Indexed OCR Text
Pages 201-220
البختري ووهب (١) بن وهب القاضي وسليمان بن عمرو النخعي (٢) وحسين ابن علوان (٣) وإسحاق بن نجيح (٤) وكان غالب شغلهم التذكير والوعظ (٥). فرقة أخرى من أهل الزهد والعبادة والديانة سمعت في المنام والمعاملة أوشيئاً من النبي صلى الله عليه وسلم، أو الأئمة الأطهار، ورووه معتمدين أو على جزم منامهم وصحة معاملتهم مبهماً ، وظنه الناسُ حديثاً بالغاً إليهم من طريق الظاهر واقعاً في نفس الأمر كائناً في الحقيقة . واتهم بهذه العلة أبو عبد الرحمن السّلمي (٦) وغيرُه من المتصوفة الذين لم يكونوا عارفين بمذاق الحديث وأُسقطت رواياتُهم عن حيز الاعتبار في القديم والحديث . فرقة أخرى وضعت الأحاديث من غير تعمد وقصد منهم ، أي : سمعوا كلاماً من صاحب تجربة أو صوفيّ أو حكيم من الحكماء السابقين ، ونسبوه غفلةً وتوهماً إلى سيد المرسلين ظناً منهم أن مثل هذا الكلام المشحون إر بالحكمة لا يصدر إلاّ من معدن النبوة والرسالة ، ولا نهاية هذه الطائفة وقد ابتلي به أكثر العوام والله الموفق والعاصم ، انتهى . قلت: وفي ((الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة)) (٧) بحث (١) كذا في الاصل : كأبي البختري ووهب بن وهب ، فأوهم أنهما اثنان مع انها واحد، فكنيه وهب هي أبو البختري، وانظر ((تاريخ بغداد)) ٤٥٢/١٣ (٢) أطال الذهبي رحمه الله في ((الميزان)) ٢١٦/٢ - ٢١٨ الكلام عليه. (٣) (المجروحين) لابن حبان ٢٤٤/١ و((الميزان)) ٥٤٢/١ (٤) (( الميزان)) ٢٠٠/١-٢٠٢ (٥) انظر لزاما ((تحذير الخواص من أحاديث القصاص)) ٢٢٠ - ٢٣٤ للإمام السيوطي . (٦) ميزان الاعتدال)) ٣/ ٥٢٣ - ٥٢٤ و((لسان الميزان)) ١٤٠/٥ - ١٤١ (٧. للامام الشوكاني رحمه الله، وقد حققه وعلق عليه العلامة المعلمي اليماني رحمه الله ، وطبع في مصر سنة ١٣٨٠ هـ ، ثم طبع غير مرة والبحث الذي اشار اليه المصنف رحمه الله ، في ص ٤٢٦ - ٤٢٧ منه والمؤلف رحمه الله نقله بتمامه . ٢٠١ ثالث في ذكر الوضاعين المشهورين المكثرين من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال ابن الجوزي (١) : الوضاءون خلق كثير فمن كبارهم وهب بن وهب يعني القاضي أبو البختري قاضي الرشيد ومحمد ابن السائب الكلبي ومحمد بن سعيد الشامي المصلوب وأبو داود النخعي وإسحاق بن نجيح السلطي وغياث بن إبراهيم والمغيرة بن سعيد الكوفي وأحمد بن عبد الله الجُويباري ومأمون ( بن) أحمد الهروي ومحمد بن عكاشة الكرماني ومحمد بن القاسم الطالقاني (٢) ومحمد بن زياد اليشكري (٢)، انتهى . وقال النسائي (٤): والكذابون المعروفون بالوضع أربعة: ابن أبي يحيى بالمدينة ، والواقدي ببغداد ، ومقاتل بن سليمان بخراسان ، ومحمد بن سعيد المصلوب بالشام . قيل : وضع الجويباري وابن عكاشة ومحمد بن تميم الفاريابي (٥) أكثر من عشرة آلاف حديث، فخلق الله علماء يذبون ويوضحون الصحيح ويفضحون القبيح فهم حراس الأرض وفرسان الدين كثرهم الله تعالى إلى يوم القيامة . .(١) في ((الموضوعات)) ٤٧/١ (٢) كذا الأصل، وهو خطأ، وتحرف في ((الموضوعات)) الى: الكانكاني. وقد ورد على الصواب في ((الفوائد المجموعة)) وهو: الكايكاني، وهي نسبة الى بليدة بنواحي بلخ اسمها: ((الكايكان))، وانظر ((الانساب)) ١٨٦/٨ وترجمته في ((الميزان)) ١١/٤ و((المجروحين)) ٣٠٤/٢ (٣) تراجمهم في (المجروحين)) و((الميزان)) و((اللسان)) وغيرها من الكتب التي تذكر عادة الكذابين والمتروكين . (٤) (( الميزان)) ٥٦٢/٣ (٥) تحرف في ((الفوائد المجموعة)) الى: الفارقاني، وما هنا هو الصواب، وانظر ترجمته في ((الميزان)) ٤٩٤/٣، وهذه النسبة الى بلد في خراسان وانظر: (( الانساب)) ٢٢٣/٩ ٢٠٢ قال ابن الجوزي (١): إن من وقع في حديثه الموضوع والكذب والقلب أنواع : مَن غلب عليهم الزهد فغفلوا عن الحفظ ، ومنهم من ضاعت كتبه فحدث من حفظه فغلط ، ومنهم قوم ثقات لكن اختلطت عقولهم في أواخر أعمارهم . ومنهم من روى الخطأ سهواً فلما تبين له الصواب لم يرجع إليه أنّفة من أن يُنسَّبَ إلى الغلط . منهم زنادقة وضعوا لقصد إفساد الشريعة وإيقاع الشك والتلاعب بالدين ، قال حماد بن زيد : وضعت الزنادقة أربعة آلاف حديث . ولما أخذ ابن أبي العوجاء ليضرب عنقه ، قال : وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرَّم فيها الحلال وأحل الحرام . ومنهم من يضع نصرة لمذهبه ، تاب رجل من المبتدعة فجعل يقول : انظروا عمن تأخذون هذا الحديث ، فإنا كنا إذا هوينا أمراً صيرناه حديثاً . ومنهم من يضع حِسْبةً ترغيباً وترهيباً ، ومضمون فعلهم أن الشريعة ناقصة" تحتاج إلى تتمة . ومنهم من أجاز وضع الأسانيد لكلام حسن . ومنهم من قصد التقرب إلى السلطان . ومنهم القصاص لأنهم يروون أحاديث ترقق وتنفق (٢)، وفي الصحاح يقل (٣) مثل ذلك، ثم إن الحفظ شق عليهم وتنفق (٤) عدم الدين ويحضرهم جهال وما أكثر ما تعرض علي أحاديث في مجلس الوعظ قد ذكرها قصاص الزمان فأردها فيحقدون عليّ ، انتھی. (١) المصنف رحمه الله ينقل هنا عن الشوكاني في ((الفوائد))، وهذا الاخير ينقل من الموضوعات ٣٥/١ - ٤٤ لكنه يتصرف تصرفا كبيرا . (٢) في ((الموضوعات)): تثقف. (٣) تحرف في ((الأصل)) الى: نقل، بالنون، وما أثبتنا هو الصواب الموافق لما في ((الموضوعات)) و((الفوائد)). (٤) كذا في ((الاصل))، وفي ((الموضوعات)) و((الفوائد)): ويتفق. ٢٠٣ ومن أسباب الوضع : ما يقع ممن لا دين له عند المناظرة في المجامع من الاستدلال على ما يقوله كما (١) يطابق هواه تنفيقاً لجلاله (٢) وتقويماً لمقاله واستطالة على خصمه ومجيبه (٢) للغلب وطلباً للرئاسة وفراراً من الفضيحة إذا ظهر عليه من المناظرة (٤). ومن أسبابه (٥) تنفيق المدعي للعلم لنفسه على من يتكلم عنده إذا عرض البحث عن حديث . ووقع السؤال عن كونه صحيحاً أو ضعيفاً أو موضوعاً فيقول : من كان في دينه رقة ، وفي علمه دغل (٦) : هذا الحديث أخرجه فلان وصححه فلان ، وينسب ذلك إلى مؤلفات يقل وجودها يظهر (٧) للأمة بأنه قد اطلع على ما لم يطلعها(٨) عليه وعرف ما لم يعرفوه . وربما لم يكن قد قرع سمعه ذلك اللفظُ المسؤل عنه قبل هذه المرة . فإن هذا نوع من أنواع الوضع، وشُعبةٌ من شُعَبٍ الكذب . وقد يسمعه من لم يقف على حقيقة حاله فيعتقد صحة ذلك . وينب ذلك الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: رواه فلان وصححه فلان كما قال ذلك المخذول ، انتهى . قال السيد الشريف (٩) : والواضعون للحديث أصناف: وأعظمهم ضرراً من انتسب إلى الزهد فوضع احتساباً . ووضعت الزنادقة أيضاً جملاً ثم نهضت جهابذة الحديث بكشف عوارها ومحو عارها (١٠) ولله الحمد ، انتهى . (١) في ((الفوائد)): بما . (٢) في ((الفوائد)): لجداله، وهو الصواب . (٣) في ((الفوائد)): ومحبة، وهو الصواب. (٤) في ((الفوائد)): يناظره ، وهو الصواب. (٥) سقطت من المطبوع من ((الفوائد))، فلتستدرك عليه . (٦) أي : الفساد . (٧): كذا الاصل، وفي ((الفوائد)): تظهراً، ولعل الصواب: تظاهراً. (٨) في ((الفوائد)): يطلعوا، وهو الصواب. (٩) (( ظفر الاماني)) ٣٥١ - ٣٥٤. (١٠) كذا الاصل، وفي ((ظفر الاماني)): ومحوها. ٢٠٤. قال مسلم في ((صحيحه)) (١): قال يحيى بن سعيد: لم نرَ الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث ، وفي رواية: لم نرَ أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث . قال مسلم : يقول : يجري الكذب على لسانهم ولا يتعمدون الكذب ، انتهى . قلت : والكتب المصنفة في ضبط الأحاديث الموضوعة كثيرة وأجمعها وأحسنها ((الفوائد المجموعة)) (٢) للإمام تاج الإسلام محمد بن علي الشوكاني قال فيه (٣): فمن كان عنده هذا الكتاب فقد كان عنده جميع مصنفات المصنفين في الموضوعات مع زيادات وقفت عليها في كتب الجرح والتعديل وتراجم رجال الرواية وتخريجات المخرجين وتصنيفات المحققين ، انتهى . (١) في ((المقدمة)) ١٧ - ١٨. (٢) وقد تكلم عليه المصنف رحمه الله بما يشبه كلامه هنا في كتابه («اتحاف النبلاء)» ص ١٨ . (٣) ((الفوائد المجموعة)) ص ٤. ٢٠٥ الباب الثالث في طبقات كتب الحديث وذكر الاحاديث المحتج بها في الاحكام الشرعية وانواع ضبط الحديث وتحمل الحديث وتعريف المحدث وما يتصل بذلك وفيه فصول : الفصل الأول : في طبقات كتب الحديث : اعلم أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الشرائع والأحكام إلاّ خبرَ النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف المصالح ، فإنها قد تُدرك بالتجربة والنظر الصادق والحدس ونحو ذلك . ولا سبيل لنا إلى معرفة أخباره صلى اللّه عليه وسلم إلاّ تلقي الروايات المنتهية إليه بالاتصال والعنعنة سواء كانت من لفظه صلى الله عليه وسلم أو كانت أحاديثَ موقوفةٌ قد صحت الروايةُ بها عن جماعة من الصحابة والتابعين بحيث يَبْعُدُ إقدامُهم على الجزم بمثله لولا النصّ والإشارةُ من الشارع فمثل ذلك رواية عنه صلى الله عليه وسلم دلالة . وتلقي تلك الروايات لا سبيل إليه في يومنا هذا إلاّ تتبع الكتب المدونة في علم الحديث ، فإنه لا يوجد اليوم رواية يعتمد عليها غير مدونة . ٢٠٦ وكتب الحديث على طبقات