Indexed OCR Text

Pages 181-200

وهذا في الغرب، ولم يَطّلع أحدهما على ما وضع الآخر ذكره البقاعي(١).
الفصل الثاني عشر : في علم شرح الحديث (٢) :
وهو من فروع علم الحديث اعتنى العلماء بجمع حديث الأربعين
وشرحه لما روي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (( من حفظ على أمتي
أربعين حديثاً من السنة كنت له شفيعاً يوم القيامة)). وفي رواية: ((من
حمل عني من أمتي أربعين حديثاً من السنّة لفيَ اللّه عز وجل يوم القيامة
فقيهاً عالماً)). وفي رواية: (( من تعلم أربعين حديثاً ابتغاء وجه الله ليعلم
به أمني في حلالهم وحرامهم حشره الله سبحانه وتعالى يوم القيامة عالماً)).
وفي رواية: (( من حفظ على أمتي أربعين حديثاً في أمر دينها بعثه الله تعالى
يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء )). واتفقوا على أنه حديث ضعيف
وإن كَثُّرَت طرقه (٢) .
(١) لعله إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط ، فهو من المشتغلين بالتاريخ
المتوفى سنة ٨٨٥ ترجمته في (الضوء اللامع)) ١٠١/١ و((البدر
الطالع)) ١٩/١ و((الشذرات)) ٣٣٩/٧ .
(٢) (أبجد العلوم)) ٣٣٥/٢ و((كشف الظنون)) ١٠٣٦/٢ و((مفتاح
السعادة)) ٣٧٨:٣٧٧/٢ ٠
(٣) روي من طرق عديدة، منها: عن ابن مسعود عن أبي نعيم في ((الحلية))
١٨٩/٤ والخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) ١١ وفي اسناده
محمد بن عثمان بن أبي شيبة وهو كذاب وذكره الذهبي في ((الميزان))
٥٨٨/٢ و٥٢٦/٣، وعن معاذ عند الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل))
١٧٣ وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) ٤٤/١ وفي اسناده محمدبن
ابراهيم الشامي ، يضع الحديث ، وعن أبي الدرداء رواه ابن حبان في
(( المجروحين)) ١٣٣/٢ وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) ١١٣/١
وفي اسناده عبد الملك بن هارون ، وهو متروك ، وعن أبي هريرة عند
ابن عبد البر في ((جامعه)) ٤٢/١ والرامهرمزي في ((المحدث الفاصل))
١٧٣ وفيه ابن علائة ، لا يحل الاحتجاج به ، وقد روي أيضا عن أبي
أمامة وابن عمر وأنس وجابر ، وعبدالله بن عمرو وغيرهم وكلها
أسانيد تالفة، وانظر لزاما ((العلل المتناهية)) لابن الجوزي ١١١/١-
١٢٢ والتعليق عليه .
وانظر مقدمتي على ((تعظيم المسلم .. )) لابن حجر ففيها فائدة أن شاء الله.
١١٨١

وقد صنف العلماء في هذا الباب ما لا يحصى من المصنفات واختلفت
مقاصدهم في جمعها وتأليفها وترتيبها ، فمنهم من اعتمد على ذكر أحاديث
التوحيد وإثبات الصفات ، ومنهم من قصد ذكر أحاديث الأحكام ، ومنهم
من اقتصر على ما يتعلق بالعبادات ، ومنهم من اختار حديث المواعظ
والرقائق ، ومنهم من قصد إخراج ما صح سنده وسلم من الطعن ، ومنهم
من قصد ما علا إسناده ، ومنهم من أحب تخريج ما طال متنه وظهر لسامعه
حين يسمعه حسنُه ، إلى غير ذلك . وسمى كلُّ واحد منهم كتابَه بكتاب
الأربعين والله أعلم. هكذا في ((كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون))(١)
قلت (١): وقد أوردت نبذة منها في كتابي المسمى بـ ((جنان المتقين)).
وأما شروح غير الأربعينات في علم الحديث على الأمهات الست وغيرها
فهي كثيرة جداً. وسيأتي بيانها عند ذكر الصحاح السنة في هذا الكتاب
إن شاء الله تعالى .
وأما طريقة الشرح وضوابطه فقد أفرده بالتأليف المولى رفيع الدين
الدهلوي(٣) في رسالته المسماة بـ ((التكميل)) وكذا والده المولى وليّ اللّه
المحدث الدهلوي في بعض رسائله وظني أنهما مُنفردان في تدوين هذا العلم،
فإنه علم لم يُسبق إليه ، وما يليقُ ذكرهُ في هذا المقام تقريباً للمرام وتتميماً
للكلام فهو أنَّ أسلوب الشرح على ثلاثة أقسام :
الأول : الشرح بـ ( قوله ) : كشرح البخاري ، لابن حجر ،
(١) في ٥٢/١ ، منه .
(٢) القائل : عبد العزيز الدهلوي .
(٣) توفي سنة ١٢٣٣ هـترجمه المصنف في ((أبجد العلوم)) ٢٤٥/٣ وله
ترجمة في ((معجم المؤلفين)) ١٦٩/٤ واسم كتابه ((تكميل الاذهان))
وقد الفة بالعربية .
١٨٢

والكرماني ، ونحوهما وفي أمثاله لا يلتزم المتن وإنما المقصود ذكر المواضع
المشروحة .
والثاني: الشرح بـ (قال: أقول): كشرح ((المقاصد)) و((الطوالع))
و((العضد)) (١) .
والثالث : الشرح مزجاً ، ويقال : شرح ممزوج ، تُمزج فيه عبارة
المتن والشرح ، ثم يمتاز إما بالميم والشين (٢) وإما بخط يخطه فوق المتن (٢).
وهو طريقة أكثر الشراح المتأخرة من المحققين وغيرهم ، لكنه ليس بمأمون
عن الخلط والغلط .
ثم من شرط الشارح أن يبذل النصرة فيما قد التزم شرحه بقدر الاستطاعة
ويذب عما قد نكفل إيضاحه بما يذب به صاحب تلك الصناعة ليكون
شارحاً غير ناقصٍ وجارحٍ ، ومفسراً غيرَ معترض ، اللهم إلا إذا عثر
على شيء لا يمكن حمله على وجه صحيح، فحينئذ ينبغي أن ينبه عليه بتعريض
أو تصريح متمسكاً بذيل العدل والإنصاف متجنباً عن الغي والاعتساف
لأن الإنسان محل النسيان والقلم ليس بمعصوم من الطغيان ، فكيف بمن
(١) وهي كتب في علم الكلام، وانظر ((كشف الظنون)) ١٧٨٠/٢ و٢/
١١١٦ و((مفتاح السعادة)) ١٨١/٢
(٢) أي: يرمز للمتن بحرف م وللشرح بحرف : ش ، كما فعل الامام
ابن أبي العز الحنفي رحمه الله في رسالته ((الاتباع)) وهي من
مطبوعات المكتبة السلفية - لاهور باكستان بتحقيق شيخنا الاستاذ
محمد عطاء الله حنيف وتعليق أخينا الدكتور عاصم عبدالله القريوتي،
حفظهما الله تعالى ، وغيرها .
(٣) كما في حواشي السهارنفوي على ((صحيح البخاري)) طبع أصح
المطابع - دهلي ، وغيره .
١٨٣

