Indexed OCR Text

Pages 461-480

فقط، وأخذنا سائر رواياته، وقد رُوِّينا عن عبد الرزاق بن همام،
قال: كان معمر يرسل لنا أحاديث، فلما قدم عليه عبد الله بن
المبارك أسندها له.
وهذا النوع، منهم كان جلة أصحاب الحديث، وأئمة
المسلمين: كالحسن البصري، وأبي إسحاق السبيعي، وقتادة بن
دعامة، وعمرو بن دينار، وسليمان الأعمش، وأبي الزبير، وسفيان
الثوري، وسفيان بن عيينة.
وقد أدخل علي بن عمر الدارقطني فيهم مالك بن أنس،
ولم يكن كذلك، ولا يوجد له هذا إلا في قليل من حديثه، أرسله
مرَّة، وأسنده أخرى))(١).
ثم عندما فَرّع الحافظ العلائي (المدلسين) إلى خمسة أقسام،
ذكر الحسن البصري في القسم الثالث منها.
قال العلائي في (جامع التحصيل): ((وثالثها: من توقف فيهم
جماعة، فلم يحتجوا بهم، إلا بما صرحوا فيه بالسماع، وقَبِلَهم
آخرون مطلقًا، كالطبقة التي قبلها، لأحد الأسباب المتقدمة،
كالحسن، وقتادة وأبي إسحاق السبيعي، وأبي الزبير المكي، وأبي
سفيان طلحة بن نافع، وعبد الملك بن عمير))(٢).
وأمَّا الحافظ ابن حجر فموقفه من (تدليس) الحسن، نحو
من موقف ابن حزم، حيث ذكر الحسن البصري في المرتبة الثانية
من مراتب المدلسين في كتابه (تعريف أهل التقديس)(٣).
والمرتبة الثانية هي التي قال عن أصحابها الحافظ ابن حجر:
(١) الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم (١٤١/١ - ١٤٢).
(٢) جامع التحصيل، للعلائي (١١٣).
(٣) تعريف أهل التقديس، لابن حجر (رقم ٤٠).
٤٦١

((الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه، وأخرجوا له في الصحيح
لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى، كالثوري، أو كان لا
يدلس إلا عن ثقة كابن عينية))(١).
ومن هذا يظهر أنه اتفق على قبول (عنعنة) الحسن مطلقًا:
أبو محمد بن حزم، والحافظ ابن حجر، ولم يخالفهما العلائي،
كما لم يوافقهما! لكنه ذكر أنَّ الحسن في مرتبة من اختلف فيه،
فنقل الاختلافَ في قبول (عَنْعَنَتِهِ) ولم يرجِّح، فهو ناقل فقط، لا
يصح أن يُنسَب إليه القول بالتوقف في قبول (عنعنة) الحسن.
على أن الحافظ العلائي لم يذكر لنا الأدلة التي أخذ منها
توقف بعض الأئمة عن قبول (عنعنة) الحسن البصري، ولا أشار
إلى ذلك! بل لم يُسَمِّ أحدًا ممن نسب إليهم ردًّ (عنعنة) الحسن
مطلقًا !!
فإذا أردنا التعجل في ترجيح مرتبة الحسن من المدلسين،
على ضوء من ذكر مرتبته، فلا شك أنَّ الراجح، هو: قبول
(عنعنة) الحسن البصري مطلقًا، وعدم التوقف عن الاحتجاج بها
طلبًا للتصريح بالسماع. لأن من صنَّفوا المدلسين في مراتب، اثنان
منهم: جزموا بقبول (عنعنة) الحسن البصري مطلقًا، والثالث: نقل
الاختلاف، ولم يَمِلْ إلى أحد طرفيه، بل ولم يدلل على وجود
الاختلاف أصلاً!
وهذا الترجيحُ العَجِلُ لمنزلة الحسن من (المدلسين) وإن كان
منطقيًا - ولعل نتيجته هي الصواب - إلا أنّه تقليدٌ محض، لا
يُرضي الباحث عن حقائق الأشياء قبل ظهورها، الذي لا يُعِيرُ عَقْلَه
لغيره، ما دام قادرًا على التعقُّل والتفكير!
وإني لأتوقع من يعارض ما أرجحه من هذه المسألة،
(١) تعريف أهل التقديس (٢٣).
٤٦٢

ولكأنّي أراه يُعْرِضُ عن ذلك الترجيح قبل أن يَعْرِضَه على عقله
وعلمه! فقد أصبحت مسألة (رد عنعنة) الحسن البصري إلفًا عند
كثير من المعاصرين، لا أعرف لهم فيه إمامًا متقدمًا أو متأخرًا،
كما سبق، إلا بعضًا من شيوخ السنة المعاصرين، وغيرهم ممن
قلّدهم. فتوارد بعض طلبة العلم على تقليد شيخهم، ولعل بعضهم
لا يعرف إلا أن شيخهم يُعلُّ الأحاديث بعنعنة الحسن! فإذا قيل
له: إن الحافظ ابن حجر ذكر الحسن في المرتبة الثانية: مرتبة من
تقبل عنعنته؛ بقِي، لا يُحِیرُ جوابًا !!
وقد حاولت جهدي اختراعَ أدلة وهميّة لمن يرد عنعنة
الحسن، وأحسب أني وُفّقت إلى أهمّها، وإلا فإن احتمالَ نَبَاتِ
(أدلةٍ) !! أخرى احتمالٌ وارد، فلئن كان العلمُ بحرًا، فالجهل
بحور !!!
يقول المحتج جدلاً: يدل على رد عنعنة الحسن مطلق [حُجَجُ مَنْ
وصفه بالتدليس، وشهرته به، ويكفي هذا لرد عنعنته! إذ لم يكن
ردّ عنعنة
الحسن
مطلقاً]
يَعْرِفُ المتقدمون للمدلسين مراتب، كالتي ذكرها الحافظ ابن
حجر، ولا صنف أحدُ النقاد الأوائل (المدلسين) على نحو من
تلك المنازل.
يقول المحتج: هذه (أدلتي) على رد عنعنة الحسن!
[الردّ على
تلك الحُجَجِ]
فأقول - مستعينًا بالله تعالى -: إن مطلق وصف راوٍ ما
بالتدليس، ليس دليلاً كافيًا لرد عنعنته، لأسباب منها:
أولاً: أن الذي عليه المحدثون المتقدمون، وجمهور
المتأخرين، أن (التدليس) هو: رواية الراوي عمن سمع منه مالم
يسمع منه، وروايته عمن عاصره ولم يلقه.
[أولاً: أن من
التدليس مالا
يقتضي ردّ
العنعنة،
هذا هو تعريف (التدليس) على الصحيح، كما رأيته خلال مثل (رواية
(الباب الأول) جمیعه.
المعاصر
عمن لم
ومن المتفق عليه: أن من عُرف بالرواية عمن عاصره ولم يلقه).]
٤٦٣

