Indexed OCR Text
Pages 241-260
ابن جُريج (١) وابن الصباغ (٢) . السابع : الوجادة (٢): مِنْ وَجَد يجد، مُوَلّد (٤) وهو أن يقف على كل كتاب بخط شيخ فيه أحاديث ليس له رواية ١٠ فيها ، فله أن يقول : وجدت أو قرأت بخط فلان أو في كتاب فلان بخطه : حدثنا فلان ، يسوق باقي الإسناد والمتن وقد استمر عليه العمل قديماً وحديثاً وهو من باب المُرسل وفيه شَوْبٌ من الاتصال . واعلم أن قوماً شددوا فقالوا : لا حجة فيما رواه حفظاً. وقيل : يجوز من كتابه إلاّ إذا خرج من يده وتساهل آخرون وقالوا : تجوز الرواية من نسخ غير مُقابلة بأصولها. والحق أنه إذا قام في التحمل والضبط والمقابلة بما تقدم جازت الرواية عنه ، وكذا إن غاب الكتاب إذا كان الغالب سلامته من تغيير ولا سيما إذا كان ممن لا يخفى عليه تغيره غالباً ، انتهى . الثامن : بأن يوصي (٥) الراوي عند موته أو سفره لشخص بكتاب يرويه فجوزه محمد بن سيرين (٦) وعَلّله عياض (٧) بأنه نوع من الإذن . والصحيح عدم الجواز إلاّ إن كان له من الموصي إجازة" فتكون روايته بها لا بالوصية. - (١) انظر قصته في ذلك في ((الالماع)) ١١٥ ... (٢) هو عبد السيد بن محمد، المتوفى سنة ٤٧٧، ترجمته في (( لنجوم الزاهرة)) ١١٩/٥ و((البداية والنهاية)) ٢/ ١٢٦ و((الشذرات)) ٣٥٥/٣ (٣ ((توضيح الافكار)) ٣٤٢/٢ و((التقييد والإيضاح)) ١٦٧ و((الباعث الحثيث )) ١٤٢ (٤) أي: غير مسموع من العرب، وانظر ((الخلاصة)) ١١٣ الطيبي. (٥) (التدريب)" ٥٩/٢ و((التبصرة والتذكرة)) ١١٠/٢ و((علوم الحديث )) ١٥٧ (٦) انظر ((الكفاية)) ٣٥٢ (٧) في ((الالماع)) ١١٥ ٢٤١ الحطة - ١٦ الفصل الرابع في صفة المحدث وتقصير الناس في طلب علم الحديث وما يناسبه . قال أبو المظفر محمد بن أحمد بن حامد بن الفضيل البخاري : لما عُزل أبو العباس الوليد بن إبراهيم بن زيد الهَمْداني عن قضاء الرَّيّ (١) ورد بخارى سنة ثمانَ عشرة وثلاث مئة لتجديد مودة كانت بينه وبين أبي الفضل البَلْعَمي (٢) . فنزل في جوارنا فحملني مُعلمي أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الخُتّلي إليه فقال : أسألك أن تحدث هذا الصبي عن مشايخك . فقال: ما لي سماع . قال : فكيف وأنت فقيه فما هذا ؟ قال : لأني لما بلغت مبلغ الرجال تاقَت نفسي إلى معرفة الحديث ( ومعرفة الرجال ) ورواية الأخبار وسماعها ، فقصدت محمد بن إسماعيل البخاري ببخارى صاحب ((التأريخ)) والمنظمرُ إليه في علم الحديث وأعلمته مرادي ، وسألته الإقبال عليّ في ذلك . فقال : يا بني لا تدخل في أمر إلاّ بعد معرفة حدوده والوقوف على مقاديره . فقلت: عَرّفْني - رحمك الله تعالى - حدُودَ ما قصدتُك له ومقادير ما سألتك عنه . فقال لي : اعلم أن الرجل لا يصير مُحدّثاً ، كاملاً في حديثه إلاّ بعد أن يكتب أربعاً مع أربع ، كأربع مثل أربع ، في أربع عند أربع. بأربع على أربع ، عن أربع لأربع ، وكل هذه الرباعيات لا تتم إلاّ بأربع مع أربع . فإذا تمت له كلها هان عليه أربع وابتلي بأربع . فإذا صبر على ذلك أكرمه الله تعالى في الدنيا بأربع وأثابه في الآخرة بأربع . قلت : فَسّر لي رحمك الله تعالى ما ذكرت من أحوال هذه الرباعيات من قلب صافٍ بشرح كافٍ ( وبيان شافٍ ) طلباً للأجر الوافي . فقال نعم ، الأربعة التي تحتاج إلى كِتْبَتها هي أخبار الرسول صلى (١) (معجم البلدان)) ١١٦/٣ (٢) هو محمد بن عبيد الله، المتوفى سنة ٣٢٩ وانظر ((الانساب)) ٢٩١/٢ ٢٤٢ اللّه عليه وسلم وشرائعه، والصحابة رضي الله عنهم ومقاديرهم ، والتابعين وأحوالهم ، وسائر العلماء وتواريخهم ، مع أسماء رجالهم وكناهم وأمكنتهم وأزمنتهم ، كالتحميد مع الخطب ، والدعاء مع التوسل (١) والبسملة مع السورة والتكبير مع الصلوات مثل المسندات والمرسلات والموقوفات ( والمقطوعات )، في صغره ، وفي إدراكه ، وفي شبابه وفي كهولته ، عند فراغه وعند شغله ، وعند فقره ، وعند غناه ، بالجبان والبحار والبلدان والبراري، على الأحجار والأخزاف (٢) والجلود والأكتاف إلى الوقت الذي يمكنه نقلها إلى الأوراق ، عمن هو فوقه ، وعمن هو مثله ، وعمن هو دونه ، عن كتاب أبيه إن تيقن أنه بخط أبيه دون غيره ، لوجه الله تعالى طلباً لمرضاته والعمل بما وافق كتاب الله عز وجل منها . ونشرها بين طالبيها ومحبيها (٢) والتأليف في إحياء ذكره بعده . ثم لا تتم له هذه الأشياء إلاّ بأربع هي من كسب العبد، أعني : معرفة الكتابة واللغة والصرف والنحو ، مع أربع هي من إعطاء