Indexed OCR Text

Pages 41-60

السنن الأبين
ص : 41
الْمُقدِّمَة
اعْلِمْ أَنَّ البَيِّنَ اتِّصالُهُ مِن الحديثِ مَا قَالَ فِيهِ نَاقِلُوهُ: ((سَمعتُ فُلانًا)) ،
أو: ((حدَّثنا))، أو: ((أَنبأنا))، أو: ((نَأَنًا))، أو: ((أَخْبَرَنَا))، أو:
(خَبََّنَا))، أو: ((قَرأَ عَلينا))، أو: ((قَرأْنَا))، أو: ((سمِعْنَا عليهِ))، أو:
((قالَ لنا))، أو: ((حَكَى لَنا))، أو: ((ذَكرَ لنَا))، أو: ((شَافَهَنَا))، أو:
((عَرضَ عَلينا))، أو: ((عَرضْنَا عَليهِ))، أو: ((نَاوَلَنَا))، أو: ((كَتبَ لَنَا))؛
إِذَا كتبَ لَه ذلكَ الشّيءَ بِعَينِهِ وكانَ يَعرِفُ خطَّ الكاتبِ إِليهِ - وفِي
اعتمادِهِ عَلى إِخبارِ المُوصِّلِ الثقةِ بأَنَّهُ خَطُّهُ وكتابُهُ وإلغاءِ الواسطةِ نظرٌ ،
الأَصُ إِلغاؤها، والأخلصُ اعتبارُهَا وتَتْبِينُ الحالةِ كَما وَقعتْ - أَو مَا أَشْبَةَ
ذَلِكَ مِن العباراتِ المُثْبِتَةِ للاتصالِ النافيةِ لِلإِنفصالِ (١).
(١) وقد تختلف بعضُ هذه الألفاظِ مع غيرِها من حيث القوةِ في إثبات الاتصالِ،
وقد سُئِل الإمامُ مالكٌ عن حديثٍ: أَسماعٌ هو؟ فقال: ((منه سماٌ، ومنه
عَرْضٌ، وليس العرضُ بأدنى عِندنا من السماع)). اهـ من (( معرفة علوم الحديث))
للحاكم (ص: ٢٥٩). وقال أبو داود: سمعتُ أحمد يقول: ((أرجو أن يكونَ
العرضُ لا بأسَ بهِ - يعني: قراءة الحديثِ على المحدِّثِ -، وقيل لأحمدَ : كأن
((أخبرنا)) أسهل من ((حدثنا))؟ قال: نعم؛ هو أسهلُ؛ ((حدثنا)) شديد)). اهـ
من ((مسائل أبي داود لأحمد)) (ص: ٢٨١ - ٢٨٢).
وقد أجادَ القاضي عياض - رحمه اللَّه - في الكلام على هذه الألفاظِ مع
تَبِينِ الأصولِ منها والفروعِ، مع ذكر مراتبِ الإِجماعِ والاختلافِ فيها في
كتاب ((الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع)) (ص: ٦٨ - ١٣٤)،
و ((مقدمة إكمال المعلم بفوائد مسلم)) (ص: ٣٦٢ - ٣٨٣)، وقال القاضي - =

[ق ٥/ب]
السفن الأبين
ص : 42
فَهذِهِ كُلُّها لا إِشكالَ فِي اتِّصالِهَا لُغَةً وعُرفًا ■ إِذا كانَ الطريقُ كلُّه
بِهذهِ الصفةِ، وإِن خَالف بعضُهُم في بعضِهَا (١).
وهذا الذي قُلناهُ قَبلَ أَنَ يشيعَ اختصاصُ بَعضٍ هذهِ الألفاظِ بالإِجازةِ
المُعيَّنَةِ أَوِ المُطلَقَةِ عَلى مَا هُو المعلومُ مِن تَفاصِيلِ مَذاهبِ المحدِّثينَ فِي
ذلكَ (٢) ، ومِن تَخصيصِ بعضِ هذهِ الألفاظِ بِبعضِ الصُّورِ تمييزًا لأنواع
التَّحمُّلِ. وتَحُّزًا مِنَ الرَّاوي، تَظهرُ بِهِ نَزاهتُهُ على ما هُو مُفَسَّرٌ في
مَواضعِهِ .
وَيَتْلُو ذلكَ مَا شَاعَ فِي استعمالِ الْمُسْنِدِينَ، وذَاعَ فِي عُرْفِ المُحَدِّثِينَ
عِند طلبِ الاختصارِ مِن إبرازِ ((عَنْ)) فِي مَعرضِ الاتّصالِ وهَو الذي
قَصَدْنَاهُ .
= رحمه الله - في (ص: ٣٨٣): ((وبسطنَا الكلامَ في هذه الفصول في كتاب
((الإلماع)) وأشرنا فيه إلى نكتٍ غريبة لعلَّك لا تجدها مجموعة في غير هذين
الكتابين)) ١ هـ - رحمه الله .
(١) ((الإلماع)) (ص: ١٣٥ - ١٤٥).
(٢) قد أجاد القاضي عياض وأفاض في الكلام على الإجازة وأنواعها في كتابه
((الإلماع)) (ص: ٨٨ - ١٢١).

السنن الأبين
ص : 43
الباب الأول
اعلمْ أنَّ الإسنادَ المُعنعنَ - وهُو ما يُقالُ فِيهِ: ((فُلانٌ، عَن فلانٍ ))، مثل
قولِنَا: مالكٌ، عنِ ابنِ شهابٍ، عن أنسٍ بنِ مَالكِ، عن رسولِ اللَّهِ عَلَّهِ
المنقولُ فِيهِ عنِ المُتَقدِّمِينَ أربعَةُ مَذاهِبَ، وحَدَثَ للمتأخِّرِينَ فيهِ مُصطلحٌ
خامس .
فَالمذهبُ الأولُ :
مَذْهَبُ أهلِ التَّشديدِ، وهُو أَن لَا يُعدَّ مُتَّصلًا منَ الحديثِ إِلَّ ما نُصَّ
فِيهِ عَلى السّماع أو حَصُلَ العلمُ بهِ مِن طَرِيقٍ آخَرَ (١)، وأَنَّ مَا قِيلَ فيهِ :
(١) القرائن التي بها يثبتُ السماُ في حالةٍ عدمٍ وجودٍ تصريحٍ به كثيرة :
منها : أن يَنصَّ إمامٌ مِن أئمةِ هذا الشأنِ على ذلك.
ومنها : أن يَأْتِيَ تصريحٌ مِّن أحدِ الرواةِ بأنَّ فلانًا كان يسمعُ معنا - وانظر
((علل عبد اللَّه)) (٦٣٧) -، أو كانَ يحضر معنا عند فلانٍ - وانظر ((طبقات
ابن سعد)) (٦/ ٢٧٠) ترجمة إبراهيم النخعي - أو أن يقال: فلانٌ سافر مع
فلانٍ - كما قيل في إبراهيم - أيضًا - أنه كان يسافر مع علقمة والأسود - كما
في ((التاريخ)) للفسوي (٢٧٢/٢).
أو أن يكونَ التلميذُ في سنِّ يَحتملُ السماعَ ويكونُ في المدينةِ مثلًا ، وفيها عمرُ
ابن الخطابِ أميرًا للمسلمينَ فيُستبعدُ أن يكونَ هذا الراوي لم يسمع من عمر -
رضي الله عنه - في خطبة جمعة أو عيد، أو غير ذلك كما استدل به من ذهب
إلى سماع سعيدٍ بن المسيب من عمرَ، وإنما اختلف مع الآخَرِيِنَ في كونِهِ هل
يُدركُ ما سمعَ أم لا؟ وراجع (( شرح علل الترمذي)) (٢/ ٥٩٠).
أو أن يكون التلميذُ من مذهبه أنه لا يروي عن شيوخِهِ إلا ما سمعُوه ثمّن =