يلقه، لا يتوقف في قبول عنعنته مطلقًا، وإنما يكتفى بثبوت اللقاء
مرَّة، فإذا ثبت، قبلت عنعنته عمن ثبت لقيه إياه مطلقًا.
وهذا مما سبق تقريره بالأدلة في (الباب الأول) أيضًا(١).
ولن يُعارِض في ذلك إلا من يهرف بما لا يعرف، وسيعلم
أنه يهرف بما لا يعرف إذا ما حوصر ... بل خُنق بأن من يروي
عمن عاصره ولم يلقه عددٌ ضخم جدًا من الرواة، لا يدري ما
يفعل بعنعناتهم !! ثم قد سبق في (الباب الأول) التدليل لهذه
المسألة تدليلاً مختصرًا كافيًا، فلا تُتْعب نفسك قبل الوقوف عليه!
فمن التدليس إذا: رواية المعاصر عمن لم يلقه.
ومع أنَّ رواية المعاصر عمن لم يلقه تدليس، إلا أنَّ الراوي
المعروف بذلك، لا تُردُّ عنعنته مطلقًا، كما أشرت إليه.
لذلك فإن مطلق الوصف بـ (التدليس) لا يوجب رد العنعنة
مطلقًا، لاحتمال أن يكون الراوي وصف بـ(التدليس) لأنه يروي
عمن عاصرهم ولم يلقهم، ولم يكن وصفه بـ(التدليس) لأنه ممن
يروي عمن سمع منه مالم يسمعه منهم.
فواجب الدارس أن ينظر في الراوي الموصوم بالتدليس: ما
نوع تدليسه؟ ليمكنه الحكم على عنعنته: قبولاً أو ردًّا.
ويمكن الدارس معرفة ذلك بطرق عدة: كالنظر في
التطبيقات العملية لأئمة المحدثين في معاملتهم لذلك الراوي، أو
في كتب (العلل) وتعليلات الأئمة لأحاديث ذلك الراوي، أو في
ترجمة الراوي نفسه، وفي عبارات الأئمة الذين وصموه بالتدليس
خاصة، فقد يضربون مثلاً لتدليسه، يُظهر نوع هذا التدليس الذي
وصموه به .
(١) انظر ما سبق (٢١٧ - ٢٣٠).
٤٦٤

لهذا لا يصح أن يحتج بمطلق وصف الحسن بالتدليس على
أنه مردود العنعنة، لاحتمال أن يكون من وصفه بالتدليس إنما
وصفه به لأنه مكثر من الرواية عمن عاصرهم ولم يسمع منهم، لا
لأنه يروي عمن سمع منه مالم يسمعه منه.
أقول (لاحتمال) لأني لم أُثبت ذلك حتى الآن، لكنه في [الأدلة على
الحقيقة ليس مجرد احتمال، بل هو واقع ثابت، فالحسن إنما أن تدليس
وُصِفَ بـ(التدليس) لأنه يروي عمن عاصرهم ولم يلقهم.
والأدلة على ذلك:
الدليل الأول: هو في الحقيقة الدراسة التطبيقية الآتية
جميعها! فتلك الدراسة كلّها تدور حول رواية الحسن عمن
عاصرهم: ممن سمع منهم، ومن لم يسمع منهم، وهذه الدراسة
كلّها تثبت كثرة رواية الحسن عمن عاصرهم ولم يسمع منهم،
وجُلّها فيمن قيل إنه لم يسمع منهم.
والدراسة التطبيقية كلها تعلن أنه لا يُعْلم في الرواة من هو
مثل الحسن البصري في كثرة مباحث بابه في روايته عمن عاصرهم
وقيل إنه لم يسمع منهم، ولا يكاد يقاربه راوٍ من الرواة في ذلك.
وتأتي طبقةٌ بعده، قد تنتظمُ أمثال: إبراهيم النخعي، وأبي إسحاق
السبيعي، وقتادة، وسعيد بن أبي عروبة، ومكحول الشامي،
ونحوهم.
ألا يكفي هذا كله لإثبات أنَّ من وصف الحسن بالتدليس
إنما وصفه به لروايته عن معاصرين له لم يلقهم؟ !!!
فإذا كان هذا كله لا يكفي، لأن يكونَ وَصْفُ الحسن
بالتدليس إنما هو من أجله، فلن يُوصفَ أحدٌ من الرواة بالتدليس
للرواية عن معاصر لم يلقه إذًا !! فكلُّ من سوى الحسن أقل منه
في إشكالات روايته عمن لم يلقهم من المعاصرين !!!
٤٦٥
الحسن هو
(رواية
المعاصر
عمن لـ
يَلْقَهُ).]

