Indexed OCR Text

Pages 281-300

خلق الله الشيطان، وخلق الخير، وخلق الشر. قال الرجل:
قاتلهم الله! كيف يكذبون على هذا الشيخ؟ !! ))(١).
وقد رُوي شيء من موعظته لأهل مكة(٢)، لكني لا أطيل
بذكرها!
وصح عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن حُجَير(٣)، قال:
((دخلت أنا وعمرو بن دينار على الحسن، عام قدم مكة، ونزل
في دار عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فرأيته يطرح الحنطة
مِلْءَ كفِّه للحمام، قال هشام: ولو تصدق به كان أفضل))(٤).
فانظر اختيار أهل مكة للحسن أن ينزل في دار عمر بن
عبد العزيز !!
أمّا ما أخذه هشام بن حُجَيْر على الحسن البصري، فإن
الحسن أعلم وأفقه وأجل ممن انتقده، وما زال الفضلاء
يتصدقون، ويفعلون أيضًا مثل فعل الحسن، والحسن من جلة
الفضلاء !!
هذا عن حجة الحسن الأخيرة، فظهر أنها كانت سنة مائة
للهجرة. وهذا التاريخ لحجته هو أكثر ما يهمنا من أخبار حجته،
وإنما ذكرنا بعض الأخبار الأخرى لحجته، لأنها لا تُعْدَم الفوائد،
ثم فيها تجلية لمكانة الحسن البصري، وشهرته العظيمة .
(١) سنن أبي داود (رقم ٤٦١٨)، والسنة لعبد الله بن الإمام أحمد (رقم
٩٤٢)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (٤٠/٢)، والإبانة لابن بطة (٢/٢/
١٩٠ - ١٩١ رقم ١٦٩٨).
(٢) انظر مكارم الأخلاق للخرائطي (رقم ٤٣١).
(٣) هو المكي، قال الحافظ في ((التقريب)) (٧٢٨٨): ((صدوق له أوهام)).
(٤) أخبار مكة لأبي الوليد الأزرقي (١٤٥/٢)، وأخبار مكة للفاكهي (رقم
٢٢٣٨).
٢٨١

أمَّا حجة الحسن البصري الأولى، فإنما أخرتها لأني لم أجد
تحدیدًا لسنتها!
غير أني وجدت دلائل متفرقة تُرجِّحُ بمجموعها أنَّ سنة حج
الحسن البصري الحجة الأولى، كانت حُدودَ سنة خمسين للهجرة،
أو قبلها بسنة أو سنتين.
أوَّلاً: هناك دليل يقطع أن حجة الحسن الأولى، لا بد وأن
تكون قبل سنة خمس وخمسين، ذلك أنّه صح عن الحسن أنه
كان مع عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه بعرفة (١)، وعثمان بن
أبي العاص رضي الله عنه قد اختلف في وفاته، فالأكثرون أنها
كانت سنة خمس وخمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين(٢)،
وحجَّة الحسن الأخيرة بعد وفاة عثمان بن أبي العاص بنحو
خمسين سنة، فلا يحتمل أن يكون لقيه بعرفة إلا في حجته
الأولى، ولذلك قلت: إن حَجَّة الحسن البصري الأولى، لا بُدّ
وأنها كانت قبل سنة خمس وخمسين.
ثانيًا: أن الحسن خرج للغزو سنة إحدى وخمسين، إلى
خراسان، ومكث في هذه الغزوة إلى منتصف سنة أربع وخمسين،
أو أكثر من منتصفها، كما سيأتي قريبًا (٣) - إن شاء الله تعالى -
فتضاءل بذلك احتمال حجة الحسن الأولى، من سنة خمسٍ
وخمسين إلى سنة خمسين للهجرة.
ثالثًا: أنه صح - كما سبق - ثناء عظيم من عبد الله بن عمر
(١) انظر مصنف ابن أبي شيبة (٩٧/٣) (رقم ٩٧٢٢)، وأخبار مكة للفاكهي
(رقم ٢٧٦٧)، وتهذيب الآثار للطبري - مسند عمر (رقم ٦٠٢، ٦٠٣)،
ومعجم الصحابة لأبي القاسم البغوي (٤١٧)، ومعجم الطبراني الكبير
(رقم ٨٣٣٣).
(٢) انظر التهذيب (١٢٨/٧ - ١٢٩).
(٣) انظر ما يأتي (٢٨٧ - ٢٨٩).
٢٨٢

