Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢ - أم أن الحكم بـ (الإرسال) على رواية المخضرم عن رسول الله وَطير، إنما هو - كما قال الحافظ ابن حجر - للتفريق بين (رواية المعاصر عمن لم يلقه) و(التدليس)؟ والصواب الذي بان لي - بحمد الله - أن كلا القولين جانبَ الصواب! حيث إن كليهما أخذ طرفًا من الحَقِّ ولم يُتِمَّهُ بِطَرَفِهِ الآخر. فلا (المخضرم) (من عُرف عدم لقيه) كما قال ملا علي القاري وغيره، ولا كون المخضرم: (من لم يُعرف له لقاء) بالذي يدلّ على أنّ هناك فرقًا بين (رواية المعاصر عمن لم يلقه) و(التدليس) كما أراد الحافظُ ابن حجر. أمَّا أن المخضرم لا على ما قال ملا علي القاري: (من عُرف عدم لقيه)، فهذا يظهر من طُرُقٍ ثُبوت الصحبة التي ذكرها ونصَّ عليها العلماء. وهي أربع طُرُق: ١ - التواتر بالصحبة. ٢ - الاستفاضة والاشتهار بها. ٣ - إثبات صحابي، أو تابعيِّ ثقةٍ، الصحبةَ لشخص ما. ٤ - أن يصف الراوي نفسَه بالصحبة، إذا كان عَذْلاً في نفسِه، ومُعاصرًا للنبي وَلِ﴾(١). فإذا استثنينا (التواتر) و(الاستفاضة) فهل يلزم أن تثبت لكل صحابي صحبته بالطريقتين الأخيرتين؟ وهل يستحيل تخلّفُ ثبوت الصحبة بهما نقلاً أو عقلاً؟ وهل يلزم بعد ثبوتها - افتراضًا - (١) انظر الكفاية للخطيب (٧٠)، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (١/ ٥ - ٦)، وفتح المغيث للسخاوي (٨٩/٤ - ٩٣)، وتدريب الراوي للسيوطي (٢١٣/٢ - ٢١٤). ٢٠١ اتّصالُ نَقْلِها إلينا؟ ونحن نعلم يَقِينًا أن مِنَ الصحابة الذين حضروة حجة الوداع وغيرها من المجامع العظيمة مَنْ لا نَعرِفُ عنه شيئًا! ولا حتى اسمَه! فبعد هذا: إذا ثبتت لراوٍ ما معاصرةٌ بالنبيِ وَ ﴿ ولم يَتْفِ هو عن نفسه الصحبة، ولا نفاها عنه عَدْلٌ أدركه، فهل يَحِقُّ لنا بعد ذلك: أن نقطع بعدم لقائه بالنبي مَلآ؟ فإن كان لا يَحِقّ لنا ذلك، فماذا نُسَمِّي مَنْ هذه حاله؟ لا شك أننا لا نقطع بعدم اللقاء، ولا نستطيع القَطْعَ بهذا النَّفي، ولا يحق لنا؛ لأننا: لا أدركنا ذلك بالمشاهدة، ولا بَلغَنا ذلك بنقل العَدل المُشَاهِد. فلن يكون جَزْمُنا بعدم اللقاء إلا تجاوزًا لما أمرنا الله تعالى بالوقوف عنده في قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ إذ إن عدم العلم بالشيء ليس دليلاً على عدمه. أمَّا: ماذا نُسَمِّي مَنْ هذه حاله؟ فلا شك أنه لا يسمى صحابيًّا، ولا يُخَالف في ذلك أحد. فهو - أولاً - لم تثبت له الصحبة بأحد الطرق المنصوص عليها لإثبات الصحبة، ثم - ثانيًا - في إثبات الصُّحبة له من المحظور ما هو أشدُّ مِن المحظور بالقطع بعدم الصحة، لأنه مع كونه قَفْوًا لما ليس لنا به علم، فإنه أيضًا إثباتٌ لِشَرَفٍ عظيم، ومَنْحٌ لحقوق كثيرةٍ منها: العدالة المطلقة، لمن قد لا يكون من أَهْل ذلك. وقولنا: إنه لا شك في أنه لا يسمى صحابيًا، ليست كما لو قلنا: إنه ليس بصحابي، لأن قولنا: إنه ليس بصحابي، يعني القطع بعدم اللقاء في حقيقة الحال، وهو ما بيّا عدم جوازه. إذًا فلم يبقَ إلا أننا نُسمِّي الراوي الذي عاصر النبي ◌َّ، ولم ٢٠٢ يَثْبُتْ له لقاء عندنا: بأنه (المخضرم)، فالمخضرم على هذا: من لم يعلم له لقاءً، لا (من عُرف عدم لقيه) كما قال ملا علي القاري. ولذلك تجد أن المصنّفين في (المخضرمين) يذكرون فيهم، مَنْ في صحبته نظر، ومن في صحبته خلاف. قال السخاوي في (فتح المغيث): ((عَدَّ غيرُ واحدٍ من