الدليل الثاني: أنَّ بعض الذين وصفوا الحسن بالتدليس
هم أنفسهم يخبرون عن أنفسهم لأنهم يصفون الحسن بالتدليس
لروايته عن معاصرين لم يلقهم !!
فهل بعد هذا شيء؟!
فأقدم من وصف الحسن بالتدليس هو خلف بن سالم، كما
تقدم .
وخلف بن سالم هو أحد من أثبتنا عنه في (الباب الأول)
من هذا البحث، أنه يطلق على رواية المعاصر عمن لم يلقه
مصطلح (التدليس) (١).، وذلك بما فسرناه من كلامه عن تدليس
الحسن - بزعمه - وتدليس إبراهيم النخعي أيضًا.
ومن ذلك ... ومن أوضح الذي سبق شرحه من كلام
خلف بن سالم - وصفه إبراهيم النخعي بـ(التدليس) لإسقاطه
الوسائط بينه وبين عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. فإبراهيم
النخعي وعدم سماعه من ابن مسعود: من أشهر مسائل المراسيل،
فليس في رواية إبراهيم عن ابن مسعود رضي الله عنه رواية عمن
سمع منه مالم يسمع منه، وإنما هي رواية مع عدم الإدراك
الزمني. فلا توجب مثلُ هذه الرواية التوقُّفَ في قبول (عنعنة)
إبراهيم النخعي، ولا في الكلام في قبولها. ولا أثر لوصف
خلف بن سالم لإبراهيم: بعجيب التدليس، على قبول تلك
(العنعنة)!
ومثله الحسن البصري!
وهذه عبارة خلف بن سالم:
أورد الحاكم في (معرفة علوم الحديث) بإسناده إلى
(١) انظر ما سبق (٥٠ - ٥٣).
٤٦٦

خلف بن سالم أنه قال: ((سمعت عدة من مشايخ أصحابنا تذاكروا
كثرة التدليس والمدلسين، فأخذنا في تمييز أخبارهم، فاشتبه علينا
تدليس الحسن بن أبي الحسن، وإبراهيم بن يزيد النخعي، لأن
الحسن كثيرًا ما يدخل بينه وبين الصحابة أقوامًا مجهولين، وربما
دلس عن مثل: عُتي بن ضمرة، وحنتف بن السجف، ودغفل بن
حنظلة، وأمثالهم ... ))(١).
قلت: فيما سبق آنفًا بيانه في خصوص إبراهيم النخعي، من
أن خلف بن سالم إنما وصفه بالتدليس لروايته عمن لم يدركه،
كفايةٌ في عدم الاعتماد على مُجرَّدٍ وَصْفٍ خلف بن سالم للحسن
بالتدليس لرد عنعنته. لأن خلف بن سالم الذي وصف إبراهيم
النخعي بالتدليس، لغير شيء يدعو إلى التوقُّفِ في قبول عنعنته،
هو نفسُه الواصفُ للحسن بالتدليس، بل في سياق واحد، وأثناءَ
كلامٍ له في موطنٍ واحد.
وقد سبق أيضًا في (الباب الأول) بيان أنَّ وصف خلف بن
سالم لرواية الحسن بإسقاط عُتي بن ضمرة بالتدليس، بل وصف
خلف بن سالم الحسن بالتدليس لرواية الحسن مثل هذه الرواية،
يدل دلالة قاطعة على أنه قصد بالتدليس: (رواية المعاصر عمن لم
يلقه)، مما لا يوجب التوقف في قبول (عنعنة) الحسن لمجرد هذا
الوصف بالتدليس، لأن هذا الوصف - أصلاً - لم يعتمد على ما
يوجب التوقف في (العنعنة) من (رواية الراوي عمن سمع منه مالم
يسمعه منه)
وتوضيح ذلك: أن عُتي بن ضمرة إنما يروي عن أبي بن
كعب رضي الله عنه والحسن إنما روى عن عُتَي - في الصحيح
عنه - عن أبي بن كعب رضي الله عنه، ثم إن الحسن لم يسمع
من أبي بن كعب رضي الله عنه شيئًا، كما سيأتي - إن شاء الله
(١) معرفة علوم الحديث، للحاكم (١٠٨).
٤٦٧

تعالى - في مبحث أبي بن كعب(١). فإسقاطُ الحسن لعُتي بن
ضمرة في روايته عن أبي بن كعب رضي الله عنه، ليس من باب
(رواية الراوي عمن سمع منه مالم يسمعه منه)، وإنما هو من باب
(رواية المعاصر عمن لم يلقه).
لذلك قلت: إن وَصْفَ خلف بن سالم للحسن بالتدليس لا
يُوجبُ التوقُّفَ في قبول (عنعنة) الحسن، لأن هذا الوصف
بالتدليس قُصِد به (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، وهذا النوع من
الرواية لا يوجب ردّ (العنعنة) مطلقًا، كما يزعمه المخالفُ، الذي
تمسّك بمجرّدٍ إطلاق التدليس على الحسن.
وأمَّا رواية الحسن عن حنتف بن السجف، فقد سبق أن
حنتف بن السجف إنما روى خبرًا واحدًا عن عبد الله بن عمر
رضي الله عنه (٢). فإن قصد خلف بن سالم أن الحسن أسقط
حنتف بن السجف من إسناد، وروى عن عبد الله بن عمر
رضي الله عنه بلا واسطة؛ فلم يزل وصف خلف بن سالم للحسن
بالتدليس لمثل هذه الرواية يحتمل أنه أطلقه لـ (رواية الحسن عن
معاصر لم يلقه) أيضًا، لأن غير واحد من الأئمة نفوا أن يكون
الحسن سمع شيئًا من عبد الله بن عمر رضي الله عنه، كما سيأتي
في مبحثه(٣)، إن شاء الله تعالى.
وأمَّا رواية الحسن عن دغفل بن حنظلة، فقد سبق أن دغفلاً
إنما يروي عن النبي ◌َّه، حتى عدَّه بعضهم في الصحابة(٤). ولم
يذكروا لدغفل رواية عن أحد من الصحابة، لا من الصحابة الذين
سمع منهم الحسن، ولا ممن لم يسمع منهم(٥).
(١) انظر ما سيأتي (٥٨١ - ٦٤١، ١٧٠٥ - ١٧٠٨).
(٢) انظر ما سبق (٤١٤ - ٤١٦).
(٣) انظر ما سيأتي (١٦٣٦).
(٤) انظر ما سبق (٤١٦ - ٤٢٧).
(٥) انظر مصادر ترجمته فيما سبق (٤١٦ - ٤٢٧) وما سيأتي (١٠٦٠ - ١٠٧٠).
٤٦٨