السنن الأبين
ص : 44
((فُلانٌ عن فُلانٍ))، فَهُو مِن قَبِيلِ المُرسَلِ أَوِ الْمُنقطع حَتَّى يَتَبيَّنَ اتِّصالُهُ بِغَيْرِهِ.
حَكَاهُ الإِمامُ أَبُو عَمْرٍو النَّصْرِيُّ الشَّهْرَزُورِيُّ - شُهِرَ بابْنِ الصَّلاحِ -
أَحدُ الأَثْمَّةِ المتأخِّرِينَ المُعتمَدِينَ، ولَمْ يُسمِّ قَائِلَهُ؛ وَلِفَظُ مَا حَكاهُ :
((فُلانٌ عَنِ فُلانٍ، عَدَّهُ بَعضُ الناسِ مِن قَبِيلِ المُرسَلِ وَالمُنقطِعِ حَتَّى
يَتْبيَّنَ اتِّصالُهُ بِغَيرِهِ))(١) .
[ق٦/أ] وهَذا المذهبُ وإِن قَلَّ القائلُ بهِ بِحيثُ ■ لَا يُسمَّى وَلَا يُعلَمَ فَهُو
الأَصلُ الذي كَان يَقتضِيهِ الْاحتياطُ، وحُجَّتُهُ أنَّ: ((عَن)) لَا تَقْتَضِي
اتصالًا لََّ لُغَةً ولا عُرْفًا، وإِن تَوَهَّم مُتَوَهِّمْ فِيها اتِّصالًا لَّغَةً فَإنَّما ذلكَ بِمَحِلٌ
المُجاوزَةِ المأخوذِ عنهُ .
حدَّثوا عنه؛ كما هو الحالُ في رواية شعبةً عن قتادةً وغيره، بقوله: (( كفيتُكم
تدليسَ ثلاثةٍ: قتادة، والأعمش، وأبي إسحاقَ السبيعي)). (١٥٢/١) ((معرفة
السنن والآثار)). ويقول أبو حاتم الرازي في ((العلل)) (٣٤): ((قد روى شعبةُ عن
محُصينٍ، عن أبي مالك : سمعت عمارًا، ولو لم يعلمْ شعبةُ أنه سمعَ مِن عمارٍ ما
کان شعبةُ یرویه)) اهـ.
ويقول الحافظ ابن حجر في ((الفتح)): ((شعبة لا يُحدِّثُ عن المدلسينَ إلا بما عَلِمَ
أنهُ داخلٌ في سماعِهِم، فيستوي في ذلك التصريحُ والعنعنةُ بخلاف غيره)) اهـ.
وكذلك الحالُ في رواية الليث بن سعدٍ عن أبي الزبير - كما في ((تهذيب
الكمال)) (٤٢١/٢٤) - وكذا رواية حفص بن غياثٍ عن الأعمش - كما في
((تاريخ بغداد)) (١٩٩/٨) وغيرهم.
(١) ((المقدمة) بحاشية ((التقييد)) (ص: ٨٣)، وهو عين الذي حكاه الإمام مسلم في
((مقدمة صحيحه)) (ص: ٢٤) ملزمًا به خصمَهُ، وردًّا عليه بقوله: ((فإن كانتِ
العلةُ في تضعيفِكَ الخبرَ وتركِكَ الاحتجاجَ بِهِ إِمكان الإرسالِ فيه لزمَكَ أن لا
تُثبتَ إسنادًا مُعنعنًا حتى ترى فيه السماعَ من أوله إلى آخره)) .

السنن الأبين
صص : 45
تقول: ((أُخِذَ هَذا عَنِ فُلانٍ))، فَالأَخذُ (١) حَصَلَ مُتَّصلًاً بِالمَحِلِّ
المأخُوذِ عنهُ. ولَيس فِيها دَليلٌ على اتّصالِ الَّاوِي بِالمَرْوِيِّ عنهُ، وَمَا عُلِمَ مِنْهُم
أنَّهم يَأْتُونَ بِ ((عَن)) فِي مَوضعِ الإِرسالِ وَالإِنقطاع يَخْرُمُ ادِّعاءَ العُرْفِ .
وَإِذا أَشْكلَ الأَمرُ وَجبَ أَن يُحكَمَ بِالإِرسالِ. لأَنَّهُ أَدْوَنُ الحَلاتِ،
فَكأَنَّهُ أَخْذٌ بِأَقْلِّ مَا يَضُ حَمِلُ اللفظِ عليهِ .
وكَانَ يَنبغِي لِصاحبِ هذا المذهبِ أَن لَّ يقولَ (٢) بالإِرْسالِ؛ بل
بالتَّوَقُّفِ (٣) حَتَّى يَتَبِيَّ؛ لِمَكانِ الإِحْتمالِ (٤) .
وَلَعَلَّ ذَلكَ مُرادُهُ (٥)، وهُو الذي نَقْلَهُ مُسلمٌ عَن أَهلِ هذا المذهبٍ (٦):
أَنَّهُمْ يَقِفُونَ الخَبَرِ، وَلا يكونُ عندهم موضع حجَّةٍ لإمكانِ الإرسالِ فيه ، وإنَّ
هذا القصدَ ليلُوحُ مِن قَولِ هذا القائلِ حتَّى يَتَبيَّنَ اتِّصالُهُ بِغِيرِهِ، ولَكِنَّ صَدْرَ
الكلام يَأْبَاهُ؛ لِقولِهِ: ((عَدَّه بَعضُ النَّاسِ مِن قَبِيلِ المُرسَلِ والْمنْقِطِعِ)) (٧).
(١) كتب في الهامش: في نسخة: ((بالمأخوذ)) ووضع عليها علامة (صح)).
(٢) كتب في الهامش: في نسخة: ((يجزم))، وصححها .
(٣) كتب في الهامش: في نسخة: (( به يتوقف))، وصححها، وعليه فتصير العبارة
في النسخة الأخرى التي وضع فروقها في الهامش كالتالي: (( وكان ينبغي
لصاحب هذا المذهب أن لا يجزم بالإرسال، بل به يتوقف حتى يتبين ... )) .
(٤) بعد كلمة ((الاحتمال)) كتب في الأصل أربعة أسطر وكلمة ، ثم ضرب عليها
بأن وضع دائرة صغيرة عند بداية كل سطر وعند نهايته كذلك، وكتب في
الهامش : اقتضى نظرُ مصنفِهِ - رضي الله عنه - إسقاط ما صفَّرَ عليهِ لاشتباهِهِ .
(٥) كتب في الهامش: في نسخة: ((مرادُ هذا القائل))، وصححها .
(٦) سبق نقله قبل خمس تعليقات .
(٧) ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص: ٨٣) بحاشية ((التقييد)).

