Indexed OCR Text
Pages 1-20
المؤسَلِ الحَفِىّ وَعَا قَرُهُ بِالتَّزْلِيْسِ دِرَاسَةُ نَظَرَّةٌ، وَتَظْبِقِيَّةٌ عَلَى: مَزْوِيَّاتِ الحَِ البَضرِيِّ تَأليفُ الشّريفْ خَاتِمِ بن عَارفْ العُونيّ ((الدِّرَاسَةُ النَّظَرِيَّةُ» المَجَلّد الأوّلـ دَارُ المنجرة للنشروَالتوزيعّ جميع الحقوق محفوظة الطَّعَّة الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧م : ٠٠ دَارُ الحنجرة للنّشر وَالتوزيع هاتف: ٨٩٨٣٠٠٤ (٠٣) الثقبة - ٤٧٩٢٠٥٥ (٠١) الرياض فاكس ٨٩٥٢٤٩٦ (٠٣) ص . ب: ٢٠٥٩٧ - الثقبة ٣١٩٥٢ المملكة العربية السعودية اِنْسَّلُ الَّفِيُ وَعَ قَّتُهُ بِالَّدْلِيْسِ بسم الله الرحمن الرحيم كَلِمَةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا لَسْتُ أَنَا صَاحِبَ هَذَا الجُهْدِ، لَكِنَّهُ جُهْدُ غَيْرِي !!! فَلَسْتُ أَنَا وجُهدي هذا، إلا بَعْضًا من قَديم إحْسَانِكُمَا، ومِنْ شَديدٍ عَنائكما، ومن طَوِيلَ صَبْرِكما .. يا وَالِدَيَّ. فَلستُ إِلَّ بين الجوانح منكما أحيا، ومن دَمِكُمَا - كنتُ وما زلتُ - أُغْذَى، وَعلى عينيكَمَا شَقَقْتُ الطريق؛ فلا خطوتُ خُطوةً إلا على قلبٍ واحدٍ منكما، ولا وضعتُها إلا على قلب ثانيكما، والثالثةُ على راحةٍ يُمْنَاه، والأخرى على الأخرى ... فأنا بين قَلْبَيْكُمَا، وفي عِنَايَةِ عَيْنَيْكُمَا، وفي رعايةِ كَفَّيْكُمَا، مع دعاءٍ يَشُقُّ حُجُبَ السماءِ، ليبلغَ ربِّ السماء - سبحانه وتعالى - منكما لابنكما بالتوفيق والهداية . فمن أنا حتى أقولَ: (جُهْدي)؟ !! وهل كنتُ إلا منكما؟! أَوَ لَسْتُ إلا أنتما؟ !! فإن قلت: ﴿رَّبِّ أَرْحَمَهُمَا كَا رََّانِى صَغِيرًا﴾، إِنِّي لأضرعُ به إلى الله تعالى؛ فماذا أقولُ، وقد رعَياني كبيرًا؟! وما زِذْتُ بِالعُمْرِ إلا زيادة مِنْ بَذْلِهما ونَصَبِهِمَا اللّهمّ فَكُنْ لَهُمَا كما أنتَ لَأَوْلِيَائِكَ، الذين أَحْبَبْتَهُمْ؛ فَكُنْتَ: سَمْعَهُمُ الذي يَسْمُعون به، وَبَصَرَهُمُ الذي يُبْصِرُونَ بِهِ، وَيَدَهُم التي يَبْطِشُونَ بها، وَرِجْلَهُمُ التي يَمْشُونَ بها. اللهم كُنْ لهما كذلك، واخْتِمْ ذلك بِجَنَّتِكَ وَرِضْوَانِكَ، يا خيرَ مسئول، وأكرمَ مُجيب، يا أرحم الراحمين. مِنْ فِقْهِ السَّلَّفِ فِي النَّصْيَةِ لِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ ((وأمّا بيانُ خَطٍَ مَنْ أَخْطَأَ مِنَ العُلَمَاءِ قَبْلِهِ، إذا تَأَدِّبَ في الخِطَّابِ، وَأَحْسَنَ الرَّدَّ والجَوَابَ، فَلاَ حَرَجَ عليه، ولا لَومَ يَتَوجَّهُ إليه. وإن صَدَرَ منه الاغْتِرَارُ بِمَقَالَتِهِ، فَلا حَرَجَ عليه. وقد كان بعْضُ السلف إذا بَلَغَهُ قَوْلٌ يُنْكِرُهُ على قَائِلِهِ يقولُ: (كَذِب فلان)، ومن هذا قَول النبي ◌َّه: (كذب أبو السنابل) ... وقد بالغ الأئمةُ الوَرِعُونَ في إنكارِ مقالفي عيفةِ لبس