لذلك فإن تدليس الحسن لدغفل، يعني إسقاطَه له، وروايتهُ
عن النبي وَل و بلا واسطة. وهذه الرواية إرسال ظاهر، لا توصف
بالتدليس اتفاقًا. فإن حصل وكانت هذه الرواية إحدى أسباب
وصف الحسن بالتدليس عند خلف بن سالم، كان هذا أدعى إلى
عدم التردد في قبول عنعنة الحسن مع ذلك الوصف بالتدلیس،
لأنه معتمد على ما ليس بتدليس أصلاً.
غير أنَّ كلام خلف بن سالم ليس معناه أن الحسن قد دلس
فعلاً أولئك الرواة الذين ذكرهم: عُتيًا وحنتفًا ودغفلاً، فلا يعني
أن الحسن روى عنهم مسقطًا أسماءهم، مظهرًا الرواية عمن رَوَوْا
هُمْ عنه، وأن ذلك قد حصل منه واقعًا. لكن يقول خلف بن
سالم بكلامه السابق: إن الحسن مدلس، وقد وجدنا في شيوخه
الذين صرح بأسمائهم غيرَ واحد من المجهولين، فنخشى أنه إن
دلس، دلس هؤلاء المجهولين، أو أمثالهم، مما يعني عند
خلف بن سالم أن تدليساتِ الحسن مثيرةً الريبةَ في ضعفها أكثرَ
من غيرِها، لأنّ الحسنَ قد سمّى لنا في شيوخه بعضًا من
المجهولين، بزعم خلف بن سالم! فيُمكن أن يكون عندما دلَّس،
دلّسهم.
وهذا لا يُناقض التفسير الذي بينته لك من معنى التدليس
عند خلف بن سالم، بل يكاد التدليس الذي في كلام خلف بن
سالم ينحصر في (رواية المعاصر عمن لم يلقه) حتى على هذا
التفسير؛ لأن عتيًا إنما يروي عن أبي بن كعب، وحنتفًا إنما عُرِف
بالرواية عن ابن عمر، ودغفلاً إنما وجدناه يروي عن النبي مَلآ،
فإن دلَّس الحسن هؤلاء، فلن يكون راويًا عمن سمع منه مالم
یسمعه منه، كما سبق آنفًا بيانه.
ثم لم يزل ارتباطُ تدليس الحسن بتدليس إبراهيم النخعي في
كلام خلف بن سالم، يقطع بأن هذا التدليس إنما هو (رواية
٤٦٩

المعاصر عمن لم يلقه)، لأن تدليس إبراهيم المقترن بتدليس
الحسن في سياق واحد، إنما هو تدليس - إن صح وصفه
بذلك -: عمن لم يدركه الراوي، فهو بصفة الإرسال أحق من
صفة التدليس! ولو حُمِل كلامُ خلفِ بن سالم كلُّه على أنه بيانٌ
لحكم مراسيل الحسن وإبراهيم، لكان أحقَّ بالصواب من حمله
على بيان ضعف تدليسهما عمن سمعا منه مالم يسمعاه منه !!
ولولا أني مضطرٌ إلى حَمل كلام خلف بن سالم على
الصواب، كاضطراري إلى حمل كلام أهل العلم جميعهم عليه،
لقلت: إن وصف خلف بن سالم لرواية إبراهيم النخعي عن ابن
مسعود بالتدليس، وصفٌ شاذ، مخالف لاتفاق النقاد: بأن التدليس
لا يدخل فيه رواية الراوي عمن لم يلحق زمنه، وإبراهيم النخعي
مولود بعد وفاة ابن مسعود بزمن، كما تقدم في (الباب الأول)(١).
ولقلت أيضًا: إن هذا يدل على أنَّ (التدليس)، في كلام
خلف بن سالم محمول على أنه (الإرسال)، وأنه بيان لحكم
مراسيل الحسن وإبراهيم، فلا تعلق لوصفه بـ(التدليس) بحكم
العنعنة، ولا تأثير له بتاتًا على قبولها!
لكن الاضطرار إلى حمل كلام خلف بن سالم على
الصواب، يحملني على التفسير المسطور آنفًا قبل هذا !!
وخلاصة القول: إنَّ وصف خلف بن سالم للحسن
بالتدليس، لا يصح أن يكون بمجرَّده دليلاً على عدم قبول عنعنة
الحسن، بل الاعتماد على مجرد هذا الوصف للتوقف في قبول
العنعنة، ظلم وعسف، لا يعرفان من عدل وأناة العلم شيئًا!
فهذا أقدم من وصف الحسن بـ (التدليس) خرجنا من تفَخّص
كلامه إلى أنه يعني به (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، أو ما هو
(١) انظر ما سبق (٥٢ - ٥٣).
٤٧٠

