دون أحوال، ولا
تقتضي التحرّز من العنعنة !!!
فأين هذا ممن يكتفي بمجرَّد رؤيته لقولهم: فلان مدلس،
ليردَّ عنعنته، ويقبلَ تصريحَه بالسماع بأي صيغة؟!
(١) فتح المغيث، للسخاوي (٢١١/١ -٢١٢).
٤٨١

وقد وقع في نحوٍ من هذا الخطأ، العلامةُ المحدِّثُ الحافظُ
عبد الكريم بن عبد النور أبو علي القطب الحلبي (ت ٧٣٥هـ)،
في شرحه لصحيح البخاري المسمى: (البدر المنير الساري شرح
الجامع الصحيح للبخاري).
فقد نقل الحافظ ابن حجر في (التهذيب) عن كتاب القطب
الحلبي أنه قال: («مجاهد معلوم التدليس، فعنعنته لا تفيد الوصل،
ووقوع الواسطة بينه وبين ابن عباس)) (١).
فتعقبه الحافظ ابن حجر بقوله: ((ولم أر من نسبه إلى
التدليس، نعم .. إذا ثبت قول ابن معين: إن قول مجاهد: خرج
علينا علي، ليس على ظاهره، فهو عين التدليس، إذ هو معناه
اللغوي، وهو الإبهام والتغطية))(٢).
قلت: فانظر .. كيف استخلص القطبُ الحلبي من تأول
مجاهد في صيغ الأداء أنه مدلس، ثم احتج بهذا على رد عنعنته!
مع أن تدليس مجاهد في صيغ السماع المُمْكِنِ تَأْوُلُها لا في
(العنعنة) !! كما قال الحافظ: ((ولم أر من نسبه إلى التدليس))،
يعني: إلى تدليس الإسناد، بالرواية عمن سمع منه مالم يسمعه
منه، بالصيغة المحتملة، وهي (عن).
فتدليس مجاهد لا يقتضي التوقف في قبول عنعنته، ولذلك
تعقب الحافظ ابن حجر القطب الحلبي في ذلك.
فهذا سبب آخر يُسقط المنهج القائل صاحبه: إن مطلق
الوصف بالتدليس، يقتضي رد العنعنة.
وهذا السبب له تعلق كبير بوصف الحسن البصري بالتدليس،
وهو أحد الأدلة الموهنة لقول من يرد عنعنة الحسن، لتحقُّقهِ في
الحسن نفسه.
(١) تهذيب التهذيب (٤٤/١٠).
(٢) تهذيب التهذيب (٤٤/١٠).
٤٨٢

وقد سبق في النقل الآنف، أن السخاوي عدَّ الحسن
البصري فيمن يدلسون تدليس التأول في صيغ الأداء.
وقال ابن دقيق العيد في (الاقتراح): ((وقد يكون التدليس
خفيًا، ولذلك مثالان: أحدهما: أنهم اختلفوا في سماع الحسن
من أبي هريرة، فورد في بعض الروايات عن الحسن: حدثنا أبو
هريرة! فقيل: إنه أراد حدَّث أهل بلدنا .. ))(١).
فانظر كيف يصف ابن دقيق العيد الحسن بخفي التدليس،
وهو لا يعني به (تدليس الإسناد)، الذي يقتضي التوقف في
(العنعنة)، وإنما يعني به (التأول) في صيغ الأداء، الذي لا يقتضي
التوقف في قبول (العنعنة).
ومثل قول ابن دقيق العيد، قول الإمام الذهبي في
(الموقظة): ((ومن أمثلة التدليس: الحسن عن أبي هريرة،
وجمهورهم على أنه منقطع، لم يلقه، وقد روي عن الحسن أنه
قال: حدثنا أبو هريرة، فقيل: عنى بحدثنا: أهل بلده))(٢).
وسوف يكون لنا عودة أخرى قريبة - إن شاء الله تعالى -
إلى مسألة تأول الحسن لصيغ الأداء، في مبحث خاص بها.
والذي نريده من طرحها هنا: إثبات أنَّ من أسباب وصف
الحسن بالتدليس: مالا يوجبُ التوقفَ في عنعنته، وهو تأولُ
الحسن في صيغ الأداء.
فهذه ردودٌ ثلاثة على المحتج بمطلق وصف الحسن
بالتدليس لرد عنعنته، وكل ردِّ منها - بحمد الله تعالى - كافٍ
لنقض ما اتفقتْ ثلاثتها على نقضه.
(١) الاقتراح، لابن دقيق العيد (٢١٣ - ٢١٤).
(٢) الموقظة، للذهبي (٤٩).
٤٨٣
: ٠٠