العلماء، ورَدِّهَا أنْلَغَ الردّ. كما كان الإمام أحمد يُنكر على أبي ثَوْر وغيره مقالاتٍ ضعيفةً تفرّدوا بها، ويُبالِغُ في رَدِّهَا عليهم ... وسواءً كان الذي بَيِّنَ خطأ صغيرًا أو كبيرًا، وله أسوةً بمن ردًّ من العلماءِ مقالاتٍ ابن عباس التي يَشُذُّ بها وأنكرت عليه من العلماء، مثل المتعة والصَّرْف والعمرتين وغير ذلك)). لابن رجب: في الفرق بين النصيحة والتعيير (٣٣ - ٣٤) ((ولا نعْلَمُ أنَّ الله عزّ وجلّ أَعْطَى أَحدًا من البَشَرِ مَوْثِقًا من الغَلَطِ، وأمانًا من الخطأ، فيستكفّ له منها. بل وَصَلَ عِبَادَهُ سُفَهُبِ الضَّعْفِ والعَجَلَةِ، فَقالة. بالعَجْزِ، وقرنهم بالتشا ﴿خُلِقَ اُلْإِنِسَنُ مِنْ عَبَلٍ﴾، و﴿وَخُلِقَ اَلْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾، و﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ . ولا نعلمه خَصَّ بالعلم قومًا دونَ قَوْم، ولا وَقَّفَهُ علی زَمَنِ دون زَمَنِ، بل جعله مُشْتَرَكًا مقسومًا بينِ عِبَادِهِ، يفتح للآخِرِ منه ما أغلقه عن الأوّل، ويُنَبَّهُ المُقِلَّ فيه على مَا أَغْفَلَ عنه المكثِر، ويُخْبِيه بمتأخّر يتعقّبُ قَوْلَ مُتَقَدْم، وتالٍ يعتبر على ماضٍ، وأَوْجَبَ على كلِّمَنْ علم شيئًا من الحقُّ أن يُظْهِرَهُ وَيَنْشُرَهُ، وجعل ذلك زكاة العلم، كما جعل الصَّدَقَّةَ زكاة المال. وقد قيل لنا: (اتقوا زلة العالم)، وزَلّة العالم لا تُغْرَفُ حتّى تُكْشِف، وإن لم تُعْرَفْ هَلَكَ بها المُقَلِّدون، لأنهم يتلَقّونها من العالِم بالقبول، ولا يرجعون إلا بالإظهار لها وإقامةِ الدلائل عليها وإحضارِ البراهين. وقد يَظُنّ من لا يعلم مِنَ النَّاس ولا يَضعُ الأمور مواضعَها أنّ هذا اغتيابٌ للعلماء، وطَعْنٌ على السلفِ، وذِكْرٌ للموتى، وكان يُقالُ: (اعفُ عن ذي قَبْرٍ)، وليس كما ظنّوا، لأنّ الغيبةَ سبُّ الناس بلئيم الأخلاق، وذِكْرُهُمْ بالفواحش والشائنات، وهذا هو الأمرُ العظيمُ المَشَبَّهُ بأكْلِ لُحُومِ المَيْتِةِ. فأمَا هفوةٌ في حَرْفٍ، أو زَلَّةٌ في معنى، أو إغفالٌ أو وَهَمٌ أو نسيان، فمعاذَ اللَّهِ أن يكونَ هذا من ذلك الباب، أو أن يكونَ له مُشاكِلاً أو مقاربًا، أو يكونَ المنبِّهُ عليه آئمًا، بل يكون مأجورًا عند الله، مشكورًا عند عِبَادِهِ الصالحين، الذين لا يميلُ بهم هوىّ، ولا تَدْخُلُهُمْ عصبيّةٌ، ولا يَجْمَعُهُم على الباطل تَحَزُّبٌ، ولا يَلْفِتُهُمْ عن اسْتِبَانَةِ الحقِّ حَسَدٌ. وقد كُنَّا زمانًا نعتذرُ من الجَهْل، فقد صِرْنا الآن نحتاجُ إلى الاعتذار من العلم. وكُنا نُؤْمِّلُ شُكْرَ الناسِ بالتنبيهِ والدِلالةِ، فَصِرْنَا نَرْضَى بالسلامة. وليس هذا بِعَجِيبٍ مَعَ انْقِلَابِ الأَحْوَالِ، ولا يُتْكَرُ مِع تَغَيُّرِ الزَّمان، وفي الله خَلَفٌ وهو المستعان)). لابن قتيبة في إصلاح غلط أبي