Indexed OCR Text

Pages 381-400

الشك والتردد الذي يحصل باختلاف العلماء واختلاف الأدلة . فهذه
الأحاديث الأربعة عند الرجل العاقل كالشيخ والأستاذ. والله أعلم ، انتهى.
قال ابن السبكي في ((طبقاته)) (١) : وهي من دواوين الإسلام،
والفقهاء لا يتحاشَوْن من إطلاق لفظ الصحيح عليها وعلى سنن الترمذي ،
انتهى .
وروى الحافظ أبو طاهر السّلّفي (٢) بسنده إلى حسن بن محمد بن
إبراهيم (٣) أنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام يقول :
من أراد أن يستمسك بالسنن فليقرأ ((سنن أبي داود)) (٤).
وروى عن (٥) زكريا بن يحيى الساجي (٦) أنه قال : أصل الإسلام
كتاب الله سبحانه وتعالى وعماده سنن أبي داود (٧) . وقال ابن الأعرابي (٨):
إن حصل لأحد علم كتاب الله وسنن أبي داود يكفيه ذلك في مقدمات
الدين (٩) .
(١) أنظر مقال الشيخ محمد الصباغ في ((مجلة البحوث الإسلامية)) ١/١/
٢٧٣
(٢) هو أحمد بن محمد بن أحمد بن سلفة المتوفى سنة ٥٧٦ ترجمته في
((التذكرة)) ١٢٩٨/٤ و((غاية النهاية)) ١٠٢/١ و((النجوم الزاهرة))
٨٨/٤
(٣) توفي سنة ٥٢٧ ترجمته في ((البداية والنهاية)) ٢٠٥/١٢
(٤) وانظر ((مختصر سنن أبي داود)) للمنذري ٩/١
(٥) في الاصل هنا : يحيى بن محمد ، وهو خطأ .
(٦) توفي سنة ٣٠٧ ترجمته في ((تذكرة الحفاظ)) ٧٠٩/٢ و((طبقات
السبكي)) ٢٢٦/٢ و((الشذرات)) ٢٥٠/٢
(٧) ((تهذيب ابن عساكر)) ٤٤٧/٦ و((سير أعلام النبلاء)) ٢١٥/١٣
(٨) هو أبو سعيد، أحمد بن محمد بن زياد، المتوفى سنة ٣٤٠ هـ ترجمته
في ((تذكرة الحفاظ)) ٨٥٢/٣ ((طبقات الحفاظ)) ٣٥٢ « شذرات
الذهب)) ٣٥٤/٢
(٩) (طبقات الحنابلة)) ١٦٢/١ و((تهذيب تاريخ دمشق)) ٢٤٧/٦
٣٨١

ولهذا مثلوا في كتب الأصول (١) لبضاعة الاجتهاد في علم الحديث
بسنن أبي داود .
وهو لمّا جمع كتابَ السننِ قديماً عرضه على الإمام أحمد بن حنبل
فاستجاده واستحسنه (٢) .
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: كتاب السننن لأبي دواد كتاب شريف
لم يُصنف في علم الدين كتابٌ مثلُه وقد رُزق القبولَ من كافة الناس
وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم وعليه معول أهل العراق ومصر
وبلاد المغرب وكثير من أقطار الأرض فكان تصنيف علماء الحديث قبل
أبي داود الجوامع والمسانيد ونحوها ، فيجمع تلك الكتب إلى ما فيها من
السنن والأحكام أخباراً وقصصاً ومواعظ وأدباً . فأما السنن المحضة فلم
يقصد أحد جمعها واستيفاءها على حسب ما اتفق لأبي داود . كذلك حل
هذا الكتابُ عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محلّ العجب فضربت فيه
أكباد الإبل ودامت إليه الرحل ، قال ابن الأعرابي: لو أن رجلاً لم يكن
عنده من العلم إلاّ المصحف ثم كتاب أبي داود لم يحتج معهما إلى شيء
من العلم . قال الخطابيّ: وهذا كما قال ، لا شك فيه ، فقد جمع في
كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لم
يعلم متقدماً سبقه إليه ولا متأخراً لحقه فيه (٢) . قال النووي في القطعة التي
كتبها من شرح سنن أبي داود : ينبغي للمتشاغل بالفقه وغيره الاعتبار
بسنن أبي داود بمعرفته التامة فإن معظم أحاديث الأحكام التي يحتج بها فيه
(١) وانظر ((المستصفى)) للامام الغزالي ٣٥١/٢، و((قواعد التحديث))
للقاسمي ٣٣٢
(٢) ((سير أعلام النبلاء)) ٢٠٩/١٣ و((تاريخ بغداد)) ٥٦/٩
(٣) ((معالم السنن)» ١٢/١ بتصرف.
٣٨٢

مع سهولة تناوله وتلخيص أحاديثه وبراعة مصنفه واعتنائه بتهذيبه (١).
وقال إبراهيم الحربي (٢) لَّ صَنّفَ أبو داودَ كتابَ ((السنن)): أُلين
لأبي داود الحديث كما أُلين لداود الحديد (٢).
أنشد الحافظ أبو طاهر السّلَفي رحمه الله تعالى :
لان الحديثُ وعلمُهُ بكمالهِ لإمامِ أهليهِ أبي داود
لنبيّ أهل زمانه داود
مثل الذي لانّ الحديدَ وسبكه
وله في مدحه(٤) :
أوْلى كتاب لذي فقه وذي نظر
ما قد تولى أبو داود محتسباً
لا يستطيع عليه الطّعن مبتدع
فليس يوجد في الدنيا أصح ولا
وكل ما فيه من قول النبي ومن
يرويه عن ثقة عن مثله ثقة
وكان في نفسه فيما أحق ولا
يدري الصحيح من الآثار يحفظه
محققاً صادقاً فيما يجيء به
ومن يكون من الأوزار في وزر
تأليفه فأتى كالضوء في القمر
ولو تقطع من ضغن ومن ضجر
أقوى من السنّة الغراء والأثر
قول الصحابة أهل العلم والبصر
عن مثله ثقة كالأنجم الزهر
أشك فيه إماماً عاليّ الخطر
ومن روى ذاك من أنثى ومن ذكر
قد شاع في البدو عنه ذا وفي اخضر
ما فوقها أبداً فخر لمفتخر
والصدق المرء في الدارينٍ منقبة
(١). ((أبو داود: الامام الحافظ)) ٥٥
(٢) توفي سنة ٢٨٥، ترجمته في ((تذكرة الحفاظ)) ٥٨٤/٢ و((تاريخ
بغداد)) ٢٧/٦ و((المنتظم)) ٣/٦-٧
(٣) (سير أعلام النبلاء)) ٢١٢/١٣ و((تهذيب التهذيب)) ١٧٢/٤
(٤) وهي ضمن ((مقدمته)) لـ :((معالم السنن)) المطبوعة في آخره ٣٧٥/٤
٣٨٣