مختلفة ومنازل متباينة . فوجب الاعتناء بمعرفة صفات كتب الحديث . فنقول : هي باعتبار الصحة والشهرة على أربع طبقات ، وذلك لأن أعلى أقسام الحديث ما ثبت بالتواتر (١) وأجمعت الأمة على قبوله والعمل به . ثم ما استفاض (٢) من طرق متعددة لا يبقى معها شبهة يُعتد بها واتفَقَ على العمل به جمهورُ فقهاء الأمصار ، أو لم يختلف فيه علماء الحرمين خاصة ، فإن الحرمين محلّ الفقهاء الراشدين في القرون الأولى ومحطّ رحال العلماء طبقة بعد طبقة يبعد أن يسلموا منهم الخطأ الظاهر ، أو كان قولاً مشهوراً (٣) معمولاً به في قطر عظيم مروياً عن جماعة عظيمة من الصحابة والتابعين ، ثم ما صَحَّ أو حَسُنَ سندُه وشَهِدَ به علماءُ الحديث ولم يكن قولاً متروكاً لم يذهب إليه أحد من الأمة ، أما ما كان ضعيفاً ( أو ) موضوعاً أو منقطعاً (٤) أو مقلوباً في سنده أو متنه (٥)، أو من رواية المجاهيل (٦)، أو مخالفاً لما أجمع (٧) عليه السلف طبقة بعد طبقة فلا سبيل إلى القول به . (١) المتواتر هو الحديث الذي رواه جمع كثير يؤمن تواطؤهم -أي توافقهم- على الكذب ، عن مثلهم ، إلى انتهاء السند ، وكان مستندهم الحس .. وانظر: ((تدريب الراوي)) ١٧٦/٢ . (٢) المستفيض هو الحديث ذو الطرق المحصورة بأكثر من اثنين ، ولم يبلغ حد التواتر سمي بذلك لانتشاره ، من فاض الماء يفيض فيضا : وانظر ((التدريب)) ١٧٣/٢ . (٣) جمهور العلماء لم يفرق بينه وبين المستفيض، وانظر التعليق السابق. (٤) انظر التعليق ص ٩١ هامش - ١ - (٥) هو الحديث الذي أبدل فيه رأويه شيئا بآخر ، في السند أو المتن ، سهوا أو عمدا وانظر ((التدريب)) ٢٩١/١. (1 هو الراوي الذي لم يرو عنه الا راو واحد، ولم يعدل ولم يجرح، وانظر ((الكفاية في علم الرواية)) ٨٨ للخطيب البغدادي . (٧) انظر الكلام على الاجماع وحجيته في ((نهاية السول)) للبيضاوي ٨٥١/٣ - ٨٨١ ٠ ٢٠٧ فالصحةُ أن يشترطَ مؤلفُ الكتاب على نفسه إيرادَ ما صَحَّ أو حسُنَّ غير مقلوب ولا شاذ ولا ضعيف إلاّ مَعَ بيان حاله ، فإن إيراد الضعيف مع (١) بيان حاله لا يقدح في الكتاب . والشهرة أن تكون الأحاديث المذكورة فيها دائرة على ألسنة المحدثين قبل تدوينها وبعد تدوينها فيكون أئمة الحديث قبل المؤلف رَوَوْها بطرق شتى وأوردوها في مسانيدهم ومجاميعهم ، وبعد المؤلف اشتغلوا برواية الكتاب وحفظه ، وكشف مشكله وشرح غريه وبيان إعرابه وتخريج طرق أحاديثه واستنباط فقهها والفحص عن أحوال رواتها طبقة بعد طبقة إلى يومنا هذا ، حتى لا يبقى شيء مما يتعلق به غير مبحوث عنه إلاّ ما شاء اللّه . ويكون نقاد الحديث قبل المصنف وبعده وافقوه في القول بها وحكموا بصحتها وارتضوا رأيَ المصنف فيها وتلقّوْا كتابه بالمدح والثناء . ويكون أئمة الفقه لا يزالون يستنبطون عنها (٢) ويعتمدون عليها ويعتنون بها ويكون العامة لا يخلون عن اعتقادها وتعظيمها . وبالجملة فإذا اجتمعت هاتان الخصلتان كملا في كتاب كان من الطبقة الأولى ثم ، وثم وإن فقدتا رأساً لم يكن له اعتبار . وما كان أعلى حد في الطبقة الأولى فإنه يصل إلى الاستفاضة ثم إلى الصحة القطعية - أعني القطع المأخوذ في علم الحديث المفيد للعمل - والطبقة الثانية إلى الاستفاضة أو الصحة القطعية أو الظنية وهكذا يزال(٣) الأمر . فالطبقة الأولى : منحصرة بالاستقراء في ثلاثة كتب (( الموطأ)) وصحيح (١) في هامش الاصل تعليق بقلم المصنف رحمه الله ننقله بتمامه: أي من الضعف والغرابة والعلة والشذوذ ، لان ايراد الحديث الضعيف والغريب والمعلول والشاذ مع بيان حاله ، ليس بقادح في شيء . (٢) كذا الاصل ، والجادة : منها . (٣) كذا الأصل، وفي ((حجة اللـه البالغة)) ٣٢/١: ينزل. ١٢٠٨ البخاري)) و((صحيح مسلم)). قال الشافعي (١) رحمه الله تعالى: أصح الكتب بعد كتاب اللّه موطأ مالك . وقد اتفق أهل الحديث على أن جميع ما فيه صحيح على رأي مالك ومن وافقه . وأما على رأي غيره فليس فيه مرسل ولا منقطع إلاّ قد اتصل السند به من طرق أخرى فلا جرم أنها صحيحة من هذا الوجه . وقد صنف في زمان مالك موطآت كثيرة في تخريج أحاديثه ووصل منقطعه مثل كتاب ابن أبي ذؤيب (٢) وابن عيينة والثوري ومعمر وغيرهم ممن شارك في الشيوخ (٣). وقد رواه عن مالك بغير واسط أكثر من ألف رجل (٤). وقد ضرب الناس فيه أكباد الإبل إلى مالك من أقاصي البلاد كما كان النبي صلى الله عليه وسلم ذكره في حديثه (٥) . فمنهم المبرة ون من الفقهاء كالشافعي رحمه اللّه تعالى ومحمد بن الحسن وابن وهب وابن القاسم . ومنهم تحارير المحدثين كيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الرزاق . ومنهم الملوك والأمراء كالرشيد وابنيه . وقد اشتهر في عصره ، حتى بلغ إلى جميع ديار الإسلام، ثم لم يأت زمان إلاّ وهو أكثر (١) ((كشف الغطاء في فضل الموطأ)) ص ١١ لابن عساكر . (١ تحريف، صوابه: ابن أبي ذئب، واسمه محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، المتوفى سنة ١٥٩ ترجمته في ((تاريخ بغداد)) ٢٩٦/٢، و ((وفيات الاعيان)) ١٨٣/٤ و((التذكرة)) ١٩١/١. (٣) انظر ((تدريب الراوي)) ٨٩/١. (٤) ((تنوير الحوالك شرح موطأ مالك)) ٩/١، ١٠. (٥) يشير الى الحديث الذي أخرجه أحمد ٢٩٩/٢ والترمذي ٦٨٢ وابن حبان ٢٣٠٨ والحاكم ٩١/١، والبيهقي ٣٨٦/١ كلهم من حديث سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليضربن الناس أكباد الابل في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة)) ورجاله ثقات ، الا أن ابن جريج وأبا الزبير مدلسان ، وقد عنعنا ، فالحديث ضعيف . ٢٠٩ الحطة - ١٤ له شهرة وأقوى به عناية وعليه بنى فقهاء الأمصار مذاهبهم حتى أهل العراق في بعض أمرهم . ولم يزل العلماء يُخرجون أحاديثه ويذكرون متابعاته وشواهده ويشرحون غريبه ويضبطون مشكله ويبحثون عن فقهه ويفتشون عن رجاله إلى غاية ليس بعدها غاية. وإن شئت الحق الصراح فقس كتاب ((الموطأ)) بكتاب ((الآثار)) (١) لمحمد و ((الأمالي)) (٢) لأبي يوسف تجد بينه وبينهما بعد المشرقين . فهل سمعت أحداً من المحدثين والفقهاء تعرض لهما واعتنى بهما ؟! أما الصحيحان ، فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع (٢) وأنهما متواتران إلى مصنفيهما. وإنه كل من (١) وهو مطبوع قديما . (١) ((كشف الظنون)) ١٦٤/١ . (٣) لكن هذا القول غير مسلم عند المحققين من أهل الحديث، فقد انتقد غير واحد من العلماء عدة أحاديث من الصحيحين ، وللتوسع في معرفة الاقوال في هذه المسألة، انظر كتاب ((الالزامات والتتبع)) للأمام الدار قطني ، وهو من تحقيق الشيخ مقبل بن هادي الوادعي ، يقول في ((مقدمته)) ص ٥ : هذا وقد يكون الحديث ثابتًا لديهما بنزول ، فيخرجان الحديث من طرق أخرى فيها بعض الضعف مع العلو، ويقول: وقد يخرجان للراوي ، وان كان فيه بعض الضعف ، في الشواهد والمتابعات . وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في هدي الساري ٣٨٣ بعد ذكره الاحاديث المنتقدة : وليست كلها قادحة [ يعني العلل ] ، بل أكثرها الجواب عنه ظاهر والقدح فيه مندفع ، وبعضها الجواب عنه محتمل ، واليسير منه في الجواب عنه تعسف (!) . وقال الحافظ في (مقدمة الفتح)) ٣٧٦ عن أحد الاحاديث التي أعلها الدار قطني بالاضطراب قلت : هو كما قال، وعلته ظاهرة ، والجواب عنه فيه تكلف وتعسف. ويقول الإمام النووي رحمه الله في ((شرح مسلم)) ص ٢٧ - المقدمة بعد ذكره من استدرك على الشيخين ، قال : وفيه ما يلزمهما ، وقد أجيب عن كل ذلك أو أكثره ، وقال في ١٢٣/٤ بعد ذكره لزيادة وردت ٢١٠. يُهَوّنُ أمرَهما فهو مبتدع، متبعٌ غيرَ سبيل المؤمنين . وإن شئت الحق الصراح فقسهما بكتاب ابن أبي شيبة (١)، وكتاب الطحاوي (٢) ، ومسند الخوارزمي (٣)، وغيرها، تجد بينها وبينهما بُعْدَ المشرقين. وقد استدرك الحاكم (٤) عليهما أحاديث هي على شرطهما ولم يذكراها . وقد تتبعت ما استدركه فوجدته قد أصاب من وجه ولم يصب من وجه . وذلك لأنه وجد أحاديث مروية عن رجال الشيخين بشرطهما في الصحة والاتصال فاتجه استدراكه عليهما من هذا الوجه ولكن الشيخين لا يذكران إلاّ حديثاً قد تناظر فيه مشايخهما وأجمعوا على القول به والتصحيح له كما أشار مسلم (٥) حيث قال : لم أذكرها هنا إلاّ ما أجمعوا عليه . وجل ما تفرد به ((المستدرك)) كالمُوْكى(٦) عليه المخفيِّ مكانُه في = في بعض الاحاديث وقد انتقدها الدار قطني ، وبعد ذكره من ضعفها أيضا : واجماع هؤلاء الحفاظ على تضعيفها مقدم على تصحيح مسلم .. وفد حفقت أخيرا ((جزء علل الاحاديث في صحيح مسلم)) للحافظ ابن عمار الشهيد ، وهو تحت الطبع في مؤسسة الرسالة فليراجع . قلت : وكما قال الامام الشافعي رحمه الله : أبى الله أن يتم الا نتابه ((مناقب الشافعي))٣٦/٢ للبيهقي و((المقاصد الحسنة))١٥ للسخاوي (١) وهو ((المصنف)) وفد طبع كله بخمسة عشر مجلدا. (٢) وهو (( شرح معاني الآثار)) وطبع طبعات عديدة ، آخرها في مصر بتحقيق محمد زهري النجار في أربعة مجلدات . (٣) وهو ((جامع مسانيد أبي حنيفة)) وطبع في الهند بمجلدين، وأنظر ((كشف الظنون)) ١٦٨٠/٢ - ١٦٨٢ . (٤) في كتابه ((المستدرك على الصحيحين)) وهو مطبوع