اللّه تعالى، أعني القدرة والصحة والحرص والحفظ . فإذا تمت له هذه الأشياء كلها ، هان عليه أربع : الأهل والمال والولد والوطن ، وابتلي بأربع : بشماتة الأعداء وملامة الأصدقاء وطعن الجهلاء وحسد العلماء ، فإذا صبر على هذه المحن أكرمه الله عز وجل في الدنيا بأربع : بعز القناعة وبهيبة النفس وبلذة العلم وبحياة الأبد ، وأنابه في الآخرة بأربع : بالشفاعة لمن أراد من إخوانه ، وبظل العرش يوم لا ظل إلا ظله وبسقي من أراد من حوض نبيه صلى الله عليه وسلم وبمجاورة النبيين في أعلى علّين ( في الجنة)، فقد أعلمتك: يا بُني - مجملاً - ما سمعت من مشايخي مُفصلاً في هذا الباب (٤) فأقبل الآن إلى ما قصدت (١) كذا الاصل، وفي ((الالماع)): الرسل . (٢) كذا الأصل، وفي ((الالماع)) : الأصداف. (٣) في ((الالماع)): ومجتنيها. (٤) في ((الالماع)): متفرقا في هذا الباب مجمعا . ٢٤٣ إليه أو دَعْ فهالني قولُه . فسكت متفكراً وأطرقت متأدباً . فلما رأى ذلك مني قال : وإن لم تطق حمل هذه المثاق كلها فعليك بالفقه يمكنك تعلمه وأنت في بيتك قارّ ساكنٌ لا تحتاج إلى بُعد الأسفار وطيّ (١) الديار وركوب البحار . وهو مع هذا ثمرة الحديث وليس ثواب الفقيه دون ثواب المحدث في الآخرة ، ولا عِزّهُ بأقل من عز المحدث . (قال ) : فلما سمعتُ ذلك نقض عزمي في طلب الحديث وأقبلت على دراسة الفقه وتعلمه إلى أن صرت فيه متقدماً ووقفت منه على معرفة ما أمكنني من تعلمه بتوفيق اللّه تعالى . فلذلك لم يكن عندي ما أمليه على هذا الصبي ، يا أبا إبراهيم . فقال له أبو إبراهيم : إن هذا الحديث الواحد الذي لا يوجد عند غيرك خير للصبي من ألف حديث يجده عند غيرك ، انتهى (٢) . قال الخطيب البغدادي : إن علم الحديث لا يعلق إلاّ بمن قصر نفسه عليه ولم يضم غيره من الفنون إليه . قال الشافعي : أتريد أن تجمع بين الفقه والحديث هيهات. كذا في ((إرشاد الساري)) (٣). وذكر المُطَرّزي (٤): لأهل الحديث خمس مراتب (٥) : أولها الطالب وهو المبتدىء(٦)، ثم المُحدث وهو من تحمل روايته واعتنى بدرايته، ثم الحافظ وهو من حفظ ( مئة ) ألف حديث متناً وإسناداً ، ثم الحجة وهو. . (١) في ((الالماع)): ووطء . (٢) أوردها القاضي عياض في ((الالماع)) ٣١ - ٣٤ وما بين معقو فتين منه والمقتري في ((نفح الطيب)) ٥٧٦/٢ - ٥٧٨ والقسطلاني في ((ارشاد الساري)) ١/ ١٨ - ١٩، وانظر تعليق الاستاذ السيد أحمد صقر على (( الالماع)) فانه مهم . (٣) في ١٩/١ منه . (٤) انظر لزاما ما علقه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة على ((قواعد في علوم الحديث)) ٢٩ - ٣٠ فانه مفيد جدا. (٥) ((شرح علي القاري على النخبة)) ٣ - ٤ و((فهرس الفهارس)) ٧١/١ (٦) وسماه الحافظ ابن حجر في ((النكت على ابن الصلاح)) ٥٧٢/٢: الحديثي. ٢٤٤ من حفظ ثلاث مئة ألف ، ثم الحاكم وهو من أحاط بجميع الأحاديث. وأخرج ابن أبي حاتم في كتاب ((الجرح والتعديل)) عن الزهري ، أنه قال : لا يولد الحجة إلاّ في كل أربعين سنة. ولعل ذلك في الزمن المتقدم، وأما في زماننا هذا فلا يولد فيه الحافظ أيضاً بل المحدث الكامل بل الشيخ الفاضل بل عُدم فيه الطالبُ الصادقُ والمبتدىءُ الراغب أيضاً. والمراد بالحافظ ههنا الحافظ للحديث وإن لم يكن حافظاً للقرآن لأن ذلك ليس مراداً هنا، وفي ((القول الجميل)) ونعني بالمحدث: المشتغل بكُتُب الحديث بأن يكون قرأ لفظها وفهم معناها وعرف صحتها وسقمها ولو بإخبار حافظ واستنباط فقيه . وكذلك بالمفسر المشتغل بشرح غريب كتاب اللّه وتوجيه مشكله ولما روي عن السلف في تفسيره ، انتهى . قلت : وأما الشيخ ، فقال الراغب (١) : أصله من طعن في السن ثم عبروا به عن كل أستاذ كامل ولو كان شاباً لأن شأن الشيخ أن تكثر معارفه وتجاربه . ومن زعم أن المراد هنا من هو في سن يَسُنّ فيه التحديث وهو من نحو خمسين إنى ثمانين فقد أبعد وتكلف والتزم المشي على القول المزيف، لأن الصحيح أن مدار التحديث على تأهل المحدث . فقد حدث البخاريّ وما في وجهه شعر (٢) حتى إنه رد على بعض مشايخه غلطاً وقع له في سنده . وقد حدث مالك وهو ابن سبعة عشر والشافعي وهو في حداثة السن . والحق أن الكرامة والفضيلة إنما هي بالعلم والعقل دون العمر والكبر . فكم من شيخ في سن يسن فيه التحديث وهو لا يهتدي إلى تمييز الطيب من الخبيث : وعند الشيخ أجزاء كبار مجلدة ولكن ما قراها (١) في ((المفردات)) ٢٩٠ (٢)] (تاريخ بغداد)) ٩/٢ ٢٤٥ وكم من طفل صغير