مصنفي الصحابة جماعةً من المخضرمين، لكون أمرهم على الاحتمال، حتى إن بعضهم يُصرِّحُ بقوله: لا أدري أله رؤية أم لا. وأحاديثهم عن النبي ◌ُّ مرسلة بالاتفاق مع أهل العلم بالحديث))(١). ومن أمثلة ذلك: أمية بن الأشكر الجُنْدَعِيّ، ذكره برهان الدين الحلبي في كتابه (تذكرة الطالب المعلّم بمن يُقال إنه مخضرم)، وقال في ترجمته: ((قال الذهبي: في صحبته نظر، وقد حَمَّره، فهو تابعي عنده، وهو مخضرم على ما قالوه في تعريف المخضرم»(٢). وأيضًا ذكر برهان الدين الحلبي في المخضرمين: جُبير بن الحويرث، ونقل عن شيخه العراقي أنه استدركه في (المخضرمين) على الإمام مسلم وابن الصلاح، اللذين صَنَّفًا فيهم، ثم نقل عن الذهبي أنه أثبت له الرؤية، وأن الصَّغاني قال: ((مختلف في صحبته))، وسوى ذلك من الاختلاف ... ومع ذلك يذكره في (٣) المخضرمین . وهذان مثلان كالأنموذج لأمثلة سواهما كثيرة. (١) فتح المغيث (١٦٠/٤). (٢) تذكرة الطالب المعلم لبرهان الدين الحلبي (٣١٨)، وانظر تجريد أسماء الصحابة للذهبي (رقم ٢٤٢). (٣) تذكرة الطالب المعلم لبرهان الدين الحلبي (٣١٩)، وانظر: نقعة الصديان للصغاني (٢٢ رقم ٢٤)، وتجريد أسماء الصحابة للذهبي (رقم ٧٣٣). ٢٠٣ وبذلك يظهر أن (المخضرم): من لم تثبت له صحبة، ولا يلزم القَطْعُ بنفي الصحبة لنصف الراوي بأنه مخضرم. وإذا كان الشأن في المخضرم أنه: (من لم تثبت له صحبة، مع احتمالها)، فهل عُدُولُ المحدثين عن وَصْفٍ حديثه عن الرسول 38 بـ (التدليس)، مع المعاصرة واحتمال اللقاء، يدل على ما قاله الحافظ؟ من التفريق بين (التدليس) و(رواية المعاصر عمن لم يلقه) .. هذا ما يزعمه الحافظ ابن حجر! لكنك لاحظتَ أن المحدثينَ أَبَوْا أن يصفوا (المعاصر للنبي صل﴿ الذي لا نعرف له به لقاءً) بأنه صحابي، ولا يختلفون في ذلك. وهم باتفاقهم على عدم وصفه بالصحبة، وعدم تَرَدُّدِهم في ذلك، فإنهم إنما يُبَيِّئُونَ لنا أن عدَمَ صُحْبَةٍ مَنْ على تلك الحال ظَنَّ غالب، قَائِمٌ بالحجة. مع أنهم مع عدم وصفه بالصحبة - بناء على الظنّ الغالب - لا يتدخّلون في الغيب، بنفي حصول الصحبة في واقع الحال! وهذا من عِلْم المحدثين ووَرَعِهِم، ورَجَاحَةِ عقلهم، رحمهم الله تعالى! وأمَّا سبب غلبة ظنّهم بعدم حصول الصحبة لمن عاصر النبيَّ ◌َِّ، ولم تَثْبُتْ لنا صُخْبَتُه، لعدم علمنا باللقاء، فالظاهر أنه بسبب: أن الصحبة شَرَفٌ عظيم، ومكانة رفيعةٌ، فعدم ثبوتها لرجل بلَغَنا اسمُه وشيءٌ من نَقْلِهِ أو خَبَر، يجعلنا نُرَجِّحُ عدم حصولها له في واقع الحال: أولاً: لأنها - أعني الصحبة - شَرَفٌ تَتوفّرُ الدواعي لحفظه وإثباته ونقله، مع ما حُفظ لنا من اسْم ذلك الراوي ونُقل عنه، فكان يجب أن يكون إثباتُ صحبته قَرِينَاَ لاسمه، بل مُقدَّمًا عليه. وثانيًا: أن الشرف الصحبة من حقوق الإكرام، والترضِّي، وحِفْظِ اللسان، واعتقادِ العدالة، وغير ذلك من الحقوق العظيمة، ٢٠٤ ما يستلزم استخدامَ الحيطة في إلحاقها بالراوي الذي لم تثبت له، والخَيْطة تقتضي نَفْيَهَا عنه حتى تثبت. والحيطة في إثبات الصحبة من الحيطة للدين، لأن اعتقادَ عدالةِ الصاحب، تستلزم عدم التردُّدِ في تصديق خبره، لذلك وجب الاحتياط في إثبات الصحبة كما نحتاط للدين، لأنها من الدين. لهذا أبى المحدثون إثبات الصحبة، لمن لم نعلم له لقاء بالنبي وَلو، وسموا هذا: بالمخضرم، والمخضرم من التابعين. إذا علمتَ ذلك، فقد ظهر لك