رضي الله عنه، على الحسن البصري(١)، وقد صحَّ أن معرفة
عبد الله بن عمر رضي الله عنه بالحسن البصري، ورؤيته له، إنما
كانت بمكة، وفي الأبطح منها، كما سيأتي في مبحث عبد الله بن
عمر - إن شاء الله تعالى - ولا يمكن أن يكون هذا اللقاء بين
عبد الله بن عمر رضي الله عنه والحسن البصري في حجَّة الحسن
التي كانت سنة مائة، لأن وفاة عبد الله بن عمر قبل ذلك، بسبع
وعشرين سنة، فليس إلا الحجة الأولى للحسن وقتًا لرؤية
عبد الله بن عمر له.
غير أن الثناء العظيم من عبد الله بن عمر رضي الله عنه على
الحسن البصري، الذي تقدم ذكره، يرجح تأخر حجة الحسن
الأولى إلى آخر وقت ممكن. لأن ذلك الثناء العاطر لا يكون إلا
وللحسن البصري شأنٌ عظيمٌ ظاهر، يجعل عبد الله بن عمر - وهو
من هو - يدل المستفتين له على الحسن البصري، مع وجود أمثال
أنس بن مالك رضي الله عنه بالبصرة.
وقد تقدم أن آخر سنة يمكن أن تكون سنة حجة الحسن
الأولى هي سنة خمسين، وفي هذه السنة يكون للحسن تسع
وعشرون سنة .
وهذا السِّنُّ للحسن البصري هو السن الذي لا يكاد ينقص
لبلوغه تلك الدرجة من العلم والفضل الباهر، الذي جعل
عبد الله بن عمر رضي الله عنه يرى له به من الشأن ما حمله على
ذكره - فيما بعد - للسائلين من أهل البصرة.
نعم ... يُحتمل أن يكون ثناء عبد الله بن عمر على الحسن
كان لأخبار سمعها عنه، وربما كان سماع عبد الله بن عمر، ثم
ثناؤه على الحسن - بعد حج الحسن، ولا يلزم أن يكون ثناء
عبد الله بن عمر لِمَا رآه من الحسن في حجته الأولى، وهذا يبطل
(١) تقدم (٢٤١).
٢٨٣

استنباط سنة حجة الحسن الأخيرة من ثناء عبد الله بن عمر
رضي الله عنه عليه، لأنه لا تلازم بينهما!
لكن يُضعف هذا الاحتمالَ والاعتراضَ، ما يلي:
أولاً: أن جلالة ثناء عبد الله بن عمر، وما فيه من وجوه
تدل على ما للحسن البصري من عظيم القدر في نفس ابن عمر،
لا أحسبه يكون إلا من مشاهدة ومجالسة. خاصة وأن الحسن
البصري في حياة ابن عمر لم يكن قد بلغ المبلغ الذي تطغى فيه
سمعته وأخباره على مثل خادم النبي في أنس بن مالك رضي الله
عنه، حتى يُحيل ابن عمر السائلين من أهل البصرة على الحسن لا
إلى أنس! أمّا المشاهدة والسماع فقد تَبْلُغُ بالحسن عند ابن عمر
مالم تكن بَلَغَتْهُ الأخبار، لعدم شهرة الحسن حينها تلك الشهرة.
ثانيًا: أننا نجزم بأن حج الحسن لا بد أن يكون قبل سنة
خمس وخمسين، لأن الحسن لقي في حجه ذاك عثمان بن أبي
العاص، وهو رضي الله عنه توفي سنة خمس وخمسين. بل ولا
بدّ أن تكون حجته قبل سنة إحدى وخمسين، لأنه كان غازيًا
حينها، كما تقدم.
ونكاد نجزم أن حجّ الحسن كان بعد سنة أربع وأربعين،
لأن الحسن سنة اثنتين وأربعين خرج للغزو، ومكث فيه سنتين أو
أكثر، كما سيأتي قريبًا. أي أنه خرج لهذه الغزوة وله إحدى
وعشرون سنة.
والحسن إنما خرج من المدينة، تاركًا الحجاز وراءه، إلى
البصرة، سنة سبع وثلاثين، كما تقدم، وله ست عشرة سنة، فلا
أحسب الحسن خرج للحج ما بين السادسة عشرة والإحدى
والعشرين، لصغر سن الحسن، ولقرب عهده بالحجاز ثانيًا.
ومن سنة سبع وثلاثين إلى عام الجماعة سنة أربعين كان
العالم الإسلامي، وخاصة العراق، والشام والحجاز، ومصر -
٢٨٤