[حجّةٌ
أخرى لمن
رد عنعنة
الحسن]
[الردُّ عليها]
وهذا هو بطلان الحجة التي استخرجتُها من مذهب القائلين
برد عنعنة الحسن.
٠ ٠٣
لكن لهذا المذهب بقية لغو في حجته! وهو قوله: إن تقسيم
المدلسين إلى مراتب عَمَلٌ مخترَع، لم يعمله الأئمةُ المتقدمون،
ومنهجٌ مبتدع لم نجده في عمل المحدثين الأوائل.
والرد الكافي الشافي على هذه الشبهة يستلزم تطويلاً زائدًا
عن الحد، وهو ببحث خاص عن التدليس ألصق منه ببحث عن
(الإرسال الخفي ومرويات الحسن البصري).
غير أني أقول: إن أوَّل ردٍ على ذلك اللغو: هو بالإشارة
إلى أن هناك اختلافًا في حكم عنعنة المدلس.
إذ إن القائل برد عنعنة الحسن، اللاغي بأن (مراتب)
المدلسين ليست مبنيةً على منهج سلف المحدثين، يقصد بذلك:
أن عنعنة الحسن مردودة باتفاق سلف المحدثين! ثم يكمل هذا
اللاغي كلامه، فيقول: لأن الحسن مدلس، وبما أن سلف
المحدثين متفقون على عدم تقسيم المدلسين إلى مراتب، فمجرد
كون الحسن البصري مدلسًا يعني أنه عندهم مردود العنعنة !!
هذا قوله .. أو قل: هذا لغوه !!
ملونة رياتان
وهذا القول، إما أنه من جهل صاحبه، أو من تجاهله ..
والقصد: أنه يَمُتُّ إلى الجهل بأواصر حميمة ..
[الخلاف في
حُكم عنعنة
المدلس
وأنه
ذلك لأن هذا القول إنما بناه صاحبه على أنَّ سلف
المحدثين متفقون على رد عنعنة المدلس، ولذلك قال: فمجرد
كون الحسن البصري مدلسًا يعني: أنه عندهم مردود العنعنة
اختلافٌ باتفاق.
مُعْتَبِرٌ]
ومما بناه على اعتقاد اتفاق المحدثين الأوائل على رد عنعنة
المدلس أيضًا، إنكار تقسيم المدلسين إلى مراتب.
٤٨٤

لذلك فسأذكر ما ينقض أساسه المنقوض، أوّلاً. ثم أثبتُ
استخلاصًا مني - إن شاء الله تعالى - تقسيم السلف - ضِمْئًا -
المدلسين إلى مراتب .. ل.
مرسليما
وهذا هو معنى قولي في بداية هذا الرد، قبل سطور: إن
أول رد على هذا اللغو، هو بالإشارة إلى وجود اختلاف في حكم
عنعنة المدلس.
والاختلاف في حكم عنعنة المدلس، من المسائل
المشهورة، في كتب المصطلح، ذكر الاختلاف فيها: الخطيب
البغدادي في (الكفاية)، وغيره ممن جاء بعده، وذكروا أن من
العلماء من ردّ حديث (المدلس) مطلقًا، ومنهم من قبله مطلقًا،
ومنهم من فصّل، على اختلاف أيضًا في ذلك التفصيل(١).
فليس القول برد عنعنة المدلس، بل والمكثر من التدليس،
إلا قولاً من أقوال عدة، فحكاية هذا القول - وإن كان هو
الصحيح عند قائله - على أنه الحكم الذي لا يخالفه غيره، ولا
وجود لشيء سواه، لا شك أنه من الباطل!
فعنعنة الحسن، ولو كان مدلسًا عمن سمع منه مالم يسمعه
منه، بل ومكثرًا من ذلك، لم تزل عند أقوام مقبولة مطلقًا. فكيف
يزعم أحدٌ ممن يعلم ذلك، أن عنعنة الحسن يجب أن يكون مُتَّفقًا
على ردِّها بين سلف المحدثين، لأنهم لا يُقسّمون المدلسين إلى
مراتب؟ !!
نعم لعنعنة المدلس حكمٌ عند المتأخرين، قد يظهر أنهم
مُتَوَارِدُون عليه، شِبْهُ مُتّفقين عليه، لكنّ المتأخرين هُمُ الذين أنكر
عليهم ذلك المخالفُ تقسيمَهم المدلسين إلى مراتب.
(١) انظر الكفاية، للخطيب (٣٩٩)، وشرح علل الترمذي، لابن رجب (٥٨٢
- ٥٨٣)، وفتح المغيث للسخاوي (٢١٤/١ - ٢١٧)، وتدريب الراوي
للسيوطي (٢٢٩/١ - ٢٣٠).
٤٨٥

فلا هو أخذ بقول المتأخرين كله، ومنه تقسيم المدلسين إلى
مراتب، ولا هو راضٍ من المتقدمين اختلافهم في حكم عنعنة
المدلس، ولا جعل لاختلافهم هذا أي اعتبار، بتقليده المحض لما
توارد عليه المتأخرون من حكم العنعنة. فهو كمن يسمع ما يشاء،
ويصم عما يشاء! قلّد فلا أحسن التقليد، ثم أراد الاجتهاد
فخلّط !!
ثم إن كثيرًا من المعاصرين أخذوا الحكم الذي يظهر أن
المتأخرين كأنهم متفقون عليه، وهو رد عنعنة المدلس المكثر،
على أنه الحكم الصحيح الذي لا يُنظر إلى ما سواه، حتى أصبح
ذلك إلفًا عندهم، أنساهم أن في المسألة خلافًا يجب اعتباره.
وأقول: إن الخلاف في حكم عنعنة المدلس المُكثِر، مما
يجب اعتباره، لأن هناك أسبابًا تدل على أنه خلاف معتبر.
منها: التناقض الواضح غير القليل بين (رد عنعنة المدلس
المكثر) و(تطبيقات كثيرةٍ للمحدثين)، كتصحيح عنعنة المدلس
المكثر في كتب الصحيح!(١).
ألا يمكن أن يكون وجود عنعنة المدلسين في كتب الصحيح
بناء على قول آخر، ومذهب سوى مذهب عامة المتأخرين، الذين
يردون عنعنة المدلس المكثر مطلقًا؟!
ومن الأسباب الموجبة اعتبار الاختلاف في عنعنة المدلس:
تَوَقُّفُ بعض أركان عِلْمِ الحديث، عن إصدار حُكم ما، على
عنعنة المدلس. مما يدلُّ على أنَّ المسألة ليست بسهولة القَطْع
البَتات، برد عنعنة المدلس المكثر مطلقًا.
فقد ذَكرَ ابنُ رجب الحنبلي في (شرح علل الترمذي) أقوال
(١) انظر فتح المغيث للسخاوي (٢١٨/١ - ٢١٩)، وتدريب الراوي (١/
٢٣٠).
٤٨٦