سبب عُدُولِ المحدثين عن وَضْفِ حديث المخضرمين عن الرسول وَ ل ﴿ بـ (التدليس)، وأن وصفهم له بـ (الإرسال) لا كما قال الحافظ ابن حجر: من أنهم يفرقون بين (رواية المعاصر عمن لم يلقه) و(التدليس). ووجه الاستدلال بالتحرير السابق على الحافظ ابن حجر، هو: أن احتمال لقاء المخضرم بالنبي ◌ّ﴿ احتمال ضعيف، بل لا وَزْنَ له، بدليل عدم إثبات الصحبة له. وعدم إثبات الصحبة له يدل عليه عدم صحّة وصفه بها، وأن المسألة مطروحة في رواية (المخضرم). فضعف احتمال لقاء المخضرم بالنبي وَل فور، الذي بينا دليله، هو سبب وصف المحدثين لحديثه عن النبي وَل قر بـ (الإرسال)، وعدم وصفه بـ (التدليس). لأن ضعف احتمال اللقاء، ذلك الضعف القوي! قائمٌ مقامَ عدم الإدراك والمعاصرة، جاعلٌ الانقطاع بين المخضرم والنبي وَه انقطاعًا ظاهرًا غير خفي، مُلحِقٌ هذه الرواية بـ (الإرسال الجلي)، ثم مُظهِرٌ بذلك سببَ عدُولهم عن وصفها بـ(التدليس)، وأنه لعدم خفاء انقطاعها الخفاءَ الموهِمَ للسماع، ثم بعد ذلك جميعِه: مُسْقِطْ ما احتجَّ به الحافظُ من هذه المسألة على تفريقه المُدّعَى !! ثم إن المخضرمين من التابعين، وإن كانوا الطبقة الكبرى ٢٠٥ فيهم(١). وقد قال الحافظ ابنُ حجر نفسه في (نزهة النظر) ((والصحيح أنّهم معدودون في كبار التابعين))(٢). فإذا كان المخضرمون من التابعين، وإذا كان حديث التابعيّ عن النبي ◌ِّه (مرسلَ) باتفاق، وليس (مدلسًا) بإجماع، فماذا يُنكر الحافظُ من ذلك؟ !! إذًا فالفرق الأول بين (رواية المخضرم عن النبي ◌َّ﴾) و(رواية المعاصر عمن لم يلقه)، أن (رواية المخضرم عن النبي ◌ِّ) من باب (الإرسال الجلي)، الذي لا خلاف في مباينته للتدليس، وأنه ليس منه باتفاق، على عكس (رواية المعاصر عمن لم يلقه) !! والفرق الثاني: أن المحدثين خَصّوا رواية الراوي عن النبي ◌َّله بمصطلحات خاصة، لأن الرواية عنه بَلّز هي أصل علم الحديث، وهي السببُ في وجوده وإبداع الأمّة له. ومن ذلك: أنهم خَصُّوا المرويَّ عنه ◌َّر بـ(المرفوع)، والمرفوعَ المتصلَ ظاهرًا بـ (المسند)، ورواية التابعي عنه وَّر بـ (الإرسال) غالبًا، مع أنها انقطاع كباقي الانقطاعات. فَجَزْيًا على عادتهم من ذلك، لا بأس أن يَخُصُوا رواية المعاصر له عنه وَّلهر مع عدم لقائه بـ(الإرسال)، خلافًا لمن عاصر غيره ولم يلقه. ولم يكن هذا التخصيص بغير سبب، فإن في وصف رواية المعاصر للنبي 19 مع عدم لقائه له بـ (الإرسال) فائدة وهي: الجَزْمُ بعدم الاتصال، وذلك لا يوجد في وصفها بـ (التدليس). لأن الوصف بـ (الإرسال) قاطع بالانقطاع، وأما (التدليس) (١) علوم الحديث لابن الصلاح (٣٠٢ - ٣٠٣)، وفتح المغيث للسخاوي (٤/ ١٥٦ - ١٦٢)، وتدريب الراوي للسيوطي (٢٣٨/٢ - ٢٤٠). (٢) نزهة النظر (٥٧). ٢٠٦ فالوصف به مُخْتَمِلٌ للاتصال مُغَلِّبٌ لعدمه، كما سبق أن شرحناه(١). والاحتياط للسنة يستلزم ردَّ ما يستحقّ الردّ والتوقُّفَ فقط فيما يستحق التوقّف، وذلك يقتضي تقديمَ الوصف بـ (الإرسال) على (التدليس)، في رواية المخضرمين عن النبي وَّر، لما تقدّم آنفًا شرحه، من أن الانقطاع في حديثهم شبه متحقّق أو هو متحقّق غالبًا. وهذا الانقطاع المتحقق يقتضي ردَّ روايتهم، وردَّ الرواية يقدّم الوصف بـ (الإرسال) على الوصف بـ (التدليس). وأيضًا فمما خصوا به الرواية عن الرسول وقلّ باصطلاح، ما أطلقوا عليه اسم (مراسيل الصحابة)، وهي رواية الصحابي عن الرسول ﴿ مالم