تغص بالفتن، بل والحروب. ولا أحسب الحسن حينها (مما عرفته
من سيرته، ومن بعض أخباره) إلا معتزلاً لذلك كله، ولا أحسبه
إلا أنه اعتزله بالغزو في سبيل الله تعالى.
فترجّح إذًا أن احتمال حج الحسن ما بين سنتي خمسين
وأربع وأربعين! فهذا، مع ما سبق، من قوّة دلالة ثناء عبد الله بن
عمر، على أنه كان مبنيًا على مشاهدة ورؤية وخبرة بالحسن،
يَضعُف بذلك الاعتراض الموجّه إلى ترجيحي، بأن ثناء عبد الله
ابن عمر إنما كان للذي رآه من الحسن سنة حجه!
وكل ما عندي، لم يزل ظنًا وترجيحًا!
لذلك أرجح أن حجة الحسن البصري الأولى كانت حدود
سنة خمسين للهجرة!
وعلى هذا يكون بين حجتي الحسن نحو من خمسين سنة!
وننتهي بهذا من تفصيل حجتي الحسن البصري، ببيان أن
الأولى كانت حدود سنة خمسين، والثانية كانت سنة مائة.
٢٨٥

رابعًا: مغازي الحسن:
ونأتي الآن على ذكر ما عرفناه من مغازيه رحمه الله،
وسنيِها، ووجهاتها:
فمن غزوات الحسن البصري: أنه خرج، وله إحدى
وعشرون سنة، تحت قيادة أحد الصحابة، هو: عبد الرحمن بن
سمرة(١) رضي الله عنه، مجاهدًا سنة اثنتين وأربعين. وذلك عندما
وُجِّه عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه أميرًا على سجستان،
فحضر معه الحسن البصري حصار (كابل) وفتحها، ومكث الحسن
في هذه الغزاة سنتين.
قال خليفة بن خياط في (تاريخه): ((سنة اثنتين وأربعين:
فيها وَجَّه ابن عامر (٢) عبد الرحمن بن سمرة إلى سجستان، ومعه
في تلك الغزاة: الحسن ابن أبي الحسن))(٣).
وقال الذهبي في (تاريخ الإسلام): في حوادث سنة اثنتين
وأربعين: ((وفيها وجَّه عبد الله بن عامر على إمرة سجستان
عبد الرحمن بن سمرة، وهو من بني عمه، وكان معه في تلك
الغزوة من الشباب: الحسن بن أبي الحسن البصري، والمهلب بن
أبي صفرة، وقطري بن الفجاءة))(٤).
وصح عن الحسن البصري أنه قال: ((كنا مع
(١) سوف تأتي ترجمته في مبحثه الخاص.
(٢) هو عبد الله بن عامر بن كريز القرشي العبشمي، من صغار الصحابة سناً،
توفي النبي ◌ّلر وله ثلاث عشرة سنة، وهو فاتح خراسان، وولي إمرة
البصرة وفارس في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، له مناقب،
وأخلاق وسيرة حسنة رضي الله عنه، توفي سنة تسع وخمسين.
انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (١٨/٣ -٢١).
(٣) تاريخ خليفة بن خياط (٢٠٥).
(٤) تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث ووفيات ٤١ - ٦٠ هـ).
٢٨٦

٤
عبد الرحمن بن سمرة في بعض بلاد فارس سنتين، وكان لا
يُجمِّع، ولا يزيد على ركعتين))(١).
وسوف يأتي مزيد بيان لغزاة الحسن البصري هذه، في
مبحث عبد الرحمن بن سمرة، - إن شاء الله تعالى -.
وخرج الحسن البصري أيضًا مجاهدًا وكاتبًا، وله ثلاثون سنة،
وذلك عندما ولي الربيع بن زياد الحارثي (٢) إمرة خراسان، سنة
إحدى وخمسين(٣)، فخرج الربيع ومعه من أهل الكوفة والبصرة
نحو خمسين ألفًا بعيالاتهم، فيهم من الصحابة رضوان الله عليهم:
بريدة بن الحصيب، وأبو برزة الأسلمي(٤). فمكث الحسن في
غزاته هذه مجاهدًا، وكاتبًا للربيع بن زياد، إلى أن توفي الربيع بن
زياد بعد سنتين ونصف من ولايته، سنة ثلاث وخمسين.
فلا ندري! أبقي الحسن في غزاته هذه بعد الربيع بن زياد؟
أم رجع بعده إلى البصرة؟
قال ابن قتيبة في (المعارف): ((كان الحسن كاتب الربيع بن
زياد الحارثي بخراسان»(٥).
وقال العلامة الأخباري أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري (ت
٢٧٩ هـ) في (فتوح البلدان): ((وكانت ولاية الربيع: سنتين ونصفًا،
وسبى في ولايته ألف رأس، وكان كاتبه الحسن البصري))(٦).
(١) انظر ما يأتي (١٧٨٤ - ١٧٨٧).
(٢) هو الربيع بن زياد بن أنس بن الديان المذحجي الحارثي، مخضرم، قائد
فاتح، توفي سنة ثلاث وخمسين.
انظر جمهرة أنساب العرب، لابن حزم (٤١٧)، والكامل لابن الأثير (٣/
٢٤٥)، وتقريب التهذيب (رقم ١٨٩٠).
(٣) فتوح البلدان البلاذري (٥٠٧)، تاريخ الطبري (٢٨٥/٥ - ٢٨٦)، الكامل
لابن الأثير (٢٤٣/٣).
(٤) فتوح البلدان للبلاذري (٥٠٧ رقم ٩٩٤)، والكامل لابن الأثير (٢٤٣/٣).
(٥) المعارف لابن قتيبة (٤٤١).
(٦) فتوح البلدان للبلاذري (٤٨٥).
٢٨٧