وحكى أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن مندة الحافظ (١) : إن شرط
أبي داود والنسائي أحاديث أقوام لم يجتمع على تركهم إذا صح الحديث
باتصال السند من غير قطع ولا إرسال (٢). وقال الخطابي (٢): كتاب أبي
داود جامع لنوعي الصحيح والحسن ، وأما السقيم فعلى طبقات ، شرّها
الموضوع ثم المقلوب ثم المجهول ، وكتاب أبي داود خليّ منها ، بريء من
جملة وجهها ، ويحكى عنه أنه قال : ما ذكرت في كتابي حديثاً اجتمع
الناس على تركه (٤) .
وقال في (( رسالته إلى أهل مكة المكرمة: إنكم سألتموني أن أذكرلكم
i
الأحاديث التي في كتاب ((السنن)) أهيّ أصح ما عرفت في الباب؟ ووقفت
على جميع ما ذكرتم ، فاعلموا أنه كذلك كله إلاّ أن يكون قد رُوي من
وجهين ، أحدهما أقوى إسناداً والآخر صاحبه أقدم في الحفظ . فربما
كتبت ذلك ، وإذا أعدتُ الحديثَ في الباب من وجهين أو ثلاثة مع زيادة
كلام فيه وربما فيه كلمة زائدة على ( الأحاديث، وربما اختصرت ) الحديث
الطويل لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه
منه فاختصرته لذلك . وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى
مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي حتى جاء الشافعي ، فتكلم فيها
وتابعه على ذلك احمد بن حنبل وغيره ، فإذا لم يكن مسند غير المراسيل
ولم يوجد ( المسند ) فالمرسل يحتج به وليس هو مثل المتصل في القوة وليس
(١) توفي سنة ٣٩٥، ترجمته في ((تذكرة الحفاظ)) ١٠٣١/٣ و((المنتظم))
٢٣٢/٧ و ((غاية النهاية)) ٩٨/٢
(٢) انظر ((شروط الائمة الستة)) ١٢ و((سير أعلام النبلاء)) ٢١٤/١٣
و (( توضيح الافكار)) ٢٠١/١-٠٢١٦
(٣) ((معالم السنن)) ١١/١
(٤) ((علوم الحديث)) ٣٣ و((قواعد التحديث)) ٣٣١
(٥) (( رسالة بي داود الى أهل مكة)) ٢٣-٢٤ وما بين معقوفين منه.
٣٨٤

في كتاب ((السنن)) الذي صنفته عن رجل متروك الحديث (١) شيء.
وإذا كان فيه حديث منكر بيته (٢) انه منكر وليس على نحوه في الباب
غيره . وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته . ومنه ما لا
يصح سنده وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح(٢) وبعضها اصح من بعض ،
وهو كتاب لا يرد عليك سنّة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ وهو فيه
إلاّ ان يكون كلام استخرج من الحديث ، ولا يكاد يكون هذا ، ولا
اعلم شيئاً بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموا من هذا الكتاب ولا يضر رجلاً
أن لا يكتب من العلم بعد ما يكتب هذا الكتاب شيئاً . وإذا نظر فيه وتدبره
وتفهمه حينئذ يعلم مقداره . وأما هذه المسائل - مسائل الثوري ومالك
والشافعي - فهذه الأحاديث أصولها ويعجبني أن يكتب الرجل مثل هذه
الكتب من رأي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويكتب أيضاً مثل
((جامع)) (٤) سفيان الثوري فإنه أحسن ما وضَعَ الناسُ من الجوامع ،
والأحاديثُ التي وضعتُها في كتاب ((السنن)) أكثرها مشاهير وهو عند
كل من كتب شيئاً من الحديث إلاّ أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس
والفخر بها إنها مشاهير فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية
(١) بل قد أخرج عن غير واحد ممن قد تركهم العلماء كأبي جناب الكلبي ،
ومحمد بن عبد الرحمن البيلماني وجابر الجعفي ، وعمرو بن ثابت ،
وصدقة الدقيقي ، وسليمان بن أرقم وغيرهم .
(٢) قال الحافظ ابن حجر في ((النكت على ابن الصلاح)) (٢/
٤٣٥) و: ان قول أبي داود : ((فان كان فيه وهن شديد
بينه)) يفهم أن الذي يكون فيه وهن غير شديد أنه لا يبينه ، ومن هنا
يتبين أن جميع ما سكت عنه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن اذا
اعتضد ، وهذان القسمان كثير في كتابه جدا ، ومنه ما هو ضعيف ،
لكن من رواية من لم يجمع على تركه غالبا ، وكل من هذه الاقسام عنده
تصلح للاحتجاج بها ... وانظر ((سير أعلام النبلاء)) ٢١٤/١٣ والتعليق
عليه .
(٣) انظر التعليق السابق .
(٤) (الرسالة المستطرفة)) ٤١
٣٨٥
الحطة - ٢٥