يسمعه منه، وإنما سمعه من صحابي آخر، فأسقطه، وروى عن النبي ول﴿ بلا واسطة، فصورة (مراسيل الصحابة) هي صورة (التدليس) باتفاق(٢)، مع ذلك خصوها بذلك الاسم دون (التدليس)(٣)، وحكموا عليها بالاتصال. وأفردت هذه المسألة بالذكر، لأنها ألصق بما نحن فيه، ولأنها قد ذُكرت في الرد على الحافظ، ودار حولها نقاش. فقد ذكر المُنَاوي احتجاجَ الحافظ برواية المخضرمين على تفريقه المزعموم، فقال مَعَلِّقًا على ذلك: ((قال بعضُ مشايخنا: قد (١) انظر ما سبق (٧٧). (٢) انظر النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٦٢٣ - ٦٢٤). (٣) تقدّم أن مصطلح (مراسيل الصحابة) مما أدخله الأصوليون على علوم الحديث، وأمّا عند المحدثين من أهل الاصطلاح فإنه من المسند المتّصل. فيمكن أيضاً أن نحتجّ باصطلاح أهل الاصطلاح في مسألتنا هذه، بتسميتهم مالم يسمعه الصحابي (مسنداً) و(متصلاً)، لكني آثرت أن أذكر مصطلح الأصوليين لأنه حجّةٌ عندَ من نُناظره، ولأني مسبوق بهذا الاحتجاج بذكر هذا المصطلح. ٢٠٧ يقال: إنما وصفوا رواية من ذكر بالإرسال لأنهم من التابعين، وتحديث التابعين عن النبي والقر لا شك في وصفه بالإرسال. وممّا يؤيده أن تحديث الصحابي عن النبي وَّر، بحديث لم يسمعه منه، مع تحقق اللقاء، لا يوصف بالتدليس أدبًا، مع أنه منه. إلا أن يجاب: بأن تحديث الصحابي المذكور قد أطلق عليه بعضهم أنه تدليس، ورواية هؤلاء وقع اتفاقهم على أنها ليست من التدليس، كما ذكره الشارح، ولم يُعَدَّ أحدُ هؤلاء من المدلسين، مع محافظتهم على عدِّ من وُصِف بذلك من غيرهم))(١). هذا كلام المناوي، وفيه وعليه ما سيأتي. و(البعض) الذي عناه المناوي بقوله: ((إلا أن يجاب: بأن تحديث الصحابي المذكور قد أطلق عليه بعضهم بأنه تدليس)»، قد أوضحه الحافظ ابن حجر في (النكت على كتاب ابن الصلاح)، حيث قال: ((واعلم أن التعريف الذي ذكرناه للمرسل(٢)، ينطبق على ما يرويه الصحابة عن رسول الله و 18 مما لم يسمعوه منه، وإنما لم يطلقوا عليه اسم التدليس، أدبًا، على أن بعضهم أطلق ذلك، روى أبو أحمد ابن عدي في (الكامل): ((عن يزيد بن هارون عن شعبة قال: كان أبو هريرة ربما دلس)). والصواب ما عليه الجمهور من الأدب في عدم إطلاق ذلك))(٣) . إذًا فالذي نسبه المناوي (لبعضهم) إنما هو شعبة بن الحجاج رحمه الله، فيما رواه عنه ابن عدي في ((الكامل)). وقبل الكلام عن اعتراض المناوي بما نسبه إلى (بعضهم)، (١) اليواقيت والدرر للمناوي (٣٦٨/١ - ٣٦٩). (٢) كذا وقع في مطبوع النكت، والصواب - كما أفهمه - أن يكون: ((للمدلس)) ويتضح ذلك أكثر بالرجوع إلى كامل الموضوع في موضعه. (٣) النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٦٢٣ - ٦٢٤). ٢٠٨ فقد تكلَّفْتُ طلبَ إسناد هذا النقل عن شعبة، فشعبة أمير المؤمنين في الحديث، وإطلاقه (التدليس) على أبي هريرة رضي الله عنه غریب منه! فوجدتُ كلام شعبة في مقدمة (الكامل في الضعفاء) لابن عدي(١) التي ترجم فيها لكبار أئمة الجرح والتعديل، فكان من أبرز من ترجم له، شعبة بن الحجاج، وجاء النقل المذكور عنه في ترجمته. لكني أَصِبْتُ بخيبة أمل، عندما وجدتُ النقل المذكور عن شعبة ليس من طريق يزيد بن هارون عن شعبة، كما ذكر الحافظ ابن حجر. فَجَهِدْتُ في طلب طريق يزيد بن هارون عن شعبة، حتى وجدتُه في (تاريخ دمشق) لابن عساكر، في المخطوط منه، وفي ترجمة أبي هريرة الطويلة فيه(٢). فوجدتُ أن