Indexed OCR Text

Pages 101-120

يكون قول الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابي أو التابعي وفعلهم
وتقريرهم ،
والسند (١): إخبار عن طريق المتن، وهو رجاله الذين رووه ، والإسناد
هو رفع الحديث إلى قائله ، وهما متقاربان في معنى اعتماد الحفاظ في
صحة الحديث وضعفه عليهما (٢).
وقد يجيء الإسناد بمعنى ذكر السند والحكاية عن طريق المتن ، والمتن
ما انتهى إليه الإسناد، ومتن الحديث نفسُه لا يدخل في الاعتبار (٢)،
أي : في البحث عن أحواله عند أرباب الحديث إلاّ نادراً، بل يكتسب
صفة من القوّة والضعف وبيْنَ بَيْنّ (٤). بحسب أو صاف الرواة من
العدالة والضبط والحفظ وخلافها وبين ذلك ، أو بحسب الإسناد من الاتصال
والانقطاع والإرسال والاضطراب ونحوها من الشذوذ والموقوفيَّة (٥).
فالحديث على هذا ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف إذا نظر إلى المتن .
وأمَّا إذا نظر إلى أو صاف الرواة فقيل هو ثقة عدل ضابط أو غير ثقة أو
متهم أو مجهول أو كذوب أو نحو ذلك ، فيكون البحث عن الجرح والتعديل.
(١) في الاصل : فالسند .
(٢) قال السيوطي في ((ألفيته)) ٢ :
والسند الإخبار عن طريق
متن كالاسناد لدى فريق
(٣) انظر ((تدريب الراوي)) ٢٤١/١-٢٤٢ و((التقييد والإيضاح)) ١٠٩-
١١١
(٤) ضبط في الاصل بضم الباء الاولى، وفتح الثانية ، والصواب ما
أثبتنا . فالمصنف يريد اثبات صفة القوة وصفة الضعف والصفة
المتوسطة بينهما ، وهي التي عبَّر عنها بقوله : بين بين ، والله أعلم ،
وانظر ((ظفر الاماني)) (ق ١٤ / ب ).
(٥) تنظر تعريفات هذه الاصطلاحات مفصلة في كتب علوم الحديث، ولولا
الاطالة ، لعرّفناها تفصيلا .
١٠١

وإذا نظر إلى كيفية أخذهم وطرق تحملهم الحديث كان البحث عن
الطالب وإذا بحث عن أسمائهم وأنسابهم كان البحث عن تعيينهم وتشخيص
ذواتهم ، كذا قال السيد الشريف (١).
قال ابن خلدون في كتاب ((العبر وديوان المبتدأ والخبر)) (٢) ومن
عينه نقلت :
اعلم أن الأحاديث قد تميزت مراتبها لهذا العهد بين صحيح وحسن
وضعيف ومعلول وغيرها ، تتزلها أئمة الحديث وجهابذته وعرَّفوها ولم يبقّ
طريق في تصحيح ما يصحّ من قبل ، ولقد كان الأئمة في الحديث يعرفون
الأحاديث بطرقها وأسانيدها بحيث لو رُوِي حديثٌ بغير سنده وطريقه
يفطنون إلى أنه قد قلب عن وضعه . ولقد وقع مثل ذلك للإمام محمد بن
إسماعيل البخاري ، حين ورد على بغداد وقصد المحدثون امتحانه فسألوه
عن أحاديث قلبوا أسانيدها فقال : لا أعرف هذه ولكن حدّثني فلان ،
ثم أتى بجميع تلك الأحاديث على الوضع الصحيح ورد كل متن إلى سنده
وأقروا له بالإمامة (٣). وقد انقطع لهذا العهد تخريج شيء من الأحاديث
واستدراكها على المتقدمين إذ العادة تشهد بأن هؤلاء الأئمة على تعدّدهم
وتلاحق عصورهم وكفايتهم واجتهادهم لم يكونوا ليغفلوا شيئاً من السنة
أو يتركوه حتى يعثر عليه المتأخر ، وهذا بعيد عنهم . وإنما تنصرف العناية
(١) هو علي بن محمد بن علي الجرجاني، توفي سنة ٨١٦ هـ ترجمته في
((الضوء اللامع)) ٣٢٨/٥ و((الفوائد البهية)) ١٢٥، والنص الذي
اقتبسه المصنف يوجد في رسالته (( فن أصول الحديث)) ص ٥٣
المطبوعة مع سنن الترمذي في كتب خانه الرشيدية - دهلي سنة١٣٥٠
وانظر شرحها المسمى ((ظفر الاماني)) ٥ للامام عبد الحي اللكنوي
رحمه الله .
(٢) في ((المقدمة)) ص ٤٤٤ ثم رجع الى ص ٤٤٣ دون بيان .
(٣) أنظر تفاصيل القصة في (تاريخ بغداد)) ٢٠/٢ و((وفيات الاعيان))
١٩/٤ و((طبقات السبكي)) ٢١٨/٢ و((هدي الساري)) ٤٨٦
١٠٢