يفوق الشيخ الكبير في الدراية وملكة التحرير . واللّهُ يختص برحمته من يشاء . قال المولى أبو الخير رحمه الله تعالى: إن قصارى نظر أبناء هذا الزمان في علم الحديث في ((مشارق الأنوار)) فإنْ ترَفّعَتْ إلى ((مصابيح)) البغوي ظنت أنها تصل إلى درجة المحدثين وما ذاك إلاّ لجهلهم بالحديث ، بل لو حفظهما عن ظهر قلب وضم إليهما من المتُون مثلهما لم يكن محدّثّاً ((حتى يلج الجملُ في سَمِّ الْخِيَاط)). وإنما الذي يعده أهل الزمان بالغاً إلى النهاية وينادونه محدث المحدثين وبخاريّ العصر من اشتغل ((بجامع الأصول)) لابن الأثير مع حفظ ((علوم الحديث)) لابن الصلاح أو (( التقريب)) للنووي إلاّ أنه ليس في شيء من رتبة المحدثين. وإنما المحدث من عرف الأسانيد والمسانيد والعلل وأسماء الرجال والعالي والنازل وحفظ مع ذلك جملة مستكثرة من المتون وسمع الكتب الستة ((ومسند)) الإمام أحمد بن حنبل و((سنن)) البيهقي و ((معجم)) الطبراني وضم إلى هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثية . هذا أقل فإذا سمع ما ذكرناه وكتب الطبقات وزاد على الشيوخ وتكلم في العلل والوفيات والأسانيد كان في أول درجات المحدثين ، ثم يزيد الله سبحانه ما يشاء ، هذا ما ذكره تاج الدين السبكي، انتهى . وقد ذكر هذا في وقته ولو رأى زماننا هذا الذي ذهب فيه ماؤه ونضب رواؤه وكثر جاهلوه وقل عالموه لقال ما قال فقد نبتت في هذا الزمان فرقة ذات سمعة ورياء تدعي لأنفسها علم الحديث والقرآن والعمل بهما على العلات في كل شأن مع أنها ليست في شيء من أهل العلم والعمل والعرفان لجهلها عن العلوم الآلية التي لا بد منها لطالب الحديث في تكميل هذا الشأن وبعدها من الفنون العالية التي لا مندوحة لسالك طريق السنّة عنها كالصرف والنحو واللغة ٢٤٦ والمعاني والبيان فضلاً عن كمالات أخرى وأن تشبهوا بالعلماء ويظهروا في زي أهل التقوى . تصدر للتدريس كل مهوس بليد يسمى بالفقيه المدرس ببيت قديم شاع في كل مجلس فحق لأهل العلم أن يتمثلوا كلاما وحتى استامها كل مفلس (١) لقد هزلت حتى بدا من هزالها ولذلك تراهم يقتصرون منها على النقل ومبانيها ولا يصرفون العناية إلى فهم السنة وتدبر معانيها ويظنون أن ذلك يكفيهم ، وهيهات ، بل المقصودُ من الحديث فهمُهُ وتدبرُ معانيه دون الاقتصار على مبانيه . فالأول في الحديث السماع ، ثم الحفظ ، ثم الفهم ، ثم العمل ، ثم النشر ، وهؤلاء قد اكتفوا بالسماع والنشر من دون تثبت وفهم وإن كان لا فائدة في الاقتصار عليه والاكتفاء به . فالحديث في هذا الزمان لقراءة الصبيان دون أصحاب الإيقان وهم في غفلتهم يعمهون . نقل الغزالي" (٢) عن أبي سفيان أنه حضر في مجلس زائد بن أحمد . فكان أول حديث سمعه قوله صلى الله عليه وسلم : (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) (٣) . فقام وقال: يكفيني حتى أفرغ منه ثم أسمع غيره . ٤ (١) انظر ((تذكرة السامع والمتكلم)) ٤٦ و((شرح المضنون به على غير أهله )) ٤٩٦ (٢) في ((إحياء علوم الدين)) ٣٩٨/٣ وانظر ((جامع العلوم والحكم)) ٩٧-١٠٢ (٣) أخرجه الترمذي ٢٣١٨ وابن ماجه ٣٩٧٦ والبغوي ٤١٣٢ عن أبي هريرة ، وفي اسناده قرة بن عبد الرحمن ، وهو ضعيف ، ورواه أحمد في ((مسنده)) ٢٠١/١ عن الحسين بن علي وفيه عبدالله بن عمر العمري وهو ضعيف، ورواه مالك في ((الموطأ)) ٤٧٠/٢ والبغوي ٤١٣٣ باسناد صحيح مرسل ، فالحديث بهذه الطريقة حسن . ٢٤٧ فهكذا يكون سماع الناس الأكياس . وأما هؤلاء الجهلة فجل تحديثهم عبارة عن اختيار بعض المسائل المختلف فيها بين المجتهدين والمحدثين في باب الطاعات دون المعاملات الدائرة بينهم كل يوم على العلات وتمام اتباعهم حكاية خلاف أهل الاجتهاد مع أهل الحديث الواقع في العبادات دون الارتفاقات (١)، ومِنْ ثَمَّ لا يهتدون إلى ما انتقده أهلُ الحديث في الباب سبيلاً . ولا يعرفون من فقه السنّة في المعاملات شيئاً قليلاً . وكذلك لا يقدرون على استخراج مسئلة واستنباط حكم على أسلوب السنن وأهليها ولا يوفقون للعمل بمسئلة حديثية في الارتفاقات على منهاج ذويها ، وكيف يوفقون له وهم اكتفوا عن العمل بها بالدعاوى اللسانية وعن اتباع السنة بالتسويلات الشيطانية ، ثم اعتقدوها عين الدين ورضوا أن يكونوا مع الخوالف بين المسلمين . وهذه شيمةُ كلّهم أميرُهم وفقيرُهم وصحيحهم وسقيمُهم ، فقد اختبرت إياهم مراراً ، فما وجدت أحداً يرغب في طريق الصالحين أو يسير سيرة المؤمنين ، بل صادفت جملتهم منهمكين في الدنيا الدنية ، مستغرقين في زخارفها الرديئة ، جامعين للجاه والمال ، طامعين فيه من دون مبالاة الحرام والحلال ، خُلاة الأذهان عن حلاوة الإسلام ، قساة القلب بالنسبة إلى المسلمين كالمردة الطعام . أمّلْتُهم ثمَّ تأملتهم فلاحَ لي أن ليس فيهم فلاح وكيف يفلح قوم يخالف قولُهم فعلهم، وفعلُهم قولَهم يقولون عن خير البرية وهم شر البرية؟ إذا سُئلوا عن شيء قالوا فيه قولاً سديداً وإذا قدروا على شيء لم يبالوا به بل نالوا منه فيلاً شديداً : عجبتُ من شيخي ومن زهده وذكره النار وأهوالها ويسرق الفضة إن نالها يكره أن يشرب في فضة (١) أي : المسائل المتفق عليها ، يقال أرتفق القوم : صاروا رفقاء. ١٢٤٨ فيا لله العجب من أين يسمون أنفسهم الموحدين المخلصين وغيرهم بالمشركين المبتدعين وهم أشد الناس تعصباً وغلواً في الدين ، قد أنفقوا في غير شيء نفائسَ الأوقات والأنفاس ، وأتعبوا أنفسهم وحيّروا مَن خلفهم من الناس . ضيعوا الأصول ، فحُرِموا القبول وأعرضوا عن الرسالة فوقعوا في متهامه (١) الحيرة والضلالة . والمقصود أن هؤلاء القوم رؤيتهم قذاء العيون وشجى الحلوق وكرب النفوس وحمى الأرواح وغم الصدور ومرض القلوب . إن أنصفتهم لم تقبل طبيعتهم الإنصاف . وإن طلبته منهم فأين الترياق من يد الملتمس الوصاف قد انتكست قلوبهم وعميَ عليهم مطلوبُهم . رضوا بالأماني وابتلوا بالحظوظ الفواني وحصلوا على الحرمان وخاضوا بحار العلم ، لكن بالدعاوى الباطلة وشقاشق الهذيان ، والله ما ابتلت من وشلة (٢) أقدامُهم ولا زكت به عقولُهم وأحلامُهم ولا ابيضت به لياليهم ولا أشرقت بنوره أيامُهم ولا ضحكت بالهدی والحق منه وجوه الدفاتر إذ بكت بمداد أقلامهم فما هذا دين ، إنْ هذا إلاّ فتنة في الأرض وفساد كبير ، كيف ولو كان لهؤلاء إخلاص في القول والعمل وحرص على العلم النافع عند مجيء الأجل وخيفة من الحي القيوم ، وحياء من النبي المعصوم لزهدوا في أوساخ الأموال ، ولاستنكفوا عن التزيي بزي الصلاح لصيد الجهال ، ولا يأكلوا أبداً مالَ المسلم بالباطل ولا يرضوا بالعاجل عن الآجل ، ولا يكتفوا من علم الحديث على رسمه ومن العمل بالكتاب على اسمه ، ولا يبذلوا نفائس الأوقات إلاّ في الطاعات ولا يصرفوا شرائف الأنفاس في غير الباقيات الصالحات ، ولا يصحبوا أهل الدنيا ليلاً ونهاراً ولا يروا غيره تعالى للمهام مداراً ولا يتقدموا للوعظ والفتيا إلاّ بحقها ، ولا يجترؤوا على نصبهم للإرشاد إلاّ على وجهها ، (١) جمع مهمه . وهي المفازة البعيدة . (٢) هي العين قليلة الماء. ٢٤٩ كما فعل أهلُ الحديث من قبلهم وأصحاب التوحيد في عهدهم فأولئك الذين يحق لهم العمل بالكتاب والسنة والتمسك بهما والدعاء إليهما وهما عن النار جُنة (١) لا لهؤلاء النفر المتباهين بدعواهم ، المتلبسين بالرياء والسمعة في أولاهم وأُخْراهم : تَشَيَّخُوا قبل أن يشيخوا نعوذ بالله من أناسٍ فاحذرهم إنهم فخوخ احدَ وْدَبوا وانحنوا رياء لا ومقلب القلوب وعلام الغيوب ، إن المؤمن الدي يخاف مقامه بين يدي الله تعالى لا يجترىء أبداً مثل ذلك الاجزاء ولا يرضى سرمداً من نفسه المنصفة سيرة هؤلاء وقانا الله تعالى وجميع المسلمين عن ضيغ هؤلاء الطلبة للدنيا في سرادق الدين وحفظنا وسائر المتقين عن المداهنة والنفاق والوقاحة وصحبة الجاهلين : قد أرحنا واسترحنا من غدوّ ورواح ووزير ذي صلاح واتصال بأمير وقنوع وصلاح وعفاف لكفاف وهذا الداء العضال إنما تولد من تعصب العلماء والفقهاء بينهم وكثرة القيل والقال حتى عمّت به البلوى والجدال، فجزى اللّهُ تعالى من أعان الإسلام ولو بشطر كلمة خيراً، فالحق أحق بالاتباع ولمسلك الصواب اتساع : ولا بدّ من شكوى إلى ذي مروة يواسيك أو يسليك أو يتوجع (١) أي: وقاية وستر . ٢٥٠ وليس هذا بأول قارورة كسرت في الإسلام فقد قال الفلاني (١) رحمه الله تعالى في ((إيقاظ الحمم)) (٢) ما نصه : ومن جملة أسباب تسليط الفرنج على بلاد المغرب والتتر على بلاد المشرق كثرة التعصب والتفرق والفتن بينهم في المذاهب وغيرها وكل ذلك من اتباع الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ، انتهى . وكان خروج التتار على بني العباس سنة أربع وخمسين وست مئة (٢) ومثله وقع في الهند سنة ثلاث وسبعين بعد ألف ومئتين من قبل اختلافهم وتكفيرهم فيما بينهم وهم إلى الآن في سكرتهم يعمهون . قال صاحب ((الإنصاف)) (٤): وفتنة هذا الجدال والخلاف قريبة من الفتنة الأولى حين تشاجروا إلى الملك وانتصر كل رجل لصاحبه فكما أعقبت تلك ملكاً عَضوضاً (٥) ووقائع صماء عمياء. فكذلك عقبت.