السنن الأبين
ص : 46
وق ٦/ب]
وكَأَنَّ ■ فِي رَبْطِ العَجُزِ بِالصَّدْرِ تَنَافُرًا مَّا، إِلَّا أَنَّ هذا المذهبَ رَفضَهُ
جُمهورُ المُحُدِّثِينَ؛ بل جَميعُهُم، وهُو الذي لَا إِشكالَ فِي ((أَنَّ أَحدًا مِّن
أَمةِ السّلفِ مِمَّن يَستعملُ الأخبارَ - كَما قَالَ مُسلمٌ - رَّحمهُ اللَّهُ - ويَتفقَّدُ
صِحَةَ الأسانيدِ وسُقْمِهَا مِثلُ أَيوبَ السَّخْتيانيّ وابنٍ عَونٍ ومَالكِ وشُعبةَ بنِ
الحَجَّاجِ، ومَن سَمَّى مَعهُم لَا يَشترِطُهُ ولَا يَبحثُ عَنْهُ)) (١)، ولَوِ اشْترِطَ
(١) ((مقدمة صحيح مسلم)) (ص: ٢٦)، ولنا هنا وَقْفَةٌ، فإِنَّ الإمامَ مسلمًا سَمَّى
هَؤُلاءِ الجَهابِذةَ لَا لِلردِّ عَلى مَن اشترطَ السماعَ في كُلِّ حَديثٍ مِّن أَولِهِ إِلى
آخرِهِ - كالقول الذي حكاهُ ابنُ الصلاح -؛ وإنما أتى بهؤلاء ردًّا على مُخالِفِهِ
الذي اشترطَ السماعَ ولو مَرَّةً واحدةً للمتعاصِرَيْنِ لحملِ الحديثِ على السماعِ إذا
سَلِمَ مِن التدليسِ. وهُو القولُ الذي وصفَهُ مسلمٌ في ((المقدمة)) (ص: ٢٣) بعد
أنْ ساقَ شرطَهُ فقال: ((إِنَّ الحَُّةَ لا تقومُ عنده بُكلِ خبرٍ جَاءَ هذا المجيءَ حتى
يكونَ عندَهُ العلمُ بأنهُما قد اجتمَعَا مِن دَهرِهِمَا مَرَةً فصاعدًا، أو تَشافَهَا بالحديثِ
بينَهُما ، أو يَردَ خَبَرٌّ فيهِ بيَانُ اجتماعِهِمَا وَتَلاقِيهِمَا مَرةً مِّن دَهرِهِما فما فَوْقَهَا،
فإِنْ لَم يَكُن عندُه عِلْمُ ذلك ولم تأت روايةٌ تُخبرُ أَنَّ هذا الراويَ عَن صاحِبِهِ قد
لَقِيهُ مَرةً وسَمعَ منهُ شيئًا لم يكن في نقلِهِ الخَبرَ عمَّن رَّوی عنه ذلك، والأمر كما
وَصِفْنَا حُجَّةٌ، وَكانَ الخبرُ عندَهُ مَوقوفًا حتى تَرِدَ عَليهِ سماعُهُ منه لِشَيءٍ مِن
الحديثِ قَلَّ أو كَثُرَ في رواية)) اهـ.
فَأَخذَ بَعدَهَا يَردُّ على هذا القولِ بذكر هَؤلاءِ الجَهابذةِ من أنهم لم يُفتشوا عن
موضع السماع، ثم إن الأمر ليس كما ذكر الإمام مسلم، بل إنهم كانوا
حريصين على ذلك، وقد اشتهر بذلك شعبةُ - رحمه الله -، ففي ((صحيح
مسلم)) من كتاب الإيمان (١/ ٦٠) حديث: شعبة، عن عدي بن ثابت قال :
سمعتُ البراء - الحديث - فقال شُعبةُ: قلتُ لعديٍّ: أنت سَمِعْتَهُ مِنَّ البراء؟ قال
إِيَّاي حدَّث)) اهـ.
وعدي بن ثابت غير موصوف بتدليس، وانظر كذلك ((الجعديات)) للبغوي
(٣٩٤/١)، و((تحفة الأشراف)) (١٤٣/١)، (٤٥١/١٢) ويقول ابنُ
عبد البرِّ فى ((التمهيد)) (٥١/١): ((وهذا معروف عن شعبة)).
=

السنن الأبين
ص : 47
ذَلِكَ لَضَاقَ الأَمُرِ جِدًّا، ولَم يَتَحَصَّلْ مِنَ السنةِ إِلَّ الثَّزْرُ الْيَسيرُ، فَكَأَنَّ اللَّهَ
تَعالى أَتَاعَ الإِجماعَ عِصمَةً لِّذلكَ، وتَوسعةً عَلينا، والحمدُ لله.
فهذَا المذهبُ المَجَهولُ قَائِلُهُ لَا يُعَرَّجُ عَليهِ وَلَا يَلْتِفِتُ اللِّيتُ (١) إِليهِ،
وقَد تَوَلَّى الإِمامُ أَبُو عَمْرٍو النَّصرِيُّ رَدَّ هذا المذهبِ الذي حَكَاهُ، وقالٍ .
((إِنَّ الصحيحَ والذي عَليهِ العملُ: أَنَّهُ مِن قَبِيلِ الإِسنادِ المُتُصل)) .
قال: ((وإِلَى هَذا ذَهبَ الجَماهيرُ مِن أَتْمةِ الحديثِ وغيرِهِم، وأَوْدَعَهُ
وذكر ابن أبي حاتم لأبيه حديثًا؛ وقال: فأبو مالك سمع من عمار شيئًا؟
قال : ما أدري ما أقول لك، قد روى شعبة عن حصين عن أبي مالك: سمعت
عمارًا، ولو لم يعلم شعبة أنه سمع من عمار ما كان شعبة يرويه اهـ.
وفي ((مقدمة الجرح والتعديل)) (ص: ١٧٣): قال شعبة: كل شيءٍ
حدثتكم به فذلك الرجل حدثني به أنه سمعه من فلان ، إلا شيئًا أبينه لكم اهـ.
وهذا سفيان بن عيينة يقول للمغيرة بن مِقسم الضبي في حديثٍ رواه، عن
إبراهيم: ((أسمعت ذا من إبراهيم؟ فقال: ما تريد إلى ذا؟ وحاد عنه، ولم يقل
لي سمعته من إبراهيم، ولا لم أسمعه، فلم أجالسه بعد)) اهـ من ((المعرفة))
للفسوي (٦٧٩/٢).
وكتب ((المراسيل)) تعجّ بهذه الأمثلة، ورحم اللَّه ابن رجب الحنبلي إذ يقول
في ((شرح علل الترمذي)) (٥٩٦/٢): ((وأما إنكار مسلم أن يكون هذا قول
شعبة، أو مَنْ بعده، فليس كذلك، فقد أنكر شعبة سماع من روي سماعه
ولكن لم يثبته كسماع مجاهد من عائشة، وسماع أبي عبد الرحمن السلمي من
عثمان وابن مسعود، وقال شعبة : أدرك أبو العالية عليًّا ولم يسمع منه، ومراده :
أنه لم یرد سماعه منه، ولم یکتفِ پإدراكه؛ فإن أبا العالية سمع ممن هو أقدم موتًا
من علي ... )) اهـ، وراجع ((تقدمة الجرح والتعديل)) (ص: ١٢٩، ١٦٣).
(١) كتب في الهامش: اللّيت: صفحة العنق. زبيدي اهـ. ((تاج العروس))
(٥٨٢/١) .

