Indexed OCR Text
Pages 61-80
من قريب أو بعيد - تفريقٌ بين (التدليس) و(رواية المعاصر عمن لم يسمع منه). ثم هذا العلامة المُعَلِّمي - رحمه الله - في تحقيقه لكتاب (الجرح والتعديل) يتعقب كلام أبي حاتم في الحاشية بقوله: ((حمله ابن حجر على معنى أنه لم يكن يرسل عمن قد سمع منه. ويُخْتَمل أن يكون المراد: أنه لم يكن يُرسل على سبيل الإيهام، وإنما يُرسل عَمّن قد عرفَ الناسُ أنه لم يلقه))(١) . وكلام المعلمي هذا كلامٌ قوي، من نَفَسِ نُقّاد الحديث الأوائل، ومن مِشْكَاة تَعْبيراتِهم. وإلى هنا ... نخرج بنتيجة واضحة، وهي نتيجة مبدئية أساسية: أنّ حَمْل كلام أبي حاتم على أنه تفريق بين (رواية المعاصر عمن لم يسمع منه) و(التدليس)، حملٌ لا يَظْهرُ ترجيحُه على احتمالاتٍ أخرى لمعنى كلامه، بدليل تفسير الذهبي والمعلمي لكلام أبي حاتم، بمعنيين سوى المعنى الذي حمله عليه الحافظ ابن حجر. وإذا تقرر هذا، فالأمر - وبكل سهولة - لا يحتاج إلى تَكَلُّفٍ معنىّ لكلام أبي حاتم .. مُخالِف لما عليه نقاد الحديث في عصره وبعد عصره. بل أَخْذُ أقربٍ معنىّ لكلامه إلى ما عليه النقاد من شيوخه وأقرانه أولى من ضرب قولٍ له مُحَتَملِ .. بأقوال جمعٍ من أئمة الحديث .. ثم الخروجُ - بعد هذا العَسْف - بترجيحَ هذا الاحتمال من بين احتمالاتِ معنى كلامِه على أقوال الجمع من أهل عصره !! فإن كان المخالفُ اشْتَطَّ في الاحتجاج إلى هذه الدرجة، فيحق لي - ولست بِمُتَعَسّفٍ - أن أَنَاقِضَهُ القول: وذلك بِرَدُ أَيِّ (١) الجرح والتعديل (٥٨/٥) حاشية المحقق. ٦١ مَعْنىَّ يُخالف ما كان عليه المحدثون، وأن أَحْمِلَ كلامَ أبي حاتم على المعنى الموافِقِ لهم، ولو كان ذلك المعنى غيرَ ظاهرٍ في كلامه !! أفعلُ ذلك احتجاجًا بمخالفة أبي حاتم لغيره، وأن الأولى حَمْلُ كلامه على موافقة أقوال النقاد من شيوخه وأقرانه فمن بعدهم. أما تفسير كلام أبي حاتم، فتفسير المعلمي عندي أقوى ما قیل فیه، ویحتاج إلی بیان. ذلك أن إطلاقات الأئمة ومصطلحاتهم معتمدةٌ على المعنى اللغوي الأصلي للكلمة، ومنبثقةٌ منه، كما سبق أن أشرنا لذلك في التوطئة التمهيدية لهذا الباب، (التي طُبعت باسم: المنهج المقترح). والتدليس كذلك من هذه المصطلحات المُعْتَمِدَةِ على المعنى اللغوي الأصلي لها، ولن أستبقَ الحديثَ عنه، إذ ستكون لنا معه جولات أخرى موسعة فيما نستقبل من هذا الباب (بإذن الله تعالى). غير أن التدليس في اللغة مأخوذ من الدَّلَس، وهو: الستر والظلمة(١)، ولذلك أطلق المحدثون على رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه اسم التدليس، لأن انقطاع ذلك فيه خفاء، وفِعْلُ المدلس لذلك فيه سَتْرٌ لعيب الرواية أو لحقيقتها. ونحن نزعم أن النقول السابقة لأئمة الحديث، وقبل كلام أبي حاتم، تُدْخِل (رواية الراوي عمن عاصره لم يسمع منه) في اصطلاح (التدليس) عند المحدثين، ولا شك أن رواية المعاصر عمن لم يلقه فيها تدليس؛ لأنها توهم سماع الراوي ممن لم يسمع منه، ولا يخالف في ذلك أحد، ولذلك سماه الحافظ (إرسالاً خفيًا). (١) مقاييس اللغة (دلس) (٢٩٦/٢)، وانظر لسان العرب (٨٦/٦)، وتاج العروس (٨٤/١٦ - ٨٥). ٦٢ أما رواية الراوي عمن لم يدرك زمنه، ولم يعاصره البتّة، ونقطعُ بذلك ونستوضحه تمامًا، فإنه لا خفاء في روايته عمن هذه حاله معه، ولا سَتْر يُخْفِي به عيبَ روايته، لأن الانقطاع فيها ظاهرٌ لا ◌َبْس فيه. لذلك لا نصفُ روايةَ الراوي عمن لم يدرك زمنه بـ (التدليس)، لعدم خفاء الانقطاع فيها، وإنما سميناها (الإرسال الظاهر) أو (الجلي). فإذا انتقلنا إلى أبي قلابة ومن ذكر أبو حاتم أنه روى عنهم ولم يسمع منهم، فيُحتمل أن يكون أبو قلابة - عند أبي حاتم - لم يدركهم، لذلك فإن روايته عنهم إرسال ظاهر، لا خفاء فيها، أي: لا تدليس فيها. ولذلك نَفى عن أبي قلابة التدليس، مع ذِكْرهِ أنه روى عن غيرما واحد لم يسمع