ذه جيلا واختلاطاً وشكوكاً وهما ما لها من أرجاء ونشأت من بعدهم قرون على التقليد الصّرف لا يميزون الحق من الباطل ولا الجدال من الاستنباط . فالفقيه يومئذ هو الثرثار المتشدق الذي حفظ أقوال الفقهاء قويّها وضعيفُها من غير تمييز وسددها بشقشقة شدقيه . والمحدث من عد الأحاديث صحيحها وسقيمها بقوةٍ لحييه ولا أقول ذلك مطرداً كلياً ، فإن اللّه طائفة من عباده لا يضرهم (١) هو صالح بن محمد بن نوح، المتوفى سنة ١٢١٨، ترجمه المصنف في ((أبجد العلوم)) ١٧٠/٣ - ١٧١ والكتاني في ((فهرس الفهارس)) ٢ / ٩٠١ والبغدادي في ((هدية العارفين)) ٤٢٤/١ (٢) واسمه ((إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار وتحذيرهم عن الابتداع الشائع في القرى والامصار ، من تقليد المذاهب مع الحمية والعصبية بين فقهاء الاعصار)) وهو مطبوع عدة طبعات ، أولاها في الهند ، والخبر فيه ص ٣١ . (٣) انظر ((البداية والنهاية)) ١٨٧/١٣-١٩٣. (٤) وهو الامام ولي الله الدهلوي ، كما مر سابقا ، والمصنف رحمه الله ينقل من ((الانصاف)) ص ٩٥ (٥) أي فيه عسف وظلم . ٢٥١ من خذلهم (١) وهم حجة الله في أرضه ، وإن قلوا ولم يأت قرن بعد ذلك إلاّ وهو أكثر فتنة وأوفر تقليداً وأشد انتزاعاً للأمانة من صدور الناس حتى اطمأنوا بترك الخوض في الدين وبأن يقولوا : ( إذا وجدنا آباءنا على أُمَّةِ وإنّا على آثارهم مقتدون) (الزخرف: ٢٣) وإلى اللّه المشتكى، انتهى . ومن جملة أسباب قلة علم الحديث كثرةُ العلوم الفلسفية اليونانية وانهماك الناس فيها كما أبان عنها أبو محمد الدمياطي (٢) حين كثر ذلك في عصره بمصر وغيرها من الأمصار وأصر الناس عليها أشد الإصرار ومن الأمر المنكر عليهم والنكر المعروف لديهم تدرسهم لعلم الفضول وتشاغلهم بالمعقول عن المنقول في إكبابهم على علم المنطق واعتقادهم أن من لا يحسنه لا يحسن أن ينطق . فليت شعري هل قرأه الشافعي ومالك ؟ أو هو أضاء لأبي حنيفة المسالك ؟ وهل يعلمه أحمد بن حنبل أو كان الثوري على تعلمه قد أقبل ؟ وهل استعان به إياس" (٣) في ذكائه أو بلغ به عمرو (٤) ما بلغ من دهائه أو تمرس به قس (٥) وسحبان (٦) ، ولولاه لما أفصح به أحدهما ولا أبان ، (١) يشير الى قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ، وهم كذلك )» رواه مسلم ١٩٢٠ والترمذي ٢٢٢٩ وابن ماجه ١٠ وأبو داوود ٢٥٢} واحمد ٢٦٩/٥، ٢٧٨، ٢٧٦ عن ثوبان ، وقد روي عن غير واحد من الصحابة أيضا، وانظر ((صحيح الجامع الصغير)) ٧١٦٤ - ٧١٧٣ (٢) هو عبد المؤمن بن خلف ، وقد تقدمت ترجمته . (٣) هو اياس بن معاوية بن قرة المزني، المتوفى سنة ١٢٢ هـ ، ترجمته في (الحلية)) ١٢٣/٣ و((الميزان)) ١٢٣/٣ و((وفيات الاعيان)) ١/١ ٢٤٧, (٤) يقصد عمرو بن العاص . (٥) هو قس بن ساعدة، وانظر ((البيان والتبيين)) ٢٧/١ للجاحظ . (٦) هو سحبان بن زفر، المتوفى سنة ٥٤ هـ، وانظر ((تهذيب تاريخ دمشق)) ٦٥/٦ و(( خزانة الادب)) للبغدادي ٣٤٧/٤ ٢٥٢ أتّرى عقولَ القوم كليلةً إذْ لم تُشحد على مسنة؟ أترى فطنتهم عليلة إذا لم تُكرم في أجِنّة ؟ كلا ، هي أشرف من أَنْ تقيد في سجنه وأشف من أن يستحوذ عليها طارق جنه ، بالله لقد غَرِق القوم فيما لا يعنيهم وأظهروا الافتقار إلى ما لا يغنيهم بل يتعبهم إلى السآمات ، والشيطان يعدهم ويمُنيّهم ، أما إنه قد كان آحاد من أهل العلم ينظرون فيه غير مجاهرين ويطالعونه لا متظاهرين لأن أقل آفاته أن يكون شغلاً بما لا يغني الإنسان وإظهارَ تَحَوَج إلى ما أغنى عنه الربّ المنانُ. وأما هؤلاء فقد جعلوه من أكبر المهمات واتخذوه عدة للثوابت والمُسلّمات ، فهم يكثرون فيه الأوضاع وينفق كل واحد منهم في تحصيله العمر المضاع . ويحهم أما سمعوا قول داعي الهُدَى . لمن أمه حين رأى عمر قد كتب التوراة في لوح وضمه فغضب وقال مفهماً للحافظ الواعي : ((لو كان موسى حياً لما وسعه إلاّ اتباعي)) (١) فلم يوسعه عذراً في الكتاب الذي جاء به موسى نوراً ، فما ظنّك بما وضعه المتخبطون في ظلام الشك وافتروا فيه كذباً وزوراً . فيا لله للعقول المنحرفة غرقت في بحار ضلال الفلسفة : وما العلم إلاّ في كتاب وسنّة وما الجهل إلاّ في كلام ومنطق وما الخير إلاّ في سكوت بحسبة وما الشر إلاّ في كلام ومنطق ويؤيد ذلك ما قال الإمام النووي في ((شرح مسلم)) (٢) حثاً على علوم (١) أخرجه أحمد ٣٣٨/٣، ٣٧٨ والبغوي ١٢٦ وفي اسناده مجالد، وهو ضعيف، لكن له شاهدا بنحوه عند أحمد ٤٧٠/٣ - ٤٧١ من حديث عبدالله بن شداد، وفي سنده جابر الجعفي، وانظر ((مجمع الزوائد)) ١٧٣/١-١١٧٤ (٢) في ((المقدمة)) ٤/١ على هامش ((ارشاد الساري)). ٢٥٣ الحديث : وأهم أنوار العلوم تحقيق معرفة الأحاديث النبويات ، أعني معرفة متونها صحيحها وحسنها وضعيفها ومتصلها ومرسلها ومنقطعها ومعضلها ومتلوبها ومشهورها وغريبها وعزيزها ومتواترها وآحادها وأفرادها ومعروفها وشاذها ومنكرها ومعللها ومدرجها وناسخها ومنسوخها وخاصها وعامها ومجملها ومبينها ومختلفها وغير ذلك من أنواعها المعروفات . ومعرفة علم الأسانيد ، أعني معرفة حال رجالها وصفاتها (١) المعتبرة وضبط أسمائهم وأنسابهم ومواليدهم ووفياتهم وغير ذلك من الصفات . ومعرفة التدليس والمدلسين وطرق الاعتبار والمتابعات ومعرفة حكم اختلاف الرواة في الأسانيد والمتون والوصل والإرسال والوقف والرفع والقطع والانقطاع وزيادات الثقات . ومعرفة الصحابة والتابعين وأتباعهم وأتباع أتباعهم ومَنْ بعْدهم وغير ما ذكرته من علومها المشتهرات . ودليل ما ذكرته أن شرعنا مبنيّ على الكتاب العزيز والسنن المرويات ، وعلى السنن مدار أكثر الأحكام الفقهيات ، فإن أكثر الآيات الفروعيات مجملات وبيانها في السنن المحكمات . وقد اتفق العلماء على أن من شرط المجتهد من القاضي والمفتي أن يكون عالماً بالأحاديث الحكميات فثبت بما ذكرنا أن الاشتغال بالحديث من أجل العلوم الراجحات وأفضل أنواع الخير وآكد القربات . وكيف لا يكون كذلك وهو مشتمل على ما ذكرنا من بيان حال أفضل المخلوقات . ولقد كان أكثر اشتغال العلماء بالحديث في الأعصار الداليات حتى لقد كان يجمع في مجلس الحديث من الطالبين ألوف متكاثرات ، فتناقص ذلك ، وضعفت الهمم فلم تبق إلاّ آثار من آثارهم قليلات. والله المستعان على هذه المصيبة وغيرها من البليّات . وقد جاء في فضل إحياء السنن الممانات أحاديث كثيرة معروفات مشهورات . فينبغي الاعتناء بعلم الحديث والتحريص عليه ، لما ذكرنا من الدلالات ، ولكونه أيضاً من (١) كذا الأصل، وفي ((شرح مسلم)): وصفاتهم. ٢٥٤. (النصيحة لله تعالى وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم والأئمة وللمسلمين والمسلمات)). وذلك هو الدين كما صح عن سيد البريات (١) . ونقد أحسن القائل أن من جمع أدوات الحديث استنار قلبُه واستخرج كنوزه الخفيات . وذلك لكثرة الفوائد البارزات الكامنات وهو جدير بذلك فإنه كلامُ أفصح الخلق ومَن أُعطي جوامع الكلمات صلى الله عليه وسلم صلوات متضاعفات . الفصل الخامس في قلة علم الحديث بأرض الهند وما يناسبها اعلم أن الهند لم يكن بها علم الحديث منذ فتحها أهل الإسلام بل كان غريباً كالكبريت الأحمر وعديماً كعنقاء ((مُغْرِبٍ)) في الخبر(٢). وإنما صناعةً أهلها من قديم العهد والزمان فنونُ الفلسفة وحكمة اليونان والإضراب عن علوم السنّة والقرآن إلاّ ما يذكر من الفقه على القلة ولذلك تراهم إلى الآن عارين عن ذلك متحلين بما هنالك وعمدة بضاعتهم اليوم هي الفقه الحنفي على طريق التقليد دون التحقيق إلا ما شاء الله تعالى في أفراد منهم ولأجل هذا يتوارثه أولهم عن آخرهم ويتناقله كابرهم عن كابرهم حتى كثرتٍ فيهم الفتاوى والروايات، وعمت البلوى بتعامل هذه التقليدات، وتُركت النصوص (١) يشير الى قوله صلى الله عليه وسلم: ((الدين النصيحة، الدين النصيحة ، لله ولكتابه ، ولنبيه، ولائمة المسلمين ، وعامتهم )) رواه مسلم ٥٥ وأبو داوود ٤٩٤٤ والنسائي ٧/ ١٥٦ - ١٥٧ واحمد ٤ / ١٠٢ - ١٠٣ وأبو عوانة ٣٦/١ - ٣٧ والحميدي ٨٣٧ والطبراني في ((الكبير)) ١٢٦٠ و١٢٦١ و١٢٦٢ و١٢٦٣ و١٢٦٤ و١٢٦٥ و١٢٦٦ و ١٢٦٧ و ١٢٦٨ والبغوي في ((شرح السنة)) ٣٥١٤ كلهم عن تميم الداري رضي الله عنه مرفوعًا، وقد ورد أيضا عن غير واحد من الصحابة رضوان الله عليهم . (٢) (لسان العرب)) ١٠ ٢٧٦ - ٢٧٧ و((تاج العروس)) ٣٧/٧ ٢٥٥ المحكمات ، وهُجرت سننُ سيد البريات ورُفِضَ عرضُ الفقه على الحديث وتطبيقُ المجتهدات بالسنن ودرج عن ذلك زمان كثير حتى مَنّ اللّه تعالى على الهند بإفاضة هذا العلم على بعض علمائها كالشيخ عبد الحق بن سيف الدين الترك الدهلوي (١) المتوفى سنة اثنتين وخمسين وألف وأمثالهم . وهو أول من جاء به في هذا الإقليم وأفاضه على سكانه في أحسن تقويم ، ثم تصدى له ولده الشيخ نور الحق (٢) والمتوفى سنة ثلاث وسبعين