جمع المطالب من محالها المتفرقة (١) .
وليس كلّ كتاب ينقل المصنف عنه سالماً من العيب ، محفوظاً له عن
ظهر الغيب ، حتى يُلام في خطئه ، فينبغي أن يتأدب عن تصريح الطعن
للسلف مطلقاً ويُكّنّ بمثل : قيل : وظن ، ووهم ، واعترض ، وأجيب،
وبعض الشراح ، والمحشي ، أو بعض الشروح والحواشي ، ونحو ذلك
من غير تعيين كما هو دأب الفضلاء من المتأخرين . فإنهم تأنقوا في أسلوب
التحرير وتأدبوا في الرد والاعتراض على المتقدمين بأمثان ما ذكر تنزيهاً لهم
عما يفسد اعتقاد المبتدئين فيهم ، وتعظيماً ، وربما حملوا هفواتهم على
الغلط من الناسخين لا من الراسخين . وإن لم يمكن ذلك قالوا : لأنه لفرط
اهتمامهم بالمباحثة والإفادة لم يفرغوا لتكرير النظر والإعادة ، وأجابوا عن
مز بعضهم بأن ألفاظ كذا وكذا ألفاظ فلان بعبارته بقولهم : إنا لا نعرف
كتاباً ليس فيه ذلك ، فإن تصانيف المتأخرين بل المتقدين لا تخلو عن مثل
ذلك ، لا لعدم الاقتدار على التغيير بل حذراً عن تضييع الزمان فيه وعن
مثالبهم بأنهم عزوا إلى أنفسهم ما ليس لهم بأنه إن اتفق فهو من توارد
الخواطر كما في تعاقب الحوافر على الحوافر. هكذا في ((كشف الظنون)).
واللّهَ دَرّ صاحب ((مشكاة المصابيح)) (٢) حيث قال: فإذا وقفت عليه
فانسب القصور إليّ لقلة الدراية لا إلى جناب الشيخ رفع الله قدره في الدارين
حاشا لله من ذلك، انتهى.
الفصل الثالث عشر : في علم الأدعية والأوراد (٢):
(١) كلام شريف لطيف، يجب أن يقراه بتدبر كل من يتعاطى العلوم
الشرعية ، ليعرف حد نفسه فيقف عندها غير متجاوز قيد أنملة ،
فهذا هو المنهج العلمي في الاخذ والعطاء بين أهل العلم وطلابه ، فتدبر.
(٢) في ٧/١ من طبعة دمشق .
(٣) ((أبجد العلوم)) ٤٧/٢ ٤٨٠ و((كشف الظنون)) ٤٩/١ و((مفتاح
السعادة ٩ ٩٥/١
١٨٤:

وهو علم يبحث فيه عن الأدعية المأثورة والأوراد المشهورة بتصحيحهما
وضبطهما وتصحيح روايتهما وبيان خواصهما وعدد تكرارهما وأوقات
قراءتهما وشرائطهما ومبادئه مبينة في العلوم الشرعية ، والغرض منه :
معرفة تلك الأدعية والأوراد على الوجه المذكور ليُنال باستعمالها الفوائدُ
الدينية والدنيويةُ .
ذكره المولى أبو الخير من فروع علم الحديث ، لما كان استمداد هذا
العلم من كتب علم الحديث . ومن الكتب المصنفة فيه كتاب ((الأذكار ))
للنووي و((الحصن الحصين)) (١) للجزري (٢) و((الورد الأفخم والحزب
الأعظم)) للعلي القاري الهروي المكي (٢) رحمهم الله تعالى وغير ذلك .
الفصل الرابع عشر : علم طب النبي صلى الله عليه وسلم (٤):
وفيه تصانيف لأبي نُعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني المتوفى سنة اثنتين
وثلاثين وأربع مئة ولجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى
سنة إحدى عشرة وتسع مئة . وكتب أبو الحسن علي بن موسى الرضا (٥)
(١) انظر ((كشف الظنون)) ٦٦٩/١
(٢) هو محمد بن محمد بن محمد ، مشهور بابن الجزري، المتوفى سنة
٨٣٣ ترجمته في ((الضوء اللامع)) ٢٥٥/٩ و((غاية النهاية)) ٢٤٧/٢
و ((طبقات الحفاظ)) ٥٤٣
(٣) المتوفى سنة ١٠١٤ هـ ترجمه المصنف في ((اتحاف النبلاء )) ٣٢٥ وله
ترجمة في ((البدر الطالع)) ٤٤٥/١ و (خلاصة الاثر)) ١٨٥/٢
(٤) ((أبجد العلوم)) ٣٦١/٢ و(كشف الظنون)) ١٠٩٥/٢ و((مفتاح
السعادة)) ٣٨٠/٢
(٥) المتوفى سنة ٢٠٣ هـ ترجمته في ((وفيات الاعيان)) ٢٦٩/٣ و((تاريخ
الطبري)) ٢٥١/١٠ و((الشذرات)) ٦/٢
١٨٥