أشدُّ في عدم التأثير على العنعنة! مما يدل على أنَّ الاعتماد على
مجرد الوصف بـ (التدليس) لرد عنعنة الراوي، ليس من صفات
العلم، بل فيه صفتا الجهل السابقتان: الظلم والعسف !!
وأصرح من موقف خلف بن سالم موقف ابن حبان في
وصفه الحسن بالتدليس!
وقد تقدم في (الباب الأول) إثبات أنَّ ابن حبان كان من
أصرح وأوضح من أطلق (التدليس) على (رواية المعاصر عمن لم
يلقه)(١)، هذا أولاً.
وهو كاف في إبطال الاحتجاج بمجرد إطلاق ابن حبان
(التدليس) على الحسن، لورود احتمال قوي على ذلك الإطلاق،
لا يجعل (التدليس) الذي أطلقه ابن حبان على الحسن من نوع
(التدليس) الذي يوجب التوقف في قبول (العنعنة).
وثانيًا: أن ابن حبان وإن كان أطلق صفة (التدليس) على
الحسن، من دون تقييد التدليس بصفة أخرى، في ترجمة الحسن
البصري من كتابيه: (الثقات) و(مشاهير علماء الأمصار)، إلا أنه
بَيَّنَ ما أجمله في مقدمة كتابه (المجروحين)!
فقد عدَّدَ ابنُ حبان في فصل طويل أنواعًا من أنواع الجرح،
ثم قال خلال ذلك: ((ومنهم المدلس عمن لم يره، كالحجاج بن
أرطأة، وذويه، كانوا يحدثون عمن لم يروه، ويدلسون، حتى لا
يُعلم ذلك منهم))(٢).
وأَتْبَعَ ابنُ حبان هذا (النوع) بأمثلةٍ له، فذكر عدَّة أمثلة،
منها: رواية الحسن البصري عن أبي هريرة، مع عدم سماعه منه،
وذلك بإخراجه خبرًا عن شعبة بن الحجاج، أنه قال: ((قلت
(١) انظر ما سبق (٥٥ - ٥٦).
(٢) المجروحين، لابن حبان (٨٠/١).
٤٧١

ليونس بن عبيد: سمع الحسن من أبي هريرة؟ قال: لا، ولا
کلمة»(١).
فهذا قاطع أنَّ ابن حبان وصف الحسنَ بالتدليس، لروايته
عمن عاصرهم ولم يسمع منهم، كأبي هريرة رضي الله عنه.
فلا يحتجَّ أحدٌ بعد هذا، لرد عنعنة الحسن، بأن ابن حبان
أطلق (التدليس) على الحسن البصري!
وبعد ابن حبان ننتقل إلى الحاكم النيسابوري، حيث إنه ذكر
الحسن في سياق ذكره للتدليس والمدلسين، من كتابه (معرفة علوم
الحدیث).
وبيان ذلك: أن الحاكم خصَّ نوعًا من (أنواع علوم
الحديث) بمعرفة المدلسين، وجاء في هذا النوع كلام خلف بن
سالم الذي سبق شرحه، الذي جاء فيه وصف الحسن بالتدلیس،
فأورد الحاكم كلام خلف بن سالم إيراد المُختج، والمُتَّخِذٍ منه
قاعدةً يُؤسَّسُ عليه مع غيره من النُقول(٢).
ثم زاد الحاكمُ الأمرَ تأكيدًا: أنه يعتبر الحسن مدلسًا، عندما
قسّم التدليس إلى ستة أقسام، مثّل للقسم السادس منها بعدة
أمثلة، منها قوله: ((فليعلم صاحب الحديث أنَّ الحسن لم يسمع
من أبي هريرة، ولا من جابر، ولا من ابن عمر، ولا من ابن
عباس شيئًا قط))(٣).
ومع قوَّة هذا التمثيل على الدلالة بأن الحسن عند الحاكم
داخلٌ ضمن المدلسين، إلا أن الأقوى من ذلك هو أنَّ الحاكم
إنما اعتبره مدلسًا لأنه (يروي عمن عاصره ولم يلقه).
(١) المجروحين، لابن حبان (١/ ٨١).
(٢) معرفة علوم الحديث، للحاكم (١٠٨).
(٣) معرفة علوم الحديث، للحاكم (١١١).
٤٧٢

فلا أحسب أحدًا ينطق بالجهالة بعد هذا! يقول: إن الحسن
مردود العنعنة عند الحاكم !!
وبعد الحاكم ننتقل إلى أحد أعلام الأئمة المتأخرين، وهو
الإمام الذهبي، حيث إنه ممن وصفوا الحسن بالتدليس، كما
سبق .
وقد تكلم الإمام الذهبي عن تدليس الحسن، في غير ما
كتاب من كتبه، وفي غيرما موضع منها.
ففي (ميزان الاعتدال)، وفي ترجمة الحسن بن أبي الحسن
البغدادي المؤذن، ذكر الذهبي ضعف هذا، ثم قال مُنَبِّهَا: ((أمَّا
سميه الإمام البصري فثقة، لكنه يدلس عن أبي هريرة، وغير
واحد، فإذا قال: حدثنا فهو ثقة بلا نزاع))(١).
ثم قال في ترجمة الحسن البصري، من الكتاب نفسه: ((كان
الحسن كثير التدليس، فإذا قال في حديث: عن فلان، ضَعُف،
الحاجة(٢)، ولاسيما عمن قيل إنه لم يسمع منهم، كأبي هريرة،
ونحوه، فعدّوا ما كان له عن أبي هريرة في جملة المنقطع)) (٣).
وقال في (تذكرة الحفاظ): ((وهو مدلس، فلا يحتج بقوله:
((عن)) فيمن لم يدركه، وقد يدلس عمن لقيه، ويسقط من بينه
وبینه))(٤).
فلاحظ أنَّ هذه الأقوال ينتظمها ثلاثة أمور أساسية:
(١) ميزان الاعتدال، للذهبي (٤٨٣/١).
(٢) كذا في المطبوع: (لحاجة)، ونبَّه محقق (الميزان) أنها كذا في إحدى نسخ
الكتاب، وأمَّا في باقي نسخه فغير مقرؤة فيها الكلمة، وقد يكون المعنى:
فإذا قال: عن فلان ضَعُف، لأمر في النفس، يثيره الشك في عنعنة
الحسن.
(٣) ميزان الاعتدال (١/ ٥٢٧).
(٤) تذكرة الحفاظ، للذهبي (١/ ٧٢).
٤٧٣