ابن عساكر يروي الكلام المنقول عن شعبة من طريق ابن عدي، فأظهر إسنادُ ابن عساكر إلى ابن عدي أنه وقع في المطبوع من (الكامل في الضعفاء) لابن عدي سَقْطٌ، كان هذا السقطُ من الإسناد هو یزیدَ بنَ هارون !! قال ابن عدي - كما في المصدرين -: ((أخبرنا الحسن بن عثمان التُّسْتَرِيّ: أخبرنا سلمة بن شبيب [قال سمعت يزيد بن هارون]، قال: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلس)). وبالنظر في هذا الإسناد وجدت أنه مردود ساقط !!. حيث إن الحسن بن عثمان بن يزيد التُّسْتَرِي، شيخ ابن عدي، قال عنه ابن عدي نفسه: ((كان عندي يضع ويسرق حديث الناس))(٣). ووصفه بالوضع أو الكذب أيضًا غير واحد سوى ابن عدي(٤)، حتى ذكره برهان الدين الحلبي في (الكشف الحثيث (١) الكامل لابن عدي (٦٨/١). (٢) تاريخ دمشق - خط - (٢٣٩/١٩ - ٢٤٠). (٣) الكامل لابن عدي (٣٤٥/٢ - ٣٤٦). (٤) انظر لسان الميزان لابن حجر (٢١٩/٢ ٢٢٠). ٢٠٩ عمن رمي بوضع الحديث)(١)، الذي اشترط في تصنيفه له: أن لا يذكر فيه إلا من صُرِّح بأنه (وضع الحديث)، ولا يكتفي بمثل قولهم: (متهم)(٢). فظهر بهذا أن نسبة ذلك اللفظ الشنيع في أبي هريرة رضي الله عنه إلى شعبة غير صحيح! وأن شعبة منه بريء لم يتلطّخ به !! وعليه ... فلا مخالف في عدم إطلاق (التدليس) على الصحابة رضي الله عنهم(٣)، وسقط بذلك ما أجاب به المناوي على ما تُعقّب به الحافظ ابن حجر! ثم لو صح هذا عن شعبة وحده أو غيره، مخالفًا - كما قال الحافظ ابن حجر نفسه - الجمهور بذلك، فلن يقوم شذوذُه - لو صح عنه - بردِّ اصطلاح الجمهور، فضلاً عن أن يكون شذوذُه اصطلاحًا مُغْتَبَرًا في هذا العلم! وقبل الانتقال من هذه المسألة أوقفك على ما فات العلامة المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (ت١٣٨٦ هـ) رحمه الله، مما لو وقف عليه لفرح به جدًّا، فقد احتج المخذول أبو رية في طعنه على أبي هريرة رضي الله عنه، بالمنقول السابق عن شعبة، فرد عليه المعلمي في (الأنوار الكاشفة)، بقوله: ((هذه عبارة ابن كثير في ((البداية)) ساق كلمة بُسْر المتقدمة ووصلها بهذه الحكاية. وهي حكاية شاذة، لا أدري كيف سندها إلى يزيد؟ ويقع في ظني - إن كان سندها صحيحًا - أنه وقع تحريف، فقد يكون (١) الكشف الحثيث لبرهان الدين الحلبي (رقم ٢١٦). (٢) انظر مقدمة الكشف الحثيث، لبرهان الدين الحلبي (٢٥). (٣) ولا يخفى عليّ أنه جاء عن رجل آخر غير شعبة نسبةُ التدليس إلى الصحابة رضي الله عنهم، لكن المصدر الذي نقل ذلك مَصْدَرٌ غير موثوق ولا مأمون! انظر قبول الأخبار لأبي القاسم الكعبي المعتزلي - مخطوط . (٢١٨). ٢١٠ في الأصل: (أبو حرة)، فتحرفت على بعضهم فقرأها: (أبو هريرة)، وأبو حرة معروف بالتدليس ... ))(١). كذا توقف المعلمي - رحمه الله - من هذه الكلمة موقف الريبة والشك !! وذلك لما تشربه رحمه الله، وعرفه عن المحدثين، من إجلالهم العظيم للصحابة رضي الله تعالى عنهم. وبذلك نصل إلى تمام الرد على الحافظ ابن حجر، وما احتج به، من رواية المخضرمين عن رسول الله وَله. وكان آخرُ ما رددنا عليه: أن المحدثين خصوا ما يُروى عن الرسول # بمصطلحات خاصة، منها ما خصوا به رواية المخضرمين المذكورة بـ (الإرسال) دون (التدليس) ... وقد بينا سببًا لذلك فيما سبق. ومما يؤكد أن ذلك المصطلح الذي أطلقوه على رواية المخضرم عن النبي 18 (وهو الإرسال) إنما أطلقوه عليها لخصوصية الرواية عن النبي