وقال الكلاباذي في (رجال صحيح البخاري): ((كان الحسن
كاتبًا للربيع بن زياد بن أنس بن الديان الحارثي والي خراسان من
جهة عبد الله بن عامر، في عهد معاوية))(١).
وقال الذهبي في (تاريخ الإسلام) في ترجمة الحسن
البصري: ((وصار كاتبًا في إمرة معاوية للربيع بن زياد متولى
خراسان))(٢).
ومُكْتُ الحسن البصري ما يزيد على السنتين في غزوته هذه
- هو ظاهر كلام البلاذري - ويؤيده ما صح عن الحسن البصري:
أنه مكث مع أنس بن مالك سنتين بنيسابور، كما سأذكره بعد قليل
- إن شاء الله تعالى -.
ونيسابور ثاني أكبر مدن إقليم خراسان، شمالي إقليم
سجستان(٣). ولذلك اعتبرت مكوث الحسن مع أنس بنيسابور، هو
أثناء توليه الكتابة للربيع بن زياد والي خراسان، ويشهد له أيضًا:
اتفاق المدة: سنتین!
قال ابن جرير الطبري في مسند عمر بن الخطاب رضي الله
عنه، من كتابه (تهذيب الآثار): ((حدثنا عمران بن موسى (٤) حدثنا
:
(١) رجال صحيح البخاري للكلاباذي (١/ ١٦٧).
(٢) تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث ووفيات ١٠١ - ١٢٠ هـ)، (٤٩).
(٣) معجم البلدان لياقوت الحموي (٣٥٠/٢) (٣٣١/٥ - ٣٣٣).
(٤) هو القزاز، الليثي، أبو عمرو البصري، (ت ٢٤٠ هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٥١٧٢): ((صدوق) بينما قال الذهبي في
((الكاشف)) (رقم ٤٣٤٤): ((ثقة)) وهذا ما يميل إليه علمي، وهو من شيوخ
ابن خزيمة في صحيحه انظر (رقم ١٨٤، ٢٠٥، ٣٤٥، ٤٣٩)، ومن
رجال صحيح ابن حبان، انظر فهارس الإحسان (٢٠٣/١٨)، وانظر
تهذيب التهذيب (١٤١/٨).
٢٨٨

عبد الوارث(١) حدثنا يونس(٢) عن الحسن: أن أنس بن مالك كان
بنيسابور على جبايتها، فكان يصلي ركعتين ثم يسلم، ثم يصلي
ركعتين، ولا يُجَمِّع، وكان الحسن معه شتوتين)»(٣).
وإسناده صحيح.
وقال الطبراني في (المعجم الكبير): ((حدثنا علي بن
عبد العزيز (٤) حدثنا عارم(٥) حدثنا حماد بن زيد، عن أنس بن
سيرين(٦) عن الحسن: أنه أقام مع أنس بنيسابور سنتين، فكان
يصلي: ركعتين ركعتين))(٧).
وإسناده صحيح.
وأخرج هذا الأثر أيضًا، من طريق الحسن البصري، عن
أنس، ابن أبي شيبة في (المصنف)(٨) وابن جرير الطبري في
(تهذيب الآثار) (مسند عمر رضي الله عنه)(٩)، وأبو بكر محمد بن
(١) هو ابن سعيد بن ذكوان العنبري، مولاهم، أبو عبيدة التنوري، البصري
(ت ١٨٠ هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٤٢٥١): ((ثقة ثبت، رمي بالقدر ولم
يثبت عنه)).
(٢) هو ابن عبيد، تقدم.
(٣) تهذيب الآثار لابن جرير الطبري (مسند عمر) (٢٥٦/١ رقم ٤٢٢).
(٤) هو ابن المرزبان، البغوي، أبو الحسن، نزيل مكة (ت ٢٨٦ - أو - ٢٨٧ هـ)،
إمام حافظ ثقة، عابوا عليه أخذ المال على الحديث، وكان يعتذر بالحاجة.
انظر ميزان الاعتدال للذهبي (١٤٣/٣)، وسير أعلام النبرء له (٣٤٨/١٣ -
٣٤٩)، ولسان الميزان لابن حجر (٢٤١/٤).
(٥) هو محمد بن الفضل، لقبه: عارم، تقدم أنه ثقة ثبت.
(٦) هو الأنصاري، مولاهم، أبو موسى، وقيل: أبو حمزة، وقيل: أبو
عبد الله، البصري، أخو محمد (ت ١١٨ - أو - ١٢٠ هـ).
قال الحافظ في (التقريب)) (رقم ٥٦٣): ((ثقة)).
(٧) المعجم الكبير للطبراني (٢٤٣/١ رقم ٦٨٢).
(٨) مصنف ابن أبي شيبة (١٠٤/٢، ٤٥٤)، (رقم ٥١٠٠، ٨٢٠٤).
(٩) تهذيب الآثار، لابن جرير الطبري (مسند عمر بن الخطاب) (٢٥٧/١ رقم
٤٢٣).
٢٨٩