منه. وهذا الاحتمالُ لم يَهْتَمَّ الحافظُ ابنُ حجر بنفيه وإثبات نقيضه، مع كونه إما أن يُسقطَ احتجاجَه بكلام أبي حاتم تمامَ السقوط، لو صَحّ، وإما أن يُقَوِّي احتجاجَه به، إذا صحّ نقيضُه. لكني أحتجُ للحافظ .. فإنّ مُبْتغايَ هو الحَقُّ، ولو كان بمقدوري أن لا أقول قولاً يُخالفُ أحدًا من أئمة الإسلام - كابن حجر - لَمَا تركتُ سبيلاً إلى ذلك إلا انْتَهَجْتُهُ. فقد نقل ابنُ أبي حاتم في كتاب (المراسيل) عن أبيه قولَه: ((قد أدرك أبو قلابة النعمانَ بنَ بشير، ولا أعلم سمع منه))(١). فهذا أبو حاتم يُصرح بإدراك أبي قلابة واحدًا ممن نفى سماعه منهم. أمَّا ما جاء في كتاب (الجرح والتعديل) من قول أبي حاتم؛ ((أدرك عبدَ الله بنَ بُسْر، ولم يرو عنه شيئًا))(٢). فإنه بهذا القول (١) المراسيل لابن أبي حاتم (رقم ٣٩٥). (٢) الجرح والتعديل (٥٨/٥). ٦٣ ينفي أن يكون لأبي قلابة عن عبد الله بنٍ بُسْرِ روايةٌ أصلاً، فلا دَلَّسَ عنه ولا أَسْنَدَ. فنعود إلى حكم أبي حاتم بعدم سماع أبي قلابة من النعمان بن بشير، مع إدراكه إياه، فإن هذا كما هو الظاهر: رواية عن معاصر لم يسمع منه، وهذه الرواية هي التي وصفها الأئمة باسم (التدليس) فكيف ينفي أبو حاتم: أنه لا يَعْرِف لأبي قلابة تدليسًا .. بعد ذلك؟! بذلك احتج الحافظ على التفريق بين (التدليس) و(رواية المعاصر عمن لم يسمع منه)، فسمى الأخير: (إرسالاً خفيًا). ومع ذلك فإني لا أرى كلام أبي حاتم قائمًا لِمَا أراد له الحافظُ ابنُ حجر من التفريق المذكور !! لما يلي: أولاً: لأنه يَخْتَمِلُ معانيَ أُخرى، سوى ما حمَلَ عليه الحافظُ ابن حجر كلامه، كالمعنيين اللذين ذكرهما كلٍّ من الذهبي والمُعَلِّمي، وقد سبق ذِكْرُنا لهما، والاحتجاجَ بهما على إسقاطٍ استدلالِ الحافظِ ابن حجر. ثانيًا: أن رواية أبي قلابة عن النعمان بن بشير، وأمثاله ممن عاصرهم أبو قلابة، واضحةُ الانقطاع عند أبي حاتم، ظاهرةٌ الإرسال. إذ إن الوضوحَ والخفاءَ أمران نِسْبِيَّان، يختلف فيهما الناس، فما يكون ظاهرًا عند أبي حاتم قد يخفى على غيره، والعكس بالعكس. وبما أننا قررنا أن (التدليس) مصطلحٌ مُنْبَثِقٌّ من المعنى اللغوي الأصلي لكلمة (التدليس)، وأنه: الستر والظلمة، فمَهْمَا تحقّقَ السِّترُ والظلمةُ في انقطاع من فِعْل الراوي الذي وَقَعَ الانقطاعُ بينه وبين من روى عنه، فإن ذلك يُمكن أن يُطلقَ عليه اسمُ التدليس: لغةً. وأما: اصطلاحًا، فله موضعٌ غيرُ هذا الموضع للحديث عنه. وأما إذا لم يتحقق الستر والخفاء في انقطاع ما، فلا ٦٤ يصحُ وصفُه بالتدليس لغة، وكذلك اصطلاحًا، لأن المصطلح قد يُطوِّرُ المعنى اللغوي للكلمة، بتقييد دلالته الواسعة، لكن لا يخالفُ ذلك المصطلحُ المعنى الأصليَّ، أو يَخْرُج عنه بالكلية. فلا يمكن أن يكونَ المحدثون يُطلقون مصطلح (التدليس) على ما لا خفاء ولا ستر فيه، ماداموا قد تكلموا على علمهم باللغة العربية. ولهذا لم نَجِدْهُم خرجوا في مصطلحاتهم عن المعاني اللغوية الأصلية لها، أو بذلوا مدلولاتها تبديلاً تامًا .. وذلك في جميع مصطلحاتهم. فأنت تجدُ التعريفَ اللغوي لمصطلحاتهم في كُتبٍ هذا العلم مُؤاخيًا - جنبًا إلى جنب - التعريفَ الاصطلاحيَّ لها، وما أقربهما وما أقوى علاقتهما، إذا وُفْقَ المُعَرِّفُ الاصطلاحيَّ في تعريفه له. أقول هذا .. مع كونه ظاهرًا من وجوه كثيرة لم أذكرها، إلا أنَّ استخدامي لنتيجته ومؤدّاه هنا، قد يعارض إِلْفًا علميًّا عند القارىء، يجعله يرفض النتيجة. بل ربما رفض ذلك الأمرَ الظاهر، لرفض نتيجته، التي عارضتْ إِلْفَه !! واستخدامي لنتيجة تلك العلاقة الظاهرة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة (التدليس) هو الذي جعلني أقول: إن أيَّ انقطاع لا يكون فيه ستر أو خفاء لا يُسميّه المحدثون (تدليسًا). وقصدتُ بذلك تعليلَ قولٍ أبي حاتم إنه لا يعرف لأبي قلابة تدليسًا، مع