للمأمون رسالة مشتملة عليه والحبيب النيسابوري جمعه أيضاً وابن السني
وعبد الملك بن حبيب أيضاً .
الفصل الخامس عشر : علم متن الحديث (٢):
وهو ما اكتنف الصلب من الحيوان ، فمتن كل شيء ما يتقوم به
ذلك (٣)، فمتن الحديث ألفاظه التي يتَقَوَّم بها المعنى. وله أقسام وأنواع
أعلاها الصحيح وهو ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله وسلم
· عن شذوذ وعلة (٤) وتتفاوت درجات الصحيح بحسب قوة شروطه وضعفها(٥)
وأولُ من صنف في الصحيح المجرد الإمام البخاري ثم مسلم (٦).
وكتابهما أصح الكتب بعد كتاب الله سبحانه وتعانى . وأما قول الشافعي :
(١) هو أحمد بن محمد بن اسحاق المتوفى سنة ٢٦٤ ترجمته في ((التذكره))
٩٢٩/٣ و((طبقات السبكي))٩٦/٢ و((الشذرات)) ٤٧/٢ وكتابه
((النبي)) منه نسخة في مكتبة الفاتح ٢٥٨٥ وانظر ((تاريخ التراث
العربي)) ٤٩/١
(٢) ((ابجد العلوم)) ٤٧٩/٢ و((كشف الظنون)) ١٥٨٥/٢
(٣) انظر ((المنهل الروي في علوم الحديث النبوي)) ٨٠/١ لابن جماعة
و ((تاج العروس)) ٣٤٠/٩ و((لسان العرب)) ٣٩٨/١٢
(٤) (التدريب)) ٦٢/١ و(الباعث)) ٢١ و((علوم الحديث)) ١٠
(٥) في هامش ((الأصل)) فائدة يحسن بنا نقلها :
فان كانت هذه الصفات على وجه الكمال والتمام ، فهو الصحيح
لذاته ، وان كان فيه نوع قصور ووجد ما يجبر ذلك القصور من
كثرة الطرق فهو الصحيح لغيره وان لم يوجد فهر الحسن لذاته ،
ومراتب الصحيح والحسن لذاتهما ولغيرهما أيضا تتفاوت بتفاوت
المراتب والدرجات في كمال الصفات المعتبرة المأخوذة في مفهوميهما مع
وجود الاشتراك في أصل الصحة والحسن ، والقوم ضبطوا مراتب
الصحة وعينوها ، وذكروا أمثلتها من الاسانيد ، وقالوا : اسم العدالة
والضبط يشمل رجالها كلها ، ولكن بعضها فوق بعض ، والتفصيل
في محله .
(٦) انظر ((المنهل الروي)) ١١٦/١ - ١١٧ لابن جماعة.
١٨٦

ما أعلم شيئاً بعد كتاب اللّه أصح من ((موطأ)) مالك (١) ، فقبل وجود
الكتابين .
وأعلى أقسام الصحيح ما اتفقا عليه، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد
به مسلم ، ثم ما كان على شرطهما وإن لم يخرجاه ، ثم ما ( كان ) (٢) على
شرط البخاري ، ثم ما ( كان ) (٢) على شرط مسلم ، ثم ما صححه
غيرُهما من الأئمة . فهذه سبعة أقسام (٢).
والمراد بشرط البخاري ومسلم : أن يكون الرجال مُتّصفين بالصفات
التي تتصف (٤) بها رجال البخاري ومسلم من الضبط والعدالة وعدم الشذوذ
والنكارة والغفلة ، وقيل : المراد بشرطهما رجالها أنفسهم ، والكلام في
هذا يطول ، ذَكَرَهُ الشيخ عبد الحق الدهلوي (٥) في مقدمة شرح ((سفر
السعادة)) (٦) للمجد (٧) صاحب ((الفاموس))، ثم ما حذف سنده
(١) ((كشف المغطًا في فضل الموطأ)) ١٢ لابن عساكر
(٢) زيادة يقتضيها السياق .
(٣) ((المنهل الروي)) ١٢٩/١-١٣٠ و((التدريب)) ١٤٣/١
(٤) كذا الأصل ، ولعل الاظهر: يتصف ، بالياء آخر الحروف .
(٥) المتوفى سنة ١٠٥٢ ترجمه المصنف في ((أبجد العلوم)) ٢٢٨/٣ وله
ترجمة في (( فهرس الفهارس)) ٧٢٥/٢ و ((الاعلام)) ٢٨٠/٣
(٦) وقد طبع ((سفر السعادة)) عام ١٣٤٦ هـ، في المطبعة المنيرية في مصر،
اما شرحه المذكور فلا نعرف له مكانا ، وقد اشار اليه المصنف عند
ترجمته للدهلوي، وأما الكتاني فقال: شرح كتاب ((الصراط المستقيم»
للمجد الفيروزابادي صاحب القاموس! وأشار البغدادي في ((ايضاح
المكنون)) ١٦/١ الى شرح عبد الحق الدهلوي لكتاب ((سفر السعادة))
الذي الفه علم الدين السخاوي ! وليس الفيروزابادي وكل هذا
عجيب !
(٧) هو محمد بن يعقوب بن محمد الفيروزابادي ، المتوفى سنة ٨١٧ ،
ترجمته في (البدر الطالع)) ٢٨٠/٢ و((الضوء اللامع)) ٧٩/١٠
و (( الشقائق النعمانية)) ٣٢/١
١١٨٧

فيهما (١) وهو كثيرٌ في تراجم البخاري(٢)، قليل جداً في كتاب مسلم (٢)،
فما كان منه بصيغة الجزم، نحو : قال فلان ، وفعل، وأمر، وروى.
وذكر - معروفاً - فهو حُكْمٌ بصحته، وما رُوي من ذلك مجهولاً فليس
حكماً بصحته ولكنّ إيراده في كتاب الصحيح مشعر بصحة أصله (٤).
والقسم الثاني منها : الحسن (٥) وهو ما لا يكون في إسناده متهم ولا
يكون شاذاً ويروى من غير وجه نحوه (٦)، وفيه أقوال أُخر ، تصدى
لذكرها أهل أصول الحديث (٧).
والحسن حُجّة كالصحيح . ولذلك أدرج في الصحيح .
(١) وقد اصطلح عليه المحدثون بـ ((المعلق)) وانظر: ((التدريب ))١ /
٢١٩ و((علوم الحديث)) ٦١ و((المنهل الروي)) ١٨٢/١
(٢) حتى كتب الحافظ ابن حجر في تخريجها كتابا سماه ((تغليق التعليق)»
ولخصه في مقدمة ((فتح الباري)) في ٥٢ صفحة كبيرة ، وقد أفردته
- تلبية لرغبة مصنفه ـ بكتاب مفرد أوشكت على الانتهاء منه باسم
(عنوان التحقيق في وصل أحاديث التعليق)).
(٣) بينها الحافظ العراقي في ((التعييد والإيضاح)) ٢٢ - ٢٣ / سلفية.
(٤) يقول الحافظ ابن كثير في ((الباعث)) ٢٤، وحاصل الامر: أن ما
علقه البخاري بصيغة الجزم فصحيح الى من علقه عنه ، ثم النظر
فيما بعد ذلك ، وما كان منها بصيغة التمريض ، فلا يستفاد منها
صحة ، ولا تنافيها أيضا ، لانه قد وقع من ذلك كذلك ، وهو صحيح.
وربما رواه مسلم . فتنبه .
(٥) ((شرح التبصرة والتذكرة)) ٨٥/١ و((فتح المغيث)) ٦٤/١ و ((الخلاصة))
٣٨
(٦) هذا التعريف هو الذي اختاره الامام الترمذي ، وقد ذكره في
كتاب ((العلل)) ٧٥٨/٥ مع السنن طبع أحمد شاكر .
(٧) قال الامام ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) ١٦٨ معلقا على تعريف
الإمام الترمذي : وهذا يشكل عليه ما يقال فيه أنه حسن ، مع أنه
ليس له مخرج ألا من وجه واحد . قلت : وانظر الاقوال الاخرى في
(( الاقتراح)) فقد ناقشها جيدا .
١٨٨