الأئمة ومذاهبهم في عنعنة المدلس، ثم قال: ((وأمَّا الإمام أحمد
فتوقف في المسألة، قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن الرجل
يُعرف بالتدليس في الحديث، يحتج به فيما لم يقل فيه: حدثني،
أو سمعت؟ قال: لا أدري))(١).
ألا يدل هذا على أنَّ المسألة ليست بتلك السهولة .. أو
السذاجة !!
ومن الأسباب التي تدل على أنَّ الاختلاف في عنعنة المدلس
اختلاف معتبرٌ ... أيضًا: ظهورُ منهج وقولٍ يُعامِلُ به الأئمةُ عنعنةً
بعضٍ المدلسين، على خلاف القول برد عنعنتهم، وعلى خلاف
الأقوال المنصوص عليها في كتب المصطلح!
[مناهج
معتبرة في
معاملة
المدنّسين]
ذلك لأني لاحظتُ أنَّ كثيرًا من الأئمة يُمَشُّونَ عنعنة بعض
المكثرين من التدليس، ويقبلونها، وإن لم يصرحوا بالسماع؛ إلا
إذا وقع في روايتهم ما يُستنكر، فإنهم حينها يُعِلّون ذلك الحديث
المنگر بعينه، بتدلیس راويه مع عنعنته.
وهذا يعني أنَّ المكثرين من التدليس، أو بعضهم، على هذا
القول: مقبولو العنعنة، إلا في الحديث الذي فيه ما يُسْتنكر.
وهذا المنهج وجدته لائحًا في تصرفات كثيرة، لا تخفى
على من عانى شيئًا من هذا العلم.
وانظر مبحث دغفل بن حنظلة في هذا البحث، لتجد تصرفًا
واضحًا للإمام البخاري، يدل على هذا المنهج(٢).
وقد وجدت أيضًا تصرفًا وقولاً صريحًا يدل عليه، للحافظ
الفقيه: أبي عمر بن عبد البر، في كتابه (التمهيد).
(١) سؤالات أبي داود للإمام أحمد (الحديثية): (رقم ١٣٨)، وشرح علل
الترمذي، لابن رجب (٥٨٣).
(٢) انظر ما سيأتي (١٠٦٠ - ١٠٧٠).
٤٨٧

فقد وجدته قال في موطنٍ عن قتادة: ((قال بعضهم قتادة إذا
لم يقل: سمعت، أو حدثنا، فلا حجة في نقله! وهذا
تعشُّفٌ))(١).
فهذا يدل على أنَّ قتادة عند ابن عبد البر: مقبولُ العنعنة.
ثم قال ابن عبد البر في موطن آخر: ((قتادة إذا لم يقل:
سمعت، وخولف في نقله، فلا تقوم به حجة، لأنه يدلس كثيرًا
عمن لم يسمع منه، وربما كان بينهم غير ثقة))(٢).
فانظر كيف قيَّد عدم قبول عنعنة قتادة بشرط، وهو فيما إذا
خولف في نقله. ثم وازن بين هذه العبارة، وبين عبارته الآنفة
الذكر، الدالة على قبول عنعنة قتادة.
ألا يقطع هذا بأن قتادة مقبول العنعنة، إلا في الرواية التي
تُستنكر، عند ابن عبد البر؟ !!
ثم ألا يكون كلام ابن معين الآتي على هذا المذهب أيضًا؟
قال يعقوب بن شيبة، كما في (الكفاية) للخطيب: ((قلت
لابن معين: أفيكون المدلس حجة فيما روى؟ أو حتى يقول:
حدثنا وأخبرنا؟ فقال: لا يكون حجة فيما دلس))(٣).
فالذي أرى كلام ابن معين يدل عليه: هو أنَّ المدلس لا
تُرَدُّ عنعنته، إلا فيما قامت الأدلة أو القرائن على أنه دلَّسه، ومن
هذه القرائن نكارة حديثه، التي لا يحتملها أحد رواته الظاهرين في
إسناده، لكونهم ثقاتٍ، فتُحمل النكارةُ على الواسطة المحذوفة.
وأصرح من كلام ابن معين على هذا المذهب، قولُ
يعقوب بن سفيان الفسوي في (المعرفة والتاريخ): ((وحديث سفيان
(١) التمهيد لابن عبد البر (٢٨٧/١٩).
(٢) التمهيد لابن عبد البر (٣٠٧/٣).
(٣) الكفاية، للخطيب (٤٠٠).
٤٨٨