قوله عنه إنه روى عمن أدركهم ولم يسمع منهم، فتعليل نفي أبي حاتم للتدليس عن أبي قلابة، مع روايته عمن عاصرهم ولم يلقهم، هو: أن عدم سماع أبي قلابة منهم ظاهر عند أبي حاتم لا خفاء فيه، ولذلك لم يصفه بالتدليس. وقد يكون سبب ظهور انقطاع رواية أبي قلابة عن أولئك الرواة الذين أدركهم، أن إدراكه لهم كان إدراكًا قليلاً في صِغَرِ أبي قِلابة، مع بُعْد مواطنٍ وأمصارٍ أولئك الرُّواةِ عن الموطن الذي نشأ ٦٥ أبو قلابة فيه، مما جعل روايةً أبي قلابة عنهم ظاهرةَ الانقطاع غيرَ خفية . وقد يكون لأبي حاتم - وهو أبو حاتم - من أسباب الظهور والوضوح غير ذلك. لذلك فهذا معنى آخر لكلام أبي حاتم يُخالف ما حمَلَ الحافظُ ابن حجر كلامه عليه، وهو كالشَّرْحِ لتفسيرِ المُعَلْمي لكلامه . وهناك معنى آخرُ يحتمله كلامُ أبي حاتم، وله قرينةٌ تُقوِّيه من كلام أبي حاتم نفسِه. ذلك أن ابن أبي حاتم سأل أباه قائلاً: ((أبو قلابة عن مُعَاذَةً أحبُّ إليك أو قتادةُ عن مُعاذة؟ فقال: جميعًا ثقتان، وأبو قلابة لا يُعرف له تدليس))(١). فيُحتمل أن يكون مقصودُ أبي حاتم من نفيه التدليس خصوصَ رواية أبي قلابة عن مُعاذة، وأنه لا يَعْرِفُ له عنها تدليسًا، لا أنه ينفي عنه التدليس مطلقًا. ويشهد لذلك: أن قتادة الذي سئل أبو حاتم عنه وعن أبي قلابة في روايتهما عن معاذة، قد نفى سماعه منها غير واحد من الأئمة، فنفى سماع قتادة من معاذة كل من يحيى بن سعيد القطان(٢)، والإمام أحمد(٣). ومعاذة بنت عبد الله العدوية، تابعية بصرية(٤)، فهي معاصرةٌ وبَلِدَيَّةٌ لكلّ من قتادة وأبي قلابة. لذلك فإن رواية قتادة عنها مع عدم السماع تُعتبر تدليسًا على اصطلاح المتقدمين من أئمة (١) الجرح والتعديل (٥٨/٥). (٢) المراسيل لابن أبي حاتم (رقم ٦٣٦). (٣) مسائل أبي داود للإمام أحمد (٣٢٥). (٤) انظر التهذيب (١٢/ ٤٥٢). ٦٦ الحديث. فنَفَى أبو حاتم عن أبي قلابة، ما وقع من قرينه الذي سُئل عنه معه، في خصوص روايته عن معاذة. وعليه فإن نَفْيَ تدليس أبي قلابة عن معاذة، لا يُعارِضُ وَصْفَهُ بالتدليس عن غيرها، ممن أدركهم ولم يسمع منهم قط. فلا يكون في كلام أبي حاتم تفريق بين (التدليس) و(رواية المعاصر عمن لم يلقه)، ولا يكون فيه دلالة على اشتراط العلم باللقاء بين المتعاصرين، وعدم الاكتفاء بالمعاصرة! وبعد هذا المعنى المحتمل لكلام أبي حاتم، يُعلم أن قَصْر معنى كلامه على احتمالٍ واحدٍ من عِدّةِ احتمالات تصرُّفٌ غيرُ عِلْمي، وإذا كان هذا الاحتمالُ يُخالف أقوالاً كثيرةً على النقيضِ منه، فإن قَصْرَ الاحتمالات عليه يكون ظلمًا وَجَوْرًا في الاختيار. فإذا علمتَ أنَّ ذلك الاحتمال يُخالف حتى من جاء بعد أبي حاتم، إلى الحاكم والخطيب ثم إلى ابن الصلاح، ومن جاء بعد ابن الصلاح، بل حتى تبلغَ شيوخ الحافظ ابن حجر، كما سيأتي كل ذلك (وفوق ذلك) مُفَصَّلاً في موضعه (إن شاء الله تعالى). إذا علمتَ أن ذلك الاختيار من احتمالات كلام أبي حاتم يخالف هذا الجمع من علماء الأمة على مدى العصور، لن يبقى لديك شك في رَفْضهِ تمام الرفض. وبعدُ: فلم نزل مع احتمال آخر من احتمالات معنى كلام أبي حاتم، لا يدلُّ على التفريق بين التدليس (رواية المعاصر عمن لم يلقه) كما فَهِم منه الحافظ، لكني أُرْجِتُه إلى ما بعد ذِكْرٍ كلامٍ جديدٍ لأبي حاتم سوى المتقدم، قد يُفهَمُ منه أيضًا أنه يُفرق بين (التدليس) و(رواية المعاصر عمن لم يلقه). وذلك فيما إذا فُهِم على غير مرادٍ قائله. ومعنى كلامه الآتي الجديد، يَضْلُحُ أن يكون احتمالاً آخر لمعنى كلامه السابق، ويصلح أيضًا دليلاً جديدًا على خطأ فهم الحافظ لكلامه السابق. ٦٧ قال ابن أبي حاتم في كتاب (المراسيل): ((كتبَ إليّ علي بن أبي طاهر: حدثنا أحمد بن محمد الأثرم قال: قلت لأبي عبد الله: أبو وائل سمع من عائشة؟ قال: ما أدري، ربما أُدْخِلَّ بينه وبينها مسروق، في غير شيءٍ، وذكرَ حديثَ: ((إذا أنفقت المرأةُ .. )). قال ابنُ أبي حاتم: قلت لأبي: أبو وائل سمع من أبي الدرداء شيئًا؟ قال: أدركه، ولا يَخكِي سماعَ شيءٍ، أبو الدرداء كان بالشام، وأبو وائل كان بالكوفة، قلت: كان يدلس؟ قال: لا، هو كما يقول أحمد بن حنبل))(١). فلما نقل العلائي كلام أبي حاتم هذا في (جامع التحصيل)، فسّرُهُ بقوله: ((يعني كان يرسل))(٢). ولن نقف مع تفسير العلائي كثيرًا، لأنه لم يُبيِّن لنا وجهة نظره في اختياره هذا التفسير، ولا دليله على هذا الفهم !! وفي كلام أبي حاتم ذاتِه ما يُوضّحُ الملامحَ الأساسيةَ لمقصودِه منه، وتوضيحُه لكلام نفسِه أوْلَى من توضيح غيره لكلامه . وجاء توضيحه في قوله: «هو كما يقول أحمد بن حنبل)) يعني الكلامَ المنقولَ عن الإمام أحمد في رواية أبي وائل شقيق بن سلمة عن عائشة. ثم إن في كلام الإمام أحمد ما يوضح مقصوده أيضًا، عندما ضرب مثلاً لكلامه بحديث مُعيَّن. فليس علينا إلا فَهُم المشبه به، وهو كلام الإمام أحمد، لفهم المشبه: وهو كلام أبي حاتم. وذلك يستلزم دراسة علميّة (١) المراسيل لابن أبي حاتم (رقم ٣١٨، ٣١٩). (٢) جامع التحصيل (رقم ٢٩٠). ٦٨ لكل من القولين للخروج بالنتيجة الصحيحة، لا إلقاءَ الكلام على عواهنه، لأول معنَى يَخْطُرُ على البال. فالحديث الذي ذكره الإمام أحمد، هو حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: ((قال رسول الله وسلم: إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها [وفي رواية: من بيت زوجها] غير مُفْسِدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما اكتسب، وللخازن مثل ذلك، لا يُنْقِصُ بعضُهم من أجر بعض شيئًا)). وهو حديثٌ رواه الجماعة. والحديث يرويه أبو وائل شقيق بن سلمة، واختلف عليه: فرواه منصور بن المعتمر(١)، وسليمان بن مهران الأعمش(٢)، كلاهما عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، ومن هذا الوجه أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما(٣). وخالفهما عمرو بن مُرَّة بن عبد الله المرادي، فقال: سمعت أبا وائل يحدث عن عائشة(٤)، فلم يذكر مسروقًا بين أبي وائل وعائشة . (١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢٧٨/٦)، والبخاري (رقم ١٤٢٥، ١٤٣٩، ١٤٤١، ٢٠٦٥)، ومسلم (رقم ١٠٢٤)، وأبو داود (رقم ١٦٨٥)، والترمذي وصححه (رقم ٦٧٢)، والنسائي في عشرة النساء (رقم ٣١٥)، وإسحاق بن راهوية في مسنده (رقم ١١٠٤)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (رقم ٧٩)، والبيهقي (٤/ ١٩٢). (٢) أخرجه الإمام أحمد (٤٤/٦)، والبخاري (رقم ١٤٣٧، ١٤٤٠)، ومسلم (رقم ١٠٢٤)، والنسائي في عشرة النساء (رقم ٣١٦)، وابن ماجه (رقم ٢٢٩٤)، وإسحاق بن راهوية في مسنده (رقم ٨٧٥، ١١٨٦)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (رقم ٧٩)، والبيهقي (٤/ ١٩٢). (٣) انظر التخريج السابق. (٤) أخرجه أحمد (٩٩/٦)، والترمذي وحسنه (رقم ٦٧١)، والنسائي في عشرة النساء (رقم ٣١٤)، وإسحاق بن راهوية في مسنده (رقم ١١٠٣)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (رقم ٧٧)، والسهمي في تاريخ جرجان (٣٩١ رقم ٦٥٠). ٦٩ وأخرج الترمذي الوجهين، وتعَقَّب رواية (منصور عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة) بقوله: ((وهذا أصح من حديث عمرو بن مُرَّة عن أبي وائل، وعمرو بن مُرَّة لا يذكر في حديثه: عن مسروق))(١) . فواضح من هذا العرض لطرق الحديث، ومن كلام الترمذي: أن رواية عمرو بن مرة وَهْمٌ منه هو على شقيق بن سلمة أبي وائل، لاتّفاق إمامين على روايته عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة، وخالفهما عمرو بن مرة. فليس أبو وائل هو الذي حذف الواسطة بينه وبين عائشة، ولكنَّ أحدَ الرواة - وهو عمرو بن مرة - أخطأ عليه، فحذف مسروقًا بينه وبينها. أمّا أبو وائل فقد كان يروي حديثه عن عائشة بواسطة مسروق، مُصَرِّحًا بهذه الواسطة. وعلى هذا نَفْهَمُ كلام الإمام أحمد، وأنه لا يَلْحَقُ أبا وائل من هذا الحديث عَابٌ بتدليس أو إرسال، ولكنه وَهْمُ الرواة عليه. هذا هو معنى كلام الإمام أحمد: المشبَّهِ به، في قول أبي حاتم عندما سئل عن أبي وائل: أكان يدلس؟ فقال: ((لا، هو كما يقول أحمد بن حنبل)). وعلى هذا يكون معنى كلام أبي حاتم: أن روايةً أبي وائل عن أبي الدرداء وَهْمٌ من بعض الرواة على أبي وائل، وليست من إرسال أو تدليس أبي وائل نفسِه، ولكنها من خطأ الرواة عليه. يؤكد هذا المعنى، أني وجدتُ الدارقطنيَّ في ((العلل)) ذكر حديثًا لأبي وائل عن أبي الدرداء، ثم قال: ((يرويه سعيد بن (١) الجامع للترمذي (رقم ٦٧٢). ٧٠ يعقوب الطالقاني، ووَهِمَ فيه، رواه عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، والصواب: عن الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة عن أبي الدرداء))(١). فهذا واضحٌ أيضًا، أنَّ أبا وائل بريء منه، لا أرسله ولا دلسه، ولا رواه! وإنما هو وَهْمٌ محضِّ ممن جاء بعده. وبذلك ينطبق المُشَبَّهُ على المُشَبَّهِ به، ويظهرُ وَجْهُ الشَّبَهِ جَلِيًّا، فإذا هو أبعد ما يكون عن التفريق بين (التدليس) و(رواية المعاصر عمن لم يسمع منه) !! فَنَفْيُ أبي حاتم التدليسَ عن أبي وائل، ليس للتفريق المزعوم، لكنه من أجل أن الانقطاعَ الواقعَ في حديثِه عمن أدركه ولم يسمع منه، ليس من صُنْع أبي وائل، ولا مِمَّا نَبَسَ به فُوه !! ويؤيد هذا المعنى أيضًا: أن أبا حاتم عندما نفى التدليس عن أبي وائل، ذكر أن الشأنَ في أبي وائل هو الشأنُ الذي ذكره الإمام أحمد. والإمام أحمد ممن لا يفرقون، بين (التدليس) و(رواية الراوي عمن عاصروه ولم يلقه)، بل هو - كما نقلناه عنه أول هذا الفصل(٢) - ممن يَرَوْن روايةَ الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه: تدليسًا. فلو كان المعنى في كلام أبي حاتم: أنه لم يكن يدلس، لكنه يرسل إرسالاً خفيًا، على زعم من فرق بينهما. كيف يصح ذلك التشبيه، بذلك المعنى، وهذا هو موقف الإمام أحمد من هذه المسألة؟! وبعد هذا ... أَفْجَأُ المُخْتَجَّ بكلام أبي حاتم على ما بيّنا سقوطَه، بالاحتجاج به على النقيض مما احتج به عليه !! (١) العلل للدارقطني (٢٠٥/٦ رقم ١٠٧٢). (٢) تقدم (٤٣ - ٤٥). ٧١ ذلك أن ابن أبي حاتم لما سمع أباه يذكر إدراك أبي وائل لأبي الدرداء، وروايته عنه مع عدم سماعه منه، قال سائلاً أباه: «کان یدلس»؟ هذا يعني أن ابن أبي حاتم رأى أن صورةً رواية أبي وائل عن أبي الدرداء مع إدراكه له وعدم سماعه منه صورةُ التدليس، وأن هذا هو صنيع المدلْسين، ولذلك تعقب كلام أبيه سائلاً: «کان یدلس؟)). وأبو حاتم لم يُخَطِّىء ابنَه في فَهْمه لتلك الصورة على أنها تدليس، ولم يَنْهَرْهُ على سؤال لا تعلُّقَ له بالمسألة المطروحة؛ لكنه بيّن له أن أبا وائل لا يَلْحَقُهُ من جناية الرواة عليه شيء، ولا يُغْصّبُ برأسه ما اقترفه الرواة عنه وهو بريء منه، فلا يُوصف بالتدليس لذلك، لذلك وحده، لا لكون صورة روايتهِ (رواية المعاصر عمن لم يلقه) ليست تدليسًا ... كما يُدَّعى على أبي حاتم! ومع كون اعتبار (رواية المعاصر عمن لم يلقه): تدليسًا، جاءت خلال هذه الإشارة في كلام ابن أبي حاتم وأبيه، ومع كون ذلك وَرَدَ تلميحًا لا تصريحًا؛ إلا أن من تَمَعَّنَ كلامَهما، فإنه سوف يعتبر هذا التلميحَ في مِثْلِ قوة التصريح؛ لأنه خرج من ابن أبي حاتم، ومَرَّ على أبيه، كالْمُسَلَّمَاتِ التي لا تستوقفُ أحدًا، ولا تحتاجُ إلى تگلّفٍ وتوضیحٍ !! فرحم الله مَنْ أَحْوَجَنا إلى هذا التوقُّفِ وتكلّفِ التوضيحِ !! وما زلنا مع ما أُخوِجْنا إليه من ذلك، في مقالة ثالثةٍ وأخيرة، قد يُزعم أنها تدل على التفريق بين (التدليس) و(رواية المعاصر عمن لم يلقه). ٧٢ قال القاضي إسماعيلُ بنُ إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن [قولٌ زيد البصري (ت٢٨٢هـ) عن المغيرة بن مِقْسَم: «ليس بقوي فيمن لقي، لأنه يدلس، فكيف إذا أرسله))(١). قلت: وهذه عبارة فضفاضة، أوسع دلالة من كلام أبي حاتم الذي ذكرناه أولاً: خاصةً وأنه أطلق الإرسال فلم يقيده بوصف كـ (الخفاء) أو (عمن أدركه ولم يسمع منه)، فَيَقْوَى لذلك احتمالُ أن يكونَ مقصودُه بالإرسال: الإرسالَ الظاهرَ عمن لم يُدرِكِ الراوي زمانه. ويكون القَصْدُ حينها من العبارة: بيانَ عموم ضَعْف المغيرة بن مِقْسَم في جميع ما يرويه، فهو إن كان غيرَ قوي فيما يرويه عمن لقيه، فإنه فيما يرويه عمن لم يدرك زمانه أحرى بالضعف وعدمِ القوة. واستغنى القاضي إسماعيلُ عن أن يذكر الحالة الوَسَط وحُكْمها، وهي رواية المغيرة عمن أدركه ولم يسمع منه، لدلالة اللفظ عليها؛ لأن عبارته انْتَظَمَتْ جميعَ الحالات، بالنصِّ على حُكْم الطَّرفين: الأعلى (عمن لقيه)، والأدنى (من لم يدركه). هذا أحدُ معاني كلام القاضي إسماعيل. ويمكن أن يكون القاضي قصد بالإرسال: رواية المغيرة عمن أدركهم ولم يسمع منهم، وهو (الإرسال الخفي) عند الحافظ ابن حجر، مع ذلك لا يلزم أن يكون القاضي يفرق بين (التدليس) و(رواية المعاصر عمن لم يسمع منه) لمجرد أنه وصف الأولى بـ (التدليس) والثانية بـ (الإرسال)، لاحتمال أن يكون أراد التنويع في العبارة . وقد تقدم عن غير ما إمام سبق ذكره، إطلاقُ اسم (الإرسال) على (التدليس)(٢)، فلا محظور في ذلك على فاعله. (١) تهذيب التهذيب (٢٧١/١٠). (٢) انظر ما تقدم (٤٣ - ٤٤، ٥٠، ٥٣). ٧٣ لإسماعيل بن إسحاق القاضي وتفسيره] ومن أقوى ما سبق قول ابن معين عن رواية تقدمت: ((مرسلة مدلسة))(١)، كذا على العطف البياني أو البدلية !! فلا حجة في كلام القاضي إسماعيل على التفريق بين (رواية المعاصر عمّن لم يلقه) و(التدليس). وإلى هنا أكون - والحمد لله - قد رصدت كل ما وقفت عليه من أقوال تطبيقية، وتصرفات عملية، لأئمة القرون الأولى، مما يبين علاقة ما يسميه المتأخرون: الإرسال الخفي، بالتدليس، وهل بينهما فرق، أم لا فرق بينهما. (١) انظر ما تقدم (٤٧). ٧٤ المبحث الثاني: أقوالٌ تنظيرية في بيان علاقة رواية المعاصر عقّن لم يلقه بالتدليس والإرسال الخفي: وأبدأ فيما يلي بسياق أقوال الأئمة التنظيرية، التي أوردوها خلال تقعيدهم لهذا العلم، وأثناء تقنينهم لأحكامه وبيان مصطلحاته. فأقدم من تناول (التدليس) بما ظُنَّ معه أنه يُفَارِقُهُ عن (رواية الراوي عمن لم يسمع منه)، هو: الإمام محمد بن إدريس [عند الشافعي] الشافعي (ت٢٠٤هـ). حيث ذكر الإمام الشافعي في (الرسالة) شروطَ قبولٍ الحديث، وتكلّم عن وَصِْفِ الراوي الذي يُقبل حديثه، فقال: (بَرِيًّا من أن يكون مُدَلِسًا: يحدّثُ عمّن لقي ما لم يسمع منه))(١). قلت: فغالب الظن أن عبارة الشافعي هذه هي التي عناها الحافظ ابن حجر، عند تفريقه بين (التدليس) وما سماه بـ (الإرسال الخفي). وذلك في قوله في (نزهة النظر): ((وممن قال باشتراط اللقاء في التدليس: الإمام الشافعي، والبزار ... )) (٢). ومَنْ وجد للشافعي كلامًا آخر سوى المذكور سابقًا، في غير (الرسالة) له، هو أقوى دلالة لما أراد الحافظ ابن حجر، فلا يبخل عليَّ به. ووجه دلالة الكلام الذي ذكرناه سابقًا للإمام الشافعي، على ما أراد الحافظ ابن حجر: من أن التدليس محصور في الراوي الذي لقي من يروي عنه = هو: أن الشافعي بعد أن اشترط في الراوي المقبولِ الرواية: أن يكون بَرِيًّا من التدليس، أتبع ذلك بعبارة كأنها تعريفٌ بالتدليس، حيث قال: ((يحدث عمن لقي مالم يسمع))، ففهم الحافظ أن الشافعي عرَّف التدليس بهذه العبارة التي (١) الرسالة للشافعي (٣٧١ رقم ١٠٠١). (٢) نزهة النظر لابن حجر (٤٣). ٧٥ ليس فيها إلا (رواية من لقي)، والتعاريف يجبُ أن تكون جامعةً مانعة = إذًا فالتدليس عند الشافعي: ((رواية من سمع ما لم یسمعه» .. لا غیر! وأول