في الهند بأربعة مجلدات كبار وطبع معه ((مختصره)) للحافظ الذهبي ، لكن كتابه هذا قد أثار جدلا كبيراً بين المحدثين حوله ، لوجود عدد كبير من الاحاديث التي استدركها ليست صحيحة أو حسنة ، فضلا عن أن تكون على شرط الشيخين، حتى قال الامام الذهبي في ((التذكرة)) ١٠٤٢/٤ : وليته لم يصنف (( المستدرك)) فانه غض من فضائله بسوء تصرفه ، وانظر ((طبقات السبكي)) ١٦١/٤ - ١٧١ محققة و((الذهبي ومنهجه .. )) ص ٢٤٨، ٠٢٤٩ (٣٠٤/١ - طبع عبد الباقي). (٥) في ( صحيحه)). (٦) الذي شد على رأسه بخيط، ويريد هنا مستور الحال. ٢١١ زمن مشايخهما . وإن اشتهر أمره من بعد أو ما اختلف المحدثون في رجاله فالشيخان كأساتذتهما، كانا يعتنيان بالبحث عن خصوص الأحاديث في الوصل والانقطاع وغير ذلك حتى يتضح الحال . والحاكم يعتمد في الأكثر (على قواعد مُخرجة)(١) مخرَّجة من صنائعهم كقوله: زيادة الثقات مقبولة (٢) . وإذا اختلف الناس في الوصل والإرسال والوقف والرفع وغير ذلك فالذي حَفِظَ الزيادة حجةٌ على من لم يحفظ . والحق أنه كثيراً ما يدخل الخلل في الحفاظ من قِبَلٍ رفع الموقوف ووصل المنقطع لا سيما عند رغبتهم في المتصل المرفوع وتنويههم به . فالشيخان لا يقولان بكثير مما يقوله الحاكم . والله أعلم . وهذه الكتب الثلاثة التي اعتنى القاضي عياض في ((المشارق)) (٣) بضبط مُشْكلها وَرَدّ تَصْحِيفها. الطبقة الثانية: كتب لم تبلغ ((الموطأ)) و((الصحيحين))(٤)، ولكنها تتلوها ، كان مصنفوها معروفين بالوثوق والعدالة والحفظ والتبحر في فنون الحديث ولم يرضوا في كتبهم هذه بالتساهل فيما اشترطوا على أنفسهم فتلقاها مَنْ بَعْدَهم بالقَبول . واعتنى بها المحدثون والفقهاءُ طبقة بعد طبقة . واشتهرت فيما بين الناس وتعلق بها القوم شرحاً لغريبها وفحصاً عن رجالها واستنباطاً لفقهها . وعلى تلك الأحاديث بناء عامة العلوم كسنن أبي داود ((وجامع الترمذي)» (١) سقطت من الأصل، واستدركتها من ((حجة الله البالغة)) ١٣٤/١. (٢) وفي قبولها تفصيل بينه العلماء، وانظر ((علوم الحديث )) ٧٤ ، ٧٧ و ( تدريب الراوي)) ٢١١/١، ٢٤٥. (٣) واسمه ((مشارق الأنوار على صحاح الاثار)) نشرته المكتبة العتيقة في تونس ، ودار التراث في القاهرة ، ويقع في جزءين . (٤) سيأتي الكلام عليها في الباب الرابع ان شاء الله. ٢١٢ و ((مجتبى النسائي)). وهذه الكتب مع الطبقة الأولى اعتنى بأحاديثها رزين في ((تجريد الصحاح)) (١) وابن الأثير في ((جامع الأصول)). وكاد مسند أحمد يكون من جملة هذه الطبقة ، فإن الإمام أحمد جعله أصلاً يعرف به الصحيح والسقيم ، قال: ما ليس فيه فلا تقبلوه. هكذا في ((حجة الله البالغة)) (٢). وقال نجله المولى عبد العزيز الدهلوي: في ((مسند)) أحمد كثير من ضعاف الأحاديث لم يبين الإمام حاله (٣) ، لكن الضعيف الذي فيه يحسن من كثير حديث مما يصححه المتأخرون . وقد جعل علماء الحديث والفقه ((المسند)) المذكور أسوتهم في هذا الشأن. وفي الحقيقة هو ركن عظيم في هذا الفن وكذا ينبغي عد ابن ماجه في هذه الطبقة وإن كان بعض أحاديثها في غاية الضعف. انتهى . ولم يعد ابن الأثير ابن ماجه في ((الصحاح)) وجعل سادسها ((الموطأ)) والحقّ معه، قال في ((الحجة البالغة)) (٤). الطبقة الثالثة مسانيد وجوامع ومصنفات صُنّفَت - قبل البخاري ومسلم وفي زمانهما ، وبعدهما - جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف والمعروف والغريب والشاذ والمنكر والخطأ والصواب والثابت والمقلوب. ولم تشتهر في العلماء ذلك الاشتهار وإن زال عنها اسم النكارة المطلقة ولم يتداول ما تفردت به الفقهاء كثير تداول ولم يتفحص عن صحتها وسقمها المحدثون كثير فحص . ومنه ما لم يخدمه لغويّ بشرحٍ ولا فقيهٌ بتطبيقه بمذاهب السلف ولا محدثٌ ببيان مشكله ولا مؤرخ بذكر أسماء رجاله . ولا أريد المتأخرين المتعمقين ، وإنما كلامي في الأئمة المتقدمين من أهل (١) انظر ((كشف الظنون)) ٣٤٥/١ و((مفتاح السعادة)) ١٤٠/٢. (٢) من تصنيفات الامام الدهلوي وانظر ١٣٤/١ منه . (٣) كذا، والجادة : حالها . (٤) في ١٣٤/١ منه بفروق يسيرة . ٢١٣ الحديث ، فهي باقية على استتارها واختفائها وخمولها كمسند أبي يعلى (١) و(مصنف عبد الرزاق)))) (٢) و((مصنف أبي بكر بن أبي شيبة)) و((مسند عبد بن حميد)) (٣) والطيالسي (٤) وكتب البيهقي والطحاوي والطبراني . وكان قصدهم جمع ما وجدوه لا تلخيصه وتهذيبه وتقريبه من العمل. انتهى . قلت : ورجال هذه الكتب بعضُهم موصوفون بالعدالة وبعضُهم مستورون ، وبعضهم مجهول الحال . ولهذا لم تكن