والحسن إذا رُوي من وجه آخر تَرَقّى من الحسن إلى الصحيح (١)
لقوته من الجهتين فيعتضد أحدُهما بالآخر، ونعني بالترقي: أنه مُلحقٌ
في القوة بالصحيح لا أنه عَيْنه .
ثم الضعيف (٢) وهو ما لم تجتمع فيه شروط الصحيح (٣) والحسن ،
وتتفاوت درجاته في الضعف بحسب بُعْدِهِ من شروط الصحة والحسن ،
ويجوز عند العلماء التساهلُ في أسانيد الضعيف دون الموضوع من غير بيان
ضعفه في المواعظ والقصص وفضائل الأعمال (٤) لا في صفات الله تعالى
وأحكام الحلال والحرام .
(١) أي الصحيح لغيره ، وسيوضحه المصنف .
(٢) (( علوم الحديث)) ١١٧ و((الخلاصة)) ٤٤ و((تدريب الراوي))
١٧٩/١
(٣) قال الحافظ العراقي في ((التبصرة والتذكرة)) ١١١/١: ذكر
الصحيح غير محتاج اليه ، لان ما قَصر عن الحسن ، فهو عن الصحيح
أقصر .
(٤) وفي ذلك خلاف قديم ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في
كتابه ((قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة)) ٨٤ _ سلفية:
ولا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الاحاديث الضعيفة التي ليست
صحيحة ولا حسنة ، لكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء ، جوزوا
أن يروى في فضائل الأعمال ، ما لم يعلم أنه ثابت ، اذا لم يعلم أنه
كذب ، وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي وروي في
فضله حديث لا يعلم أنه كذب ، جاز أن يكون الثواب حقا ، ولم يقل
أحد من الأئمة أنه يجوز أن يجعل الشيء واجبا أو مستحبا بحديث
ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الاجماع، وانظر ((مجموع
الفتاوي)) ٦٥/١٨ وقد علق الامام الذهبي في ((تذكرة الحفاظ ))١/
١٣ على كلمة الأمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((حدثوا الناس
بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله)) فقال: فقد زجر
الإمام علي رضي الله عنه عن رواية المنكر ، وحث على التحديث
بالمشهور ، وهذا أصل كثير في الكف عن بث الاشياء الواهية والمنكرة
من الاحاديث في الفضائل والعقائد والرقائق ولا سبيل الى معرفة
هذا من هذا ألا بالامعان في معرفة الرجال والله أعلم .
=
١٨٩

قيل : كان من مذهب النسائي أن يُخَرُّج عن كل من لم يُجْسَع على
تركه (١)، وأبو داود كان يأخذ مأخذَه ويُخَرَّجُ الضعيفَ إذا لم يجد في
الباب غيرَه ، ويرجحه على رأي الرجال (١)، وعن الشَّعْنيّ: ما حدثك
عن النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء فخذ به ، وما قالوه برأيهم فألقه في
الحش (٢)، أي الكنيف، وقال: الرأيُ بمنزلة الميْتَة، إذا اضطررت
إليها أكلتها .
وهنا عدة عبارات منها ما يشترك فيه الأقسام الثلاثة - أعني الصحيح
والحسن والضعيف - ، ومنها ما يختص بالضعيف . فمن الأول المسند
والمتصل والمرفوع والمعنعن والمعلق والمدرج والمشهور والغريب والعزيز
والمسلسل والاعتبار (٤). ومن الثاني: الموفوف والمقطوع (٥) والمرسل
= وقد اشترط المحدث المشهور الشيخ بدر الدين الحسني رحمه الله
في جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الاعمال شرطين : الاول:
عدم اسناد لفظه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والثاني: الا يخالف
ما فيه من حكم حديثا صحيحا أو حكما معروفا كما نقله عنه الشبح
العلامة محمود باسين رحمه الله في مجلة ((الهداية الإسلامية)) ٨/
٢٦٤
وانظر ما كتبه الدكتور الشيخ علي مشرف العمري في مجلة ((الجامعة
السلفية)) - الهند، في العددين ٥-٦ المجلد الثاني عشر ١٩٧٨ ص
٥٨-٦٤ بعنوان: ((حكم العمل بالحديث الضعيف)) وانظر ((قواعد
التحديث )) ١١٣-١١٤
وأي رسالة بعنوان ((التعريف بأحكام العمل بالحديث الضعيف)) يسر
الله اتمامها ونشرها .
(١) ((شروط الائمة الستة)) ص ١٣ لابن طاهر المقدسي.
(٢) انظر لزاما ما قاله الإمام الذهبي حول هذا الموضوع في كتابه العجاب
المستطاب ((سير أعلام النبلاء)) ٢١٤/١٣-٢١٥ فانه مهم.
(٣) ((طبقات ابن سعد)) ٢٥١/٦ و)) تاريخ ابن عساكر)) ١٨١ -عاصم
عايز .
(٤) ذكر المصنف للاعتبار يوهم أن الاعتبار نوع من أنواع الحديث، وليس
الامر كذلك ، فالاعتبار هو البحث عن طرق الحديث ليتبين : هل روي
من طريق آخر أم لا ؟ وانظر (( تدريب الراوي)) ٢٤١/١
(٥) هذان النوعان قد يكونان صحيحين ، وقد يكونان ضعيفين، فكان الحري
بالمصنف رحمه الله الحاقهما بالقسم الاول .
١٩٠

والمنقطع والمعضل (١) والشاذ والمنكر والمُعلَّل والمدلَّس والمضطرب والمقلوب
والموضوع ، ولهذه كلها تعاريفُ وتفاصيلُ ذُكرَت في كتب الأصوليين
من أهل الحديث ليس هذا موضع بسطها (٢).
الفصل السادس عشر : في علم رموز الحديث (٢).
فإنهم وضعوا لأصحاب الكتب الستة علامةٌ ورمزاً بالحروف ، فجعلو"
للبخاري: خ ، لأن نسبته إلى بلده أشهر من اسمه وكنيته ، وليس في
حروف بافي الأسماء خاء. ولمسلم : م ، لأن اسمه أشهر من نسبته وكنيته.
ولمالك : ط ، لأن اشتهار كتابه بالموطأ أكثر ، ولأن الميم أول حروف
اسمه وفد أعطوها مسلماً، وباقي حروفه مشتبهة بغيرها . وللترمذي: ت،
لأن اشتهاره بنسبته أكثر ، ولأبي داود : د ، لأن كنيته أشهر من اسمه
ونسبته ، والدال أشهر حروفها وأبعدها من الاشتباه . وللنسائي : س .
لأن نسبته أشهر من اسمه وكنيته ، والسين أشهر حروف نسبته . ولذلك
وضعوا لأصحاب المسانيد بالإفراد والتركيب كما هو مسطور في الجوامع ،
ومعرفتها هي العلم بها. هذا ما ذكره في ((كشف الظنون)).
وللسيوطي في ((جامعه الصغير)) (٤) رموز أخرى سوى ما ذُكر،
وهي هذه : خ : للبخاري. م : لمسلم. ق : لهما. د : لأبي داود . ت :
(١) الضعف في هذه الأنواع الثلاثة ضعف في السند ، وقد يجبر هذا
الضعف بورود الحديث باسناد آخر .
(٢) وخشية اطالة التعليفات لعرّفت كل واحد منها مع ذكر ما تيسر من
المصادر التي تكلمت في ذلك .
(٣) ((أبجد العلوم)) ٣٠٥/٢ و((مفتاح السعادة)) ٣٧٩/٢ و((كشف
الظنون)) ٩١٣/١
(٤) الكلام عليه في ((كشف الظنون)) ٥٦٠/١ - ٥٦١، وهو مطبوع
طبعات عديدة .
١٩١

للترمذي . ن : النسائي ٠ ٥ : لابن ماجه. ع: لهؤلاء الأربعة، ٣ : لهم
إلاّ ابن ماجه. حم: لأحمد في ((مسنده)). عم: لابنه في ((زوائده)).
ك: للحاكم فإن كان في ((مستدركه)) أطلق وإلاّ بينه. خد: البخاري في
((الأدب)). تخ: له في ((التاريخ)). حب: لابن حبان في ((صحيحه)).
طب: للطبراني في (الكبير)). طس: له في ((الأوسط)). طص:
له في ((الصغير)). ص: لسعيد بن منصور في ((سننه)). ش: لابن أبي
شيبة. عب: لعبد الرزاق في ((الجامع)) (١). ع. لأبي يعلى في ((مسنده)).
قط: للدار قطني، فإن كان في ((السنن)) أطلق وإلاّ بينه . فر: الديلمي
في ((مسند الفردوس)). حل: لأبي نعيم في ((الحلية)). هب: للبيهقي
في ((شعب الإيمان)). هق: له في ((السنن)). عد: لابن عدي في الكامل)).
عق: للعُقيلي في ((الضعفاء)). خط: للخطيب، فإن كان في ((التاريخ))
أطلقه وإلاّ بينه . وعلى هذا القياس لكل كتاب رموز بين مصنفوه
في أوائله .
الفصل السابع عشر : في علم وضع الحديث (٢):
وهو علم يعرف به موضوع (٣) الحديث من ثابته ويعرف حال الواضع
من حيثُ صدقُه وكذبه ، والغرض منه تحصيل ملكة التمييز بين الصدق
والكذب والصادق والكاذب ، وغايته التحرز عن روايته إلاّ مقروناً ببيان
وضعه فإنه صلى الله عليه وسلم قال: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده
(١) انظر ((تاريخ التراث العربي)) ٢٧٧/١ - ٢٧٨ للدكتور فؤاد
سزكين .
(٢) كتب الدكتور عمر بن حسن فلاتة كتابا كبيرا في هذا ، يقع في ثلاثة
مجلدات كبيرة وقد نشرته مكتبة الغزالي في دمشق .
(٣) أي المكذوب، ويقول البيقوني في ((منظومته")) :
الكذب المختلق المصنوع
على النبي فذلك الموضوع
وانظر ((التعليقات الاثرية)) ٤٢ - ٤٣ بقلمي .
١٩٢