زَلَلٍ وقع لمن فهم كلام الشافعي على ما سبق: أنه غفل عن دلالة سياق كلام الشافعي، ولذلك حمَّل كلام الشافعي ما لا يحتمل. فقد ابتدأ الشافعيُّ كلامَه مُبيِّنًا شروطَ قَبولِ الراوي وما يرويه، فبدأ ببعض الشروط: كعدالة الراوي وضبطه، وتعرّضَ لمسألة رواية الحديث بالمعنى، ثم انتقل إلى الشرط الذي يؤمن معه من انقطاع السند، فاشترط لذلك أن يكون الراوي غير مدلّس(١). فسياق كلام الشافعي - إذًا - سياقُ بيانٍ شروطِ قبولٍ الرواية، وليس سياقَ تعريفٍ بالمصطلحات. وسياقُ كلِّ أمرٍ منهما يختلف عن الآخر تمام الاختلاف، وله تأثير عميق على فهم الكلام كله. وتوضيح هذا الاختلاف والأثر العميق على كلام الشافعي، يظهر: من أنَّ الذي يشترط شرطًا، لأيّ أمر، أنه: إذا نصَّ على اشتراط شرطٍ أَعْلَى وأدقّ، أن الأدنى والأوضح لا يلزم التنصيصُ على اشتراطه، لأن الأعلى يشمل الأدنى وزيادة، وأن المُشْتَرِطَ إذا نص على الاحتراز من ناقضٍ خفيف، أن الناقضَ الأشدَّ (مِنْ جنسٍ الخفيف) داخِلٌ في اشتراطه من باب أولى. فإذا أردنا تطبيقَ هذه القاعدة على كلام الشافعي، وجب قبل ذلك - توضيحُ: أيِّ الشرطين إذا ذُكِر شَمِلَ ذِكْرُهُ الآخَرَ: (رواية المعاصر عمن لم يلقه)؟ أم (روايةُ من سمع ما لم يسمع)؟ (١) الرسالة (٣٧٠ - ٣٧١). ٧٦ فأقول: إنه لَمِمّا لا شك فيه أن (رواية من سمع مالم يسمعه) التي حصر الحافظ ابن حجر (التدليس) فيها، أنّ العلماء لم يَرُدُّوا عنعنةَ المكثرِ منها لِتَحَقُّقِ الانقطاع في (عنعنته)، ولا قال أحد ذلك. وإنما رُدّتْ (عنعنة) المُكثِرِ من هذا النوع من (التدليس) لاحتمال الانقطاع فقط، زيادةً في التحرّي للسنة، ومبالغةً في التوقّي لها. ذلك أننا نتكلم عن (رواية من سمع)، فهو قد سمع ممن روى عنه، فاحتمالُ السماع وارد، لكن إكثار الراوي من (روايته عمن سمع منه ما لم يسمع) جَعَلنا لا نأمنُ من أن يكون قد روى ما لم يسمعه في كُلّ حديثٍ لا يأتي فيه بصيغة دالة على السماع، لذلك غَلَّبْنَا جانبَ عدم السماع، احتياطًا للدين .. هذا كل ما في الأمر! أما(رواية المعاصر عمن لم يلقه)، فهي روايةٌ مع عدم تَحَقُّقٍ اللقاء أصلاً، فلا احتمال فيها للسماع، والانقطاعُ فيها: متحقِّقٌ. و(رواية المعاصر عمن لم يلقه) وإن كانت انقطاعًا خفيًا، بسبب ما تُوهِمُه المعاصرةُ من اللقاء، إلا أنها ما أن تُعْلَمَ حقيقةُ المسألة، ويَظْهَرَ الخافي، حتى يتحقق وقوعُ الانقطاع، ونجزم بعدم السماع. فإن عُرف هذا .. فأيُّ الأمرين من (رواية المعاصر عمن لم يلقه) أو (روية من سمع مالم يسمعه) إذا اشْتُرِطَ الاحترازُ منه شَمِلَ الآخر؟ أو بعبارة أخرى: أيُّ الأمرين هو الناقض الخفيف، الذي إذا ما اشْتُرِطَ الاحترازُ منه شمل الناقضَ الأشد؟ . لا شك أن الجواب واضح: فاشتراطُ الاحترازِ من (رواية من سمع مالم يسمع)، لكون الانقطاع فيها احتمالاً واردًا فقط، هي الناقضُ الخفيف، الذي شَمِل - باشتراطِ الاحتراز منه - الاشتراط بالاحترازِ من (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، لكون ٧٧ الانقطاع فيها متحققًا، فهي الناقض الأشد والأوضح. فإذا عُدْنا إلى كلام الشافعي، وتَنَبَّهْنا إلى دلالة السياق، الذي هو سياقٌ يذكرُ فيه شروطَ قبول ما يرويه الراوي. ثم قال الشافعي في هذا السياق عن الراوي: ((بَرِيًّا من أن يكونَ مدلّسًا: يحدث عمن لقي ما لم يسمع)). علمنا بذلك أن الشافعي بنصه على (رواية من سمع مالم يسمعه) نصَّ ضِمْنًا على (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، لأنه نصَّ على الشرط الأدق في شِدّة التحري والاحتياط، فشمل بذلك الشرط الأوضح الذي يقتضيه ذلك التحري والاحتياطُ من باب أولى. أو بعبارة أخرى: أن الإمام الشافعي نص على الاحتراز من أخف نوعي (تدليس الإسناد) للدلالة على وجوب الاحتراز من أشدهما تأثيرًا في تضعيف الرواية. فالإمام الشافعي - ببيانه