أكثر أحاديث هذه الكتب معمولاً بها عند الفقهاء بل انعقد الإجماع على خلافها . وبين هذه الكتب أيضاً تفاوت وتفاضل ، بعضها أقوى من بعض. ومنها ((مسند الشافعي))(*) وسنن ابن ماجه و ((مسند الدارمي)) (٦) وسنن الدارقطني و ((صحيح ابن (١) حققه وخرج أحاديثه الاستاذ ارشاد الحق أثري وهو يعده للطبع في دار العلوم الاثرية -باكستان، وقد طبع منه ثمانية أجزاء اخيرا بتحقيق السيد حسين سليم أسد في دار المأمون للتراث بدمشق . (٢) حققه الشيخ حبيب الرحمن الاعظمي، ونشره المجلس العلمي في الهند وطبع في المكتب الاسلامي ببيروت ، وعدد مجلداته أحد عشر مجلدا . (٣) المتوفى سنة ٢٤٩ هـ له ترجمة في ((التذكرة)) ٥٣٤/٢ و((النجوم الزاهرة)) ٣٣٠/٢ و((الشذرات)) ١٢٠/٢، ولم يبق من مسنده الا ((المنتخب من المسند)) وقد نمي الينا ان الشيخ صبحي السامرائي قد دفعه للطبع محققا وانظر ((تاريخ التراث العربي)) ٣٠٣/١ و((الاعلام)) ٢٦٩/٣. ثم طبع الجزء الاول منه بتحقيق مصطفى العدوي . (٤) وقد طبع ((مسنده)) في حيدر آباد الدكن سنة ١٣٢١ وأعاد طبعه الشيخ عبد الرحمن الساعاتي مرتبا على أبواب الفقه في مصر سنة ١٣٧٢ هـ باسم: ((منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود)) وقد ذيله بشرح مختصر سماه: ((التعليق المحمود على منحة المعبود)). (٥) انظر ((كشف الظنون)) ١٦٨٣/٢ وقد طبع كتابه بترتيب الامام السندي وقد رتبه وشرحه الشيخ الساعاتي في كتابه ((بدائع المنن في ترتيب مسند الشافعي والسنن)) وهما مطبوعان . (٦) انظر ((كشف الظنون)) ١٦٨٢/٢ - ١٦٨٣ وطبع كتابه عدة طبعات آخرها الطبعة التي اعتنى بها الشيخ عبدالله هاشم اليماني وطبعها في المدينة المنورة ولا نعلم له شرحا سوى ((الحل المدلل على الدارمي)) للشيخ محمد نعيم عطاء وقد طبع النصف الاول منه في لكنو مام ١٣٢٢ هـ، وانظر ((تاريخ التراث العربي)) ٣٠٦/١ ٢١٤ حبان)) (١) و ((مستدرك)) الحاكم. هكذا قال المولى عبد العزيز الدهلوي. وهذا تأويل ما قاله الشيخ عبد الحق الدهلوي رحمه الله تعالى (٢): الأحاديث الصحيحة لم تنحصر في صحيح البخاري ومسلم ولم يستوعبا الصحاح كلها بل هما منحصران في الصحاح ، والصحاح التي عندهما على شرطهما أيضاً لم يورداهما في كتابيهما فضلاً عما عند غيرهما ، قال البخاري (٢): ما أوردت في كتابي هذا إلاّ ما صح ، ولقد تركت كثيراً من الصحاح (٤). وقال مسلم (٥) : الذي أوردت في هذا الكتاب من الأحاديث صحيح ولا أقول إن ما تركت ضعيف ، لا بد أن يكون في هذا الترك والإتيان وجه تخصيص الإيراد والترك إما من جهة الصحة أو من جهة مقاصد أُخر . والحاكم أبو عبد الله النيسابوري صنف كتاباً سماه (المستدرك) يعني .(١) وهو ((المسند الصحيح على التقاسيم والانواع)) ولم يبق منه الا قطعا مخطوطة مفرقة، انظرها في ((تاريخ التراث العربي)) ٤٧٢/١ وقد طبع كتاب (( موارد الظمآن الى زوائد ابن حبان)) وهي زوايده على الصحيحين من تأليف العلامة الحافظ نور الدين الهيثمي بتحقيق وتعليق الشيخ عبد الرزاق حمزة في المطبعة السلفية - مصر ، وقد رتبه الامام علي بن بلبان الفارسي على طريقة الجوامع بكتاب اسمه ((الاحسان في تقريب صحيح ابن حبان)) وقد حقق المجلد الاول منه العلامة الشيخ احمد محمد شاكر رحمه الله وقدم له بمقدمة ضافية ، وطبع هذا المجلد في دار المعارف سنة ١٩٥٣ ومات قبل أن يكمله ، وقام الشيخ عبد الرحمن محمد عثمان باصدار ثلاثة أجزاء منه ، طبع المكتبة السلفية - المدينة المنورة سنة ١٩٧١، ولم يكمله ، وقد تصدى أخيرا لتحقيقه وتخريج أحاديثه وحل غوامضه ، والتعليق على غرائبه الشيخ شعيب الارناؤوط. وقد صدر منه مجلدان والباقي قد بوشر بتحقيقها وبعضها تحت الطبع . (٢) من ((مقدمته)) لكتاب ((لمعات التنقيح شرح مشكاة المصابيح)) ص ٧ طبع الباكستان سنة ١٣٩٤ (٣) ((طبقات الحنابلة)) ٢٧٥/١ و((تاريخ بغداد)) ٩/٢ و((طبقات السبكى)) ٢٢١/٢ _ محققة (٤) وتتمتها: ((كي لا يطول الكتاب)). (٥) انظر ((سير أعلام النبلاء)) ٥٧١/١٢ ١٢١٥ ان ما تركه البخاري ومسلم من الصحاح أورده في هذا الكتاب ، وتلافى واستدرك بعضها على شرط الشيخين وبعضها على شرط أحدهما ، وبعضها على غير شرطهما . وقال (١): إن البخاري ومسلماً لم يحكما بأنه ليس أحاديث صحيحة غير ما خرجاه في هذين الكتابين . وقال : قد حدث في عصرنا هذا فرقة من المبتدعة أطالوا ألسنتهم بالطعن على أئمة الدين بأن مجموع ما صح عندكم من الأحاديث لم يبلغ زهاء عشرة آلاف . ونقل عن البخاري أنه قال (٢): حفظت من الصحاح مئة ألف حديث ومن غير