السنن الأبين
ص : 48
المُشْترِطُونَ للصَّحيحِ فِي تَصانِيفِهِم فِيهِ وَقَبِلُوهُ))(١) .
وَقَد نَقْلَ - أَيْضًا - هذَا الَّذَهبَ مُبِهِمًا لِقَائِلِهِ: أَبُو مُحمَّدٍ بِنُ خَلَّادٍ فِي
كِتابِ ((الفَاصلِ)) لَهُ .
(( أَنَّا أَبُو عَبدِ اللَّهِ مُحمَّدُ بنُ عبدِ الخالقِ بنِ طَرخانَ السَّخَوِيُّ سَمَاعًا
عَليهِ بثغْرِ الإِسكندريةِ قالَ : أنا القاضي أَبُو طَالبٍ أَحمدُ بنُ عَبدِ اللَّهِ بنِ
الحُسينِ بنِ عبدِ المجيدِ الكِندِيُّ - شُهِرَ بِابنِ حَدِيدٍ - سَماعًا عَليهِ قال : أنا
الإِمامُ أَبُو طَاهِرِ السِّلَفِيُّ سَمَاعًا عَليهِ قال: أَنَا أَبُو الحُسينِ المباركُ بنُ
[ق٧/أ] عَبد الجبّارِ الصَّيرفيُّ بِعْدادَ قِراءةً قِيل لَهُ: أَخبرَكُمْ أَبو ■ الحَسنِ عليٌّ بنُ
أحمدَ بنِ عَلَيٍّ الفاليُّ بِقِراءَتكَ عليك (٢) فَأَقْرَّ بِهِ قالَ: أنا القاضي
أبو عبد اللَّهِ أحمدُ بنُ إسحاقَ بنِ خربانَ النهاونديُّ قال: أنا القاضي
أبو محمَّدِ الحَسنُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ خَلَّادِ الرَّامَهُرُزِيُّ قال :
((قالَ بعَضُ المتأخِّرِينَ مِنَ الفُقهاءِ: كُلّ مَنْ رَوَى مِن أخبارِ النبيِّ ◌ِ لّه
◌َخَبِرًا فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ: ((سِمعْتُه))، وَلَا: ((حَدَّثَنَا))، ولا: ((أَنْبأنَا))، ولا:
(١) ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص: ٨٣) بحاشية ((التقييد))، وذكر الحافظ ابن رجب
هذا القول - أيضًا - وقال: (( وهذا القول شادٌّ مُطَّرَحْ)) ((شرح علل الترمذي))
(٥٨٧/٢)، وقد نصَّ الخطيب في ((الكفاية)) على أنَّهُم مجمعون على أنَّ قول
المحدثين: ((ثنا فلان، عن فلان)) صحيح معمول إذا كان شيخه الذي ذكره
يعرف أنه أدرك الذي حدث عنه، ولقيه، وسمع منه، ولم يكن هذا المحدث ممن
يدلس)) اهـ.
وقد نقل ابن عبد البر - أيضًا - الإجماع على خلاف هذا القول في مقدمة
((التمهيد)) (١٢/١).
(٢) كذا في الأصل، ولعلَّ الأليق: ((عليه)).

السنن الأبين
ص : 49
((أَخبرَنَا))، ولا لفظةً تُوجِبُ صِحَّةَ الرّوايةِ، إِمَّا بِسَمَاعٍ أَو غَيِرِهِ مِمَّا يَقومُ
مَقامَهُ فَغَيْرُ وَاجِبٍ أَن يُحكّمَ بِخَبَرِهِ ،
وإِذَا قَال: ((نا))، أو: ((أَنَا فُلانٌ، عَن فُلانٍ))، ولَم يَقُلْ ((نا فلانٌ: أنَّ
فُلانًا حدَّثه)) ، وَلَا مَا يَقومُ مَقامَ (١) هذا مِنَ الأَلْفَاظِ، احْتُمِلَ أَن يَكُونَ بَينَ
فلانٍ الذي حَدَّثْهُ وبينَ فلانٍ الثاني رَجلٌ آخَرُ لَم يُسَمِّهِ ، لِأَنَّهُ لَيسَ بِمُنكٍ
أَن يَقُولَ قَائِلٌ: ((حُدِّثنا عَنِ النبيِّ عَّهِ بَكَذا وكذا))، و(( وفُلانٌ حدَّثنا عَن
مالك والشافعيِّ))، وسَواء قِيلَ ذَلك مِّن (٢) عُلمَ أَنَّ المخاطبَ لَم يَرَهُ أَو
يَمَّن (٢) لم يُعْلَمْ ذَلك منهُ، لأنَّ معنى قولِهِ: ((عَن)) أَما هُو أَنَّ ردَّ الحديثِ
إليهِ. وهذا سَائٌ في اللُّغَةِ. مُسْتَعْمَلٌ بَيْنَ الناسِ. قال: وهَذا هُو العِلَّةُ في
المَرَّاسِلِ. قَالَ: وقَدْ نَظَمَ هَذا بَعْضُ المُتْأَخِرِينَ شِعرًا فقال:
مِّنْ حَدِيثٍ وَبَارِعٌ مِّن بَانِ
يَتَأْذَّى إِلَيَّ عنَكَ مَلِيِخْ
يَ وَلَيْسَ الْإِخْبَارُ مِثْلَ الْعَانِ
فَلِهَذَا اشْتَهَتْ حَدِيثَكَ أَذْنَا
ـيَانُ - فَرْقٌ - وَبَيْنَ عَنْ سُفْيَانِ))
بَيْنَ قَوْلِ الْفَقِيهِ: حَدَّثَنَا سُفْ
انتھی کَلامُ ابنِ خَلَّادٍ (٣).
]
[ق ٧/ب]
وَقَدْ رَدَدْنَا هذا الَذَهبَ بِما فيهِ الكِفايةُ، وإِذْ بَانَ أَنَّهُ قَولٌ لِّبَعضِ الفُقهاءِ
(١) في ((المحدِّث الفاصل)): ((ما يقوم به مقام ... )).
(٢) في ((المحدِّث الفاصل)): ((فيمن)).
(٣) ((المحدِّث الفاصل)) للرَّامهُرمزي (ص: ٤٥٠ - ٤٥١)، ورواه الخطيب في
((الكفاية)) (ص: ٢٩٠ - ٢٩١): أخبرني علي بن أحمد المؤدب ((الغالي)) به .

السنن الأبين
ص : 50
المتأخرينَ فَهُو مَسبوقٌ بِإِجماع عُلماءِ الشَّأَنِ، واللَّهُ الْمُؤَفِّقُ .
وقَد بَيَّنَ ذلك أبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ بِما حَكَاهُ مِنَ الإِجماعِ بَعدَ أَن ذَكرَ
بِإِسنادٍ، عَن وَكيع قالَ: قال شُعبةُ: ((فُلانٌ عَنِ فُلانٍ. لَيس بِحَديثٍ)).
قال وكيعٌ: وقالَ سُفيانُ: ((هُو حَديثٌ)). قال أبو عُمرَ: ((ثُمَّ إِنَّ شعبةَ
انصرفَ عَن هذا إلى قَولِ سُفيانَ )) (١) .
قُلتُ: وَمَا نقلهُ مسلمٌ - رحمه الله - عَنِ العُلماءِ الذين سَمَّى، ومِن
مجملتِهِم شُعبةُ. مِن أَنَّهِم لَا يَتفقَّدُون ذَلك. يَدُلُّكَ - أيضًا - عَلَى رُجوعِ
شُعبةً كما ذَكرَ أَبُو عُمرَ (٢).
فَقَدْ بَانَ أَنَّهُ لَا يُعلَمُ لِتَقَدِّم فِيهِ خِلافٌ إِذَا جَمَعَ رُوَاتُهُ العَدالةَ واللِّقَاءَ
والبراءةَ مِن التدليسِ، وأنَّ شعبةَ رَجَعَ عَن قولِهِ (٣).
(١) ((التمهيد)) (١٢/١-١٣)، وذكر الخطيب في ((الكفاية)) (ص: ٢٨٣)، وابن
أبي يعلى في ((طبقات الحنابلة)) (١/ ٣٠٠) من طريق قُراد: أنَّه سمع شعبة
يقول: ((كل شيءٍ ليس في الحديث: ((سمعت)) فهو خَلِّ وبَقْلٌ)) اهـ.
(٢) وهذا القول لا يُسَلَّمُ له، فقد كان من منهج شعبة أن لا يدع التفتيش عن
السماع، حتى شُهِرَ عنه أنه قد يصل به الأمرُ إلى حدِّ الإملال؛ ففي ((تقدمة
الجرح والتعديل)) (ص: ١٦٤) قال شعبة: سألت طلحة بن مُصَرّف عن هذا
الحديث أكثر من عشرين مرة، ولو كان غيري قال: ثلاثين مرة، قال: سمعت
عبد الرحمن بن عوسجة يُحدِّث عن البراء أن رسول اللَّه مَ الم قال: ((من منح
منيحة ورق .. )) الحديث اهـ.
وقد استحلف عبدَ اللَّه بن دينار في حديث ((الولاءِ))، وقد كان يتتبع فِيَّ
قتادة ، فإذا قال: ((سمعت)) أو ((حدثنا)) حفظه منه وإلّا تركه، وقد سبق قبل
قليل نحو هذا فانظره .
(٣) قد سبق أن ذكرنا أن شعبة لم يرجع عن رأيه ومنهجه في تحقق سماع شيوخه =