من النار (١) ، نقله من الصحابة رضي الله عنهم الجَمّ الغفير. قيل: هم
أربعون . وقيل : اثنان وستون ، وفيهم العشرة المُبَشّرة ولم يزل العدد
على التوالي في ازدياد . وقد جمع السيد محمد المرتضى الواسطي البلكرامي
نزيل مصر رسالة في ضبط الأحاديث المتواترة مسماة بـ(اللآلىء المتناثرة)) (١).
قال السيد الشريف (٣): ولا يحلُ رواية الموضوع للعالم بحاله في أي معنى
كان إلاّ مقروناً ببيان الوضع. وقد ذهبت الكرّامية (٤) والطائفة المبتدعة
إلى جواز وضع الحديث في الترغيب والترهيب . وقد صنف ابنُ الجوزي
في الموضوعات مجلدات (٥) . قال ابن الصلاح (٦) : أودع فيها كثيراً من
الأحاديث الضعيفة مما لا دليل على وضعه وحقها أن تُذكر في الأحاديث
الضعيفة . وللشيخ حسن بن محمد الصغاني (٧) ((الدر الملتقط في تبيين الغلط)) (٨)
انتهى ملخصاً .
(١) وهو حديث متواتر، وقد استقصى السيوطي طرقه في ((الجامع
الكبير)) ٨٢٩/٢ و((الصغير)) ٦٣٩٥ والكتاني في ((نظم المتناثر من
الحديث المتواتر)) ٢٠-٢٤ وانظر ((ظفر الاماني)) ١٥-١٦
(٢) أشار اليه الزركلي في ((الاعلام)) ٧٠/٣ وسماه ((عقد اللآلىء المتناثرة
في حفظ الأحاديث المتواترة)) وذكر أنه مخطوط .
(٣) ((ظفر الاماني بشرح مختصر الجرجاني)) ٢٦٠-٢٦٤
(٤) وهم المنسوبون لمحمد بن كرّام السجزي ٢٥٥ هـ ولهم أقوال مبتدعة.
انظر ((الملل والنحل)) ١٤٤/١ الشهرستاني، و((الميزان)) ٤ /
٢١-٢٢
(٥) وهي ثلاثة ، وقد طبعت في المكتبة السلفية - المدينة المنورة ، باعتناء
عبد الرحمن محمد عثمان سنة ١٩٦٦
(٦) ((علوم الحديث)) ٨٩-٩٠، والمصنف ينقل بالمعنى.
(٧) ويقال : الصاغاني، نسبة إلى قرية بمرو يقال لها : جاغان، فعر بت
كما في ((اللباب)) ٢٢٩/٢ وقد توفي رحمه الله سنة ٦٥٠ هـ، ترجمته
في ((النجوم الزاهرة)) ٢٦/٧ و((الفوائد البهية) ٦٣ و((الشذرات))
٢٥٠/٥
(٨) وهو مخطوط، ومنه نسخة في دار الكتب المصرية برقم ١٥٨٥ -
حديث وانظر ((كشف الظنون)) ٧٣٣/١
ثم طبع في بيروت .
١٩٣
الحطة - ١٣

ثم الحديث لوضعه وكذب راويه علامات شتى تعرف بها (١) ، منها
ما ذكره المولى عبد العزيز الدهلوي في ((العجالة النافعة)) ما نصه بالعربية:
الأول : كون الرواية خلاف التاريخ كما قالوا إن عبد الله بن مسعود
قال في حرب صفّين كذا ، مع أنه رضي الله عنه توفي في خلافة عثمان ،
وهذا القسم يعرف بأدنى تأمل وأقل تتبع .
الثاني : كون الراوي رافضياً يروي الحديث في مطاعن الصحابة أو
ناصبياً يرويه في مطاعن أهل البيت وعلى هذا القياس . وحينئذ ينظر إن كان
الراوي منفرداً بذلك الحديث فحديثه ينكر ، وإن رواه الآخرون أيضاً
يقبل ثم يُتَفَكّرُ في تأويله وتوجيهه .
الثالث : أن يروي حديثاً يجب معرفته والعمل به على كافة المكلفين
وينفرد بروايته ، فهي قرينة قوية على كذبه ووضعه .
الرابع : أن يكون حاله والوقت الذي فيه رواه ، قرينةً على كذبه
كما اتفق لغياث بن ميمون (٢) في مجلس الخليفة العباسي المهدي ، فإنه
حضر عنده وكان هو مشغولاً بإطارة الحمائم فروى له هذا الحديث :
(( لا سبق إلاّ في خف أو نصل أو جناح)) (٣). فزاد لفظ الجناح من عنده،
لتطبيب نفس المهدي . انتهى .
(١) ذكر ابن القيم رحمه الله تسعة عشر أمرا يعرف بها الحديث الموضوع
في كتابه ((المنار المنيف في الصحيح والضعيف)) ٥٠ - ١٠٢ بتحقيق
الاستاذ عبد الفتاح أبي غدة .
(٢) اسمه غياث بن ابراهيم النخعي الكوفي ، ترجمه وذكر قصته الخطيب
البغدادي في ((تاريخه)) ٣٢٣/١٢ - ٣٢٤، وانظر ((الميزان)) ٣ /
٣٣٨ و((الموضوعات)) ٤٢/١ و((اللآلى المصنوعة)) ٤٧/٢
(٣) أصل هذا الحديث صحيح ، دون لفظة أو جناح ، أخرجه أبو داود
٢٥٧٤ والترمذي ١٧٠٠ والنسائي ٢٢٦/٦ والبغوي ٢٦٥٣ وابن
حبان ١٦٣٨ والبيهقي ١٦/١٠ وأحمد ٤٧٤/٢ والطبراني في ((الصغير))
١١ وغيرهم .
١٩٤

قلت: وتفصيل هذه القصة في ((حياة الحيوان الكبرى)) (١) للدميري (٢)
رح ، وهو أن هارون الرشيد كان يعجبه الحمام واللعب به فأهدي له حمام
وعنده أبو البختري وهب القاضي (٢) فروى له بسنده عن أبي هريرة رضي
اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: ((لا سبق إلاّ في خف أو دافر
أو جناح)). فزاد: ((أو جناح)) وهي لفظة وضعها للرشيد فأعطاه جائزة
سَنِيّة، فلما خرج قال الرشيد : تالله لقد علمت أنه كذب على رسول الله
صلى الله عليه وسلم . وأمر بالحمام فذبح . فقيل : وما ذنب الحمام ؟
قال : من أجله كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فترك العلماء
حديث أبي البختري لذلك وغيره من موضوعاته . فلم يكتبوا حديثه .
قال ابن أبي خيثمة(٤) والشيخ تقي الدين القشيري في ((الاقتراح)) (٥):
واضع حديث الحمام غياث بن إبراهيم وضعه للمهدي لا الرشيد ، انتهى
ملخصاً .
الخامس : كون الحديث مخالفاً لمقتضى العقل والشرع بحيث تكذبه
القواعد الشرعية كقضاء العمر ونحوه كحديث: ((لا تأكلوا البطيخ حتى
تذبحوه)) (٦) .
(١) في ٣٧٠/١ منه .
(٢) هو محمد بن موسى بن عيسى، المتوفى سنة ٨٠٨ هـ ، ترجمته في:
((الضوء اللامع)) ٥٩/١٠ و((الشذرات)) ٧٩/٧ و((البدر الطالع))
٢٧٢/٢
(٣) انظر ((تاريخ بغداد)) ٤٨٦/١٣ و((المنار المنيف)) ١٠٧
(٤) كما نقله ابن عَرَّاق في ((تنزيه الشريعة المرفوعة)) ١٤/١
(٥) (( الاقتراح في بيان الاصطلاح)) ٢٣٣-٢٣٤ لابن دقيق العيد ،
بتصرف .
(٦) قال ابن القيم رحمه الله في ((المنار المنيف)) ص ١٣٠: أحاديث
البطيخ وفضله وفيه جزء. قال الامام أحمد : لا يصح في فضل البطيخ
شيء، الا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكله . قلت :
وانظر (( موضوعات الصغاني)) ص ٥٩
١٩٥