مالك ويحيى بن سعيد (١) والثقات من أئمة العلم ولو احتج رجلٌ بحديث
غريب وحديثٍ مَنْ يُطعن فيه لا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان
الحديثُ غريباً شاذاً ، فأما الحديث المشهورُ الأصلُ الصحيحُ فليس يقدر
أن يرده عليك أحدٌ .
قال إبراهيم الفّخعي (٢) : كانوا يكرهون الغريبَ من الحديث ،
وقال يزيد بن (أبي ) حبيب (٣): إذا سمعت الحديث فانشده كما تنشد
الضالة فإن عُرف وإلاّ فدَعْه. وإن من الأحاديث في كتاب ((السنن)
ما ليس بمتصل ، وهو مرسل ومتواتر (٤) إذا لم توجد الصحاح عند عامة
أهل الحديث على معنى أنه متصل وهو مثل الحسن عن جابر والحسن عن
أبي هريرة والحكم عن مِقْسّم عن ابن عباس وليس بمتصل ، وسماع
الحكم عن مِقْتَ أربعة أحاديث .
وأما أبو إسحاق عن الحارث عن عليّ فلم يسمع أبو إسحاق عن
الحارث إلاّ أربعة أحاديث ليس فيها مسندٌ واحد، وما في كتاب ((السنن))
من هذا النحو فقليل، ولعل ليس في كتاب (( السنن ) الحارث الأغور (٥)
إلاّ حديثٌ واحدٌ . وإنما كتبتُه بآخَرة . وربما كان في الحديث ما لم تثبت
صحة الحديث منه إذا كان يخفى ذلك عليَّ فربما تركت الحديثَ إذا لم
(١) توفي سنة ١٤٣، ترجمته في ((تاريخ بغداد)) ١٠١/١٤ و((التذكرة))
١٣٧/١ و((طبقات الفقهاء)) للشيرازي ٦٦
(٢) توفي سنة ٩٦ ترجمته في ((حلية الأولياء)) ١٩/٤ و((غاية النهاية))
٩/١ و((الباب)) ٢٢٠/٣
(٣) توفي سنة ١٢٨، ترجمته في ((التذكرة)) ١٢٩/١ و((تهذيب التهذيب))
٣١٨/١١ و((خلاصة تذهيب الكمال)) ٣٧٠
(٤) في ((رسالة أبي داود)) ٣٠: ومدلس وهو .
(٥) انظر ترجمته في ((المجروحين)) ٢٢٢/١ و((الميزان)) ٤٣٥/١ و ((التاريخ
الكبير)) ٢٨٤/٢
٣٨٦

أفْقَهُ، وربما كتبتُه إذا لم أقف عليه، وربما أتوقفُ عن مثل هذه لأنه
ضررٌ على العامة أن يكشفَ لهم كلّما كان من هذا الباب فيما مضى من
عيوب الحديث (١) ، لأن علم العامة ينَقْصُر عن مثل هذا.
وعدد كُتُبي في هذه السننِ ثمانية عشر جزءاً (٢) مع المراسيل ، منها
جزء واحد مراسيل (٣) ، وما يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من
المراسيل ، منها ما لا يصحّ، ومنها ما هو مسند عن (٤) غيره وهو متصل
صحيح ، ولعل عددَ الأحاديث التي في كتبي (من الأحاديث ) (٥) قدر
أربعة آلاف حديث وثماني مئة حديث ، ونحو ست مئة حديث من
المراسيل (٦).
فمن أحب أن يميز هذه الأحاديث مع الألفاظ ، فربما يجيء الحديث
من طريق وهو عند العامة من حديث الأئمة الذين هم مشهورون ، غير
أنه ربما طلبَ اللفظةَ التي تكون لها معانٍ كثيرة (٧). وممن عرفت وقد
نقل من جميع هذه الكتب ممن عرفت (٨) ، فربما يجيء الإسنادُ فيُعلم
من حديث غيره أنه ( غير ) متصل ولا يتنبه (٩) السامع إلا" بأن يعلم
(١) انظر تعليق الاستاذ محمد الصباغ على ((رسالة أبي داود)) ص ٣٢.
(٢) أي : جزءا حديثيا، وهو يقع في عشرين ورقة تقريبا .
(٣) عن تجزئة الكتاب، انظر ((أبو داود حياته وسننه)) للشيخ محمد
الصباغ في مجلة البحوث الإسلامية ٢٨١/١/١
(٤) في الاصل : يسند عند
(٥) بدأ الاصل، وليست في ((الرسالة)).
(٦) عدد الاحاديث في المطبوع من السنن في رواية اللؤلؤي بتحقيق محيي
الدين عبد الحميد يبلغ ٥٢٧٤ حديثا، وانظر ((سير أعلام النبلاء))
٢٠٩/١٣-٢١٠
(٧) انظر ما علقه الشيخ الصباغ على ((رسالة أبي داود)) ٣٣
(٨) كذا الاصل، وفي ((الرسالة)): وممن عرفت نقل من جميع هذه
الكتب .
(٩) في ((الرسالة)): يتبينه.
٣٨٧

الأحاديث ، فيكون (١) له معرفة فيقف عليه ، مثل ما يُروى عن ابن
جُرَيَج قان (٢): أُخْبِرْتُ عن الزّهري، ويرويه البَرْساني(٣) عن ابن
جُريج عن الزهري ، فالذي يسمع يظن أنه متصلٌ ولا يصح بينهم (٤) ،
وإنما تركنا ذلك لأنَّ أصل الحديث غيرُ متصل (ولا يصح ) ، وهو حديث
معلولٌ، ومثل هذا كثيرٌ ، والذي لا يعلم يقول : قد تركتَ حديثاً
صحيحاً من هذا وجاء بحديث معلول .
وإنما لم أُصنّف في كتاب ((السنن)) إلاّ الأحكام ولم أُصنّف في
الزهد وفضائل الأعمال وغيرها . فهذه أربعة آلاف وثمان مئة كلّها في
الأحكام ، فأما أحاديثٌ كثيرةٌ صحاحٌ عن الزهد والفضائل وغيرِها في
غير هذا لم أُخَرّجْها ، انتهى ، ملخصاً
قال الحافظ أبو جعفر بن الزبير في ((برنامجه)): روى هذا الكتاب
عن أبي داود ممن اتصلت أسانيدُنا به أربعةُ رجان :
أبو بكر محمد بن بكر ( بن محمد ) بن عبد الرزاق التّمّار البصري (٥)
المعروف بابن داسة - بفتح السين وتخفيفها - نصّ عليها القاضي أبو
محمد بن حَوْط (٦) اللّه، وألفيتُه في أصل القاضي أبي الفضل عياض بن
(١) في ((الرسالة)): وتكون .
(٢) قال الامام أحمد : اذا قال ابن جريج : أخبرت ، جاء بمناكير ، واذا
قال: أخبرني، وسمعت، فحسبك به. كذا في ((تهذيب التهذيب))
٤٤٠/٦
(٣) هو محمد بن بكر بن عثمان البرساني، المتوفى سنة ٢٠٤ هـ ، ترجمته
في ((الكاشف)) ٢٢/٣ و((الخلاصة")) ٣٢٩ و((التهذيب)) ٧٧/٩
(٤) كذا، وفي ((الرسالة)): عنه.
(٥) توفي سنة ٣٤٠ ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) ٥٣٨/١٥ و((الشذرات)
٣٧٣/٢
(٦) واسمه عبدالله بن سليمان، توفي سنة ٦١٢، ترجمته في ((التذكرة))
١٣٩٧/٤ و((الشذرات)) ٥٠/٥ و((العبر)) ٤٠/٥
٣٨٨