وَ﴾، أنهم لم يتحرَّجُوا مِنْ وَصْف رواية المخضرم عن غير النبي ◌َّير من الصحابة الذين عاصرهم ولم يلقهم بـ (التدليس) !! فهذا جبير بن نفير بن مالك الحضرمي، الحمصي، الثقة الجليل (ت ٨٠ هـ) أو بعدها(٢)، وهو مخضرم كما أثبت له ذلك كل من برهان الدين الحلبي(٣)، والحافظ ابن حجر (٤). (١) الأنوار الكاشفة لما في كتاب (أضواء على السنة) من الزلل والتضليل والمجازفة، للعلامة عبد الرحمن المعلمي (١٦٣). (٢) انظر تهذيب التهذيب (٦٤/٢ - ٦٥)، وتقريبه (رقم ٩٠٤). (٣) تذكرة الطالب المعلم بمن يقال إنه مخضرم، لبرهان الدين الحلبي (٣١٩). (٤) (التقريب)) (رقم ٩٠٤). ٢١١ مع ذلك يقول الإمام الذهبي في (تذكرة الحفاظ): ((حديثه في الكتب كلها، سوى صحيح البخاري، وما ذاك للين فيه، ولكنه ربما دلس عن قدماء الصحابة، والبخاري لا يقنع إلا بأن يصرح الشيخ بلقاء من روى عنه))(١). وتبع الذهبي على ذلك ابن عبد الهادي في (طبقات علماء الحديث) حيث قال: ((وكان من جلة العلماء، ولم يخرج له البخاري، لأنه ربما دلس عن قدماء الصحابة)) (٢). فظاهر من كلامهما، أن المسألة في رواية المخضرم عن معاصر من الصحابة لم يلقه ... ومع ذلك يصفانها بالتدليس !! وهذه طَعْنَةٌ ذات نَصْلَيْن في احتجاج الحافظ ابن حجر رحمه الله !! أمَّا كون المسألة مفروضة في رواية المخضرم عن (معاصر)! ومن أين لنا أنها مفروضة في (المعاصر)؟ فَمِمّا تردّدْتُ في الردّ عليه لوضوحه! ثم تَجَلَّدَتْ للردِّ عليه! فأولاً: لأن جبير بن نفير مخضرم، بل قد صَرّحوا أنه أدرك الجاهلية(٣). وثانيًا: أن قدماء الصحابة الذين أبهمهم كل من الذهبي وابن عبد الهادي، وأن جبير بن نفير دلس عنهم، وجدتُ أنهما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وأرضاهما، كما نُصَّ عليه (٤). فثبت بذلك أن المخضرم، في روايته عن معاصر لم يلقه؟ (١) تذكرة الحفاظ للذهبي (٥٢). (٢) طبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (١٠٩/١). (٣) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (٢ / ٦٤ - ٦٥). (٤) انظر جامع التحصيل للعلائي (رقم ٨٨)، وتهذيب التهذيب (٦٤/٢ . ٦٥)، وتحفة التحصيل - خط ـ لأبي زرعة العراقي (١٥٩/أ). ٢١٢ غير النبي وَ لا يوصف بـ (التدليس) !! حتى عند المتأخرين من أهل الحدیث . وأضع القلم هنا عن مُحَاجَّةِ الحافظ ابن حجر، كما (توضع عصا الترحال) إذًا (ألقى العَوْدُ جِرانه)! فقد انتهيت من تفنيد تلك الحجج - بحمد الله ومنّه - والاحتجاجِ عليها! أما الحافظُ ابن حجر فيبقى الحافظ ابن حجر، يُخطىءُ فيُعذر ويُؤجر لأن خطأه اجتهادٌ ممن له حقّ الاجتهاد !! فرحم الله الحافظَ ابن حجر، وجزاه عن الإسلام جزاءً من قدّمَ من خدمةٍ وتأييد، كأفضل ما يجزي به شيوخ الإسلام السادةَ الأعلام !! وقبل ترك هذه الساحة، أعلن أني لم أجد أحدًا سبق الحافظ ابن حجر في تعريفه لـ (التدليس) و(الإرسال الخفي) وفي التفريق الصارم الذي جعله يباين بينهما لـ (يميز الأنواع). لم يسبق أحدٌ الحافظ ابن حجر على هذا الرأي، وبهذا الوضوح في شرحه والاحتجاج له !! غير أني وجدتُ معاصِرًا للحافظ ابن حجر، كأنه يوافقه على رأيه، ويستدل له، ألا وهو برهان الدين الحلبي، وقد سبق أن ذكرنا كلامه، واستدلاله، في كلامنا عن رأي الحافظ أبي بكر البزار من هذه المسألة(١). وموافقةُ برهان الدين الحلبي للحافظ ابن حجر، بمصادفة أن لا يوافق الحافظ ابن حجر إلا معاصرٌ له! مما أثار الشك في أن يكون أحدهما أخذ هذه الفكرة من الآخر. ثم لمَّا علمتُ أن بين الاثنين (برهان الدين الحلبي والحافظ ابن حجر) لقاءً وروايةٌ ومدارسةً ومراسلةٌ(٢)، غلب على الظن حصولُ ما كُنتُ أشك فيه. (١) انظر ما سبق (٨٦ - ٨٧). (٢) انظر الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي (١٣٨/١ - ١٤٥). ٢١٣ ومع أن الحافظ أقرب إلى أن يكون تلميذًا لبرهان الدين الحلبي، إلا أن احتمال أن يكون الحلبي هو الذي أخذ تلك الفكرة من الحافظ ابن حجر أقرب، لأن حِجَاج الحافظ للفكرة أقوى بكثير من حجة برهان الدين الحلبي. ثم إن الحافظ ابن حجر هو القائل: ((لم أستفد من البرهان غير كون أبي عمرو بن أبي طلحة اسمه حفص، فإنه أعلمني بذلك))(١)، مع قول السخاوي عن البرهان: ((هو ممن حضر مجلس إملاء شيخنا - يعني الحافظ ابن حجر - بحلب، وعظَّمه جدًا، كما أثبته في ترجمته، واستفاد منه كثيرًا))(٢). وليس من المهم المؤثر على نتيجة هذا الباب أن يكون البرهان أخذ (الفكرة) عن الحافظ أو العكس، أو لم يأخذها أحدهما عن الآخر! لكني أحببتُ إيقاف القارىء على شيءٍ من بداية نشؤ (فكرة) التفريق بين (التدليس) و(الإرسال الخفي)، التي لا شك في أنَّ قائدها هو الحافظ ابن حجر! أمَّا الذي عاصر الحافظ ابن حجر وخالفه، فقد سبق أن [عند الكافيجي] ذكرنا ابن الوزير الصنعاني، ونذكر الآن - إن شاء الله تعالى - العلامة الأصولي محيي الدين محمد بن سليمان بن سعد الرومي القاهري، الشهير بالكافيجي (ت٨٧٩ هـ). قال الكافيجي في (المختصر في علم الأثر): ((والمدلس هو ما حصل اشتباه في إسناده، أو في رجاله، فالأول: أن يروي الراوي عمن لقيه مالم يسمعه منه موهمًا أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهمًا أنه لقيه وسمعه منه))(٣). (١) الضوء اللامع للسخاوي (١٤٤/١). (٢) المصدر السابق. (٣) المختصر في علم الأثر للكافيجي (١٣٢). ٢١٤ فهذا صريح في إدخال (رواية المعاصر عمن لم يلقه) في (التدليس) على رأي الجمهور. أمَّا بعد الحافظ ابن حجر، فغالب من جاء بعده اعتنق مذهبه [عند مَنْ في المسألة، ونقل حججه نفسها دون زيادة عليها، هذا إن نقلها! أمّا من خالفه ممن جاء بعده، فأذكر منهم العلامة جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت٩١١ هـ) (١)، ومحدث مصر محمد بن أحمد بن علي الغَيْطي الشافعي (ت٩٨١ (هـ) (٢)، وملا علي القاري(٣). وأمَّا الذين وافقوا الحافظ ابن حجر وهم - كما سبق - غالب من جاء بعده، فأذكر منهم: الحافظ أبا عبد الله محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت٩٠٢ هـ)، في كتابه الجليل (فتح المغيث) (٤). والعلامة المعمر زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري السُنَيْكي الأزهري (ت٩٢٥هـ) في كتابه (فتح الباقي على ألفية العراقي)(٥) . والعلامة رضي الدين محمد بن إبراهيم الحلبي، الشهير بابن الحنبلي (ت٩٧١ هـ)، في كتابه (قفو الأثر في صفو علوم الأثر)(٦). والمناوي في (اليواقيت والدرر)(٧). (١) انظر تدريب الراوي للسيوطي (٢٠٥/١، ٢٢٣ - ٢٢٤)، وألفية السيوطي (٣٣، ٣٧ - ٣٩). (٢) انظر اليواقيت والدرر للمناوي (٣٦٥/١ - ٣٦٦). (٣) انظر شرح شرح نخبة الفكر لملا علي القاري (١١٩). (٤) انظر فتح المغيث للسخاوي (٢٠٩/١ - ٢١١). (٥) انظر فتح الباقي (١٨٠/١) (٣٠٦/٢). (٦) قفو الأثر (٧٢ - ٧٣). (٧) اليواقيت والدرر (٣٥٥/١ - ٣٧٣). ٢١٥ جاء بعد الحافظ ابن حجر] مے والعلامة اللغوي محمد مرتضى الزبيدي (ت ١٢٠٥ هـ)، في كتابه (بلغة الأريب في مصطلح آثار الحبيب)(١). وإلى هنا ننتهي من عَرْض ما وقفت عليه من تصرفات النقاد العملية، وأقوالهم التقعيدية، في مسألة تعريف (الإرسال الخفي) وعلاقته بـ (التدليس). والحمد لله رب العالمين. وخَلَصْنا من هذا العرض الواسع إلى أن (الإرسال الخفي): كل انقطاع خفيّ، وإلى أن (الإرسال الخفي) ليس من مصطلحات الحديث عند أهل الاصطلاح، وعليه فقد خَلَصْنا إلى أهمّ ما في هذا الباب، وهو أنّ التدليس يشمل: (رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه)، وأنّ ادّعاء أنها ليست من التدليس خطأ محض. والله أعلم. (١) بلغة الأريب (٧٩). ٢١٦ الفصل الثالث حُكُمُ عنعنة الراوي المعروف بالرواية عمّن عاصرهُ ولم يَلْقَهُ وقبل قَفْلِ هذا الباب، وفتح الباب التالي، نقف وقفةً طويلةً، ومهمةً جدًا، حول: حكم (عنعنة) من عرف بـ (الرواية عن معاصر لم يلقه)، حيث إن القول الصحيح الذي رَسَّخَهُ هذا الباب: أن (رواية المعاصر عمن لم يلقه) داخلة في مصطلح (التدليس) عند أهل هذا العلم، فهي منه وهو متضمِّنٌ لها. فبناءً على ما رسخه هذا الباب: يكون الراوي عن معاصر لم يلقه (مدلسًا). فما حكم (عنعنته) إذًا؟ وللرد على هذا السؤال مداخلات ومناقشات كثيرة، ليس (باب تعريف المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس) بمحل طرحها. ثم إنّ هذه المسألة من الطول، وفيها ممّا تستلزمه من مباحث تقعيدية قبل الخوض فيها، ما يجعلها أهلاً لباب مُفْرَدٍ. ولكن لمّا كان البت فيها ضروريًا، آثرت أن أسد حاجة البحث منها بما يحتمله، على وجه من الاختصار الشديد .. الواضح بإذن الله عز وجل. والجواب عن هذا السؤال: ما حكم (عنعنة) من عُرف بالرواية عن (معاصر لم يلقه)؟ مما قد سبقت الإجابة عنه، عند نقلنا لكلام الحافظ ابن رجب الحنبلي، في تعريف (التدليس)(١). (١) انظر ما سبق (١٧٤ - ١٧٨). ٢١٩ وأعيد ذلك الجواب، فأقول: إن لِحُكْم (العنعنة) ثلاثَ حالاتٍ، الشأنُ فيها أنها: طَرَفَانٍ وَوَسَطْ . فالطرف الأول: وهو القبول المطلق، وحَمْلها على الاتصال. وهذا الحكم من نصيب (عنعنة) الراوي الذي لم يُعرف عنه شيء من (تدليس الإسناد)، ولا وُصِمَ بشيء من ذلك. والطرف الثاني: وهو الردُّ المطلق، وعدم قبول (العنعنة) حتى يصرح بالسماع، وهذا الحكم من نصيب الراوي المعروف بـ (الرواية عمن سمع منه مالم يسمع منه)، المشهور بذلك، لإكثاره منه، مع عدم تحرّزه في صفة المحذوفين من الثقة والضعف. أمّا الوسط: فهو عدم قبول (عنعنة) الراوي عن المعاصر، حتى يثبت له لقاء بذلك المعاصر، كأن يصرح بالسماع ولو في حديث واحد من أحاديثه عن ذلك المعاصر؛ فإذا صرح بالسماع، أو ثبت اللقاء، قَبِلْنا (عنعنته) بعد ذلك، وحملناها على الاتصال. وهذا الحكم الذي فيه هذا التفصيل، هو الحكم الذي من نصيب (رواية المعاصر عمن لم يلقه) المشتهرِ به، لإكثارهِ منه. أمّا إذا لم يكن مكثرًا من (الرواية عن معاصر لم يلقه)، فَيُرَجَّح قبول (العنعنة) ولو لم يثبت اللقاء لنا، كما قبلوا (عنعنة) (الرواي عمن سمع منه لما لم يسمعه منه) غيرِ المكثرِ من ذلك. مع ما قد يؤثر في كل مسألة بعينها من قرائن وملابسات خاصة، كما هو معلوم لمن أدرك جناية (القواعد العامة) على (المسائل الجزئية)! عند من لم يفهم فائدة تلك (القواعد)، فصَمَّها وخبط بها خبط عشواء !! ٢٢٠