وألف . وكذلك بعض تلامذته على القلة ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها كما اتفق عليه أهل الملّة (٢) وتحديث هؤلاء أهل الصلاح وإن كان على طريق الفقهاء المُقَلّدة الصراح دون المحدثين المبرزين المتبعين الأقحاح ، ولكن مع ذلك لا يخلو عن كثير فائدة في الدين وعظيم عائدة بالمسلمين . جزاهم الله تعالى عن المسلمين خير الجزاء وأفاض عليهم رحمته السحاء . ثم جاء الله سبحانه وتعالى من بعدهم بالشيخ الأجل والمحدث الأكمل ناطقُ هذه الدورة وحكيمُها وفائق تلك الطبقة وزعيمها الشيخ ولي اللّه (١) تقدمت ترجمته . (٢) ترجمه المصنف في ((أبجد العلوم)) ٢٢٩/٣، ٢٣٠ والبغدادي في «هدية العارفين)) ٤٩٩/٢ و((ايضاح المكنون)) ٣٥٤/١. (٣) لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الاسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)) رواه مسلم ١٠١٧ والنسائي ٧٥/٥ و٧٦ وابن ماجه ٢٠٣ والطحاوي في ((مشكل الآثار)) ٩٣/١ و٩٧ والبيهقي ١٧٥/٤ وأحمد ٤/ ٣٥٧، ٣٦٠، ٣٦١، ٣٦٢ والحميدي ٨٠٥ والطيالسي ٦٧٠ والدارمي ١٣١/١ والبغوي في ((شرح السنة ١٦٦١ والطبراني في ((الكبير)) ٢٣١٢ و٢٣١٣ و ٢٣٧٢ و ٢٣٧٣ ٢٣٧٤ و ٢٣٧٥ و ٢٤٣٧ و ٢٤٣٩ و ٢٤٤٠ و٢٤٤١ و ٢٤٤٢ و ٢٤٤٣ و ٢٤٤٤ و٢٤٤٥ و٢٤٤٦ و٢٤٤٧ و٢٤٤٨ عن جرير بن عبدالله البجلي . ٢٥٦ ابن عبد الرحيم الدهلوي (١) المتوفى سنة ست وسبعين ومئة وألف ، وكذا بأولاده الأمجاد وأولادا ولاده أولي الإرشاد المُشمرين لنشر هذا العلم عن ساق الجد والاجتهاد . فعاد بهم علمُ الحديث غضاً طرياً بعدما كان شيئاً فَرِيّاً. وقد نفعَ اللّهُ بهم وبعلومهم كثيراً من عباده المؤمنين ونفى بسعيهم المشكور من فتن الإشراك والبدع ومحدثات الأمور في الدين ما ليس بخاف على أحد من العالمين . فهؤلاء الكرام قد رجحوا علم السنة على غيرها من العلوم وجعلوا الفقهَ كالتابع له والمحكوم ، وجاء تحديثُهم حيث يرتضيه أهلُ الرواية ويبغيه أصحاب الدراية شهدت بذلك كتبهم وفتاواهم ونطقت به زُبُرهم (٣) ووصاياهم ومن كان يرتاب في ذلك فليرجع إلى ما هنالك. فعلى الهند وأهلها شكرُهم ما دامت الهند وأهلها : مَنْ زَارَ بَابَكَ لم تَبْرَحْ جوارِحُه تروي أحاديث ما أوليتَ من منْنٍ فالعينُ عن قُرَّةٍ والكفّ عن وصلةٍ والقلبُ عن جابرٍ والسمع عن حسّن ثم اليوم لم يبق في تلك العصابة أيضاً من يُرجع في الحديث إليه أو يُحَوّل في أمر الدين عليه بيد ثنائهم الجليل وذكرهم الجميل : ولا شيء يدوم فكن حديثاً جميل الذكر فالدنيا حديثُ وأما إتقان هذا العلم في غيرهم من بيوت الهند فلم أحط به خبراً ولا سمعت له ذكراً ولكنّ الناس اليوم قد غَلَوْا في أمرهم وتفوهوا في شأنهم بما لا يليق بهم فلنذكرههنا من طريقتهم ما تتضح به حقيقة الأمر . وهو هذا أن الشاه ولي الله المحدث الدهلوي قد بنى طريقته على عرض المجتهدات على السنّة والكتاب وتطبيق الفقهيات بهما في كل باب وقبول ما يوافقهما من ذلك ورد ما لا يوافقهما كائناً ما كان ومن كان وهذا هو (١) تقدمت ترجمته . (٢) جمع زَبور ، وهو الكتاب أيضا . ٢٥٧ الحطة - ١٧ الحق الذي لا محيص عنه ولا مصير إلاّ إليه . وكذا ابن ابنه المولى محمد إسماعيل الشهيد (١) اقتفى أثر جده في قوله وفعله جميعاً ، وتمم ما ابتدأه جدّه وأدى ما كان عليه، وبقي ما كان له . والله تعالى مجازيه على صوالح الأعمال وقواطع الأقوال وصحاح الأحوال ولم يكن ليخترع طريقاً جديداً في الإسلام كما يزعم الجُهال وقد قال تعالى: ( مَا كَانَ لِبَشَرِ أنْ يُؤْتِيَهَ اللهُ الكتابَ والحُكْمَ وَالنّبُوَّةَ ثُمّ يقول للناس كُونُوا عِبَاداً لي مِنْ دُونِ اللّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَانِيّيْنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلَمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُون) (آل عمران: ٧٩). وطريقه هذا كُلّه مذهب حنفي وشرْعَةٌ حَقّةٌ مضى عليها السلف والخلف الصلحاء من العجم والعرب العَرْباء ، ولم يختلف فيه اثنان ممن قلبُه مطمئنٌ بالإيمان كما لا يخفى على مَنْ مارَسَ كُتُبَ الدين وصحب أهلَ الإيقان ، كيف وقد ثبت في محله أن الرجل العامل بظواهر الكتاب وواضحات السنة أو بقول إمامٍ آخرَ غير إمامه الذي يقلده لا يخرج عن كونه متمذهباً بمذهب إمامه كما يعتقده جهلة المتفقهة (٢) ويتفوه به الفقهاء (١) وهو المتوفى سنة ١٢٤٧ ترجمه المصنف رحمه الله في ((أبجد العلوم)) ٢٤٦/٣ والزركلي في ((الاعلام)) ٣٨/٦ وكحالة في ((معجم المؤلفين)) ٥٨/٩ (٢) قال الامام اللكنوي رحمه الله وهو معاصر المصنف في ((الفوائد البهية)) ١١٦ : والى الله المشتكى من جهة زماننا حيث يطعنون على من ترك تقليد إمامه في مسألة واحدة لقوة دليلها ، ويخرجونه عن جماعة مقلديه. ولا عجب منهم فانهم من العوام ، انما العجب ممن يتشبه بالعلماء ويمشي مشيهم كالأنعام . وانظر صفحة ٢١٧ منه . وقال الامام الذهبي رحمه الله في (سير أعلام النبلاء)) ٨١/٨ تعليقا على قول شيخ: ان الامام لمن التزم بتقليده كالنبي مع أمته لا تحل مخالفته، فقال: ((قوله: لا تحل مخالفته : مجرد دعوى ، واجتهاد بلا معرفة ، بل له مخالفة إمامه الى إِمام آخر ، حجته في تلك المسألة أقوى ، لا بل عليه اتباع الدليل فيما تبرهن له ... قلت : ثم ذكر كلاما طويلا رائقا ، فلينظر . ٢٥٨. المتقشفة من أهل الزمان المحرومين من حلاوة الإيمان . وهو رحمه الله تعالى أحيا كثيراً من السنن المُماتات، وأمات عظيماً من الإشراك والمحدثات، حتى نال درجة الشهادة العليا وفاز من بين أقرانهم بالقدح المُعَلَّى (١) وبلغ منتهى أمله وأقصى أجله . ولكنَّ أعداء الله ورسوله تعصبوا في شأنه وشأن أتباعه وأقرانه حتى نسبوا طريقته هذه إلى الشيخ محمد النجدي (٢) ولقّبوهم بالوهابية (٢)، وإنْ كان ذلك لا ينفعهم ولا يجدي لأنه لا يعرف نَجْداً ولا صاحب نجد وما له به ولا بعقائده في كل ما يأتون ويدرون من ذوق ولا وَجْد ، بل هم بيت علم الحنفية وقدوة الملة الحنيفية وأصحاب النفوس الزكية وأهل القلوب القدسية المؤيدة من اللّه الذاهبة إلى اللّه تمسكوا عند فساد الأمة بالحديث والقرآن واعتصموا بحبل الله وعضّوا عليه بتواجذهم كما وصّاهم به رسولُهم ونطق به القرآن فلا يمكن عالم من الدنيا أن يدّعي خلاف ذلك إلاّ شقافاً بما هنالك ، كيف والتقليد اللكذائي الرائج في هذا الزمان الباعث على عداوة أهل التقوى والإيمان . إنما هو بدعة ظهرت بعد انقراض خير القرون والأزمان وغب مضي الأئمة الأربعة المجتهدين ، أحدثها عوام المُقلدة لأنفسهم من دون أن يأذن بها رب العالمين أو خاتم النبيين أو إمام من الأئمة المجتهدين بل هم كانوا على نمط من تقَدّمهم من السّلف (١) أي بالحظ الاوفر . (٢) المتوفى سنة ١٢٠٦ ترجمه المصنف في ((أبجد العلوم)) ١٩٤/٣ وابن بشر في ((عنوان المجد في تاريخ نجد)) ٦/١ و٨٩ والبغدادي في ((هدية العارفين)) ٣٥٠/٢ (٣) انظر لزاما ما قاله الزركلي في ((الاعلام ٢٥٧/٦ عن هذه النسبة وكتاب ((الشيخ محمد عبد الوهاب)) للقاضي أحمد بن حجر آل بوطامي ص ٦٦،٦٥ ٢٥٩. الصالح في هَجْر التقليد وعدم الاعتداد به كما يشهد بدلك تحقيق العلماء الراسخين وكتبهم كـ ((القول المفيد)) (١) و((الإنصاف)) و((عقد الجيد))(٢) و ((إيقاظ الهمم)) (٣) و ((إعلام الموقعين) (٤). قال الإمام محمد بن علي الشوكاني في ((القول المفيد في حكم التقليد)) (٥): وإذا تقرر أن المحدث لهذه المراتب والمبتدع لهذه التقليدات هم جهلة المقلدة فقد عرفت مما تقرر في الأصول أنه لا اعتداد بهم في الإجماع وأن المعتبر في الإجماع إنما هم المجتهدون وحينئذ لم يقل بهذه التقليدات عالم من العلماء المجتهدين . أما قبل حدوثها فظاهر وأما بعد حدوثها فما سمعنا عن مجتهد من المجتهدين أنه سوغ صنيع هؤلاء المقلدة الذين فرَّقُوا دينَ اللّه وخالفوا بين المسلمين بل أكابر العلماء بين منكر لها وساكت عنها سكوت تفبية لمخافة ضررٍ أو فوات نفع كما يكون مثل ذلك كثيراً ، لا سيما من علماء السوء . وكل عالم يعقل أنه لو صرَّح عالمٌ من علماء الإسلام المجتهدين في مدينة من مدائن الإسلام في أيّ محل كان بأن التقليدَ بدعةٌ محدثةٌ لا يجوز الاستمرار عليه ولا الاعتداد به لقام عليه أكثرُ أهلها إن لم يقم عليه كلهم وأنزلوا به من الإهانة والإضرار بماله وبدنه وعرضه ما لا يليق بمن هو دونه ، هذا إذا سَلِمَ من القتل على يد أيّ جاهل من هؤلاء المقلدة ومن يعضدهم من جهة الملوك والأجناد ، فإن طبائعَ الجاهلين لعلم الشريعة متقاربةٌ . وهم من أعداء أهل العلم . ولهذا طبقت هذه البدعة جميع البلاد الإسلامية وصارت شاملة لكل فرد من أفراد المسلمين . فالجاهل يعتقد أن (١) الامام الشوكاني (٢) كلاهما للشاه ولي الله الدهلوي . (٣) للشيخ صالح الفلاتي . (٤) للامام ابن قيم الجوزية ، وكلها مطبوعة متداولة . (٥) ص ٢٠ - ٢٤ - الطبعة السلفية وقد تصرف المصنف في النقل كثيرا. ٢٦٠٠