الصحاح مئتي ألف ، والظاهر والله أعلم أنه يريد الصحيح على شرطه ومبلغ ما اورد في هذا الكتاب مع تكرار سبعة آلاف ومئتان وخمس وسبعون حديثاً (٢). وبعد حذف التكرار اربعة آلاف. ولقد صنف الآخرون من الأئمة صحاحاً مثل ((صحيح ابن خزيمة)) (٤) الذي يقال له إمام الأئمة وهو شيخ ابن حبان . وقال ابن حبان في مدحه (٥) : ما رأيت على وجه الأرض أحداً أحسن في صناعة السنن وأحفظ للألفاظ الصحيحة منه كأن السنن والأحاديث كلها نصب عينيه. ومثل ((صحيح ابن حبان)) تلميذ ابن (١) أي الحاكم في ((مستدركه)) ٢/١ والمصنف رحمه الله ينقل عن الامام عبد الحق الدهلوي في (( مقدمته)) ص ٧ (٢) ((تهذيب الأسماء واللغات)) ٦٨/١ و ((هدي الساري)) ٤٨٨ و((سير أعلام النبلاء)) ٤١٥/١٢ (٣) كذا قال، مع أن الإمام النووي رحمه الله، قال في ((تهذيب الاسماء واللغات)) ٧٥/١: جملة ما في ((صحيح البخاري)) من الاحاديث المسندة سبعة آلاف وخمس مئة وثلاثة وسبعون حديثاً بالاحاديث المكررة٧٥٧٣ والعدد الذي نقله المصنف هو من كلام ابن الصلاح في ((مقدمته)) ١٦ وقد رده الحافظ في « هدي الساري )» ٤٦٥ فانظره فيه ، وسيأتي كلام المصنف على ذلك في الفصل الثاني من الباب الرابع ، فانتظره . (٤) والجزء الاكبر من كتابه مفقود ، وقد طبع القسم الموجود منه بتحقيق الدكتور محمد مصطفى الاعظمي ، ومراجعة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بأربعة مجلدات في المكتب الإسلامي - بيروت . (٥) ((سير أعلام النبلاء)) ٣٧٢/١٤ ٢١٦ خزيمة ثقة ثبت فاضل إمام فَهّام . وقال الحاكم (١) : كان ابن حبان من أوعية العلم واللغة والحديث والوعظ وكان من عقلاء الرجال . ومثل ((صحيح الحاكم)) (٢) الحافظ الثقة المسمى بـ ((المستدرك)) وقد تطرق في كتابه هذا التساهل واخذوا عليه وقالوا (٢): ابن خزيمة وابن حبان أمكن وأقوى من الحاكم وأحسن وألطف في الأسانيد والمتون ومثل ((المختارة)) للحافظ ضياء الدين المقدسي (٤). وهو أيضاً خَرَّج صحاحاً ليست في الصحيحين(٥) وقالوا: كتابه أحسن من المستدرك ومثل ((صحيح أبي عوانة)) وابن السكن (٦) و((المنتقى)) لابن الجارود (٧) . وهذه الكتب كلها مختصة بالصحاح ولكن جماعة انتقدوا عليها تعصباً وإنصافاً ، وفوق كل ذي علم عليم ، انتهى . (١) ((معجم البلدان)) ٤١٧/١ (٢) إطلاق لفظ الصحيح على ((المستدرك)) فيه تساهل واضح فلينتبه لذلك . (٣) انظر ((التدريب)) ١٠٥/١ - ١١٠ و((الرسالة المستطرفة)) ١٨ (٤) هو محمد بن عبد الواحد بن أحمد، المتوفى سنة ٦٤٣ ترجمته في ((التذكرة)) ١٤٠٧/٤ و((النجوم الزاهرة)) ٣٥٤/٦ و((الشذرات)) ١٢٨/٥ واسم كتابه ((الاحاديث الجياد المختارة مما ليس في الصحيحين)) ويقع في تسعين جزءا حديثيا . ولم يكمل ، منه مجلدات في الظاهرية وقد بدأ الاستاذ الالباني بتحقيقه منذ زمن يسر الله اتمامه وانظر ((كشف الظنون)) ٢ / ١٦٢٤، ١٦٢٥ و((الاعلام)) ٢٥٥/٦ و((الرسالة المستطرفة )) ١٩ (٥) ((الرسالة المستطرفة)) ١٩-٢٠ (٦) وهو أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد، المتوفى سنة ٣٥٣، ترجمته في ((التذكرة)) ٩٣٧-٩٣٨ و ((تهذيب تاريخ دمشق)) ١٥٤/٦ و ((النجوم الزاهرة)) ٣٣٨/٣ وكتابه مخطوط، وانظر ((تاريخ التراث العربي)) ٤٧١/١ (٧) هو أبو محمد عبدالله بن علي، المتوفى سنة ٣٠٧ ترجمته في: (( سير أعلام النبلاء)) ٢٣٩/١٤ و((التذكرة)) ٧٩٤/٣ و((هدية العارفين)) ٤٤٤/١ وقد طبع كتابه عدة طبعات آخرها التي اعتنى بها الشيخ عبدالله هاشم اليماني المدني، في المدينة المنورة". ٢١٧ وقد أوردت تراجم هذه الكتب وغيرها في ((جنان المتقين)) فليعلم ، قال في ((الحجة البالغة)) (١). والطبقة الرابعة : كتب قصد مصنفوها بعد قرون متطاولة جمع ما لم يوجد في الطبقتين الأوليين كانت في المجاميع والمسانيد المختفية فتوهموا بأمرها وكانت على ألسنة من لم يكتب حديثه المحدثون ككثير من الوعاظ المتشدقين وأهل الأهواء والضعفاء أو كانت من آثار الصحابة والتابعين أو من أخبار بني إسرائيل أو من كلام الحكماء والوعاظ خلطها الرواة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم سهواً أو عمداً أو كانت من محتملات القرآن والحديث الصحيح . فرواها بالمعنى قوم صالحون لا يعرفون غوامض الرواية فجعلوا المعاني احاديث مرفوعةً أو كانت معاني مفهومة من إشارات الكتاب والسنة جعلوها أحاديث مستبدة (٢) برأسها عمداً او كانت جُمَلاً شتى في احاديث مختلفة جعلوها حديثاً واحداً بنسى واحد . ومظنة هذه الأحاديث كتاب ((الضعفاء)) لابن حبان و ((كامل)) (٣) ابن