إبراهيم بن المنذر النيسابوري الحافظ الفقيه الشافعي (ت ٣١٨
هـ)، في (الأوسط)(١). كلهم من طريق الحسن، عن أنس. ولكن
من غير تصريح بمرافقة الحسن له! وما سبق كافٍ ومغنٍ في إثبات
هذه المرافقة.
فهاتان خَرْجَتَان من خرجات الحسن البصري للغزو، مما
تناقله الرواة، وحفظته الكتب. الأولى: سنة اثنتين وأربعين،
والثانية: سنة إحدى وخمسين. وكل غزوة منهما قد علمنا من
بقائه فيها سنتين، ولا ينافي هذا أن يكون بقي فيها أكثر من ذلك!
أو أنه غزا غير هاتين الغزوتين! بل هذا هو المظنون !!
وقد تقدم قول سليمان التيمي: ((كان الحسن قد أفنى عمره
في الغزو))(٢).
وصح عن محمد بن سيرين أيضًا، أنه سئل عن شيء من
أمر الطعام في الغزو؟ فقال للسائل: ((سل الحسن، فإنه كان
يغزو))(٣).
فمن هذا .. يظهر أنَّ الحسن البصري بعد خروجه من
المدينة إلى البصرة، انشغل بالجهاد عن التفرغ لطلب العلم،
وبالغزو عن الرحلة لسماع الحديث.
وهذا هو ما قد يفسر عدم سماع الحسن البصري من جماعة
من مشاهير الصحابة رضي الله عنهم، الذين عاصرهم الحسن،
ومع ذلك لم يسمع منهم.
وقد جعل الإمام الذهبي هذا التفسير : - كثرة جهاد الحسن -
تعليلاً لعدم سماع الحسن من أبي هريرة رضي الله عنه (٤).
(١) الأوسط لابن المنذر (٢٠/٤ رقم ١٧٣٦).
(٢) انظر ما سبق (٢٤٠).
(٣) المعرفة والتاريخ للفسوي (٤٨/٢ - ٤٩).
(٤) سوف يأتي: مبحث أبو هريرة، وسماع الحسن منه، - إن شاء الله تعالى -.
٢٩٠

فقد ذكر الإمام الذهبي في (سير أعلام النبلاء) مسألة سماع
الحسن من أبي هريرة، فمال إلى استنكار السماع، وفسر ذلك
بأسباب، قال ضمنها عن الحسن: ((وكان كثير الجهاد، وصار كاتبًا
لأمير خرسان الربيع بن زياد، وقال سليمان التيمي: كان الحسن
يغزو، وكان مفتي البصرة جابر بن زيد أبو الشعثاء(١) ثم جاء
الحسن فكان يفتي))(٢).
فهاهو الذهبي يعلل عدم سماع الحسن من أبي هريرة، بكثرة
خروج الحسن للجهاد.
ولا يعني قولُنا هذا وتعليلُ الإمام الذهبي السابق، أن جهاد
الحسن البصري قد عزله عن العلم، وشغله عنه بالكلية! وكل ما
يعنيه كثرة جهاد الحسن، أنه لم يرحل في طلبه رحلة واسعة، ولم
يَتَعَنَّ في شبابه عناءَ كبار الأئمة في عصره رغبةً في علو الإسناد.
ولذلك كثرت المراسيل في حديثه، وكثرت الوسائط بينه
وبين الصحابة رضي الله عنهم، ممن كان يمكنه الرحلة إليهم
ولقاؤهم.
وإلا فالجهاد لم يكن حائلاً بين الحسن والعلم، بل على
العكس! فإن جهاد الحسن، الذي كان يحضره الجم الغفير من
الصحابة، بابٌ من أبواب العلم عظيم.
قال البخاري في (التاريخ الكبير): ((قال الهيثم بن عبيد(٣)
(١) هو الأزدي، ثم الجوفي، البصري، مشهور بكنيته (ت ٩٣ - وقيل:
١٠٣ هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٨٦٥): ((ثقة فقيه)).
(٢) سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٧٢).
(٣) الهيثم بن عبيد الصِّيْد بن عبد الرحمن، بصري، روى عن أبيه وأبي
هرمز، روى عنه يحيى بن معين، وأبو موسى محمد بن المثنى،
وأحمد بن منصور الرمادي، ومحمد بن عبد الملك الدقيقي، والفضل بن=
٢٩١