السنن الأبين
صص : 51
وقَالَ الحافظُ أَبُو عَمرِو المُقُرِي: ((وَمَا كَانَ مِنَ الأَحاديثِ المُعنعنةِ التي
يَقولُ فِيها نَاقِلُوها ((عَن، عَن)) فهي - أيضًا - مُسندةٌ مُتَّصلةٌ بِإجماع أهل
النقلِ ، إِذَا عُرِفَ أَنَّ الناقلَ أَدرِكَ الَقولَ عنهُ إِدراكًا بَيِّنًا وَلَمْ يَكُن ثَمَّنْ عُرِفَ
بالتَّدليسِ وإِن لَّم يَذكُر سَماعًا)) (١).
إلَّا أنَّ قولَهُ: ((إداركًا بَيِّنَا))، فيهِ إِجمالٌ، وَسَنَشْتوفي الكَلامَ عليهِ فِي
ذِكرِ المَذَهبِ الثالثِ بِحَوْلِ اللَّهِ .
المذهبُ الثاني :
وهُو - أيضًا - مِن مَذاهبٍ أهلِ التَّشديدِ ، إلا أنَّهُ أَخفُّ مِن الأوَّلِ وهُو
مَا حكاهُ الإِمامُ أَبو عَمْرٍو ■ النَّصرِيُّ ابنُ الصَّلاح. قال: ((وذكر [ق٨/أ]
أبو المُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ فِي الْمُعَنْعَنَةِ (٢) أَنَّهُ يُشترَطُ طُولُ الصُّحبةِ بَينَهُم)) (٣) .
قُلتُ: وهَذا بِلا رَيب يتَضمَّنُ السَّماعَ غَالِبًا لِجُملةِ مَا عِندَ المُحدِّثِ أَو
أكثرِهِ، ولا بُدَّ مَعَ هَذا أَن يكونَ سَالماً مِّن وَصْمَةِ التدليسِ .
= للأحاديث كما في التعليق السابق، وقد سبق - أيضًا - في التعليق رقم (٣) أول
الكتاب أن بيَّنا أن الأئمة - رحمهم الله - لم يكتفوا بمجرد اللقاء لإثبات السماع؛
بل لا بد من أن يقع تصريح بالسماع ولو لمرةٍ واحدة، وهو مذهب ابن المديني
والبخاري وغيرهما ، المذهب الذي سيدافع عنه المصنف - رحمه الله - ورجحه،
وأما اللقاء وحده فلا يثبت به سماع إلّا أن يكون لقاءً مُسفرًا عن سماع.
(١) ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص: ٨٣ - ٨٤)، و ((شرح مسلم)) للنووي (١/ ٥٧)،
و (( شرح علل الترمذي)) لابن رجب (٥٨٩/٢ - ٥٩٠)، وغيرهم.
(٢) كذا في الأصل، والذي نقله ابن الصلاح: ((العنعنة)).
(٣) ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص: ٨٨)، و((صيانة صحيح مسلم)) (ص: ١٣١)،
و ((صحيح مسلم بشرح النووي)) (٥٧/١)، وغيرهم.

ص : 52
السنن الأبين
وحُجَّةُ هَذَا المَذهبِ هِيَ الأَوْلَى بِعَينِهَا، ولَكِنَّهُ خَفَّف فِي اشتراطِ
السَّماعِ تنَصيصًا في كُلِّ حِديثٍ حديثٍ لتَّعذُرِ ذلك، ولِؤُجودِ القرائنِ
المُفْهِمَةِ للانِّصالِ من إِيرادِ الإِسنادِ وإِرادةِ الرَّفعِ بَعضِهِم عَن بَعضٍ عندَ
قَولِهِم: ((فُلانٌ، عَنِ فُلانٍ)) مع طُولِ الصُّحبةِ .
الْمَذْهبُ الثالثُ :
وهُو رَأَيُ كَثِيرٍ مِّنَ المحدِّثينَ: مِنْهُم: الإِمامُ أَبو عبدِ اللَّهِ البخاريُّ،
وشَيخُهُ أبو الحَسنِ عليٍّ بنُ المدينيّ، وغَيْرُهُما .
نقلَ ذَلكَ عَنْهُم القاضي أَبو الفَضْل ◌ِياضٌ وَغَيْرُهُ(١).
وهُوَ مَذهبٌ مُتَّوسِّطٌ في (٢) اشتراطِ ثُبُوتِ السماعِ أو اللقاءِ في الجُملِةِ
لَا فِي حَديثٍ حديثٍ .
وهَذا هُو الصَّحيحُ مِن مَذاهبِ المحدِّثينَ، وهُو الذي يُعضِّدُهُ النَّظرُ. فَلا
يُحمَلُ مِنهُ عَلى الاتصالِ إِلَّ مَا كانَ بَيْنَ مُتَعَاصِرْنِ يُعلَمُ أَنَّهما قَدِ التَّقَيَا مِن
دَهرِهِمَا مَرَّةً فصاعدًا، وَمَا لَم يُعرَفْ ذَلك فَلا تَقومُ الحُجَّةُ مِنه إلَّا بِمَا شَهِدَ
لَه لَفظُ السَّمَاعِ أَوِ التَّحديثِ أَوْ مَا أَشْبَهَهُما مِنَ الأَلْفاظِ الصَّريحةِ إِذَا أَخبرَ
بِها العَدْلُ عَنِ العَدلِ .
وحُجَّةُ هَذَا المَذْهَبِ - أيضًا - مَا تَقدَّمَ مِن إجماع جَماهيرِ النَّقَلِةِ عَلى
(١) قال القاضي عياض: والقول الذي ردَّه مسلم هو الذي عليه أئمة هذا العلم: علي
ابن المديني والبخاري وغيرهما اهـ ((مقدمة إكمال المعلم)) (ص: ٣٠٧).
(٢) هذه اللفظة أشكلت في قراءتها، وقد كتبت فوق السطر وسط الكلام،
وبجوارها كلمة دقيقة جدًّا قد ذكر الشيخ محمد بن الخوجة جزاه اللَّه خيرًا أنها:
((كذا))، ولم يذكر لفظة ((في)) التي فوق لفظة: ((اشتراط)).