أظهرها: أن إطلاق (التدليس) على الحسن إنما كان من
الإمام الذهبي - أولاً وقبل كل شيء - لأن الحسن يروي عمن لم
يلقهم، وقد صرح الإمام الذهبي بذلك لفظًا لا يحتمل الشك، أو
- كما في النقل الأول عنه - بالتمثيل لذلك بـ(تدليس) الحسن عن
أبي هريرة، مع كون الحسن لم يسمع شيئًا من أبي هريرة عند
الإمام الذهبي.
هذا أمر أول يظهر من كلام الذهبي.
والأمر الثاني: أن الإمام الذهبي ذكر أنَّ الحسن ربما دلس
عمن سمع منه مالم يسمعه منه، لكن الإمام الذهبي كان يُعبِّر عن
هذا (التدليس) بطريقة تدل على قلته وندرته، كما في النقلين
الأخيرين السابقين، ويتضح ذلك في قول الذهبي في (تذكرة
الحفاظ): ((هو مدلس، فلا يحتج بقوله: ((عن)) فیمن لم يدركه،
وقد يدلس عمن لقيه، ويسقط من بينه وبينه)).
فتنبّه إلى تقديم الذهبي للنوع الثاني من (التدليس) بقوله:
((وقد يدلس))، وإلى دلالة الحرف (قد) فإنه - ولا شك - يدل هنا
على التقليل، لأن (قَدْ) إذا دخلت على الفعل المضارع أفادت
(التوقع) على قول، وأفادت أيضًا (التقليل)(١). ولست أحملها هنا
على إرادة (التوقع)، لأن التوقع يعني الشك في حصول الأمر
المتوقع، فهي تعني: أنَّ الحسن إماً أنه دلس عمن لقيه، أو لم
يدلس، ولذلك لم أحمل (قد) على أنَّ معناها هنا (التوقع)، حيث
إن كلام الذهبي في هذا الموطن، وفي غيره، يرجّح أنَّ هذا النوع
من التدليس قد وقع من الحسن فعلاً، في نظر الذهبي، لكنه -
وفي نظره أيضًا - قليلٌ كما هو ظاهر عبارته الآنفة.
(١) انظر معاني الحروف، للرماني (٩٩)، ومغني اللبيب، لابن هشام (٢٢٧ -
٢٣١)، وجامع الدروس العربية، للغلاييني (٢٦٦/٣)، ودراسات لأسلوب
القرآن الكريم، لمحمد عبد الخالق عضيمة (٣٠٧/٢/١ - ٣٠٩).
٤٧٤

هذا أمر ثانٍ يظهر من كلام الذهبي.
والأمر الثالث: أنَّ الذهبي لم يُصْدِر حكمًا عامًا
لعنعنات الحسن، وإنما حَكَم بعدم قبول عنعنة الحسن عمن قيل
إنه لم يدركه! وسكت عن حكم عنعنة الحسن عمن ثبت لقيُّه له.
فانظر قوله السابق: ((فإذا قال في حديث: عن فلان، ضعف
لحاجة، ولاسيما عمن قيل إنه لم يسمع منه، كأبي هريرة
ونحوه ... )).
لكن قال الإمام الذهبي في (سير أعلام النبلاء): ((قال قائل:
إنما أعرض أهل الصحيح عن كثير مما يقول فيه الحسن: عن
فلان، وإن كان مما قد ثبت لقيه فيه لفلان المعين، لأن الحسن
معروف بالتدليس، ويدلس عن الضعفاء، فيبقى في النفس من
ذلك)» .
فالجواب الأول على كلام الذهبي هذا، هو أنَّ الذهبي أحد
العلماء، وقوله أحد الأقوال، وقد عارضه ابن حزم، ثم الحافظ
ابن حجر، فهذه المناقشة - ما سبق منها وما يتيسر فيما يأتي -
تصلح أن تكون مناقشة لكلام الذهبي، كما تصلح لمناقشة كلام
غيره أيضًا، هذا إن ثَبَتَ أنَّ الذهبي يردُّ عنعنةَ الحسن!
والجواب الثاني على كلام الذهبي، يقسِّمه إلى أجزاء، نقف
مع كل جزء منه وقفة:
فالوقفة الأولى: أنَّ الذهبي لم يصرح بِتَبَنِّيهِ للقول
الذي ذكره، بل كأنَّ الذهبي مجرَّد ناقل لقول غيره، حيث قال -
كما سلف -: (قال قائل :... )) ثم ذكر الكلام السابق.
والوقفة الثانية: مع قوله: ((إنما أعرض أهل
الصحيح))، فهذا كلام باطل، فكتب الصحيح مليئة بأحاديث معنعنةٍ
من أحاديث الحسن !!
٤٧٥