عبيد (٤٥ - ٤٧) ((ولعلَّ بَعْضَ من يَنْظُرُ فيما سَطَّرْنَاهُ، ويَقِفُ على ما لكتابنا هذا ضَمَّنَّاهُ، يُلْحِقُ سَيِّءَ الظنِّ بنا، ويَرَى أَنَّا عَمَدْنَا للطّعْنِ على مَنْ تَقَدَّمَنَا، وإظهارِ العَيْبِ لكُبَرَاءِ شُيُوخِنا وعلماءِ سلفنا؛ وأنَّ يكون ذلك؟! وبهم ذُكِرْنا، وبِشُعَاع ضيائهم تَبَصِّرْنَا، وباقْتِفَاءِ وَاضِحِ رُسُومِهِم تَمَيَّزْنا، وبِسُلُوكِ سبيَلِهم على الهَمَجِ تَخَيَّزْنَا. وما مَثَلُهُم ومَثَلُنا إلا ما ذكر أبو عمرو بن العلاء .. قال: (ما نحن فيمن مَضى إلا كبقْلٍ في أُصُولِ نَخْلٍ ◌ِوَالٍ). ولَمَّا جَعَلَ اللَّهُ تعالى في الخَلْقِ أَعْلامًا، وَنَصَبَ لَكُلِّ قَوْمِ ٧ إمامًا، لَزِمَ المهتدين بِمُبِينٍ أنوارِهِم، والقائمن بالحَقِّ في اقْتِفَاءِ آثارِهم، مِمَّن رُزِقَ البحث والفَهْمَ وإنَعامَ النظرِ في العِلْم = بيانَ ما أهملوا، وتسديدَ ما أغفلوا، إذ لم يكونوا معصومين من الزلل، ولا آمنِينَ مِنْ مُقَارَفَةِ الخَطَّإِ والخَطَلِ، وذلك حَقُّ العالِمِ على المُتَعَلَّم، وواجِبٌ على التّالي للمُتَقَدِّم)). للخطيب في الموضّح (٥/١ - ٦) ٨ المقدِّمَة إِنَّ الحمْدَ للَّهِ نَحمدُه ونسْتَعينه ونَسْتغفره ونعوذُ بالله من شرورٍ أنفسنا وسيئاتٍ أعمالنا. من يهده الله فلا مُضِلّ له ومن يضلل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾(١). ﴿يَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُم مِّن نَفْسِ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءٍ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَلََّلُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَمُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِبًا﴾(٢). يُصْلِحْ لَكُمْ ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾(٣) . أمّا بعد: فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد (١) آل عمران: الآية ١٠٢. (٢) سورة النساء: الآية ١. (٣) سورة الأحزاب: الآية ٧٠ - ٧١. ٩ وَ لّر، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وصلى الله على هادي البشرية، ومخرجها من الظلمات إلى النور، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، محمد بن عبد الله، رسول الله، وخير نبي اصطفاه، وأفضل من اجتباه، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وسلّم تسليمًا كثيرًا. ألا وإن سنة هذا النبي الكريم وَل جر وعلومها المشرفة، لمن أجل .. بل أجلُّ ما تُبْذَل له الأَنْفُسُ، وتُفْنَى فيه الأعمار. وقد حَباني الله تعالى بأن كنتُ من طلبةِ العلم النبوي الشريف، وتدرّجتُ في مراحله التعليميّة النظامية، إلا أن قدّمتُ هذا البحث في مرحلة التخصّص (الماجستير). ولقد وفقني الله تعالى إلى هذا الموضوع الغني، العظيم الأهمية، الجليل القدر، الكبير