حدثني أبي(١) عن الحسن، قال: قال رجل: إنك تحدثنا (قال
النبي (وَد)! فلو كنت تسند لنا؟ قال: والله ما كذبناك ولا كُذِبْنَا،
لقد غزوت إلى خراسان، معنا فيها ثلاثمائة من أصحاب
محمد وَلـ
أبو عاصم عن عبيد الصيد، عن الحسن: أدركت ثلاثمائة
من أصحاب النبي (وَل﴾)(٢).
وأورده المزي في (تهذيب الكمال) فقال: ((وقال أبو موسى
محمد بن المثنى(٣) حدثنا الهثيم بن عبيد [الذي يقال له الصِّيْد،
عن أبيه، قال: قال رجل للحسن: يا أبا سعيد، إنك تحدثنا
فتقول:] قال رسول الله ويالقر: فلو كنت تسنده إلى من حدثك؟
قال: يقول الحسن: أيها الرجل، ما كَذَبْنَا ولا كُذِبْنَا، ولقد غزونا
غزوة إلى خراسان، ومعنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد وَله،
وكان الرجل منهم يصلي بنا، وكان يقرأ الآيات من السورة، ثم
یرکع)»(٤).
سهل الأعرج، ذكره ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل))، ولم يورد فيه
==
جرحاً أو تعديلاً، بينما ذكره ابن حبان في ((الثقات)).
ومثله روى عنه إمام الجرح والتعديل: يحيى بن معين: لا ينزل عن مرتبة
الصدوق.
انظر الجرح والتعديل (٨٤/٩). والثقات لابن حبان (٥٧٧/٧) (٩/
٢٣٦)، وانظر قواعد في علوم الحديث للتهانوي (٢١٨).
(١) عبيد بن عبد الرحمن، أبو عبيدة البصري، يعرف بالصّيْد.
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٤٣٨٢): ((صدوق)).
(٢) التاريخ الكبير للبخاري (٤٥٢/٥).
(٣) هو ابن عبيد العنزي، أبو موسى البصري، المعروف بالزَمِن (ت ٢٥٢
هـ) .
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٦٢٦٤): ((ثقة ثبت، كان هو وبندار فرسي
رهان».
(٤) تهذيب الكمال (١٢٤/٦)، والزيادة بين المعقوفتين ساقطة من المطبوع
فاستدركتها من المخطوط (٢٥٩/١).
٢٩٢

قلت: فهذا إسناد حسن، وأبو موسى محمد بن المثنى من
شيوخ البخاري(١)، على أن المزي قد تكفل بما أخفاه من أسانيد
نقوله، مع جزم البخاري في تعليقه للخبر.
ثم إن الهيثم بن عبيد قد توبع على أبيه، بما رواه أبو
عاصم الضحاك بن مخلد(٢) عن عبيد الصيد، كما في (التاريخ
الكبير) للبخاري.
ومتابعة أبي عاصم اقتصرت على عدد الصحابة الذين أدركهم
الحسن .
ومع أن أبا عاصم شيخ للبخاري(٣) إلا أنه لا يحق لي
الجزم باتصال الخبر الذي نقله عنه البخاري! إذ لم يذكره عنه
البخاري بصيغة دالةٍ أو محتملة للتلقي.
ثم إني وجدت الخبر السابقَ مسندًا في (الكامل) لابن
عدي، فالحمد لله!
قال ابن عدي: ((حدثنا أحمد بن محمد بن عمر بن بسطام(2)
(١) انظر المعجم المشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النبل، لابن عساكر
(رقم ٩٤٩).
(٢) هو الشيباني، أبو عاصم النبل، (ت ٢١٢هـ، أو بعدها).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٢٩٧٧): ((ثقة ثبت)).
(٣) انظر: أسامي مشايخ البخاري لابن مندة، (رقم ١٢١)، وحاشية تحقيقه.
(٤) أحمد بن محمد بن عمر - أو عمرو - بن بسطام المرزوي، لم أجد له
ترجمة، لكنه أحد شيوخ ابن حبان في الصحيح، انظر الإحسان (رقم
٧٣٠٩)، وقد قال ابن حبان في مقدمة صحيحه (الإحسان ١٤١/١):
((ولعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ، من أسبيجاب إلى الإسكندرية،
ولم نرو في كتابناهذا إلا عن مئة وخمسين شيخاً، أقل أو أكثر ولعل
معوّل كتابنا هذا يكون على نحو عشرين شيخاً، ممن أدرنا السنن عليهم،
واقتنعنا برواياتهم عن رواية غيرهم، على الشرائط التي وصفنا».
٢٩٣
=