- يعني: الثوري - أبي إسحاق، والأعمش، مالم يُعْلَمْ أنه مُدلِّس،
يقوم مقام الحجة))(١).
فماذا يعني قوله: ((مالم يُعْلَمْ أنه مُدَلَّس؟)) إذا لم يكن على
المذهب الذي ذكرته!
وأصرح من جميع هذا، قَولُ المعافى بن زكريا النهرواني
(ت ٣٩٠هـ)، في كتابه (الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح
الشافي)؛ حيث قال: ((وقد ذكرنا في بعض ما تقدّم من مجالسنا
هذه بعض ما وقع إلينا فيه من الأخبار تدليس. وذكرنا أن خبر
المدلس مقبول غير مردود، إذا كان عدلاً، ولم يكن في ما يُخبر
به ما يوجب توهينه؛ وأن الشافعي ومَنْ وافقه، كانوا لا يرون خبرَ
المدلْس حجةً إلا أن يقول: (حدثنا) أو (أخبرنا) أو (سمعت)) (٢).
وعلى كل حال، فالذي قصدتُه من ذكر هذا المذهب، مع
الإشارة المتقدمة إلى الاختلاف في حكم عنعنة المدلس، هو بيان
البون الشاسع بين من قَطَعَ الحكم في عنعنة المدلس: بردها، دون
التفاتٍ إلى مراتب المدلسين، بل بنفي وجودها؛ وبين واقع
المسألة، وعُمْق الاختلاف فيها، ووجاهة أكثر من قول فيها، مع
حاجتها إلى دراسة عميقةٍ تستجلي كثيرًا من جوانبها.
أفلا يستحي - بعد هذا - الرادُّ لعنعنة الراوي مطلقًا، لمجرد
وصف أحد له بالتدليس؟ !! دون تيقظ إلى معنى (التدليس)
المقصود! ودون اعتبار للاختلاف في مسألة قبول عنعنة المدلس
والتفصيل فيها! فضلاً عن التنبه لمرتبة الراوي من المدلسين! بل
بإنكار وجود هذه المراتب أصلاً !!!
فيا رادَّ عنعنة الحسن، لمجرَّد وصفه بالتدليس، ولإنكار
(١) المعرفة والتاريخ للفسوي (٦٣٧/٢).
٢٠
(٢) الجليس الصالح للمعافى بن زكريا (٢١٠/٣ - ٢١١).
٤٨٩

مراتب المدلسين: أسمعتَ الآن بأنَّ حُكْمَ عنعنة المدلِّس ليس قولاً
واحدًا! وأن المسألة لا كما تريدُ لها: من أن تكون عملاً آليًّا،
يقوم على أنه: متى وُجد راوٍ وُصف بتدليس رُدَّتْ عنعنتُه، بلا
تَرَدُّد.
أمَّا مراتب المدلسين، واعتبارها عند سلف المحدثين، فمما
لا يشك به طلبة العلم النبوي.
[مراتب
المدلسين
عند سلف
المحدّثين]
فاعتبار كثرة التدليس من الراوي وقلته، وأن كثيرَ التدليسِ
مردودُ العنعنة دون قليله، قولٌ صرَّح به علي بن المديني، فقد
أخرج الخطيب بإسناده في (الكفاية) إلى يعقوب بن شيبة، أنه
قال: ((سألت علي بن المديني عن الرجل يدلس، أيكون حجة
فيما لم يقل حدثنا؟ قال: إذا كان الغالب عليه التدليس فلا، حتى
یقول حدثنا))(١) .
قلت: فكلام علي بن المديني فيه: أنه لا تُرَدُّ العنعنة من
المدلس حتى وإن كثر التدليس منه، لكن إذا غلب التدليس على
روايته رُدّت عنعنته.
ويشير إلى هذا المذهب قولُ الإمام مسلم في مقدمة
صحيحه: ((وإنما كان تَفَقُّدَ من تَفَقَّدَ منهم سماع رواةِ الحديثِ ممّن
روى عنهم، إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس في الحديث
وشُهِرَ به ... ))(٢).
لكن علَّق ابن رجب في (شرح علل الترمذي) على (الشهرة)
في كلام الإمام مسلم، بقوله: ((وهذا يحتمل أن يريد به كثرةً
التدليس في حديثه، ويحتمل أن يريد ثبوتَ ذلك عنه وصحته))(٣).
(١) الكفاية للخطيب (٤٠٠).
(٢) مقدمة صحيح مسلم (٣٣/١).
(٣) شرح علل الترمذي، لابن رجب (٥٨٣).
٤٩٠