هذا العهد إلى تصحيح الأمهات المكتوبة وضبطها بالرواية عن مصنفيها
والنظر في أسانيدها إلى مؤلفها وعرض ذلك على ما تقرر في علم الحديث
من الشروط والأحكام لتتصل الأسانيد محكمة إلى منتهاها ولم يزيدوا ي ذلك
على العناية بأكثرَ من هذه الأمهات الخمسة إلاّ في القليل . انتهى .
قال السيوطي في (( الجامع الصغير)) (١) : سميته جمع الجوامع وقصدت
فيه جمع الأحاديث النبوية بأسرها انتهى .
قال شارحه العزيزي(٢): أي جميعها .
قال المناوي (٣): وهذا بحسب ما اطلع عليه المصنف لا باعتبار ما في
نفس الأمر انتهى .
قال ابن الجوزي (٤): حصر الأحاديث يبعد إمكانه غير أن جماعة
بالغوا في تتبعها وحصروها .
(١) قال السيوطي في مقدمة ((الجامع الصغير)) :... وسميته ((الجامع
الصغير من حديث البشير النذير)) لانه مقتضب من الكتاب الكبير
الذي سميته ((جمع الجوامع)) وقصدت فيه جمع الاحاديث النبوية.
قلت: وقد جمع هذين الكتابين مضافا اليهما ((الجامع الازهر))
المناوي الشيخ أحمد عبد الجواد في كتاب جيد طبع في الشام بتسعة
مجلدات اسمه (( جامع الأحاديث)).
(٢) هو علي بن أحمد بن محمد، المتوفى سنة ١٠٧٠ هـ. له ترجمة في
(خلاصة الاثر)) ٢٠١/٣ و((هدية العارفين)) ٧٦٠/١ و((الاعلام))
٢٥٨/٤ وشرحه المذكور اسمه ((السراج المنير)) وهو مطبوع بثلاثة
أجزاء .
(٣) كما في ((فيض القدير)) ٢٤/١ وتتمة كلامه: لتعذر الاحاطة بها
وأنافتها على ما جمعه المذكور لو تم ، وقد اخترمته المنية قبل
اتمامه .
(٤) وانظر ((صيد الخاطر)) له ص ٢٢٢-٢٢٤ بتعليق الطنطاوي.
١٠٣

قال الإمام أحمد : صحّ سبعمائة ألف وكسر (١) ، وقال : قد جمعت
في المسند أحاديث انتخبتها من أكثر سبع مئة ألف وخمسين ألفاً فما اختلفتم
فيه فارجعوا إليه وما لم تجدوا فيه فليس بحجة (٢). قال السيد الشريف(٢):
المراد بهذه الأعداد الطرق لا المتون . وقال أبو المكارم علي بن شهاب
الصديقي : الظاهر أن هذا القول موضوع على الإمام أحمد ، لأن في
الكتب الصحيحة من الأحاديث ما لم يوجد في المسند مع الإجماع على
صحتها (٤) .
(١) نقلها المناوي في ((الفيض)) ٢٤/١ وعزاها لابن عساكر في ((تاريخه)).
(٢) انظر ((سير أعلام النبلاء)) ٣٢٩/١١
(٢) في رسالته المشار إليها آنفا ص ٥٩
(٤) يوجد هذا النص على هامش رسالة الجرجاني السابقة الذكر .
١٠٤