السفن الأبيض
صل : 53
قَبُولِ الإسنادِ المُعَنْعَنِ وإِيدَاعِهِ فِي كُتُبِهِم التي اشْترَطُوا فِيها إِيرادَ الصَّحيح
مَعَ مَا ■ تَقَرَّرَ مِن مَذَاهِبِهِم: أَنَّ المُرُسلَ لَا تَقَومُ بِهِ حُجَّةٌ، وأَنَّهُم لَا [ق٨/ب]
يُودِعُونَ فِيهَا إِلَّ مَا اغْتقدُوا أَنَّهُ مُسْتَدٌ .
قالَ أَبُو عُمر بنُ عَبدِ البَرِّ الحافظُ الإِمامُ: ((وَجَدتُ أَثْمةَ الحَديثِ أَجمَعُوا
عَلى قَبُولِ المُعنعَنِ - لَا خِلافَ بَينَهُم فِي ذَلك - إِذا جَمَعَ شُرُوطًا ثَلاثَةً:
عَدَالَتَهُم .
وَلِقَاءَ بَعضِهِم لِبعضِ مُجَالسةً وَمُشَاهَدَةً .
وبَراءَتَهُم مِّنَ التدليسِ)) (١) .
(١) ((التمهيد)) (١٢/١) مع بعض التغاير في الألفاظ، وفي كلام ابن عبد البر هذا
ما يرد ما ادَّعاه الإمامُ مسلمٌ من أن الإجماعَ قائمٌ على المعاصرةِ مع وجودٍ احتمالٍ
للقاء؛ بل لا بدَّ من اللقاء والمجالسة المسفرة عن سماع؛ وإلّ فمكحولٌ أدرك واثلة
ابن الأسقع؛ ودخل عليه ولكنه لم يحدثه بشيء، وقد ذكر أبو زرعة الدمشقي
بسنده إلى مكحول قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع اهـ.
((تاريخ دمشق)) (ص: ٣٢٧)، وفي ((مراسيل الرازي)) قال أبو حاتم: سألت
أبا مسهر: هل سمع مكحول من أحد من أصحاب النبي عَ لِّ؟ قال: ما صح
عندنا إلَّا أنس بن مالك؛ قلت : واثلة؟ فأنكره اهـ. وقال أبو حاتم : مكحول لم
يسمع من واثلة؛ دخل عليه اهـ. وحديثه عنه عند الترمذي (٢٥٠٦) وليس فيه
تصريح بسماع مكحول من واثلة، وفي إسناده بُردُ بن سنان؛ ليس بذاك،
وفيه - أيضًا - القاسم بن أمية وهو قريبًا منه، ورحم اللَّه ابن رجب الحنبلي إذ
يقول على لسان أبي حاتم: أثبت - أيضًا - دخول مكحول على واثلة بن
الأسقع؛ ورؤيته له ومشافهته، وأنكر سماعه منه وقال: لم يصح له منه سماعٌ
وجعل روايته عنه مرسلة ، وقد جاء التصريح بسماع مكحول من واثلة للحديث من
وجه فيه نظراهـ. من ((شرح علل الترمذي)) (٢/ ٥٩١).

السنن الأبين
ص : 54
قال أبو عَمرٍو بنُ الصَّلاحِ الإِمامُ الناقدُ: (( والاعتمادُ فِي الحُكم
بالاتصالِ عَلى مَذهبِ الجُمهورِ إِنما هُو عَلى اللِّقاءِ والإِدراكِ))(١).
قُلتُ : وَلَقَدْ كَان يَنبغي مِن حَيثُ الاحتياطِ أن يُشترَطَ تَحَقُّقُ السماع
في الجملةِ لَا مُطلقُ اللقاءِ، فَكَم مِّن تَابعِ لَقِيَ صَاحبًا ولَم يَسمعْ منهُ،
وكَذلكَ مَن بَعدَهُم(٢) .
وينبغي أَن يُحْمَلِ قَولُ البخاريِّ وابنِ المدينيّ على أَنَّهُما يُرِيدانِ باللقاءِ:
السماع .
وهذا الحرفُ لَم تَجِدْ عَليهِ تَنصيصًا يُعتمَدُ ، وأَّا وُجِدَتْ ظَواهِرُ مُحتملةٌ
(١) ((المقدمة)) (ص: ٨٧).
(٢) هذا الذي كان أولى أن يُنسب لابن المديني وتلميذه البخاري، وهو الذي عليه
أئمة هذا الشأن كما سيأتي في (ص: ٨٧)، ويقول أبو حاتم الرازي في
((الجرح)) (٤/ ١٤٦): الأعمش رأى أنس بن مالك يصلي ولم يسمع منه اهـ.
وقد نفى أبو زرعة كما في ((المراسيل)) (ص: ١٦) سماع أبي أمامة بن سهل بن
حنيف من عُمر، مع أنَّ أبا أمامة قد رأى النبي ◌َّهِ، ويقول أبو حاتم الرازي -
كما في ((المراسيل)) (ص: ١٩٢) - : الزهري لم يسمع من أبان بن عثمان شيئًا
لا لأنه لم يدركه؛ قد أدركه وأدرك من هو أكبر منه؛ ولكن لا يثبت له السماع
منه، كما أن حبيب بن أبي ثابت لا يثبت له السماع من عروة بن الزبير وهو قد
سمع ممن هو أكبر منه غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل
الحديث على شيء يكون حجة اهـ. ويقول ابن حبان في ((الثقات)) ( ٩/
٢٠٩) في ترجمة نافع بن يزيد: ولست أحفظ له سماعًا عن تابعي فلذلك
أدخلناه في هذه الطبقة ، فأما رؤيته للتابعين فليس بمنكر، ولكن اعتمادنا في هذا
الكتاب في تقسيم هذه الطبقات الأربع على ما صح عندنا من ◌ُّقي بعضهم بعضًا
مع السماع، فأما عند وجود الإمكان وعدم العلم به فهو لا نقول به اهـ.

ص : 55
السنن الأبين
أَن يَحصُلَ الاكتفاءُ عِندَهُم بِاللقاءِ المُحُقَّقِ وإِن لَم يُذْكَرْ سَماعٌ، وَأَن لَا
يحَصُلَ الاكتفاءُ إِلَّا بالسماع، وأَنَّه الأَليقُ بتَحرِّيهِمَا والأقربُ إِلى صَوْبِ
الصَّوابِ فَيَكونَ مُرادُهُما باللقاءِ والسماع مَعنى واحدًا (١).
(١) لم ينصَّ ابن المديني أو البخاري - رحمهما اللَّه - على أنهما اشترطا ثبوت
السماع الجُمْلي لغير المدلس لحمل العنعنة في حديث المتعاصرين على السماع،
وإنما هذا كان مُقْتَتَسًا من منهجهما في التعامل مع الأسانيد، فهذا ابن المديني -
رحمه اللَّه - يقول في كتاب ((العلل)) له (ص: ٦١): ((همام بن الحارث:
وروى عن أبي الدرداء، ولا يُنكر لقاؤه عندنا، وقد لقيه، ولم يقل سمعت))
١ هـ. فابن المديني لم يكتف بمجرد اللَّقِيّ لإثبات السماع، وإنما اشترط التصريح
بالسماع ولو مرة لحمل حديثه على الاتصال شريطة أن يَصحَّ السند إليه، وذلك
من تمام فطنته، فإنه يستبعد أن يسمع أبا الدرداء ولا يقول: سمعت أبا الدرداء،
وهم كانوا يفخرون بذلك، تمامًا كما نقل الإمام أحمد في ((علل عبد اللَّه))
(٤٦٤) قول عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: ((تسخّرت مع عمر))، وكما
نقل أبو زرعة الرازي في ((تاريخه)) (ص: ٣٢٣) قول يزيد بن أبي مريم :
((صليت مع واثلة بن الأسقع على الجنائز))، ويقول ابن المديني - أيضًا - في
((العلل)) (ص: ٥٤): ((وروى الحسن بن أبي الحسن أن سراقة حدثهم - في
رواية علي بن زيد بن جدعان - وهو إسناد ينبو عنه القلب أن يكون الحسن سمع
من سراقة، إلَّ ... )) اهـ.
وقال - أيضًا - في ((العلل)) (ص: ٤٩): ((قيس بن أبي حازم سمع من أبي بكر،
وعمر، وعثمان .... قيل لعلي: هؤلاء كلهم سمع منهم قيس بن أبي حازم
سماعًا؟ قال: نعم، سمع منهم سماعًا ولولا ذلك. لم نعد له سماعًا)) اهـ.
والأمثلة عنه كثيرة في هذا، وأما البخاري : فالذي يظهر أنه اقتبس هذا المنهج من
شيخه علي بن المديني - عليهما رحمة الله -، وقد أخرج في ((صحيحه)) (٣/
٣٢٣ - ٣٢٤) حديث: ((ان ابني هذا سَيِّدٌ ... )) من طريق الحسن: ولقد
سمعت أبا بكرة يقول - فذكر الحديث - ثم قال البخاري : قال لي علي بن =