قلت: لكن تعقيب الإمام مسلم معرفة الراوي بالتدليس بأن
يكون أيضًا مشهورًا به، يرجح الاحتمال الأول، وهو: أنه أراد
بالشهرة كثرةً التدليس في حديثه، لأنّ التأسيس أولى من التأكيد.
بل يجزم بذلك: أنَّ الإمام مسلمًا في مقدمة صحيحه، وأثناء
حديثه الحارِّ عن الحديث المعنعن، ردًّ على من يشترط في
المتعاصِرَيْن ثُبوتَ اللقاء، ولو مرَّة، بأن الراوي المعروف بالسماع
من شيخ له، قد يفوته من ذلك الشيخ بعض علمه، فيرويه عنه
بواسطة، وربما حذف تلك الواسطة. مع ذلك، ومع كون هذا
العمل هو عين التدليس، إلا أنه لا يوجب التوقف في قبول عنعنة
ذلك الراوي، إذا كان غالب رواياته عن ذلك الشيخ سماعًا منه
بغير واسطة ... هذا مضمون كلام الإمام مسلم(١).
وضرب الإمام مسلم لذلك مثلاً بهشام بن عروة في كثرة
سماعه عن أبيه، إلا أنه لم يسمع من أبيه أحاديث، فرواها عن
أبيه بواسطة، وأسقط هذه الواسطة أحيانًا، وذكر الإمام مسلم مثلاً
واقعيًا لذلك الفعل من هشام بن عروة.
والإمام مسلم بذلك يقول لمخالفه: مع ذلك لم يتردد أحدٌ
في قبول عنعنة هشام عن أبيه، مع أنَّ هشامًا دلس عن أبيه (٢) !.
وقد ذُكر هشام لذلك - فعلاً - في المرتبة الأولى من مراتب
المدلسين، كما في كتاب الحافظ ابن حجر (تعريف أهل
التقديس)(٣).
فهذا يقطع بأن الإمام مسلمًا كان يعتبر لكثرة تدليس الراوي
وقلته وزنًا في الحكم على عنعنته.
(١) مقدمة صحيح مسلم (٣١/١ - ٣٢).
(٢) مقدمة صحيح مسلم (٣١/١ - ٣٢).
(٣) تعريف أهل التقديس، لابن حجر (٤٦ رقم ٣٠).
٤٩١

ومن ناحية أخرى: يدل كلام الإمام مسلم أيضًا، على أنَّ
المُخْتَصَّ بشيخ، أكثر منه السماع، لا يضره في ذلك الشيخ أن
یکون مدلسا، حتى ولو ثبت أنه دلس عنه في أحاديث.
فهذه دلالة واضحة على أن للمدلسين عند سلف المحدثين
مراتب، من ناحية كثرة تدليسهم وقلته.
..... وأيضًا فإن للمدلسين مراتب، عند سلف المحدثين، من
ناحية تدليسهم: هل هو للثقات، أم للضعفاء .. غالبًا، فمن كان
إذا دلس، إنما يدلس الثقات، فهو مقبول العنعنة، ومن كان يدلس
الضعفاء، فهو مردود العنعنة.
وهذا القول في المدلسين، ثابت عن جماعة من الأئمة،
مثل: أبي علي الحسين بن علي بن زيد الكرابيسي (ت
٢٤٨ هـ)(١)، والبزار (٢)، وأبي الفتح الأزدي (٣)، وابن حبان (٤)،
والدار قطني(٥)، وابن عبد البر(٦)، وغيرهم، كما تجده أيضًا في
مثل (فتح المغيث) للسخاوي (٧)، و(تدريب الراوي) للسيوطي(٨) ..
فماذا يقول المُنكِرُ لوجود مراتب للمدلسين بعد هذا؟!
والعجيب أن هذا (المُنكِر) قلَّد من يرد عنعنة الحسن
البصري من المعاصرين، ثم لمَّا بُهِت بمخالفته لابن حزم وابن
حجر، في قبولهما لعنعنة الحسن، أراد أن يجتهد! فلا هو قلَّد،
أو أخذ بقول المتأخرين في قبول عنعنة الحسن! ولا هو فَهِم
(١) شرح علل الترمذي، لابن رجب (٥٨٣).
(٢) تدريب الراوي، للسيوطي (٢٢٩/١).
مرة
(٣) الكفاية للخطيب (٤٠٠).
(٤) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، لابن بلبان (١٦١/١).
(٥) سؤالات الحاكم للدارقطني (رقم ٢٦٥).
(٦) التمهيد، لابن عبد البر (١٧/١) .::
(٧) فتح المغيث للسخاوي (٢١٥/١ - ٢١٦).
(٨) تدريب الراوي للسيوطي (٢٢٩/١).
٤٩٢