الفصل الثانى
في مبدأ جمع الحديث وتأليفه وانتشاره
فإنه (١) لما كان من أصول الفروض، وجب الاعتناء به والاهتمام
بضبطه وحفظه ، ولذلك يسر الله سبحانه وتعالى ( له ) العلماء (٢) الثقات
الذين حفظوا قوانينه . وأحاطوا فيه ، فتناقلوه كابراً عن كابر ، وأوصله
كما سمعه أول إلى آخِر .
وحببه الله تعالى إليهم لحكمة حفظ دينه وحراسة شريعته ، فلم يزن
هذا العلم من عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غض، طريّ، والدين
محكم الأساس قوي ، أشرف العلوم وأجلها لدى الصحابة والتابعين وتابعي
التابعين خَلَفاً بعد سلف ، لا يشرف بينهم أحد بعد حفظ كتاب الله
سبحانه وتعالى إلاّ بقدر ما يحفظ منه ، ولا يعظم في النفوس إلاّ بحسب
ما سمع من الأحاديث ، فتوفرت الرغبات فيه، فما زال لهم من لَدُنْ
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن انقطعت الهمم على تعلمه حتى لقد
كان أحدهم يرحل إلى المراحل ذوات العَدَد ، ويفني الأموال والعُدَدَ ،
(١) أي : علم الحديث .
(٢) في الاصل: للعلماء، ولعل ما أثبتنا مع الزيادة هو المطلوب .
١٠٥

ويقطع الفيافي والمفاوز (١) ويجوب البلاد شرقاً وغرباً في طلب حديث واحد
ليسمعَهُ مِن راويه .
فمنهم من يكون الباعث له على الرحلة طلب ذلك الحديث لذاته .
ومنهم من يَقْرُن بتلك الرغبة سماعه عن ذلك الراوي بعينه ، إمّا
لثقته في نفسه، وإمّا لعلوّ إسناده (٢) فانبعثت العزائم إلى تحصيله ، وكان
اعتمادهم أولاً على الحفظ والضبط في القلوب، غير ملتفتين إلى ما يكتبونه
محافظة على هذا العلم كحفظهم كتابَ اللّه سبحانه وتعالى، ولا معَوّلين
على ما يسطرونه ، وذلك لسرعة حفظهم وسيلان أذهانهم .
فلما انتشر الإسلام . واتسعت الأمصار ، وتفرقت الصحابة في الأقطار
وكثرت الفتوحات ، ومات معظم الصحابة ، وتفرق أصحابهم ، وأتباعهم ،
وقلّ الضبط، واتسع الخرق، وكاد الباطل أن يلتبس بالحق ، احتاج
العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة .
ولعَمْرِي (٢) إنها الأصل ، فإن الخاطر يغفل ، والقلم يحفظ ، فمارسوا
الدفاتر، وسايَروا المحابر ، وأجابوا في نظم قلائده أفكارهم وأنفقوا في
تحصيله أعمارَهم ، واستغرقوا لتقييده ليلتَهم ونهارهم فأبرزوا تصانيف
كَثُرَتْ صُنُوفُها ودونوا دواوينَ ظهرت شفوفها (٤) ، فاتخذها العالمون
قدوة ونصبها العارفون قبلة ، فجزاهم الله سبحانه وتعالى عن سعيهم الحميد
(١) الصحارى المستوية الواسعة ، والطرق الوعرة .
(٢) انظر ((شرح شرح النخبة)) لعلي القاري ١٩٤
(٣) اختلف العلماء في جواز هذا اللفظ بين مانع ومجيز ، وقد ألف شيخنا
العلامة حماد الأنصاري كتابا في نصرة القول الثاني سماه : «الاعلان
بأن (( لعمري)) ليست من الايمان)) طبع في مجلة ((الجامعة الاسلامية))
العدد الثاني، السنة السابعة شوال ١٣٩٤ هـ. وانظر ((المصنف))
لعبد الرزاق الصنعاني ٤٧٠/٨ - ٤٧١
(٤) أي : ظهر ما خلفها من خير .
١٠٦