السنن الأبين
ص : 56
وفَي قَولِ مُسلم حَاكِيًّا للقولِ الذي تَولَّى رَدَّهُ مَا يَقتضي الاكتفاءَ بِمُجرَّدٍ
اللقاءِ؛ حيثُ قالَ في تَضاعيفِ كلامِهِ :
((وَلَمْ نَجِدْ فِي شيءٍ من الرِّواياتِ أنَّهما التَقَيَا قَطَّ أَو تشَافَهَا بِحديثٍ))(١)
الفصل .
[ق٩/أ] فِظَاهُرِ هذَا الكلام أَنَّ أَحدَهُما ■ بَدِلٌ مِّنَ الآخرِ، وأَنَّ ((أَوْ)) للتَّقسيم؛
لَا يِمَعنى الواوِ، وَقَد أَتَى بِهِ - أيضًا - في أَثناءِ كلامِهِ بالواو، فقال:
(( وَإِن لَّمْ يأتِ فِي خَبَرٍ قَطُّ أَنَّهما اجْتَمعا ولَا تَشَافَهَا بِكَلام)) (١)
وكَوّره - أيضًا - بالوَاوِ، فقال: ((ثُمّ أَدْخَلْتَ فيه الشَّرْط فَقُلتَ (٢): حَتَّى
= عبد الله: ((إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث)) اهـ، ثم أخرج
له بعد ذلك حديث «الركوع دون الصفّ)»، وحديث «لن يفلح قوم ولوا أمرهم
امرأة))، وحديث ((الكسوف)) وهي معنعنة، وهي موافقة لما عرف من منهجه،
فقد ثبت سماعه - عنده - بحديثٍ فحمل الباقي على السماع، هذا بغضّ النظر
عن كون سماعه ثابتًا أم لا ، فنحن نناقش مسألة منهج ، وإلّا فالقلبُ إلى عدم سماعه
من أبي بكرة أميلُ ، وليس هذا موضع بسط المسألة. وبمثله - أيضًا - صنع في رواية
((مجاهد، عن عائشة)) حيث أورد في باب: (( كم اعتمر النبي سَ لِّ))، حديث
مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد ... وفيه: قول ابن عمر: اعتمر
رسول اللَّه عَ لَّه ((أربع عمرات إحداهن في رجب)) فكرهنا أن نردَّ عليه، قال:
وسمعنا استنان عائشة أم المؤمنين في الحجرة ، فقال عروة : يا أماه ... الحديث ، وبنى
البخاري على هذا الحديث سماع مجاهد من عائشة - رضي اللَّه عنها - ، وأخرج له
في ((صحيحه)) عنها حديثين أحدهما في (الحيض))، والآخر في ((الجنائز)) في
((النهي عن سبِّ الأموات))، وليس فيهما تصريح بالسماع.
(١) ((المقدمة)) (ص: ٢٣).
(٢) في ((المقدمة)): ((الشرط بَعْدُ فقلت)).

السنن الأبين
ص : 57
يُعْلَمَ (١) أَنَّهُمَا قَد كَانَا الْتَقَيَا مَرَّةً فصاعدًا وسَمِعَ (٢) منهُ شيئًا))(٣).
وهَذا أَيْبُ أَلْفاظِهِ .
وقال الحافظُ أَبو عبدِ اللَّهِ بنُ البَيِّع الحاكمُ في كتاب ((معرفة علوم
الحديث)) لَه، في النَّوع الحادي عَشَر منهُ: ((المُعَنعنُ بِغَيرٍ تَدليسٍ مُتَّصلّ
بإِجماعٍ أَهلِ النَّقلِ. عَلَى تَوَّرُعِ رُواتِهِ عَنِ التدليسِ)) (٤).
وقَالَ الفقيهُ المُحُدِّثُ أبو الحَسنِ القَابسيُّ: وكَذلكَ مَا قَالوا فِيهِ: ((عَن،
عَن)) فَهُو - أيضًا - مِن المُّصل إِذَا عُرِفَ أَنَّ ناقِلَهُ أَدرِكَ الَنَقولَ عَنْهُ إِدراكًا
بَيْنَا وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّن ◌ُرِفَ بالتدليسِ)) (٥) .
قُلْتُ: وقَولُهُما مَعا لَا يَخْلُو مِن إِجمالٍ، إِذْ لا بُدَّ أَن يَكُونَ مُرادُ
الحاكم تُبُوتَ المعاصرَةِ أو السماع. إِذْ لَا يُقبلُ مُعنعَنُ مَن لَّم تَصِحَّ لَه
مُعاصَرةٌ ، فَلا بُدَّ مِن قَيْدٍ، وكَأَنَّهُ اكتَفى عنهُ بِقَولِهِ: ((عَلَى تَوَرُّعِ رُوَاتِهِ عَنِ
التدليس )) .
وقَدْ سَبقَ لَه فِي كِتابِهِ هَذا، فَي النَّوعِ الرابعِ منهُ. في مَعرِفَةِ المَسانيدِ مِن
الأحاديثِ، تَقِيِيدُ ذلكَ بِمَا نَصُّهُ: ((وَالُسنَدُ مِنَ الحَديثِ : أَن يَرويَهُ المُحُدِّثُ
(١) كذا في الأصل بالمثناة التحتية، والذي في ((المقدمة)): ((نَعْلَمَ)) بالموحّدة الفوقية.
(٢) كذا في الأصل، والذي في ((المقدمة)): ((أو سمع)).
(٣) ((المقدمة)) (ص: ٢٣).
(٤) (ص : ٣٤) .
(٥) ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص: ٨٨)، و((صيانة صحيح مسلم)) (ص: ١٣١)،
و ((فتح المغيث)) للسخاوي (١٩٣/١) وقال: (( حكاه الزركشي عن قول الداني
في جزء له في علوم الحديث مما هو منقول عن أبي الحسن القابسي)) اهـ.

السنن الأبين
ص : 58
عَن شَيخِ يَظهرُ سَماعُهُ مِنْهُ بِسنٍّ مُحتملَةٍ ، وكَذلك سماعُ شَيخِهِ مِن
[ق ٩/ب] شَيخِهِ ■ إلى أن يَصلَ الإِسنادُ إِلى صَحَابِيٍّ مَّشهورٍ إِلى رَسولِ اللَّهِ
ـت
إلَّا أَنَّ هذا المَوضِعَ مِن كتابِ الحَاكم فيهِ اضطرابٌ بين رُواتِهِ ، فرُوي
كَمَا ذَكرِنَاهُ: « بسنٌّ مُحتملةٍ».
وعند ابنٍ سَعُدونَ: ((بِسِنِّ يَحتمِلُهُ)) (٢).
والمَعَنَى وَاحدٌ ، أي: أَنَّهُ يُكْتَفَى في ظُهورِ السماعِ بِكَوْنِ السنِّ تَحتملُ
اللقاءَ، ومَعنى هَذا يُكْتَفَى بالمُعاصرةِ، وإِلَى هَذا الْمَعَنَى ذَهبَ مُسلمٌ -
رحمه اللَّه - حَيثُ قالَ: ((وذلك أنَّ القولَ الشائعَ المُفقَ عليهِ بينَ أَهلِ
العلم بالأخبارِ والرواياتِ قديمًا وحديثًا: أَنَّ كُلَّ رجلٍ ثقةٍ رَّوَى عَن مِّثلِهِ
حديثًا، وجائزٌ ممكنٌ له لقاؤُهُ والسماُ منهُ، لكونِهِمَا جميعًا كَانَا في
عصرٍ واحدٍ وإِنْ لَم يأتِ في خَبَرٍ قطُّ أَنَّهما اجْتَمعَا ولا تَشَافَهَا بكلامٍ،
فالراويةُ ثابتةٌ والحُجَّةُ بها لَازِمةٌ ، إِلَّا أن تَكونَ (٣) هناكَ دَلالةٌ بَيَِّةٌ أَنَّ هذا
الراويّ لَم يَلْقَ من رَوَى عنه أو لَم يَسمع منهُ شيئًا، فأمَّا والأمرُ مُبهَمٌ على
الإمكانِ الذي فسَّرنا، فالروايةُ على السماع أبدًا حتى تكونَ الدِّلالةُ التي
بَيِّنَّا)) (٤) انتهى .
(١) ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ١٧).
(٢) في ((معرفة علوم الحديث)) - المطبوع -: ((لسِنِّ يحتمله)).
(٣) كذا في الأصل، والذي في ((المقدمة)): ((يكون)) بالمثناة التحتية.
(٤) ((مقدمة صحيح مسلم)) (ص: ٢٣).