الأثر على السنّة النبوية الشريفة. ألا وهو موضوع: (رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه). وهو قِسْمٌ من أقسام الانقطاعات في الأسانيد، داخلٌ ضِمْنَ نَوْعِ من أنواع علوم الحديث يُسمَّى بـ (الإرسال الخفي). قال عنه ابن الصلاح: ((هذا نوع مهمّ، عظيم الفائدة، يُدرك بالاتساع في الرواية والجمع لطرق الأحاديث)). وقال عنه العلائي: ((هو نوع بديعٌ، من أهم أنواع علوم الحديث، وأكثرها فائدة، وأعمقها مَسْلگًا، ولم يتكلّم فيه بالبيان، إلا حُذَّاقُ الأئمة الكبار، ويُذْرَكُ بالاتساع في الرواية، والجمع لطرق الأحاديث، مع المعرفة التامّة، والإدراك الدقيق)). ولـ (رواية الراوي عمّن عاصره ولم يسمع منه) أثرٌ على الرُّواةِ، وخاصّةً مَنْ عُرِفَ بهذا النوع مِنَ الرواية. وهذا الأثَرُ له ١٠ علاقة بـ (التدليس)، ولكن وقع في هذه العلاقة اختلافٌ كبير بين العلماء، لمعرفة الراجح من أقوالهم فيها أهميةٌ عظيمةٌ في علوم السنّة المشرفة. ومِنْ آثار (رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه): اهتمامُ أئمة الحديث (رحمهم الله تعالى) بالتنصيص على ثُبوت سماع الراوي ممن روى عنه، أو على عدم سماعه منه. وكان لا بُدَّ من هذا الجُهْدِ العظيم، بالتَّنْصِيصِ على السماع أو على عدمه، في مواجهة هذا النوع من الرواية، الذي يُوهِمُ الاتصالَ، وقد يكون الواقعُ بخلافٍ ذلك. ومع قيام نُقّادِ الحديثِ بذلك الواجب، إلاّ أنّ كثيرًا من نُصُوصِهم في إثباتِ السماع أو نَفْيهِ مُتَنَائِرَةٌ في كُتُبِهم، وفي غير مظانّها، فالاستفادةُ منها لذلك أشْبَهُ بالمُتَعَذْرة، إلا مع الاستقراء التام لكُتُب السنّة، والاستعراض الشامل لها. لكنّ الأئمة كثيرًا ما يقع بينهم اختلاف في سماع أحدٍ الرواة ممّن روى عنه، بين مُثْبِتٍ للسماع ونافٍ له. ولا بُدَّ من معرفة الراجح من أقوالهم، نفْيًا أو إثباتًا، للحُكم على الرواية بالاتصال أو الانقطاع، وبالتّالي قبولها أو ردّها. ولا سبيل إلى معرفة الراجح من ذلك: إلا بـ (الاتساع في الرواية، والجَمْع لطُرِق الأحاديث، مع المعرفة التامة، والإدراك الدقيق)، كما سبق في كلام ابن الصلاح والعلائي (رحمهما الله تعالى). وقد هَالَنِي اختلافٌ كبيرٌ في سماع أحد الرُّواة الكبار، مع كثرة مرويّاته، وانتشارها في دواوين السنّة، مِمّا يحتاجُ - لمعرفة مقبولٍ تلك الروايات من مردودها إلى الجزم بالسماع أو عدمه ممّن روی عنهم، كما سبق. هذا الراوي الكبير المُكْثر هو إمامُ الزهدِ والعلم والجهادِ، شيخُ الإسلام، القُدوةُ: الحسنُ بنُ أبي الحسنِ البصري (رحمه الله)، أحدُ ساداتِ التابعين، وأئمةِ الدين، وأعيانِ الأمّةِ. ١١ لذلك فقد اخترتُ دراسةً مرويّات هذا الإمام، من هذه الناحية: ناحية إثبات سماعهِ ممّن روى عنهم، أو إثبات عدم السماع. وبذلك شمل البحثُ قسمين من الدراسة: دراسةً نظريّةً ودراسةً تطبيقيّةً. وسمّيتُ هذا الكتاب: المُرْسَلُ الخِفِيُ وعِلَاقَتُهُ بِالَّذِيسِ دراسة نظريّةٌ وتطبيقيةٌ على مرويات الحسن البصري أمّا خُطّة البحث: فإليك بَيَانُهَا: القسم الأول: الدراسة النظرية الباب الأول: تعريف الإرسال الخفي وعلاقته بالتدليس الفصل الأول: تعريف المرسل الخفي الفصل الثاني: (علاقة رواية المعاصر عمن لم يلقه) بالتدليس والإرسال الخفي. الفصل الثالث: حكم عنعنة الراوي المعروف بالرواية عمّن عاصرهُ ولم يَلْقَهُ. خلاصة الباب: (وفيها أهم نتائجه). الباب الثاني: الحسن البصري بين الإرسال والتدليس. تمهيد: تعريف موجز بالحسن البصري. ١٢ الفصل الأول: بعض شئون الحسن التاريخيّة المؤثّرة في إثبات السماع أو نفيه ممن روى عنهم. الفصل الثاني: مرتبة مراسيل الحسن. الفصل الثالث: تدليس الحسن، وأثرُهُ على رواياته. الفصل الرابع: تأوّل الحسن في صيغ السماع. القسم الثاني: الدراسة التطبيقية تمهيد: قواعدُ في سماع الحسن البصري وإرساله إجمالاً . مباحِثُ القسم: ويتضمّن من روى عنهم الحسن البصري، كلَّ واحدٍ منهم في مَبحَثٍ مُسْتَقِلٍ، مُرَتَبين على حروف المعجم (من حرف الألف إلى الياء، ثم الكنى، ثم النساء كذلك). وفي كل مبحثٍ من هذه المباحث أدرس مسألة سماع الحسن من ذلك الراوي: بذكر أقوال الأئمة في إثبات سماعه منه أو نفيه (إن وُجِدَت)، ثم بذكر الأدلّة والأحاديث الدالة على السماع أو عدمه. ثم أُتبع ذلك بأحاديث الحسن البصري عن ذلك الراوي، في الكتب الستة ومسند الإمام أحمد. ثُمَّ : فهرست المصادر والمراجع و کشافات البحث هذه هى خطة البحث. ١٣ .. منهج البحث: والبحث في قسميه (النظري والتطبيقي) قائم على منهج استقرائي، في السبر والاستقصاء. فقسمه الأول (الدراسة النظرية): والباب الأول منها، قائم على عرض شامل - معتمد على الترتيب الزمني - لأقوال العلماء التطبيقية والتنظيريّة، في بيان علاقة (رواية المعاصر عمن لم يلقه) بالإرسال الخفي والتدليس. والباب الثاني من هذا القسم، قائم في فصليه، على استقراء آراء العلماء وأحكامهم في إرسال الحسن وتدليسه، ثم الدراسة والتوجيه والمناقشة والترجيح. أمّا القسم الثاني (الدراسة التطبيقية): فالمنهج الاستقرائي فيه له ثلاثة حقول : الأول: الاستقصاء في جمع من روى عنهم الحسن البصري، من واقع رواياته، دون الاكتفاء بما جاء في ترجماته. الثاني: الاستقصاء في جمع أقوال العلماء في التنصيص على سماع الحسن ممن روى عنهم أو إرساله، وعدم الاكتفاء بالمراجع الفرعية، بل باستقراء المصادر الأصلية. الثالث: جمع أحاديث الحسن البصري كلها، وخاصة ما فيه دلالة على السماع، أو عدم السماع. وهذا هو الذي بلغ مني الجَهْد، وبذلت فيه غاية الجُهْد. فاستقرأت لأجله أمهات كتب السنة وأصولها ومشهورها، بل وكثيرًا من غريبها ومغمورها، حتى إذا انتهيت من المطبوع