الذي لا يُجَارَى - اختصر العبارة، وأتى باللفظ القليل الدال على المعنى الكثير .. فرحمةُ الله عليه! فلا تناقُضَ إذًا بيْن أن يكون الشافعي يُسمي (رواية المعاصر عمن لم يلقه): (تدليسًا)، وبين عبارته التي قالها في ذلك السياق: (بريا من أن يكون مدلسًا: يحدث عمن لقي مالم يسمعه منه)). لأن عبارته هذه لا تعني حصرَ التدليس في تلك الصورة، لكنها تعني: اشتراط سلامة الراوي من أن يكون مدلسًا، ثم ذكر أخفى نَوْعَي تدليس الإسناد، والذي لا نجزمُ فيه بالانقطاع، ليدُلّنا على أن التدليس الذي يتحقق فيه الانقطاع أولى بالنَّفْي عن الراوي. وهذا مِثْلُ ما لو قال قائل - في سياق ذكر صفة الراوي المقبول الرواية -: ((وأشترطُ أن لا يكون الراوي مجهولاً: لا أعرف عدالته الباطنة)). فهل يكون معنى هذه العبارة: أن الجهالة عند قائل هذا ٧٨ الكلام محصورةٌ في عدم العلم بالعدالة الباطنة؟! لا شك أنه لا يقول ذلك أحد يفهم، وكل ما تعنيه العبارة: أنه يشترط في الراوي أن يكون معلوم العدالة الظاهرة والباطنة، وأنه لا يقبل أن يكون في الراوي أقل نوع من أنواع الجهالة. وكذا كان كلام الشافعي في التدليس !! وهذا يَدُلُّكَ على خطر اجْتِزَاءِ اللفظ عن سياقه، وفَضْله عن دلالة سِبَاقه ولِحَاقِهِ، لأن ذلك قد يقود إلى حَمْل الكلام على غير محامله، وفَهْمه على غير وَجْهه. كما وقع للحافظ ابن حجر، عندما اعتبر كلام الشافعي كأنه واقعٌ في سياق التعريف بالتدليس، مع ما يُلْزِمُهُ هذا السياقُ من وُجوب (الجَمْع) و(المنع)؛ فحمّل كلامَ الشافعي ما لا يدل عليه، ولا حامَ حَوْلَه !! فلا دلالةَ - إذًا - في كلام الشافعي على اشتراط قَيْدٍ (اللقاء) في (التدليس)، كما قال الحافظ ابن حجر! ولا في الشافعي مُسْتَنَدٌ للحافظ ابن حجر! ولا تُقوِّي جلالةُ ذلك الإمام الكبير ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر !! وبعد الإمام الشافعي وجدت للحافظ يعقوب بن شيبة [عند (ت٢٦٢هـ) كلامًا عن التدليس، مفيدًا في معرفة علاقة (التدليس) بـ يعقوب بن شيبة] (الإرسال الخفي). أسند الخطيبُ في (الكفاية) إلى يعقوب بن شيبة أنه قال: ((التدليسُ جماعةٌ من المحدثين لا يرون به بأسًا، وكرهه جماعة منهم، ونحن نكرهه. ومن رأى التدليسَ منهم فإنما يُجَوِّزُهُ عن الرجل الذي قد سمع منه، وسمع من غيره عنه، ما لم يسمعه منه، فيدلسه: يُرِي أنه قد سمعه منه، ولا يكون ذلك أيضًا عندهم ٧٩ إلا عن ثقة، أما من دلس عن غير ثقة، وعمن لم يسمع هو منه، فقد جاوز حد التدليس الذي رخص فيه من رخص من العلماء))(١). فواضح من كلام يعقوب بن شبية هذا: من طرفه الأخير خاصة، أنه يعتبر (الإرسال الخفي) - كما يسميه المتأخرون - (تدليسًا)، وأنه لا يُفَرِّقُ بينهما، وذلك في قوله: ((أما من دلس عن غير ثقة، وعمن لم يسمع هو منه)). هذا واضح لا خفاء فيه، إذْ أَطْلَقَ على (رواية الراوي عمن لم يسمع منه)) اسمَ (التدليس). وبقي في كلام يعقوب بن شيبة مما يحتاج إلى شرح حُكْمِهُ الذي أصدره على التدليس، ونقل فيه اختلاف المحدثين، إذ قد يُفْهَمُ على غير وجهه: على أن يعقوب بن شيبة يعتبر التدليس جَزْحًا في ثقة الراوي وطَغْنًا في عدالته، لقوله: ((فأما من دلس عن غير ثقة، وعمن لم يسمع هو منه، فقد جاوز حد التدليس الذي رخص فيه من رخص من العلماء)). والطعن في الراوي بسبب التدليس مطلقًا قولٌ شاذٌ لا يكاد يتحقق إثباته في مذهب أحد من المحدثين، ولا يصح عن أكثر النقاد تَشَدّدًا على المدلْسين. فهذا شعبة بن الحجاج، وهو من أشد المحدثين ذمًا للتدليس، كما قال ابن الصلاح(٢)، بل هو القائل: ((لأن أزني أحب إلي من أن أدلس)»(٣)، حتى علّق ابنُ الصلاح على هذه المقالة بقوله: ((وهذا من شعبة إفراط محمول على المبالغة في (١) الكفاية للخطيب (٤٠٠). (٢) علوم الحديث (٧٤). (٣) تقدمة الجرح والتعديل (١٧٣ ١٧٤، الكفاية في علم الرواية (٣٩٣ - ٣٩٤). ٨٠