مقاصد المتقدمين بالوصف بالتدليس، ولا عقل عنهم تقسيمهم
الضمني للمدلسين إلى مراتب، بل ولا أوسع نظره في أقوالهم
حول حكم عنعنة المدلسین !!
فلو قلد وسكت؟! إذ (من صمت نجا).
وبهذا يظهر لصاحب بيت العنكبوت مصداق قوله تعالى:
﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ اٌلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُونِ﴾(١).
ولا يبقى للمحتج لرد عنعنة الحسن خيطً يتعلق به، في حين
أنَّ إخبار ابن حزم، وبعده ابن حجر، بأنَّ الحسن مقبول العنعنة،
لأسباب ذكراها: كقلة التدليس، وعن غير الضعفاء، بقي هذا
الإخبار منهما لا دال على نقيضه، ولا وجه لرده، فهو القول
الذي يجب الأخذ به حتى الآن.
كيف إن تَرَيَّئْتَ قليلاً، لترى الأدلةَ القاطعة على قبول العنعنة
من الحسن؟!
وقبل ذلك ... فقد لاحت لي بقية خيط مهترئ، قد يتعلق [حجّةٌ أخيرةٌ
به من يحتج لرد عنعنة الحسن ... أو قل: بقية خيطين !!
لمن ردّ
عنعنة
الأول: أن النسائي ممن وصف الحسن بالتدليس، ضمن الحسن والردّ
جزئه الصغير في المدلسين، كما تقدم(٢). ألا يدل صغر حجم عليها]
ذلك الجزء، وقلة المذكورين فيه، على أنهم كبار المدلسين، ممن
لا تقبل عنعناتهم؟
والثاني: أننا نلاحظ الاهتمام البالغ من الأئمة بتصريح
الحسن بالسماع، وحرصهم على إثبات ذلك وبيانه، ألا يدل ذلك
على عدم قبول إلا ما صرح فيه الحسن بالسماع؟
(١) سورة العنكبوت: الآية ٤١.
(٢) انظر ما تقدم (٤٥٨ - ٤٥٩).
٤٩٣

فأقول: أمَّا الرد على الأول: فإنه قول غفل تمام الغفلة عن
الأمر الذي تبين رُسوخه، وسطع وضوحه، خلال الباب الأول من
هذا البحث، من أنَّ (رواية المعاصر عمن لم يلقه) عند المتقدمين
وعند جمهور المتأخرين (تدليس)، يطلقون عليها ذلك، وإن
خالفوا بين حكم هذا التدليس عن حكم (رواية من سمع مالم
یسمعه منه).
ثم غفل أيضًا: عن أنَّ الحسن أولى الرواة قاطبة بأن يكون
وصفُهُ بالتدليس إنما هو لروايته عمن عاصره ولم يسمع منه، إذ
الحسن أكثر الرواة إشكالاً من هذه الناحية، وأكبرهم عددًا في
مسائله عمن قيل إنه لم يسمع منهم.
وقد سبق الحديث عن ذلك(١)!
ثم زاد فغفل أيضًا: عن أنَّه قد ثبت عن غير واحد من
المتقدمين، كخلف بن سالم، وابن حبان والحاكم: أن وصفهم
للحسن بالتدليس، إنما هو لروايته عمن عاصرهم ولم يسمع
منهم، كما سبق أن أوضحناه في كلام الأئمة أنفسهم، ومِنْ
وَصْفِهِمْ نَفْسِهِ الذي وصفوا فيه الحسنَ بالتدليس(٢).
وبما أنه قد ثبت عن بعض الأئمة المتقدمين، أنَّ وصفَهم
الحسنَ بالتدليس إنما هو لروايته عمن عاصره ولم يسمع منهم،
وجب حمل وصف النسائي بالتدليس عليه أيضًا. لأن الأئمة،
وخاصة المتقدمين منهم، إنما يَرِدُون - في الغالب - موردًا واحدًا،
ويَصْدُرُون عن مَصْدرٍ واحد، وبعضُهم مِرْآة بعض، وكلامهم يخرج
من مشكاة واحدة. فإجمال بعضهم يُبَيِّنه بيانُ بعضهم، وإطلاق
الواحد منهم يُقيِّده تقييدُ غيره، وعموم كلام الإمام يُخصِّصه
تخصیصُ أخيه.
(١) انظر ما سبق (٤٦٥ - ٤٧٦).
(٢) انظر ما سبق (٤٦٦ - ٤٧٦).
٤٩٤

وقد سبق عن ابن أبي حاتم، أنه ذكر قولين لابن معين في
راوٍ واحد، فقال معقبًا على ذلك: ((اختلفت الرواية عن يحيى بن
معين في: المبارك بن فضالة، والربيع بن صبيح، وأولاهما أن
يكون مقبولاً منهما محفوظًا عن يحيى، ما وافق أحمد وسائر
نظرائه»(١).
فهذه قاعدة حسنة في حمل كلام الأئمة بعضه على بعض،
مادام يحتمل ذلك.
لذلك فإن حمل وصف النسائي للحسن بالتدليس، على أنه
تدليس: (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، هو المحمل الصحيح،
الذي ينبغي حَمْلُ وصف النسائي عليه.
فإذا حملنا كلام النسائي على ذلك، فقد أشبعنا هذا النوع
من التدليس بيانًا في حكمه، فقد ذكرنا في الباب الأول: أن
تدليس رواية المعاصر عمن لم يلقه، لا يوجب التوقف في قبول
العنعنة مطلقًا، لكن المكثر منه يُشك في لقائه للمعاصرين، حتى
إذا ثبت لقاؤه لأحدهم مرَّة، حُملت عنعنته عنه بعد ذلك على
الاتصال.
وهذا الحكم هو حكم عنعنة الحسن البصري.
ثم إننا لم ننته بعد من بيان بطلان الاحتجاج بذكر النسائي
للحسن في جزئه الصغير عن المدلسين، بأن الحسن مردود
العنعنة، فقائل ذلك احتج بصغر حجم الجزء، وقلة عدد
المذكورين فيه، على أنَّ المذكورين فيه هم رؤوس المدلسین،
ممن يجب رد عنعنتهم بظنه
وبيان بطلان ذلك: هو أنَّ الحسن ليس هو الوحيد ممن
(١) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٣٣٩/٨).
٤٩٥