السنن الأبين
ص : 59
وإلى هَذا المعنى - أيضًا - ذَهبَ الحافظُ أبو عَمرو المُقْرئ الدَّاني في
◌ُزيٍ لَّهُ وَضعَهُ في ((بيانِ المُصلِ والمُرسَلِ والمؤَقوفِ والمنْقِطِعِ))(١)،
فقالَ: ((المُسنَدُ مِنَ الآثارِ الذي لا إِشكالَ فِي اتِّصالِهِ هُو مَا يَرويهِ المحدِّثُ
عَن شَيخِ يَظهرُ سَماعُهُ مِنه ■ بِسنِّ يَحتمِلُهَا، وكَذلكَ شَيخُهُ عَن شَيخِهِ [ق١٠/أ]
إلى أَن يَصل الإِسنادُ إِلى الصَّحَابِيِّ إِلى رسولِ اللَّهِ لَيهِ)) (٢).
فهذا مُوافقٌ ظاهرُهُ لَهذِهِ الرّوايةِ ، وقَد يُحتملُ أَن يَكُونَ مُرادُهُ بِقَولِهِ :
(( يَظْهرُ سَماعُهُ بِسنِّ تَحَتمِلُهُ)) أَي أَنَّه: يُعْلَمُ السماُ بقَولِهِ، وتَكونُ سِنُهُ
تُصَدِّقُ ذَلك، واللَّه أَعلمُ .
ويُروَى - أيضًا - كَلامُ الحاكِم: ((يَظْهَرُ سَماعُهُ منه لَيس يَحتمِلُهُ)) (٣)،
وهَكَذَا قَرأَتُهُ بخطِ خَلفِ بنِ مُديرٍ فِي أَصلِهِ. وذَكرَ فِي صَدرِ كِتابِهِ: أَنَّهُ
رَوَى الكِتابَ عَنِ البَاجِيٌّ والعُذْرِيِّ وَهَذهِ الروايةُ عِندِي أَظهرُ، وَعَليها يَدِلُّ
كلامُهُ بعدُ عِندَ التَّمثيلِ، وظَاهرُ الكلام - أيضًا - مُشْعِرٌ بِذلكَ مِن حَيثُ
قرينةِ المُطابقةِ ، حيثُ قال: ((يَظهرُ سماعُه)) فهذَا إِثباتٌ لْظُهورِ السماع ثُمَّ
أكَّدَ ذلكَ بقولِهِ: ((لَيسَ يَحتمِلُهُ))، فَتَفِى أَن يُكْتَفَى بِمُجرِّدِ الاحتمالِ مِن
(١) ذكر السخاوي في ((فتح المغيث)) (١٩٣/١) هذا الجزء.
(٢) ذكر الحافظ في ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) (٥٠٧/١) قول الحاكم في
تعريف المسند، وقال: (( وبه جزم أبو عمرو الداني)).
(٣) قد ذكر محقق ((معرفة علوم الحديث)) في هامش (ص: ١٧) رقم (٧) أن
بالأصل: ((ليس يجهله)) وهي قريبة في التصحيف من ((ليس يحتمله))، وبهذا
اللفظ رواها الحافظ في كتاب ((النكت)) (٥٠٨/١)، وقد تصرّف محقق
الكتاب في النصِّ وغَيَّره، ولعل كلام ابن رُشَيْدِ الآتي يرد عليه، وبهذا اللفظ -
أيضًا - نقلها السخاوي في ((فتح المغيث)) (١/ ١٢١).

ص : 60
السنن الأبين
حَيثُ المُعاصرةِ ، بَل لَا بدَّ أن يكونَ السماُ ظاهرًا معلومًا، والتمثيلُ يدلُّ
على صِحَّةِ هَذا، فإنَّه قال: ((ومِثالُ ذَلك ما حَدَّثْنَا أَبو عمرو عثمانُ بنُ
أحمدَ بنِ السَّمَّاكِ ببغداد قال: نا الحسنُ بنُ مُكْرَم قال: نا عثمانُ بنُ عُمرَ
قال: نا يُونسُ، عن الزهريِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ كعبِ بنِ مالك، عن أَبيِهِ
أنَّهُ تَقاضى ابنَ أَبِي حدَرْدِ دَيْنًا كانَ عليهِ فِي الَسجدِ ، فَارتفعَتْ أصواتُهُما
حَتَّى سَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ عََّهِ فَخَرجَ حَتى كَشِفَ سِجْفَ (١) حُجرتِهِ،
[ق١٠/ب] فقالَ: ((يَا كَعبُ ضَعْ مِن دَيْنِكَ هذا))، وأشار ■ إليه: أي الشَّطْر، قال:
نَعم، فَقَضَاهُ (٢) .
قَال الحاكمُ أبو عبدِ اللَّهِ: ((وبَيَانُ مِثال مَا ذَكرتُهُ (٣) أنَّ سَماعِي مِن ابنٍ
السَّمَّاكِ ظَاهرٌ، وسماعَهُ مِن الحَسنِ بنِ مُكْرَمٍ ظَاهِرٌ، وكَذلك سماُ
الحَسنِ مِن عُثمانَ بنِ عُمرَ، وسماعُ عُثمانَ مِن يُونسَ بنِ يَزِيدَ - وهُو عَالٍ
لعثمانَ - ويُونُسُ مَعروفٌ بالزُّهريِّ، وكَذلك الزهريُّ بِبَنِي كَعْبٍ بِنِ
مَالكِ، وبَنُو كَعبٍ بِأَبِهِم، وكَعبّ بِرَسولِ اللّهِ عَه وصُحبتُهُ))، انتهى ما
أَرَدْنَاهُ مِن كَلامِ الحَاكم (٤).
وسَنَدُنا، في كتاب ((مَعرفة عُلُومِ الحديثِ)) لَهُ مِن طَريقِ ابنِ سَعْدُونَ،
(١) كذا في الأصل، والذي في - المطبوع - من ((المعرفة)): ((ستر))، وهما بمعنى
واحد كما في ((غريب الحديث)) للحربي (ص: ٦٩١)، و ((النهاية)) لابن الأثير
(٣٤٣/٢) وغيرهما .
(٢) متفق عليه من حديث عثمان بن عُمر بن فارس ، رواه البخاري في غير ما موضع
من ((صحيحه)) (١٢٣/١)، ومسلم (٣٠/٥).
(٣) كذا في الأصل، والذي في - المطبوع - من ((المعرفة)): ((ذكرت)).
(٤) ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ١٧ - ١٨).