جُلّه أو ما علمته منه، اغترفت من بحر ١٥ المخطوط بالغرفات الوافرات بحمد الله تعالى وتوفيقه. ولقد ساعدني على هذا الاستقراء جهود علماء الأمة رحمهم الله تعالى، بمثل كتب الأطراف، والزوائد، والغرائب. ولقد اتّبعتُ في هذا الاستقراء منهجًا مدروسًا، ولم أَرْضَ المنهج العشوائيّ الذي يُفرّطُ بالأحق والأَوْلَى أو يُقَدِّمُ المهمّ على الأهمّ. فإنه لمّا كانت الكُتُب السّة (الصحيحان والسننُ الأربعة) أصول السنّة وأمهات الدين، ويدخل معها مُسند الإمام أحمد لجلالته وسِعَتِهِ؛ جعلتُ هذه الكُتَبَ أساسَ البحث، وقاعدة الاستقراء. ثم نظرتُ، فإذا ببعض الكُتُب الأخرى مُلْتَحِقَةٌ بتلك، وهي: الموطأ للإمام مالك بن أنس، وحديثُ الإمام الشافعي المبثوتُ في كُتُبِه، وسُنَّنُ الدارمي، وصحيح ابن خزيمة، ومستخرج أبي عوانة على صحيح مسلم، وشرح معاني الآثار للطحاوي، ومنتقى ابن الجارود، وصحيح ابن حبان، وسنن الدارقطني، ومستدرك الحاكم. فاستعرضتُ غالب هذه الكُتب، ولحديث الشافعي قرأتُ (معرفة السنن والآثار) للبيهقي، الذي استوعبَ حديث الشافعيِّ المدوَّن كلَّه، كما يقول الحافظُ ابن حجر. ثم اعتمدتُ في الباقي على أطراف هذه الكُتُب، التي صنّفها الحافظ ابن حجر في (إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة)، وهو كتابٌ مخطوطً؛ فاتخذته دليلاً إليها وفهرسًا عليها. وباستعراض هذه الكتب كلّها: (الكتب الستة، ومسند أحمد، والكتب العشرة الملتحقة بها)، أكون قد اطمأننتُ إلى أن مشهورَ السنة وغالبَ ما يصحّ منها قد مررتُ به ووقفتُ عليه. وحينها صرفتُ همّي إلى كُتُبِ الزوائد، خاصةً بعد أن قرأتُ ١٦ كلامًا للحافظ ابن حجر، وللسيوطي. أمّا الحافظ ابن حجر، فلما قال ابن الجوزي: (حَصْرُ الأحاديث يَبْعُدُ إمكانهُ))؛ تعقّبه الحافظ بقوله: ((ولقد كان استيعابُ الأحاديثِ سهلاً، لو أراد الله تعالى ذلك. بأن يجمع الأول منهم ما وصل إليه، ثم يذكر من بعده ما اطّلع عليه ممّا فاته، وكَذَا مَنْ بعده، فلا يمضي قليلٌ من الزمان إلا وقد اسْتُوْعِبَتْ، وصارت كالمصنَّفِ الواحد؛ ولعَمْري لقد كان هذا في غاية الحُسْن)). فعقّبه السيوطيُّ بقوله: ((قد صنع المتأخّرون ما يقربُ من ذلك))(١)، ثم ذكر السيوطيُّ كُتُبَ الزوائد، واعتبر أنها تقوم بنحو ما ذكره الحافظُ ابن حجر، من محاولة استيعاب الحدیث. لذلك طمعتُ في استيعاب استقرائي للحديث، باستعراض کُتُب الزوائد. فاستعرضتُ (إتحاف الخيرة المهرة بزوائد الكتب العشرة) لأحمد بن أبي بكر البُوصِيري. والذي يضمّ زوائد: مسند الطيالسي، والحُميدي، وابن أبي عمر، وابن أبي شيبة، وأحمد بن منبع، وعَبْد بن حميد، والحارث بن أبي أسامة، ومسند أبي يعلى الموصلي (وهو المسند الكبير)، والباقي من مسند إسحاق بن راهوية. هذا مع أني كُنت قد استعرضتُ مسند أبي يعلى الموصلي المطبوع (وهو المسند