ذكرهم النسائي في جزء المدلسين، مع كونه ممن قُبلت عنعنته،
بل فيمن ذكر النسائي في جزء المدلسين جماعةٌ ممن صُنفوا في
مرتبة من تُقبل عنعنته من المدلسين.
وهذا يدل على بطلان دعوى ذلك المحتج - فيما لو احتج -
بصغر حجم المدلسين للنسائي، على أنَّ من فيه جميعهم مردودو
العنعنة .
فمّمن ذكره النسائي في جزء المدلسين، كما ورد في
سؤالات السلمي للدار قطني(١)، و(ميزان الاعتدال) للذهبي(٢):
١ - سفيان بن عيينة: وسفيان بن عيينة ممن يُضربُ بهم
المثل في المدلسين الذين تقبل عنعنتهم، لكونه لا يدلس إلا عن
ثقة .
قال أبو الفتح الأزدي - كما في (الكفاية) للخطيب -: ((فنحن
نقبل تدليس ابن عيينة ونظرائه، لأنه يحيل على مليء ثقة))(٣).
وقال الدارقطني - كما في (سؤالات الحاکم له): ((یتجنب
تدليس ابن جريج، فإنه وحش التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه
من مجروح ... فأما ابن عيينة فإنه يدلس عن الثقات))(٤).
وقال ابن عبد البر في (التمهيد): ((وقالوا: ويقبل تدليس ابن
عيينة، لأنه إذا وقف أحال على: ابن جريج، ومعمر،
ونظرائهم»(٥) .
(١) سؤالات السلمي للدارقطني (رقم ٤٤٢).
(٢) ميزان الاعتدال للذهبي (٤٦٠/١).
(٣) الكفاية للخطيب (٤٠٠).
(٤) سؤالات الحاكم للدارقطني (رقم ٢٦٥).
(٥) التمهيد لابن عبد البر (٣١/١).
٤٩٦

بل لقد بالغ(١) ابن حبان حيث ادَّعى أنه لا يوجد مدلس لا
يدلس إلا عن ثقة غير سفيان بن عيينة!
لكن عبارة ابن حبان تحتمل معنىّ ليس فيه مبالغة!
فقد ذكر الحُكْمَ بردِّ عنعنة المدلس عنده، ثم قال: ((اللهم
إلا أن يكون المدلس يُعلم أنه ما دلس قطعًا إلا عن ثقة، فإذا كان
كذلك، قُبلت روايته وإن لم يُبيِّن السماع، وهذا ليس في الدنيا إلا
سفيان بن عيينة وحده، فإنه كان يدلس، ولا يدلس إلا عن ثقة
متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبرٌ دلس فيه، إلا وُجد
ذلك الخبرُ بعينه قد بيَّن سماعه عن ثقةٍ مثلِ نفسِهِ))(٢).
فَتَغْيُ ابنٍ حبان متعلُّقٌ بالراوي الذي لا يُدلِس إلا كبارَ
الحفاظ المتقنين، لا بنَفْي وجود راوٍ يُدلسُ صدوقًا، أو ثقة ليس
في الطبقة العليا من العدالةَ.
يُشير إلى ذلك قولُ ابن حبان: ((ولا يدلس إلا عن ثقة
متقن)).
ويشير إليه أيضًا، وبوضوح أكثر، قوله: ((قد بيّن سماعَه عن
ثقةٍ مثلٍ نفسِه)) أي: من ثقة في درجة سفيان بن عيينة نفسه من
الوثاقة .
ولذلك كله: ذكر الحافظ ابن حجر سفيان بن عيينة في
المرتبة الثانية: مرتبة من تقبل عنعنتهم(٣).
(١) انظر تعقب الحافظ ابن حجر لابن حبان بذلك في (تعريف أهل التقديس)
(٦٥)، وتعقب السخاوي أيضاً في (فتح المغيث) (٢١٥/١).
(٢) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (١٦١/١).
(٣) تعريف أهل التقديس (٦٥ رقم ٥٢).
٤٩٧

وأَطَلْتُ في تِبْيان شهرة سفيان بن عيينة بقبول عنعنته، لكي
لا يبقى لدى أحد شك في أنَّ ذِكْرَ النسائي لأحد في جزء
المدلسين، ليس دليلاً للقول بأنه مردود العنعنة.
كيف وقد ذَكَرَ سفيان بن عيينة؟! وشُهرتهُ في قبول العنعنة
مَضْرَب المثل !!
ثم أُتبعُ سفيان بن عيينة بغيره، ممن ذكرهم النسائي في جزء
المدلسين، وذكرهم الحافظ ابن حجر في مرتبة من تقبل عنعنته في
كتابه (تعريف أهل التقديس) ... باختصار:
٢ - يحيى بن أبي كثير: ذكره الحافظ في المرتبة الثانية(١).
٣ - ويونس بن عبيد: ذكره الحافظ في المرتبة الثانية(٢).
٤ - وسليمان التيمي: ذكره الحافظ في المرتبة الثانية(٣).
٥ - وإسماعيل بن أبي خالد: ذكره الحافظ في المرتبة الثانية (٤).
٦ - وسعيد بن أبي عروبة: ذكره الحافظ في المرتبة الثانية(٥).
٧ - والحكم بن عتيبة: ذكره الحافظ في المرتبة الثانية (٦).
٨ - وسفيان الثوري: ذكره الحافظ في المرتبة الثانية (٧)
(١) تعريف أهل التقديس (رقم ٦٣).
(٢) تعريف أهل التقديس (رقم ٦٤).
(٣) تعريف أهل التقديس (رقم ٥٤).
(٤) تعريف أهل التقديس (رقم ٣٦).
(٥) تعريف أهل التقديس (رقم ٥٠).
(٦) تعريف أهل التقديس (رقم ٤٣).
(٧) تعريف أهل التقديس (رقم ٥١).
٤٩٨