السادس : أن تكون في الحديث قصة تتعلق بأمر حسي واقع بحيث
لو فرض تحققه بالحقيقة لنقله ألوف من الناس كما يروى مثلاً أنهم قتلوا
فلاناً الخطيب يوم الجمعة على المنبر وسلخوا جلده ولم يروه غيره وهو
منفرد به (١) .
السابع : ركاكة اللفظ والمعنى جميعاً حيث يروي ألفاظاً لا تنطبق
على القواعد العربية ، أو معاني لا تُناسب شأن النبوة ووقار الرسالة (٢) أو
بالوقوف على غلط (٢) . قال السيد الشريف (٤): كما وقع لثابت بن موسى
الزاهد في حديث: ((من كثرت صلاته بالليل حَسُن وجهه بالنهار)) (٥).
قيل : كان شيخ يحدث في جماعة فدخل رجلٌ حَسَن الوجه فقال الشيخ
في أثناء حديثه : من كثرت الخ، فوقع لثابت أنه من الحديث فرواه. انتهى (٦)
الثامن : الإفراط في الوعيد الشديد على الجناح (٧) الصغير أو على
الوعد العظيم على العمل القليل. نحو: (( من صلى ركعتين فله سبعون ألف
دارٍ في كل دارٍ سبعون ألف بيتٍ في كل بيتٍ سبعون ألف سرير على كل
سرير سبعون ألف جارية)) (٨). بل أحاديث هذا النسق كلها تعد موضوعة
سواء كانت في باب الثواب أو باب العقاب .
(١) ((الوضع في الحديث)) ٦٩/٢
(٢) تنزيه الشريعة)) ٧/١ و((المنار المنيف)) ٩٩-١٠١
(٣) (( المصنوع في معرفة الحديث الموضوع)) ١٩٣
(٤) ((ظفر الأماني بشرح مختصر الجرجاني)) ٢٤٧
(٥) رواه ابن ماجه ١٣٣٣ وانظر ((فيض القدير ٢١٣/٦ و((أسنى
المطالب)) ١٤٧٣ و ((المجروحين)) ٢٠٧/١ و((الموضوعات ))١٠٩/٢
(٦) وانظر لزاما ((ميزان الاعتدال)) ٣٦٧/١-٣٦٨
(٧) أي : الآثم .
(٨) راجع ((تنزيه الشريعة المرفوعة)) ٨٣/٢-٩٨
١٩٦

التاسع : ذكر ثواب الحج والعمرة على العمل القليل (١).
العاشر : أن يجعل عاملاً من العاملين بالخير موعوداً بثواب الأنبياء
والمرسلين كما يقول : ثواب سبعين نبياً ... وأمثال ذلك (٢).
الحادي عشر: بإقرار واضعه كما اتفق لنوح بن عصمة (٣) فإنه وضع
في فضائل القرآن سورةً فسورةً وروجها وشهرها (٤) كما ذكرت في
((تفسير البيضاوي)) (٥) في آخر كل سورة ، ولما أخذوه وسألوه عن
تصحيح سندها ومن أين له هذه اعترف بوضعه لهما . وقال : إني رأيت
الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق
فوضعت هذه الأحاديث حسبةً ، انتهى .
قال السيد الشريف (٦): وقد أخطأ المفسرون في إيداعها في تفاسيرهم
إلاّ من عصمه الله ومما أودعوا فيها أنه قال صلى الله عليه وسلم : حين
قرأ: ( مناة الثالثة الأخرى) (النجم : ٢٠): تلك الغرانيق العلى وإن
(١) بل قد صح في ذلك غير حديث، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((من
صلى الفجر في جماعة ، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى
ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة)) قال أنس : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((تامة تامة تامة)). رواه الترمذي ٥٨٦ والبغوي
٧١٠ عن أنس ، وفي سنده أبو ظلال ، وهو ضعيف ، ولكن للحديث
شواهد يتقوى بها، وانظر ((الترغيب والترهيب)) للمنذري ١٦٤/١-
١٦٦
(٢) كما يروى: ((من صلى الضحى كذا وكذا ركعة أعطي ثواب سبعين
نبيا)) وهو حديث باطل، انظر :((اللآلى المصنوعة)) ٣٥/٢ و((أسنى
المطالب)) ١٤٢٧
(٣) ((ميزان الاعتدال)) ٢٧٩/٤
(٤) ((المجروحين)) ٥٤/١ و(الموضوعات)) ٤١/١ و((التدريب)) ١/
٢٨٢
(٥) انظر ((كشف الظنون)) ١٨٦/١-١٩٤ و((التفسير والمفسرون)) ١/
٢٩٦-٣٠٤
(٦) ((ظفر الاماني)) ٢٥٥
١٩٧