عدي وكتب الخطيب وأبي نعيم والجورقاني وابن عساكر وابن النجار والديلمي . وكاد (((مسند الخوارزمي)) يكون من هذه الطبقة، واصلح هذه الطبقة ما كان ضعيفاً محتملاً واسوأها ما كان موضوعاً أو مقلوباً شديد النكارة . وهذه الطبقة مادة كتاب ((الموضوعات)) لابن الجوزي ، انتهى. قال المولى عبد العزيز الدهلوي : وأحاديث هذه الطبقة التي لم يعلم (١) في ١٣٥/١ منه . (٢) أي مستقلة . (٣) وهو مخطوط ، منه نسخة كاملة في مكتبة أحمد الثالث باستنبول برقم ٢٩٤٣ وقد حقق الاستاذ الشيخ صبحي السامرائي ((مقدمته)) وطبعت في بغداد ، وقد نشر أخيرا في دار الفكر ببيروت نشرة رديئة ، مليئة بالتحريف والتصحيف ، فلا حول ولا قوة الا بالله . ٢١٨ في القرون الأولى اسمها ولا رسمها وتتصدى المتأخرون لروايتها فهي لا تخلو عن أمرين : إما أن السلف تفحصوا عنها ولم يجدوا لها أصلاً حتى يشتغلوا بروايتها . أو وجدوا لها أصلاً ولكن صادفوا فيها قدحاً أو علة موجبة لترك روايتها فتركوها ، وعلى كل حال ليست هذه الأحاديث صالحة للاعتماد عليها حتى يتمسك بها في إثبات عقيدة أو عمل ولنعم ما قال بعض الشيوخ في أمثال هذا : فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم وقد أضلَّ هذا القسمُ من الأحاديث كثيراً من المحدثين عن هج الصواب حيث اغتروا بكثرة طرقها الموجودة في هذه الكتب وحكموا بتواترها وتمسكوا بها في مقام القطع واليقين وأحدثوا مذاهب تخالف أحاديث الطبقتين الأوليين على ثقتها (١) . والكتب المصنفة في أحاديث هذا القسم كثيرة : منها ما ذكر ، ومنها كتاب ((الضعفاء)) (٢) للعقيلي وتصانيف الحاكم وتصانيف ابن مَرْدَوَيْه وتصانيف ابن شاهين (٢) وتفسير ابن جرير و((فردوس)) (٤) الديلمي بل (١) والسبب في هذا هو التساهل في رواية الاحاديث الضعيفة، والاعتماد عليها ، والاستدلال بها ، وقد بينت حكم هذا فيما سبق . (٢) منه نسخة في دار الكتب الظاهرية بدمشق ، رقم ٣٦٢ - حديث . ثم طبع بتحقيق (!) القلعجي ! (٣) هو أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان، المتوفى سنة ٣٨٥، ترجمته في ((تاريخ بغداد)) ٢٦٥/١١ و((التذكرة)) ٩٨٧/٣ و((طبقات القراء)) ٥٨٨/١، انظر الكلام على مصنفاته في ((تاريخ التراث العربي)) ١ / ٥١٦-٥١٧ (٤) توجد نسخ منه في مكتبة مراد ملا ٨٦ وجار الله ٤١٥ ولاله لي ٦٤٨ = ٢١٩ سائر تصانيفه ، وتصانيف أبي الشيخ (١) وغالب المُساهلة ووضع الأحاديث في باب المناقب والمثالب والتفسير وبيان أسباب النزول وباب التأريخ وذكر أحوال بني إسرائيل وقصص الأنبياء السابقين وذكر البلدان والأطعمة والأشربة والحيوانات وفي الطب والرّقى والعزائم والدعوات وثواب النوافل أيضاً وقعت هذه الحادثة ، وقد جعلها ابن الجوزي في (( موضوعاته )) مجروحة مطعونة، وبرهن على وضعها وكذبها. وكتابُ ((تنزيه الشريعة))(٢) يكفي لدفع تلك الغائلة (٣)، ثم المسائل النادرة كإسلام أبوي النبي (٤) صلى الله عليه وسلم وروايات المسح على الرجلين عن ابن عباس (٥) وأمثالها من النوادر أكثرها تخرَّج من هذه الكتب ، حتى إن غالب بضاعة الشيخ جلال الدين السيوطي ورأس ماله في تصنيف الرسائل ونوادرها هي الكتب المشار إليها فالاشتغال بأحاديثها واستنباط الأحكام منها لا طائل تحته . ومع ذلك = في تركيا، وقد اختصره الحافظ ابن حجر في ((تسديد القوس)) منه ثلاث نسخ بدار الكتب المصرية ٢٠٩٩ - حديث، وانظر كتاب « ابن حجر العسقلاني ودراسة مصنفاته ... )) ٣٧٩/١-٣٨٠ ثم طبع الكتاب طبعتين ( !! ) خاليتين من أي عمل علمي معتد به !؟ فلا قوة الا بالله . (١) واسمه عبدالله بن محمد بن جعفر، المتوفى سنة ٢٦٩، ترجمته في ((ذكر أخبار أصبهان)) ٩٠/٢ و((التذكرة)) ٩٤٥ - ٩٤٧و ((النجوم الزاهرة)) ١٣٦/٤، وانظر الكلام على مصنفاته في ((تاريخ التراث العربي)) ٤٩٦/١-٤٩٨ (٢) هو كتاب ((تنزيه الشريعة المرفوعة عن الاخبار الشنيعة الموضوعة)) لابي الحسن علي بن محمد بن عراق ، المتوفى سنة ٩٦٣، ترجمته في ((الشذرات)) ٣٣٧/٨ و((الكواكب السائرة)) ١٩٧/٢ و((الرسالة المستطرفة)) ١١٣ وانظر لضبط اسمه ((الاعلام)) ١٢/٥ وكتابه مطبوع في مجلدين . (٣) الفساد والشر . (٤) وقد انتصر لهذه المسألة وذكر من أمثال هذه الأحاديث الجلال السيوطي والنَّف عدة رسائل في هذا الموضوع، منها رسالة (( مسالك الحنفا في والدي المصطفى)) وقد طبعت ضمن ((الحاوي للفتاوي)) ٢٠٢/٢ - ٢٣٣ وانظر لزاما ((شرح النووي على صحيح مسلم)) ٧٩/٣. (٥) وقد ردها كلها الامام القرطبي في تفسيره ((الجامع لأحكام القرآن)) ٩١/٦-٩٦ ١٢٢٠