بل عدم إعراض أهل الصحيح عن معنعنات الحسن، بعد
ثبوت مطلق اللقاء، هو من جملة أدلتنا الآتية (١) - على أنَّ عنعنة
الحسن مقبولة !!!
والوقفة الثالثة: مع قوله: ((معروف بالتدليس)).
قلنا: نعم .. معروف بالتدليس الذي لا يوجبُ التوقُّفَ عن
قبول عنعنته، وهو تدليس بالرواية عن معاصر لم يلقه. فإن قبلنا
أيضًا أنه دلَّس عمن سمع منه مالم يسمع منه، فتدليسه من هذا
النوع قليل جدًا، لا أثر له على معنعنات الحسن!
والوقفة الرابعة: مع قوله: ((يدلس عن الضعفاء)).
يُشَمُّ من هذه العبارة رائحة التقليد، بل خطأ في التقليد! فقد
بينا في المبحث السابق أن الحسن البصري من أنقى الرواة
شيوخًا، وأكثرهم تحريًا، وأنه لا يجوز أن يقال عنه: إنه يروي
عن المجهولين، فضلاً عن أن يقال: إنه يروي عن الضعفاء!
والوقفة الخامسة: مع قوله: ((فيبقى في النفس من
ذلك».
ليست هذه العبارة صريحة في رد عنعنات الحسن
وتضعيفها، إذ هي تحتمل أن يكون المراد: انحطاط معنعنات
الحسن من الصحة إلى الحُسن. بل ولم تزل العبارة تحتمل بقاء
معنعنات الحسن على الصحة، لكن مع بعض الحذر، والتوقي من
نكارةٍ تُقَوّي حصولَ التدليس في ذلك الحديث المعين.
وهذه الوقفة الأخيرة، من عبارة الذهبي الأخيرة، تكفي
وحدها لإبطال حجة من يحتج بكلام الذهبي على رد عنعنة
الحسن!
(١) انظر ما سيأتي (٥٠٥ - ٥١٨).
٤٧٦

ثانيًا: ومن الأسباب التي تدل على عدم صحة الاكتفاء
بمجرد الوصف بالتدليس للقول برد عنعنة الراوي الموصوف به
لمجرد وصفه به: أنَّ من (التدليس) المُجْمَع على تسميته (تدليسًا)
عند علماء الأمة: متقدميهم، ومتأخريهم: تدليسَ الشيوخ.
وتدليس الشيوخ ليس تدليسًا في صيغ الأداء، ولا فيه إسقاط
راوٍ من الإسناد، وكل ما فيه: تغيير اسم الشيخ، أو تكنيته بغير
المشهور من كنيته، ونحو ذلك، مما قد يَحُول أو يُصَعِب تعيينَ
ذلك الشيخ المدلَّس.
ولكون تدليس الشيوخ ليس له تعلق بصيغ الأداء، فإنه لا الشيوخ]
أثر له على قبول عنعنة الراوي المعروف به. وكل ما يتطلبه تدليس
الشيوخ: التعرف على الشيخ المُدَلَّس، وتعيينه، فإذا عُرف، فلا
فرق بين إن كان الراوي عنه صرح بالسماع أو عنعن.
والمشكل ليس في الذي سبق، لكن الإشكال الحقيقي في
أنَّ الأئمة ربما أطلقوا (التدليس) على الراوي المُدَلْس تدليسَ
الشيوخ، كما سيأتي التمثيل له، فإذا وجد مثل ذلك الإطلاق،
لمن لا يُؤَثِّر إطلاق ذلك (التدليس) على عنعنته، اغترّ بمجرد ذلك
الإطلاق بعضُ طلبة العلم، ولم يقبلوا من الراوي سوى التصريح
بالسماع، مع أنَّ ذلك الإطلاق لا يقتضي هذا التصرف !!
ومن أمثلة ذلك: عطية بن سعد العوفي (ت١١١ هـ).
قال عنه الحافظ في (التقريب): ((صدوق، يخطىء كثيرًا،
وكان شيعيًا مدلسًا))(١) .
وذكره الحافظ ابن حجر أيضًا في (تعريف أهل التقديس
بمراتب الموصوفين بالتدليس) في المرتبة الرابعة، وقال عنه:
((مشهور بالتدليس القبيح))(٢).
(١) تقريب التهذيب (رقم ٤٦١٦).
-
(٢) تعريف أهل التقديس، لابن حجر (١٣٠ رقم ١٢٢).
٤٧٧
[ثانياً: في
الردّ على
مَنْ زعم أن
الوصف
بمطلق
التدليس
يقتضي ردّ
العنعنة: أنّ
من التدليس
تدليس

والمرتبة الرابعة عند ابن حجر هي: ((من اتفق على أنه لا
يحتج بشيء من حديثهم، إلا بما صرحوا فيه بالسماع، لكثرة
تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل))(١).
وممن وصف عطية العوفي بمطلق التدليس أيضًا: الحافظ
أبو محمد أحمد بن محمد بن إبراهيم المقدسي في (قصيدة
المدلسين)(٢).
فمن وقف على ترجمة عطية العوفي في (تقريب التهذيب)،
وكان ممن يَرُدّون عنعنة الراوي لمجرد إطلاق التدليس عليه، فإنه
لن يتردد في رد عنعنة عطية العوفي، وأن لا يقبل إلا ما صرّح فيه
بالسماع. فإذا وقف على ترجمة عطية في (تعريف أهل التقديس)،
وكيف أنه وصف بـ(قبيح التدليس)، ضِمْنَ المرتبة الرابعة: المرتبة
التي اتفق على أنَّ أصحابها لا يقبل من حديثهم إلا بما صرحوا
فيه بالسماع، فإنه سوف يجزم بأن عطية العوفي: مردودُ العنعنةِ،
مقبولُ الحديث إذا صرح بالسماع. بل إنَّ الذي من منهجه رد
العنعنة لمجرد إطلاق التدليس، يكاد يُقْسم برد عنعنة عطية، وقبول
ما صرّح فيه، بعد وقوفه على ما سبق، من موافقة الحافظ أبي
محمود المقدسي للحافظ ابن حجر، في إطلاق (التدليس) على
عطية العوفي، كما ذكر آنفًا.
غير أنَّ هذا كلّه وَهْمٌ محض، وخطأ فادح، يقع فيه من كان
مجردُ الوصف بالتدليس عنده - بإطلاقه - مُوجبًا ردَّ العنعنة وقبول
التصريح بالسماع.
ذلك لأن عطية العوفي مدلِسٌ تدليس شيوخ، لا تدليس
إسناد، وإن أطلق الحافظان: أبو محمود المقدسي، وابن حجر،
عليه وصف (التدليس)!
(١) تعريف أهل التقديس (٢٤).
(٢) قصيدة أبي محمد المقدسي في المدلسين (٧١).
٤٧٨