شفاعتهن لترتجى (١) ، ولقد أشبعنا القول في إبطاله في باب سجدة التلاوة،
انتهى (٢). قال مسلم في ((صحيحه)) (٢): مع أن الأخبار الصحاح من
رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة ولا
مَقْنَع (٤) . ولا أحسب كثيراً ممن يُعَرَّج من الناس على ما وصفنا من
هذه الأحاديث الضعاف والأسانيد المجهولة ويعتد بروايتها بعد معرفته بما
فيها من التوهن والضعف ، إلاّ أن الذي يحمله على روايتها والاعتداد بها
إرادة التكثير (٥) بذلك عند العوام ، ولأن يقال: ما أكثرَ ما جمع فلان
من الحديث وألف من العدد . ومن ذهب في العلم هذا المذهب وسلك هذا
الطريق فلا نصيب له فيه وكان بأن يسمى جاهلاً أولى من أن ينسب إلى
العلم ، انتهى .
ثم قال المولى عبد العزيز : وكذلك وضعوا أحاديث كثيرة في التنباك
والقليان والقهوة تشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها .
قلت : ولنعم ما قال الربيع بن خُشَيْم التابعي الكبير (٦): إن للحديث
.(1) وهو حديث باطل، كما بينه غير واحد من أئمة الحديث وعلمائه، وقد
تكلم على الحديث بما لا مزيد عليه المحدث الالباني في جزء مفرد بعنوان
(( نصب المجانيق لنسف الغرانيق)) طبع دمشق - ١٩٥٢. وتوجد
رسالة مخطوطة بعنوان (( بطلان قصة الغرانيق)) في مكتبة الجامع
الكبير في صنعاء اليمن، برقم ( مجموعة ٢٥٩، ورقة ٨٢ - ٨٤) وانظر
كلام الشيخ يوسف الدجوي حول إبطال الحديث في ((مجلة الازهر))
٥٢٦/٧
(٢) يريد في حاشيته المتعلقة بـ ((مشكاة المصابيح)) كما قال الامام
اللكنوي .
(٣) في ((المقدمة)) ٢٨
(٤) مثل جعفر، أي : يقنع به .
(٥) في ((المقدمة)): التكثر.
(٦) المتوفى سنة ٦٥ ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) ٢٥٨/٤ و((الحلية))
١٠٥/٢ و((التهذيب)) ٢٤٢/٣
١٩٨

ضوءٌ كضوء النهار يعرف وظلمة كظلمة الليل تنكر، انتهى (١).
والوضاعون للحديث كثيرون . وأغراضهم في الوضع متنوعة متكثرة .
منهم الزنادقة وغرضهم منها إبطال الشرائع والأحكام والتهكم والتمسخر
بدين الإسلام (٢) كابن الراوندي (٣) الواضع لحديث: ((الباذنجان لما أكل
له)) (٤)، فإنه عرض بهذا إلى حديث ((القرآن لما قُرىء له)) (٥) و((ماء
زمزم لما شرب له)) (٦). وهذا تهكم بالشريعة واستهزاء بها. قيل (٧):
اشتهرت أربعة عشر آلاف حديثٍ من وضع الزنادقة .
قلت : ومنها ما أورده الأصوليون من قوله: ((إذا رُوي عني حديث
(١) ((تدريب الراوي)) ٢٧٥/١ و((الباعث)) ٨٢
(٢) ((الوضع في الحديث)) ٢٢٢/١
(٣) هو أحمد بن يحيى بن اسحاق الملحد ، توفي سنة ٢٩٨ ترجمته في
(( المنتظم)) ٩٩/٦ و((النجوم الزاهرة)) ١٧٥/٣ و((الشذرات ))٢/
٢٣٥
(٤) ((موضوعات الصفاني)) ١٢٦، ((المنار المنيف)) ٥١، ((كشف الخفاء))
٣٢٧/١
(٥) لم أجده بهذا اللفظ ، لكن ورد قريب منه ما يروى :
((يس لما قرئت له)) وهو لا أصل له، وانظر ((كشف الخفاء)) ٢ /
٣٨٨-٣٩٠ و((الغمَّز على اللمَاز)) ٣٥٠ السمهودي، و((المصنوع))
٢١٥ لعلي القاري .
(٦) رواه أحمد ٣ / ٣٥٧: ٣٧٢ وابن ماجه ٣٠٦٢ والبيهقي ١٤٨/٥
والخطيب في (تاريخ بغداد)) ١٧٩/٣ والازرقي في ((تاريخ مكة ))٢٩١
وفي اسناده عبدالله بن المؤمل ، وهو ضعيف ، لكن تابعه عبد الرحمن
ابن أبي الموالي عند الخطيب في ((تاريخه)) ١١٦/١٠، وابراهيم بن
طهمان عن أبي الزبير عند البيهقي ٢٠٢/٥ بسند جيد ، فالحديث
صحيح ، وقد صححه الحاكم والمنذري والدمياطي ، وحسنه أبن
حجر .
(٧) القائل هو: حماد بن زيد، كما في ((الموضوعات)) ٣٨/١
١٩٩

فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه)) (١) . قال
الخطابي (٢): وضعته الزنادقة، ويدفعه قوله صلى الله عليه وسلم: ((إني
قد أوتيت الكتاب وما يعدله))، ويروى: (( أوتيت الكتاب ومثله
معه)) (٣)، انتهى .
ثم الروافض والنواصب والكرامية (٤) من بين أهل البدع والأهواء
المرتكبين لهذا الوضع نصرة لمذاهبهم الباطلة وطعنا في مذاهب مخالفيهم
سابقون في هذا الأمر على الفرق الضالة الزائغة كلها ، ولم تبلغهم الخوارج
والمعتزلة في هذا الباب (٥) .
وفرقة أخرى لم يكن لهم علم الحديث ورأوا المحدثين معظمين في
الناس موقرين في أعينهم فدخلوا في عدادهم تكلفاً وتمحلاً واختاروا هذه
الصنعة الشنيعة لأنفسهم طمعاً منهم في جاه أهل الحديث وعزهم كأبي
(١) أورده الصغاني في ((الموضوعات)) رقم: ١٣٥، وانظر ((تذكرة
الموضوعات)) للفتني ٢٨ و((عون المعبود)) ٣٢٩/٤ و((لسان الميزان))
٤٥٥/١ و((الاحكام في أصول الأحكام)) ٧٦/٢ و((الرسالة)) للامام
الشافعي ٢٢٤
(٢) ( كشف الخفاء)) ٨٩/١-٩٠ و((الفوائد المجموعة)) ٢٩١، وانظر
(( معالم السنن)) للخطابي ١٠/٥-١١
(٣) رواه أبو داود ٤٦٠٤ واحمد ١٣٠/٤-١٣١ والترمذي١٤٤/١ والترمذي
٢٦٦٠ وابن ماجه رقم: ١٢ والخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) ٨٩/١
وفي ((الكفاية)) ٨ والحازمي في ((الاعتبار)) ص ٥ عن المقدام بن متعدي
کرب واسناده صحيح .
(٤) الروافض هم الشيعة الذين رفضوا خلافة أبي بكر وعمر رضي الله
عنهما وقدموا عليا رضي الله عنه عليهما والنواصبهم الذين ناصبوا
عليا رضي الله عنه العداء ، وتقدم التعريف بالكرامية .
(٥) (( الوضع في الحديث)) ٢٢٣/١-٢٦٣
٢٠٠