هؤلاء ثمانية رواة ذكره النسائي في جزء المدلسين، وهم في
مرتبة من تقبل عنعنتهم!
ويضاف إليهم: حميد الطويل، فإنه وإن ذكره الحافظ في
المرتبة الثالثة (١)، مرتبةٍ من لا تقبل عنعنته، فقد خالفه العلائي،
وذكره فیمن تقبل عنعنته(٢).
فمع حميد الطويل، ثم الحسن البصري الذي ذكره الحافظ
في مرتبة من تقبل عنعنته أيضًا، كما سبق، يكون عدد الرواة:
عشرة .
فإذا علمتَ أنَّ عدد من ذكرهم النسائي في جزء المدلسين،
جميعهم: سبعة عشر راويًا، وظهر لك أنَّ عدد مقبولي العنعنة
منهم تجاوز نصفهم، لم يبق لديك شك في أنَّ ذكر الحسن في
جزء المدلسين للنسائي، وصغر حجم هذا الجزء، وقلة عدد
المذكورين فيه، ليس دليلاً، ولا شبه دليل: على أن الحسن مردود
العنعنة عند النسائي.
بل هذا مثال قوي وواضح على أمر قد سبق نقضه، وهو
الدعوى القائلة: بأن مجرد الوصف بالتدليس كاف لرد عنعنة
الموصوف به.
فهؤلاء أكثر من نصف من أطلق عليهم النسائي (التدليس)،
وهم ممن تقبل عنعنتهم! فهل بقيت تلك الدعوى الباطلةُ: دعوى
باطلةً، كما هي، أم زالت ... وتلاشت بالكلية، وانْقرضَ قائلُها !!
ثم بقيت الشبهة الثانية المتهافتة: وهي ملاحظة عناية الأئمة
بتصريح الحسن بالسماع، وحرصهم على إثباته، وأنَّ ذلك يدل
على أنَّ الحسن لا يُقبل منه إلا ما صرّح فيه بالسماع.
(١) تعريف أهل التقديس (رقم ٧١).
(٢) جامع التحصيل، للعلائي (١١٣، ١٦٨، رقم ١٤٤).
٤٩٩

فقائل هذا لم يفهم حتى الآن، فيمن نحن نتكلم؟ وأرجو أن
یفهم إن أكمل باقي البحث!
فإن عناية الأئمة بتصريح الحسن بالسماع، وفرحهم به، إنما
هو بسبب كثرة الاختلاف في أصل سماع الحسن من عامة من
روى عنهم، ومن أجل شكهم حتى في اللقاء المجرد بمن حدَّث
عنهم، فحِرْصُهم على ذكر السماع: لإثبات أصل السماع، ليمكنهم
قبول عنعنته بعدئذ.
فالحسن مدلس عمن عاصره ولم يلقه، يا مَنْ يفهم!
إلى هنا ... وما سبق جُلُّه في إبطال قول من يرد عنعنة
الحسن البصري، وفي كشف شبهاته، وبقي القول الآخر، وذكر
براهینه .
وخلاصة ما ذكرناه: أنَّ الراوي إذا وصف بالتدليس، لم
يكن وصفه المجرد بذلك مستلزمًا رد عنعنته، لأن التدليس يطلق
ويراد به معان عدة، ليس منها ما يوجب رد العنعنة إلا واحد وهو
(رواية السماع ما لم يسمعه). ثم إنه حتى هذا النوع من التدليس
الذي يوجب رد العنعنة، لا يوجبها على كل حال، لكن .. إذا
صُنف المدلس في أحد منازلها الموجبة لرد العنعنة: تلك المنازل
التي وضعت على أساس: كثرة التدليس وقلته، وتدليس الثقات أو
الضعفاء، ونحو ذلك.
فإذا أردنا تطبيق هذا المنهج في مسألة (تدليس الحسن)
وجدنا أنَّ المسألة مجابٌ عليها من أوَّل مرحلة: معرفة نوع
التدليس الذي وصف به الحسن. إذ قد أثبتنا فيما سبق(١)، وبقيّة
البحث دليل ثابت ماثل عليه: أنَّ تدليس الحسن ليس إلا رواية
المعاصر عمن لم يلقه، وهو نوع التدليس الذي لا يوجب التوقف
(١) انظر ما سبق (٤٦٥ - ٤٧٦).
٥٠٠