أحسن ما جزى به علماءَ أمته وأحبار ملّته .
وكان أول من أمر بتدوين الحديث وجمعه بالكتابة عمر بن عبد العزيز
خوف اندراسه، كما في ((الموطأ)) (١) رواية محمد بن الحسن : أخبرنا
يحيى بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر ( بن ) محمد بن
عمرو بن حزم : أن انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
أو سنته فاكتبه ، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء. وأخرج أبو نعيم
في ((تاريخ أصبهان)) (٢) عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أهل الآفاق :
انظروا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه . وعلقه البخاري
في صحيحه (*)، فيستفاد منه - كما قال الحافظ ابن حجر - ابتداء تدوين
الحديث النبوي (٤). وقال الهروي (٥) في ((ذم الكلام)): ولم تكن الصحابة
ولا التابعون يكتبون الأحاديث إنّما كانوا يؤدونها حفظاً ويأخذونها لفظاً
إلاّ كتاب الصدقات (٦) والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد
الاستقصاء (٧) حتى خيف عليه الدروس وأسرع في العلماء الموتُ أمر عمر
(١) بشرح ((التعليق الممجد)) للكنوي ٣٩١ طبع الهند - أصح المطابع.
باختلاف في اللفظ يسير .
(٢) أنظر ٣١٢/١ منه .
(٣) (( فتح الباري)) ١٩٤/١ - سلفية .
(٤) وانظر سنن الدارمي ١٣٦/١ و((تقييد العلم)) ١٠٥ و((الرسالة
المستطرفة)) ٧٦/١، وانظر أيضا ما كتبه الدكتور محمد مصطفى
الاعظمي في كتابه ((دراسات في الحديث النبوي)) ٧١/١-٨٣ .
(٥) هو عبد بن أحمد بن عبدالله الانصاري، المشهور بأبي ذر المتوفى
سنة ٤٣٥ ترجمته في ((تاريخ بغداد)) ١٤١/١١ و((المنتظم)) ١١٥/٨
و (التذكرة)) ١١٠٣ - ١١٠٨، وانظر ((تنوير الحوالك)) ٥/١ - ٦
(٦) وهو الذي كتبه أبو بكر لانس بن مالك رضي الله عنهما ، وقد رواه
البخاري ١٤٤٨ و١٤٥٠ و١٤٥١ و١٤٥٣ و١٤٥٤ و٢٤٨٧ و٣١٠٦
و ٥٧٨٧ و٦٩٥٥ وأبو داود ١٥٦٧ والدار قطني ١١٢/١ - ١١٦ وابن
الجارود رقم ٣٤٢ والحاكم ٢٩٠/١ والبيهقي ٨٤/٤ والخطيب في
(( تقييد العلم )» ٨٧ .
(٧) انظرها في ((دراسات في الحديث النبوي)) ٩٢/١-١٠١
١٠٧