وتدليسه - كما جاء في ترجمته - أنه كان قد سمع من أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه أحاديث، وسمع أيضًا من الأخباري
محمد بن السائب الكلبي المشهور بالكذب(١)، فاصطلح عطيةُ
العوفي مع نفسه، وكنّى الكلبيَّ بأبي سعيد وروى عنه. (هذا إن
ثبت عن عطيّة !! ).
قال ابن حبان: ((فإذا قيل له: من حدثك بهذا؟ فيقول:
حدثني أبو سعيد، فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري، وإنما
أراد به الكلبي))(٢).
ولذلك فإن الذي منهجهُ ردُّ العنعنة وقبول التصريح بالسماع
لمجرد إطلاق (التدليس) على الراوي، لن يكون منهجه هذا وهمًا
محضًا فحسب، ولا خطأ فادحًا فقط! إذا ما وقف على حديثٍ
لعطية العوفي، يقول فيه: حدثني أبو سعيد! لأنه بمنهجه المُخطيء
ذاك، وقع في حبائل تدليس عطية، وانطلتْ عليه خُذْعَتُه، ولا
عَرَفَ كيف يستفيدُ من تحذير الأئمة من عطية، بإطلاقهم وصف
(التدلیس) علیه !!
هذا دليلٌ واحد كافٍ في بيان خطأ المحتج بمجرد إطلاق
(التدليس) على الراوي، للقول بأنه: مردود العنعنة، مقبول إذا
صرح بالسماع، وكاف بإسقاط ذلك المنهج. لأنه يُثبت أنه منهجْ
ليس خطأ فقط، بل مُوقِعًا فيما من أجْلِهِ تكلّمَ العلماءُ في تدليس
الشيوخ، وأوضحوا (المدلسين) به من (غير المدلسين).
ولو ذهبتُ أذكر أمثلة على رواة أطلق عليهم (التدليس)،
وقُصد بإطلاق ذلك عليهم تدليسَ الشيوخ - لوجدتُ لعطية العوفي
أمثالاً ليسوا بقلة! فكيف إذا دُرس المدلسون، وفُحصت مروياتهم،
(١) انظر تهذيب التهذيب (١٧٨/٩ - ١٨١).
(٢) المجروحين لابن حبان (١٧٦/٢)، وانظر تهذيب التهذيب (٢٢٤/٧ -
٢٢٦).
٤٧٩

وسُبرت أحاديث آحادهم؟ أحسب أنَّ عددهم سوف يكون عظيم
التأثير على كثير من الأحكام على السنة !!
ثالثاً: أن
ـلتدليس
معانيّ
متعددة لا
تقتضي رقّ
منعنة
الموصوفين
ـها]
ثالثًا: من الأسباب التي تدل على خطأ المنهج المتمسك
لرد عنعنة الراوي بمجرد إطلاق التدليس عليه، سوى ما سبق: أنَّ
الأئمة قد يطلقون على الراوي صفة (التدليس)، لمعان أخرى
سوى تدليس الإسناد، وسوى تدليس الشيوخ أيضًا، مما لا يقتضي
رد العنعنة وقبول التصريح بالسماع وحده
فقد يوصف الراوي بالتدليس لكونه يقول فيما أخذه (إجازة)
بغير سماع: (أخبرنا)، كما وُصِف بذلك الحافظ أبو نعيم
أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ)، لكونه روی
بصيغة (أخبرنا) ما تحمّله بـ (الإجازة).
قال الذهبي: ((هذا مذهب رآه أبو نعيم وغيره، وهو ضرب
من التدليس»(١) .
وذكر الحافظ ابن حجر أبا نعيم في (تعريف أهل التقديس)
في المرتبة الأولى من مراتب المدلسين(٢).
قلت: فهذا النوع من التدليس، إن كان له أثر، فإن أثره
على عكس تدليس الإسناد! لأن فاعله (كأبي نعيم) يدلس ما صرح
فيه بالسماع بقوله: (أخبرنا) في الإجازة، ولم يكن يدلس إذا
عنعن. فمقتضى هذا التدليس: ردُّ (أخبرنا) وقبول (العنعنة) !! عند
من لا يقبل الروايةَ بالإجازة.
فمن يكتفي بمجرد إطلاق التدليس لرد عنعنة الراوي، سوف
يعامل أبا نعيم وأمثاله على ضد ما يقتضيه نوع (تدليسهم)، إن
كان لنوع (تدليسهم) أثرٌ يقتضيه أصلاً !! فإن كان له أثر فقد
(١) ميزان الاعتدال (١١١/١).
(٢) تعريف أهل التقديس، لابن حجر (٢٧ رقم ١).
٤٨٠