موسى اليَحْصُبي المالكي من كتاب ((الغُنْيَة)) (١) مشدداً، وكذا وجدتُه
في بعضها ما قيدتُه عن شيخنا أبي الحسن الغافقي (٢) شَكْلاً من غير تنصيص.
وأبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بِشْر المعروف بابن الأعرابي .
وأبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي البَصْري (٣).
وأبو عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملي وراق أبي داود .
ولم تتشعب طرقه كما اتفق في ((الصحيحين)) إلاّ أن رواية ابن
الأعرابي يسقُطُ منها كتابُ الفتن والملاحم والحروف والخاتم ونحو النصف
من كتاب اللباس ، وفاتَه أيضاً من كتاب الوضوء والصلاة والنكاح
أوراق" كثيرة(٤).
ورواية ابن داسة أكملُ الروايات ورواية الرَّملي تقاربُها ورواية
اللؤلؤي من أصحّ الروايات لأنها من آخر ما أملى أبو داود وعليها مات (٥) .
وقال الشاه عبد العزيز الدهلوي: رواية اللؤلؤي مشهورة " في المشرق،
وروايةُ ابن داسَةَ مُرَوَّجَةٌ في المغرب، وأحدُهما يقاربُ الآخر ،
وإنما الاختلاف بينهما بالتقديم والتأخير دون الزيادة والنقصان بخلاف رواية
ابن الأعرابي ، فإنَّ نقصانها بيّنٌ بالنسبة إلى هاتين النسختين، انتهى.
(١) في الاصل ((القضية)) والصواب ما أثبتّ، وانظر ص ١٠٨ منه.
(٢) توفي سنة ٣٤٠، ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) ٤٠٧/١٥ و((الحلية))
٣٧٥/١٠ و((طبقات الاولياء)) ٧٧-٧٨
(٣) المتوفى سنة ٣٣٣، ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) ٣٠٧/١٥ و((الوافي
بالوفيات)) ٣٩/٢ و ((الشذرات)) ٣٣٤/٢
(٤) انظر كتاب ((أبو داود الامام الحافظ)) ٧٧ للمظاهري.
(٥) انظر ((عون المعبود)) ٥٤٧/٤ - هندية.
٣٨٩

قال الحافظ أبو بكر الخطيب(١): كان أبو داود قدم بغداد ( غير )
مرة وروى كتابه («السنن)) بها ونقله عنه أهلُها.
قال السيوطيّ: كتب الناسُ على ((الصحيحين)) شروحاً كثيرةً
مطوَّلة ومتوسطة ومختصرة ولم يعتنوا بالكتابة على سنن أبي داود كاعتنائهم
بالصحيحين ، انتهى . .
قال صاحب ((كشف الظنون)) (٢): قد اختصرها زكيّ الدين عبد
العظيم بن عبد القوي الحافظ المنذري المتوفى سنة ست وخمسين وست مئة (٣)
وسماه ((المجتبى)) (٤)، وألف السيوطي عليه كتاباً سماه ((زَهْر الرّبى
على المُجتى)) (٥) وله عليها حاشية أيضاً (٦).
(١) في ((تاريخه)) ٥٦/٩
(٢) في ١٠٠٤/٢ منه .
(٣) ترجمته في ((التذكرة)) ١٤٣٦/٤ و((ذيل الروضتين)) ٢٠١ و((فوات
الوفيات)) ١٦٠/١
(٤) هذا وهم من المصنف رحمه الله تابع فيه صاحب ((كشف الظنون))
اذ ان ((المجتبى)) هو مختصر ((سنن النسائي)) للحافظ الامام ابن
السنني المتوفى سنة ٣٦٤ هـ ، ويؤيد هذا الرأي أمران :
الأول: أن ((زهر الربى)) شرح على ((سنن النسائي)) فانه معروف
ومطبوع، وانظر ((مكتبة الجلال السيوطي)) ٢١٧ .
الثاني : أن المنذري لم يصرح بهذه التسمية في المقدمة ، ولا أشار اليها،
وكذلك لم يشر ابن القيم لها في ((تهذيبه)) ولم يشر الاستاذان أحمد
شاكر وحامد الفقي الى ذلك أيضا ، ومن العجيب أن غير واحد من
المؤلفين قد تابعوا حاجي خليفة على وهمه ، منهم الاستاذ الخولي في
كتابه ((مفتاح السنة)) ٨٦ وفؤاد سزكين في ((تاريخ التراث)) ٣٨٧/١
وكارل بروكلمان في (تاريخ الادب)) ١٨٨/٣ فتأمل، وسيأتي لهذا
مزيد بيان ان شاء الله .
(٥) هو شرح على سنن النسائي كما تقدم .
(٦) واسمها ((مرقاة الصعود الى سنن أبي داود)) منه نسخة مخطوطة
في مكتبة كوبريلي - تركيا ٤١٧
٣٩٠