حدثنا سعيد بن مسعود(١) حدثنا الهيثم بن عبيد الصيد: حدثنا
أبي: عن الحسن ... )) فذكره: نحو لفظه في (تهذيب الكمال)(٢).
وهذا إسناد حسن.
فإذا كانت إحدى غزوات الحسن البصري كان معه فيها
ثلاثمائة رجل من أصحاب النبي ◌َلجر، فكيف يكون الغزو حائلاً
بين الحسن وطلب العلم النبوي الشريف؟!
ولا يصح اعتقاد أن الذهبي كان يرى أن الغزو حال بين
الحسن والعلم، والذهبي ذكر في كلامه السابق - كما تقدم - عن
سليمان التيمي، أنه قال: ((كان الحسن يغزو، وكان مفتي البصرة
جابر بن زيد أبو الشعثاء، ثم جاء الحسن فكان يفتي))(٣).
فهل الذي يأتي من الغزو مفتيًا، كان الغزو حائلاً بينه وبين
العلم؟! أم كان الغزو له حلقة عظيمة من حلقات العلم، بوجود
تلك الكوكبة العظيمة من صحابة الرسول وَل﴿؟!
وقد قال مطر الوراق(٤): ((كان رجل أهل البصرة: جابر بن
فهذا يدل على أن شيوخ ابن حبان في صحيحه ثقات عنده، وقد قرر ذلك
=
ابن حجر في ترجمة أحمد بن علي بن الحسين المدائني، من لسان
الميزان (٢٧١/١).
(١) سعيد بن مسعود بن عبد الرحمن، أبو عثان المروزي (٢٧١ هـ).
قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء) (٥٠٤/١٢ - ٥٠٥): ((المحدث
المسند، أحد الثقات)).
(٢) الكامل لابن عدي (١٥٩/١).
(٣) انظر ما سبق (٢٩١).
(٤) مطر بن طهمان الورّاق، أبو رجاء السلمي مولاهم، الخراساني، سكن
البصرة (ت ١٢٥ هـ، وقيل: ١٢٩).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٦٦٩٩): ((صدوق كثير الخطأ، وحديثه
عن عطاء ضعيف)).
وحرر الإمام الذهبي عبارته فيه، فقال في (سير أعلام النبلاء) (٤٥٣/٥):
((وغيره أتقن للرواية منه، ولا ينحط حديثه عن رتبة الحسن، وقد احتج به
مسلم) .
=
٢٩٤

زيد، فلما ظهر الحسن، جاء رجل كأنما كان في الآخرة، فهو
يخبر عمَّا رأى وعاين))(١).
فالحسن عندما رجع من الغزو إنما رجع إمامًا ضخمًا! ولم
يفتر بعده عن طلب العلم أيضًا !! لكن فاته شيء من علو الإسناد.
وفوات علو الإسناد، هو الأثر الحقيقي لكثرة جهاد الحسن
البصري، بل هو الأثر الوحيد، وهذا هو ما عناه الإمام الذهبي،
وسبق أن شرحته.
والله أعلم.
ومما فات الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب: أن علي بن المديني قال
=
عن مطر: ((كان صالحاً وسطاً، لم يكن بالقوي))، سؤالات محمد بن
عثمان بن أبي شيبة لعلي بن المديني (رقم ٣)، وقال الإمام أحمد بن
حنبل: ((إن قتادة جلس مجلس الحسن، فلما مات جلس مطر بعده)) تاريخ
أبي زرعة الدمشقي (رقم ١١٣٥)، وقال محمد بن إسحاق بن مندة في
كتاب الإيمان (١٤٢/١ رقم ١٠): ((محله الصدق))، وذكره الحاكم في
نوع معرفة الأئمة الثقات المشهورين، معرفة علوم الحديث للحاكم
(٢٤٨).
ووجدت أن الترمذي أخرج له في جامعه (رقم ٣٤٧٠)، ثم قال: ((حسن
غریب».
هذه كلها أقوال فاتت الحافظ ابن حجر في التهذيب، في ترجمة مطر
الوراق !! (التهذيب ١٦٧/١٠ - ١٦٩).
(١) التاريخ الكبير للبخاري (٢٩٠/٢، المعرفة والتاريخ للفسوي (٤٨/٢).
٢٩٥