الصغير)، بل عملت لمسانيد المكثرين فيه أطرافًا، واستعرضتُ أيضًا منتخب مسند عبد بن حميد، و(بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث) للهيثمي، والمطبوع من مسند إسحاق بن راهوية، واستعرضتُ مسندَ الشاشي ما بقي منه مطبوعًا ومخطوطًا، ومسندَ الروياني، وكثيرًا من مسند ابن أبي شيبة المخطوط . (١) تدريب الراوي السيوطي (٨٢/١ - ٨٣). ١٧ ثم قمتُ باستعراض (كشف الأستار عن زوائد مسند البزار) للهيثمي، ثم لما حصلت على ما تبقّى من نُسَخ مسند البزار المخطوط، مع ما طُبعَ منه، استعرضتُه كلَّه أو جُلَّه، ولا أظن أنه فاتني منه شيءٌ. أما معاجم الطبراني الثلاثة، فلم أَزْضَ منها بالزوائد، فاستعرضتُ مسانيد مَنْ روى عنهم الحسن في المعجم الكبير، وأما المعجمين: الأوسط والصغير، فاستعرضتهما كاملين، المطبوعَ من الأوسط وبقيّتَه من المخطوط. ولم أكتفِ بهذا للثقة بالاستيعاب المرجُوّ، فالتفتُّ إلى كُتب الفوائد والأمالي الحديثية، لأنها تُعْنَى بغرائب الحديث متونًا وأسانيد. فاستقرأتُ فوائد تمّام، وفوائد أبي طاهر المخلص الموجودة نسخها في الظاهريّة بدمشق، وفوائد أبي بكر ابن المقرىء، والفوائد الغيلانيّات لأبي بكر الشافعي، والفوائد الطيوريات بانتقاء السّلَفي، وأمالي المحاملي الرواية المطبوعة، والرواية المخطوطة، وأمالي أبي القاسم ابن بشران، وغيرها. وغالبُ هذه إما مخطوطٌ أو رسالةٌ لم تُنْشَرْ بَعْدُ. ولم أقنع من الطمع بهذا، فخشيت أن يفوتني من الغرائب شيء، مع أنّ أكثر الغرائب أحاديث معلولة: ضعيفةٌ أو باطلة، ومع أن (المعجم الأوسط) للطبراني و(مسند البزار) وغيرهما ممّا سبق من الفوائد والأمالي هي بُحُورُ الغريب وأديمُ الأفراد. فألجأني الطمعُ إلى (أطراف الغرائب والأفراد للدارقطني) لابن طاهر المقدسي. وبهذا الكتاب العظيم في الغرائب والأفراد، مع ما سبق، اطمأننتُ إلى أني لن أَوتَى من قِبَلِ الغريب، إلا أن يشاء الله رب العالمين. ثم تنبّهتُ إلى أنَّ الآثار الموقوفات، يجب أن يكون لها نصيبٌ وافرٌ من استقرائي. فاستعرضتُ (الجامع) لمعمر بن راشد، ١٨ و(المصنف) لعبد الرزاق، و(المصنف) لابن أبي شيبة، والمطبوع حتى الآن من (السنن) لسعيد بن منصور، و(الآثار) لمحمد بن الحسن الشيباني، و(الآثار) لأبي يوسف القاضي، و(الجعديات) للبغوي، وما يقارب الأربعين كتابًا من تصانيف ابن أبي الدنيا. وغيرها كثير من كُتب الزهد والرقائق والفتن وعلامات الساعة وصفة القيامة والجنة والنار، ممّا يطول تَعْدَادُه. ثم إني لأعلم أن كُتُبَ التفسير بالمأثور خزانةٌ تتميّز بنوع خاص من المرويّات، قد لا يوجد إلا فيها. فأعانني على استقراء حديث الحسن البصري في التفسير رسالتان للدكتوراه في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبويّة، تكفّلت بذلك الجمع لمرويات الحسن البصري في التفسير؛ فاستعرضتُ هاتين الرسالتين، وجعلتهما كالفهرس للتفاسير المطبوعة، ومصدرًا أصليًّا للتفاسير المخطوطة غير المتيسّرة، ثم اطلعتُ بعد ذلك على (تفسير الحسن البصري) مجموعًا مطبوعًا بجُهدٍ غير الجُهْدِ المُشَارِ إليه آنفًا، فاستعرضتُ مرويّات الحسن فيه، خوفًا من أن يكون قد فاتَ صَاحِبَيْ الجُهْدِ السابق شيءٌ. ولم أقنع بهذا، فاستعرضتُ المطبوع من تفسير ابن أبي حاتم، وما كان قد نوقش من تفسيره في جامعة أمّ القرى بمكة المكرمة من رسائل الماجستير والدكتوراه ممّا لم يُنْشر بعد. ثم تمّمتُ البحث في كتب التفسير، مضيفًا: تفسير النسائي، و(بحر العلوم) لأبي الليث السمرقندي، و(الوسيط) للواحدي. ثم بقي عليّ فنّ من فنون العلم، تحوي مصنّفاته قدرًا كبيرًا من الأحاديث المسندة، وطلبةُ الحديث في زماننا عنه بمعزل، وهي كُتُبُ الأدب. فاستعرضتُ كُلّ ما عرفته منها مما يروي بالإسناد، أو ينقل عن كُتُبٍ تروي بالإسناد: مثل كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصبهاني، بمجلداته الأربعة والعشرين، و(الأمالي) ١٩ للقالي، و(عيون الأخبار) لابن قتيبة، و(الجليس الصالح الكافي) للمعافى بن زكريا، و(شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد، وغيرها كثيرٌ جدًّا. وبعد هذا الاستقراء المنظّم العلمي، وجدتُ نفسي، بعد هذا كله غير راضيةٍ ولا مطمئنة : والنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَا وإِذَا تُرَدُّ إلى قَلِيلٍ تَقْنَعُ وقد رَدَدْتُهَا إلى الكثير - بحمد الله وتوفيقه - فلم تقنع! فلمّا علمتُ أن رغبتها في الخير، وفي زيادة التوثّق لسنة النبي وَ ﴿، مَدَذت لها في الطٌّوَل، وأرخيت لها العِنان، لتنال كل ما تناله اليد، ويبلغه العلم، من المطبوع، وكثيرٍ من المخطوط. فمِنْ كتابٍ في مجلّدات كثيرة: (كحلية الأولياء)، لأبي نعيم، و(التاريخ الكبير) للبخاري، و(الكامل) لابن عدي، و(بيان مشكل الأحاديث) للطحاوي، إلى كتابٍ في مجلّدين أو ثلاثة: كـ(غريب الحديث) للحربي، وابن قتيبة، و(ذكر أخبار أصبهان) لأبي نعيم، و(طبقات المحدثين بأصبهان) لأبي الشيخ، و(السنن الواردة في الفتن) للداني .. وما سوى الذي ذكرته أكثر بكثير. أمّا الكتاب الذي في مجلّد أو جزءٍ لطيفٍ، فهذا بحرٌ لا ساحل له، ومَدِّ لا جَزْرَ معه، لا تنقضي ولا تنتهي. ومصادر البحث ومراجعه على كثرتها، كما ستراه إن شاء الله تعالى، ليست كل ما وقفت عليه، ولا جميعَ ما استعرضته، ولا تمثّل هذا الاستقراء الذي قمت به التمثيل الكامل. فكم من كتاب في جزء أو أجزاء، وهبته كلي، فلم يهبني في هذا البحث شيئًا، وخرج عن أن يكون معدودًا في مصادره ومراجعه. حتى إذا طال الوقت، وانعدم أو ندر الجديد المستفاد المؤثر، وأزفت المدّة على الانتهاء، شددتُ لجام الشّره، وكبحتُ النَّهَمَ عن غايته التي لا نهاية لها. وإلا - لولا ما سبق - لبقيت بين ٢٠