وهذّبه محمد بن أبي بكر المعروف بابن قَيّم الجوزيّة الحنبلي (١) المتوفى
سنة إحدى وخمسين وسبع مئة (٢). وشرحها أبو سليمان حمد (٣) بن
إبراهيم الخطّابي وسماه ((معالم السنن)) وهو مختصرٌ" (٤). أوله: الحمد لله
الذي هدانا لدينه، وأكرمنا بسنة نبيه ... إلى آخره، توفي رحمه الله
سنة ثمان وثمانين وثلاث مئة ، ولخصه (٥) الحافظ شهاب الدين أبو محمود
أحمد بن محمد بن إبراهيم المقدسي المتوفى سنة تسع وستين وسبع مئة (٦)
وسماه ((عجالة)) (٧). وشرحها الشيخ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة
إحدى عشرة وتسع مئة أيضاً (٨) وسماه ((مرقاة الصعود إلى سنن أبي
داود)) (٩) . وشرح الشيخ سراج الدين عمر بن علي بن المُلَفّن الشافعي
المتوفى سنة أربع وثمان مئة (١٠) ((زوائده على الصحيحين)) في مجلدين ،
(١) ترجمته في ((الدرر الكامنة)) ٢١/٤ و((ذيل طبقات الحنابلة))٤٤٧/٢
و((النجوم الزاهرة)) ٢٤٩/١٠، وقد قام أخونا الشيخ خالد محمد علي
الحاج بكتابة رسالة لنيل شهادة الدكتوراه عن حياته واصلاحه ،
فجزاه الله خيرا .
(٢) وهو مطبوع في الهند، ثم في مصر بتحقيق العلامة أحمد شاكر والشيخ
حامد الفقي سنة ١٩٤٨، وسيكرر المصنف ذكره بعد قليل .
(٣) في الاصل : أحمد ، تبعا لحاجي خليفة !!
(٤) مطبوع في حلب ، ثم في مصر، وسيكرره المصنف بعد قليل .
(٥) أي: (معالم السنن)).
(٦) له ترجمة في ((الانس الجليل)) ٤٩٩ - ٥٠٠ ، وفيه تاريخ وفاته سنة
٧٦٥ وسيكرره المصنف ويذكر وفاته على الصحيح .
(٧) وتمامه: ((عجالة العالم من كتاب المعالم)).
(٨) وضع المصنف رحمه الله كلمة ((أيضا)) بعد تاريخ وفاته ، فأوهم أن من
قبله توفي سنة ٩١١ هـ، وليس كذلك، أما الذي في ((كشف الظنون))
فهو : وشرحها السيوطي أيضا ... ، فهذا من تصرف المصنف رحمه
الله .
(٩) تقدم الكلام حوله .
(١٠) ترجمته في ((الضوء اللامع)) ١٠٠/٦ و((حسن المحاضرة)) ٤٣٨/١
و (( ذيل تذكرة الحفاظ)) ٣٦٩
٣٩١

ووليّ الدين العراقي(١)، والشيخ شهاب الدين أحمد بن حسين الرُّمْلي
المقدسي الشافعي ، المتوفى سنة أربع وأربعين وثمان مئة (٢) . وشرحها
قطبُ الدين أبو بكر بن أحمد بن دُعَين (٣) اليمني الشافعي المتوفى سنة
اثنتين وخمسين وست مئة (٤) ، في أربعة مجلدات كبار . وشرحه أبو زرعة
أحمدُ بنُ عبد الرحيم العراقي المُتوفى سنة ست وعشرين وثمان مئة (٥) ،
كتَبَ منه سبعة مجلداتٍ إلى أثناء سجود السهو ، أطالَ فيه .
قال الجلال السيوطي: وشرْحُ الشيخ وليّ الدين العراقي شرحٌ عليه
مبسوطٌ جداً . كتب منه من أوله إلى سجود السهو في سبعة مجلدات وكتب
مجلداً فيه الصيام والحج والجهاد . ولو كَمُل لجاء في أكثرُ من أربعينَ مجدداً .
وذكر أن الشّهاب بن رسلان (٦) شرَحَه شرحاً كاملاً ، ولم أقِفْ
عليه ، انتهى ، وشرحها الحافظ علاء الدين مُغُلْطاي بن قُلَيج المتوفى
سنة اثنتين وستين وسبع مئة ولم يُكْمِلِه (٧) . وشرحها الخطّابيّ وسماه
(١) سيكرر المصنف ذكره بعد سطور .
(٢) ترجمته في ((الانس الجليل)) ٥١٥/٢ و((شذرات الذهب)) ٢٤٨/٧
و (البدر الطالع)) ٤٩/١، ويوجد من شرحه المذكور نسخة في مكتبة
مراد ملا في تركيا برقم ٤٣٨ - ٤٤٨ جوتا - ٢
(٣) كذا الاصل متابعا لحاجي خليفة، وفي ((الشذرات)): دمسين وصحح
المظاهري في كتابه ص ٨٠ أنه دعسين . والله أعلم .
(٤) في ((الكشف)): وسبع مئة، وهو الصواب كما في ((الشذرات))
١٧١/٦
(٥) ترجمته في ((لحظ الالحاظ)) ٢٨٤ و((البدر الطالع)) ٧٢/١و((الضوء
اللامع)٩ ٣٣٦/١
(٦) هو أحمد بن حسين الرملي الذي تقدمت ترجمته، وقوله: ((رسلان))،
قال الشوكاني : بالهمزة ، وقد تحذف في الاكثر ، بل هو الذي عليه
الالسنة ((البدر الطالع)) ٤٩/١
(٧) ((طبقات الحفاظ)) ٥٣٤ للسيوطي .
٣٩٢