الفصل الثاني
مرتبة مراسيل الحسن البصري

الفصل الثاني:
مرتبة مراسيل الحسن البصري
وأعني بـ(المرسل) في هذا المبحث، ما أرسله الحسن
البصري إلى النبي ◌َل﴿لـ دون ذكر الواسطة، أي: ما قال فيه
الحسن: قال النبي ◌َله. هذا ما أعنيه - بالدرجة الأولى - من
مراسيل الحسن البصري، وهو ما عناه الأئمة منها، لأن المرسل
أول ما ينصرف - إذا (أطلقوه) إلى (المرسل المطلق).
ويجب التنبيه إلى أن مُفاضلات المحدثين بين مراسيل [معنى قول
المحدثين:
«مراسيل
فلان
صحاح)).]
التابعين إلى النبي وَلله، كقولهم مثلاً: إن مرسل فلان صحيح -
ليس هذا منهم تصحيحًا للمرسل، تصحيح قبولٍ واحتجاج؛ لكنهم
يعنون بذلك أن مرسله أصح من مرسل فلان، أي: أقل ضعفًا من
مرسله، إذ إن (المرسلَ) منقطع، ولا تقوم الحجة بالمنقطع عند
المحدثین.
إذًا ... فقولهم: فلان صحيح المراسيل، أي: مرسله أصح
من مرسل غيره، أي: أقل ضعفًا. ولا يقصدون أن مرسله من
قسم (الصحيح) المقبول مطلقًا، لكنه مما فُتِشَ في الغالب فَوُجِدَ
متابَعًا بما يدل على صحته.
أقول هذا .. لأن المرسل في ذاته ضعيفٌ غير محتج به،
عند الكافة! أو يكاد يكون قول الكافة.
قال ابن رجب الحنبلي في (شرح علل الترمذي): ((واعلم
أنه لا تنافي بين كلام الحفّاظ وكلام الفقهاء في هذا الباب، فإن
الحفاظ إنما يريدون صحة الحديث المعين إذا كان مرسلاً، وهو
٢٩٩

ليس بصحيح على طريقتهم، لانقطاعه وعدم اتصال إسناده إلى
النبي وَلهر. وأما الفقهاء فمرادهم: صحة ذلك المعنى الذي دل
عليه الحديث، فإذا عضد ذلك المرسل قرائن تدل على أن له
أصلاً، قوي الظن بصحة ما دل عليه، فاختجَّ به مع ما احتف به
من القرائن)).
قال ابن رجب: ((وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل،
عند الأئمة: كالشافعي، وأحمد، وغيرهما، مع أن في كلام
الشافعي ما يقتضي صحة المرسل حينئذ، وقد سبق قول الإمام
أحمد في مرسلات ابن المسيب: صحاح، ووقع مثله في كلام ابن
المديني وغيره))(١).
قلت: فهذا هو تقرير ما سبق، من أن ما يذكره المحدثون
عن (تصحيح مراسيل فلان): أنهم يعنون بذلك قوة مراسيله بالنسبة
لغيره، مع كونها لم تخرج من حيث الاحتجاج بها عن حيز
الضعف عندهم.
وعلى هذا المعنى قال ابن عبد البر في (التمهيد): ((اختلف
الناس في مراسيل الحسن: فقبلها قوم، وأباها قوم))(٢).
ومن قول ابن عبد البر هذا، نبدأ بعرض أقوال الأئمة في
مراسيل الحسن البصري :
وأبدأ بمن وهّی مراسیل الحسن:
قال محمد بن سيرين؛ ((ثلاثة كانوا يُصَدِّقون مَنْ حَدَّثَهم:
أنس، وأبو العالية، والحسن البصري)) (٣).
[مَنْ وَهِّی
مراسيل
الحسن]
(١) شرح علل الترمذي لابن رجب (٥٤٣ - ٥٤٤).
(٢) التمهيد لابن عبد البر (١/ ٥٧).
(٣) العلل للإمام أحمد (رقم ٩٨٩)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (٣٥/٢،
٤٣)، والجعديات لأبي القاسم البغوي (رقم ١٢٠٤)، وسقط من إسناده
محمد بن سيرين، فجاء وكأن الكلام لابن عون! وسنن الدارقطني (١/
١٧١ - ١٧٢)، وغيرهم.
٣٠٠