((معالم السنن)) (١) ذكره في شرحه للبُّخاري (٢) : كان معظم القصد من
أبي داود فيه جمعَ بيان السنن والأحاديث الفقهية .
ولابن قَيّم الجَوزية (( شرح مختصر السّنن المذكورة))(٢) ذكر فيه أن
الحافظ زكي الدين المنذري قد أحسن في اختصاره ، فهذبتُه نحو ما هذب
هو به الأصل ، وزدت عليه من الكلام على علل سكت عنها أو لم يكملها
وتصحيح أحاديثه ، والكلام على متون مُشكلة لم يفتح مُعضلها وبسطتُ
الكلامَ على مواضع لعل الناظر لا يجدها في كتاب سواه .
قال (٤) في ((رسالته)) (٥) التي أرسلها إلى مَن سأله عن اصطلاحها
في كتابه : ذكرتُ فيه الصحيح وما يُشبهه ويقاربُه، وما فيه وهنٌ شديد
بيّنْتُه وما لا فصالحٌ ( وما لا يفهم منه) (٦) وبعضه أصح من بعض ،
انتهى .
واشتمل هذا الكلام على خمسة أنواع :
الأول : الصحيح ؛ ويجوز أن يريد به الصحيح لذاته .
والثاني : شبهه ، ويمكن أن يريد به الصحيح لغيره .
والثالث : ما يقاربه ، ويحتمل أن يريد به الحسن لذاته .
(١) تقدم الكلام حوله .
(٢) وهو المسمى ((أعلام السنن)) وقد تقدم ذكره والكلام حوله .
(٣) ((تهذيب السنن)) ٩/١ بتصرف واختصار .
(٤) أي : أبو داود .
(٥) في ص ٧ منها .
(٦) ما بين القوسين ليس في ((الرسالة)) وهو هكذا في ((كشف الظنون))
والمصنف ينقل منه، وظني أن ((يفهم منه))،وهي شرح لقوله : وما لا
فظنه أحد النساخ أصلا من كلام أبي داود فأثبته في الاصل .
٣٩٣

والرابع : الذي فيه وهنٌ شديد .
وقوله : ما لا ، يُفهمُ منه الذي فيه وهَنٌّ ليس بشديد فهو قسم
خامس .
فإن لم يعتضد كان صالحاً للاعتبار فقط، وإن اعتضد صار حسناً لغيره
أي للهيئة المجموعة للاحتجاج وكان قسماً سادساً انتهى من (( حاشية
البُقاعي على شرح الالفية)) (١).
قال ابن كثير في ((مختصر علوم الحديث))(٢): إن الروايات اسنن
أبي داود كثيرةٌ ، يوجد في بعضها ما ليس في الأخرى .
وشرحها شهاب الدين أبو محمد (٣) أحمد بن محمد بن إبراهيم بن
هلال المقدسي من أصحاب المِزّي بالقدس سنة خمس وستين وسبع مئة
وسماه ((انتحاء السنن واقتفاء السنن)) (٤). أوله: الحمد لله الذي أرسل
رسوله بالهُدى ...
وشرح قطعةً منها العلاّمةُ بدر الدين محمود بن أحمد العيني الحنفي
المُتوفى سنة خمس وخمسين وثمان مئة (٥) . وشرحها أبو الحسن السّندي
المذكور آنفاً وهو شرحٌ لطيف بالقول (٦).
(١) واسمه ((النكت الوفية)) منه نسخة مخطوطة في مكتبة الاوقاف في
بغداد رقم ٤٩١ - حديث، وانظر لزاما ((سير أعلام النبلاء)) ١٣ /
٢١٤ و٢١٥ والتعليق عليه، و ((توضيح الأفكار)) للامام الصنعاني
٢٠١/١-٢١٦
(٢) ((الباعث الحثيث)) ٤١
(٣) كذا في الاصل تبعا لما في ((كشف الظنون)) وهو تحريف ، صوابه :
أبو محمود، وهو صاحب ((عجالة العالِم)) الذي تقدمت ترجمته.
(٤) منه نسخة في مكتبة لاله لي - تركيا في أربعة مجلدات برقم ٤٩٨ -
٥٠١
(٥) توجد مخطوطة في دار الكتب المصرية برقم حديث : ٢٨٦، وانظر
(( فهرست معهد المخطوطات)) ٨٤/١
(٦) واسم شرحه: ((فتح الودود على سنن أبي داود)) وقد طبع بالهند.
٣٩٤

الفصل السادس
( سنن النسائي)
في ذكر السنن (١) لأبي عبد الرحمن بن شعيب النسائي الحافظ المتوفى
سنة ثلاث وثلاث مئة . قال في كتاب الطهارة - وهو أول السنن (٢) - :
تأويل قوله عز وجل: ( إِذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلوة فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
وَأَيْدِ يَكُمْ إِلى المَرَافِقِ) (المائدة: ٦ ). أخبرنا قتيبةُ بنُ سعيد قال:
حدثنا سفيان (٣) عن الزّهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا
يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً فإن أحدكم لا يدري أين باتت
يدُه)) (٤)، انتهى.
ومن رُباعياته (٥) : أخبرنا حُمَيد قال : حدثنا عبدُ الوارث قال :
حدثنا شعيب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((قد أكثرت عليكم في السواك)) (٦) . انتهى.
(١) ((كشف الظنون)) ١٠٠٦/٢ - ١٠٠٧ و((اتحاف النبلاء)) ٩١
و (( فهرست ابن خير)) ١١٠ و((مفتاح السعادة)) ١٣٨/٢ و((شروط
الائمة الستة)) ٢١ و((شرح الاربعين العجلونية)) ١٩٢ و((الرسالة
المستطرفة)) ٣٢ و(تاريخ الادب العربي)) ١٩٥/٣ و((تاريخ التراث
العربي)) ٤٢٢/١
(٢) ((المجتبى)) ٦/١
(٣) هو ابن عيينة .
(٤) اسناده صحيح، ورواه البخاري ١٦٢ ومسلم ٢٨٧ ومالك ١ / ٢١
وأبو داود ١٠٣ والترمذي ٢٤ وابن ماجه ٣٩٣ وأحمد ٢٤١/٢ و ٢٥٣
و ٢٥٩ و ٢٦٥ و ٢٧١ و٢٨٤ و٣١٦ و٣٨٢ و٣٩٥ و٤٠٣ و ٤٥٥
و ٤٦٥ و ٤٧١ و ٥٠٠ والبغوي ٢٠٧ والشافعي ٢٧/١
(٥) ((المجتبى)) ١٠/١
(٦) اسناده صحيح وأخرجه البخاري ٨٨٨ والدارمي ١٧٤/١ وأحمد
١٤٣/٣ و٢٤٩
٣٩٥

قال ابن الأثير (١): وسأله بعض الأمراء عن كتابه (السنن الكبرى)) (٢)
أكله صحيح ؟ فقال : لا ، قال : فاكتب لنا الصحيح منه مجرداً ، فصنع
((المجتبى)) من ((السنن)). لَخّص منها الصغيرة، ترَكَ كلَّ حديث
أورده في ((الكبيرة)) مما تُكُلّم في إسناده بالتعليل: رواه ابن عساكر (٢).
وسماه ((المجتنى)» بالنون أو الباء الموحدة والمعنى قريبٌ والأشهرُ هو
الأخير (٤) .
وإذا أطلق أهلُ الحديث على أن النسائي روى حديثاً فإنما يريدون
((المجتبى)) لا ((السنن الكبرى)) وهي إحدى الكتب الستة. قال الحافظ
أبو علي (٥): للنسائي شرطٌ في الرجال أشدّ من شرط مسلم (٦) . وكذلك
الحاكم والخطيب كانا يقولان : إنه صحيح ، وإن له شرطاً في الرجال
أشد من شرط مسلم لكنّ قولَهم غيرُ مُسَلَّم (٧).
قال البقاعيّ في ((شرح الألفية)) عن ابن كثير (٨): إن في النسائي
(١) ((جامع الأصول)) ١٩٧/١
(٢) منه نسخة كاملة في مكتبة مراد ملا في تركيا برقم ٧٢ وقد طبع
الجزء الاول منه في الهند بتحقيق الشيخ عبد الصمد شرف الدين .
(٣) كذا قالوا، وهو خطأ، فان ((المجتبي)) من اختصار الامام ابن
السني، وقد نبه على خطأ ابن الاثير الأمام الذهبي في ((سير أعلام
النبلاء)) ١٣١/١٤ و٢٥٦/١٧ و((تذكرة الحفاظ)) ٩٤٠/٣ وانظر
ما علقه الاستاذ الشيخ شعيب الارنؤوط على ((تهذيب الكمال)) ١/
٣٢٨-٣٢٩ فانه لطيف .
(٤) انظر ((مقدمة السنن)) صفحة: د .
(٥) لعله الامام أبو علي النيسابوري المتوفى سنة ٣٤٩ هـ ترجمته في
((التذكرة)) ٩٠٢/٣ و((تاريخ بغداد)) ٧١/٨ و((النجوم الزاهرة))
٣٢٤/٣
(٦) أورده الذهبي في ((السير)) ١٣١/١٤ كلاما شبيها بهذا ثم قال: صدق، فانه
ليْن جماعة من رجال صحيحي البخاري ومسلم، وانظر ((شروط
الائمة السنة )) ٢١
(٧) لان فيه عددا أكثر من الاحاديث الضعيفة كما يعلمه المشتغلون بهذا الفن.
(٨) ((الباعث الحثيث)) ٣١
٣٩٦

رجالاً مجهولين، إما عيناً أو حالاً . وفيهم المجروح . وفيه أحاديث
ضعيفة ومعللة ومنكرة .
وذكر في ((كشف الظنون)) (١): من شروحه شرح الشيخ سراج
الدين عمر بن علي بن المُلقِّن الشافعي (٢) ((زوائده على الأربعة)) أعني الصحيحين
وأبي (٣) داود والترمذي في مجلد وتوفي سنة أربع وثمان ومثة . وعلى السنن
تعليقة لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة إحدى
عشرة وتسع مئة أولها : الحمد لله الذي لا تُحصى منَنُه. وللشيخ أبي الحسن
السندي أيضاً تعليقةٌ بالقول لكنها أبسَطُ من تعليقة السيوطي بالقول (٤).
الفصل السابع
( سنن ابن ماجه)
في ذكر سنن (٥) ابن ماجه لأبي عبد الله بن يزيد بن ماجه القزويني
الحافظ المتوفى سنة ثلاث وسبعين ومئتين وهي السادسة من الكتب الستة
عند البعض .
قال ابن ماجه في باب اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو
أول السنن : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا شَريك عن الأعمش
(١) في ٢ /١٠٠٦ منه .
(٢) انظر ((الضوء اللامع)) ١٠٠/٦ والتعليق على ((لحظ الالحاظ))
١٩٩
(٣) كذا الاصل ، تبعا لحاجي خليفة ، والجادة : ابا .
(٤) وقد طبعت الحاشيتان في مصر. وانظر ((تاريخ التراث)) ٤٢٤/١ -
٤٢٥
(٥) ((كشف الظنون)) ١٠٠٤/٢ و((اتحاف النبلاء)) ٨٨ و((مفتاح
السعادة)) ١٣٩/٢ و((شرح الأربعين العجلونية)) ٢٠٧ و((الرسالة
المستطرفة)) ١٢ - ١٣ و((تاريخ الأدب العربي)) ١٩٨/٣ و((تاريخ
التراث العربي)) ٣٧٧/١ و((شروط الائمة الستة)) ١٩
٣٩٧

عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم: ((ما أمرتكم به فخذوه وما نهيتكم عنه فانتهوا)) (١) .
ومن ثلاثياته : حدثنا جبارة ، قال : حدثنا كثير ، قال : سمعت
أنس بن مالك ، رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: ((من أحب أن يكثر خير بيته فليتوضأ إذا حضر غداؤه
وإذا رفع)) (٢) ، انتهى .
قال الشيخ عبد الحق الدهلوي (٣) : كتابه واحد من الكتب الإسلامية
التي يُقال لها ، الأصول الستة، والكتب الستة ، والصحاح الستة ، قلت :
والأمهات الست .
وإذا قال المحدثون : رواه الجماعة ، يريدون به رواية هذه الرجال
الستة في تلك الكتب الستة ، وإذا قالوا : رواه الأربعة ، فمرادهم هذه
الأربعة غير البخاري ومسلم .
وله عدة أحاديث ثلاثيات أوردها في سننه، انتهى (٤) . وهذه الثلاثيات
(١) في اسناده شريك بن عبدالله، وهو سيء الحفظ، عنعنه الاعمش وهو
مدلس ، ويشهد له ما رواه البخاري ٧٢٨٨ ومسلم ١٣٣٧ و ٢٢٨٤
وغيرهما عن أبي هريرة .
(٢) هو في ((سننه)) ٣٢٦٠ وفيه جبارة بن المغلّس وكثير بن سليم وهما
ضعيفان، ورواه أبو الشيخ في كتاب ((أخلاق النبي)) ص ٢٣٥ وفيه
كثير أيضا .
(٣) انظر مقدمة ((لمعات التفتيح)) ٨/١ - هندية.
(٤) وقد استلّها بعض المحدثين في جزء صغير ، منه نسختان في المكتبة
الظاهرية مجموع ٦٣ ومجموع ٥٩ وانظر (( المنتخب من مخطوطات
الحديث)) ١٠٢ و٢٨١ و٣٨٠ و((تاريخ التراث العربي)) ٣٨٠/١
٣٩٨

من طريق جُبارة ( بن) المُغَلّس (١) وله حديث في فضل قزوين منكر
بل موضوع (٢) ولهذا طعنوا فيه وفي كتابه ، وواضعه رجل اسمه ميسرة (٢)
قال ابن ماجه : عرضت هذه السنن على أبي زرعة فنظر فيه وقال : أظن
إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع أو أكثرها . ثم قال :
لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثاً مما في إسناده ضعف (٤) .
وجملة ما في سننه أربعة آلاف حديث وعدد كتبها اثنان وثلاثون
كتاباً وأبوابها خمس مئة وألف باب (٥) .
(١) وهو ضعيف كما تقدم، وانظر ترجمته في ((أسامي الضعفاء)) ٢/
٤٦٢ لابي زرعة، و((المجروحين)) ٢١٦/١ و((التهذيب)) ٥٨/٢
(٢) انظر ((الفوائد المجموعة)) ٤٣٢ و((اللآلى المصنوعة)) ٤٦٣/١ و (( تنزيه
الشريعة)) ٥٠/٢، وأورد الذهبي هذا الحديث في ((الميزان)) ٢٠/٢
وقال : فلقد شان ابن ماجه سننه بادخاله هذا الحديث الموضوع فيها.
(٣) هو ميسرة بن عبد ربه، ترجمته في ((أسامي الضعفاء)) ٢ / ٦٦١
و ((الميزان)) ٢٣١/٤ و ((اللسان)) ١٣٨/٦، ونقلوا أن أبا زرعة قال
فيه : وضع في فضل قزوين أربعين حديثا ، وكان يقول : اني احتسب
في ذلك .
(٤) (تذكرة الحفاظ)) ٦٣٦/٢ وأوردها الذهبي أيضا في ((السير)) ١٣/
٢٧٨ وعلق عليها بقوله : قد كان ابن ماجه حافظا ناقدا صادقا ، واسع
العلم، وانما غض من رتبة ((سننه)) ما في الكتاب من المناكير ، وقليل
من الموضوعات، وقول أبي زرعة - ان صح - فانما عنى بـ ((ثلاثين
حديثا)) الاحاديث المطروحة الساقطة، وأما الأحاديث التي لا تقوم
بها حجة ، فكثيرة ، لعلها نحو الالف . قلت : وقد قام الدكتور سعدي
الهاشمي بدراسة حول كلمة أبي زرعة هذه ونقل نقد العلماء عليها في
((مجلة الجامعة الاسلامية)) ١٢/ ٤٧، ٢١/٤٨-٥١. وانظر ((توضيح
الافكار)) ٢٢٣/١
وبعد كتابة ما تقدم بأكثر من سنتين طبع كتاب ((صحيح ابن ماجه))
لشيخنا الألباني ، فعرفنا منه أن عدد الأحاديث الضعيفة في ((سنن ابن
ماجه)؛ لا يزيد على الثمان مئة ، والله المستعان .
(٥) لقد قام الاستاذ المحقق محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله باحصاء
أحاديث سنن ابن ماجه وأبوابه وكتبه ، فعدد كتبه ٣٧ عدا المقدمة ،
وعدد أبوابه ١٥١٥ وعدد أحاديثه ٤٣٤١، وهذا الاختلاف راجع الى
اختلاف النسخ ، والله أعلم .
٣٩٩

وفي الواقع الذي فيه من حسن الترتيب وسرد الأحاديث بالاختصار
من غير تكرار ليس في أحد من الكتب ، وقد شهد أبو زرعة على صحته (١) .
قال ابن الأثير : كتابه كتابٌ مفيد قويّ النفع في الفقه، لكنّ فيه
أحاديثَ ضعيفةً جداً بل منكسرة حتى نُقل عن الحافظ المِزّي أن الغالب
فيما تفرد به الضعفُ، ولذا لم يضفه غيرُ واحد إلى الخمسة بل جعلوا
السادسَ الموطأ .
قال الحافظ ابن حجر : أول من أضاف ابن ماجه إلى الستة ( أبو )
الفضل (محمد) بن طاهر (٢) حيث أدرجه معها في ((أطرافه)) (٣) وكذا
في ((شروط الأئمة الستة)) (٤) ثم الحافظ عبد الغني (٥) في كتاب (( الإكمال
في أسماء الرجال)) (٦) الذي هذبه الحافظ المِزّي (٧)، وقدمه على ((الموطأ))
لكثرة زوائده ، انتهى .
(١) وقد تقدم نقد قوله .
(٢) المتوفى سنة ٥٠٧ هـ، ترجمته في ((التذكرة)) ١٢٤٢/٤ و((العبر))
١٤/٤ و((طبقات الحفاظ)) ٤٥٢
(٣) منه نسخة خطية في جامع القرويين برقم ٦٤٣
(٤) طبع بتحقيق الشيخ محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى ، وانظر
ص ١٩ منه .
(٥) هو عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي ، المتوفى سنة ٦٠٠ هـ، ترجمته
في ((التذكرة)) ١٣٧٢/٤ و((الذيل على طبقات الحنابلة)) ٢ / ٥
و ((حسن المحاضرة)) ٢٥٤/١
(٦) كذا قال، واسمه الصحيح ((الكمال ... )) منه نسخة في ظاهرية
دمشق ، ومكتبة خدابخش في الهند .
(٧) هو جمال الدين يوسف بن الحجاج بن الزكي، المتوفى سنة ٧٤٢ هـ،
ترجمته في ((التذكرة)) ١٤٩٨/٤ و((ذيل دول الاسلام)) ٢ / ٢٤٧
و ((فوات الوفيات)) ٣٥٣/٤. وانظر الدراسة المفيدة التي كتبها
الدكتور بشار عواد معروف للتهذيب في مقدمة ((تهذيب الكمال)) ١ /
٣٧ - ٩٠
٤٠٠