ابن عبد العزيز أبا بكر ( بن) محمد بن حزم فيما كتب إليه : أن انظر
ما كان من سنّة أو حديث فاكتبه .
وفي ((هدي الساري))(١) مقدمة فتح الباري : أول من جمع ذلك
الربيع بن صبيح (٢) وسعيد (١٣ بن أبي عروبة وغيرهما وكانوا يصنفون
كل باب على حدة إلى أن انتهى الأمر إلى كبار الطبقة الثالثة وزمن جماعة
من الأئمة مثل عبد الملك بن جريج ومالك بن أنس وغيرهما ، فدونوا
الحديث حتى قيل : إن أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جريج
وقيل : موطأ مالك . وقيل : أول من صنف وبوّب الربيع بن صبيح
بالبصرة.
وقال القسطلاني (٤): صنف مالكٌ الموطأ بالمدينة وعبد الملك بن
جريج بمكّة وعبد الرحمن الأوزاعي بالشام وسفيان الثوري بالكوفة وحمّاد
ابن سلمة بن دينار بالبصرة ثم تلاهم كثير من الأئمة في التصنيف . كل
على حسب ما سَنَحَ له وانتهى إليه علمه(٥). انتهى.
وانتشر جمعُ الحديثِ وتدوينهُ وتسطيرُه في الأجزاء والكتب وكثر
ذلك وعظم نفعه إلى زمن الإمامين العظيمين أبي عبد الله محمد بن إسماعيل
(١) مختصرا من ((هدي الساري)) ص ٦ .
(٢) المتوفى سنة ١٦٠ هـ. ترجمته في ((طبقات ابن سعد)) ٧ / ٢٧٧
و " الحلية)) ٣٠٤/٦ و((التهذيب)) ٢٤٧/٣، وانظر لزاما ((المحدث
الفاصل ٨ ٦١١
(٣) تحرف في الاصل الى: سعد، والصواب ما أثبتنا، وهو المتوفى
سنة ١٥٦ هـ. ترجمته في ((طبقات خليفة)) ٢٢٠ و((الجرح والتعديل))
٦٥/٤ و((خلاصة تذهيب تهذيب الكمال)) ١٤١ وانظر ((تذكرة
الحفاظ)) ١٧٧ و((الميزان)) ١٥١/٢.
(٤) هو أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك، المتوفى سنة ٩٢٣ هـ.
له ترجمة في ((الضوء اللامع)) ١٠٣/٢ و((الكواكب السائرة ١٢٦/١-
١٢٧ و((الشذرات)) ١٢١/٨. وقوله هذا في ((ارشاد الساري))
ص ٧/١
(٥) راجع (دراسات في الحديث النبوي)) ٧٢/١
١٠٨

البخاري وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري فدَوَّنا كتابيهما وأثبتا
فيهما من الأحاديث ما قطعا بصحته وثبت عندهما نقله وسَمَّياه (الصحيحين))
من الحديث، ولقد صدقا فيما قالا - واللّهُ بجازيهما عليه - ولذلك رزقهما
الله تعالى حُسْنَ القَبول شرقاً وغرباً، ثم زاد انتشار هذا النوع من التصنيف
وكثر في الأيدي وتفرقت أغراض الناس وتنوعت مقاصدهم إلى أن انقرض
ذلك العصر الذي قد اجتمعوا واتفقوا فيه مثل أبي عيسى محمد بن عيسى
الترمذي ومثل أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني وأبي عبد الرحمن
أحمد بن سعيد النسائي وغيرهم (١) ، فكان ذلك العصر خلاصة العصور في
تحصيل هذا العلم وإليه المنتهى. كذا في ((كشف الظنون)) (٢).
وقال ابن خلدون(٣): وكان علم الشريعة في مبدأ هذا الأمر نقلاً صرْفاً
شَمَرَ لها السلفُ وتحرّوا الصحيح حتى أكملوها وكتب مالك كتاب الموطأ
أودعه أصول الأحكام من الصحيح المتفق عليه ورتبه على أبواب الفقه ،
ثم عُفِيَ الحفاظ بمعرفة طرق الأحاديث وأسانيدها المختلفة وربما يقع
إسناد الحديث من طرق متعددة عن رواة مختلفين ، وقد يقع الحديث أيضاً
في أبواب متعددة باختلاف المعاني التي اشتمل عليها . وجاء محمد بن إسماعيل
البخاري إمام المحدثين في عصره فخرج أحاديث السنّة على أبوابها في مسنده
الصحيح بجميع الطرق التي للحجازيين والعراقيين والشاميين واعتمد منها
ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه وكرر الأحاديث يسوقها في كل باب
بمعنى ذلك الباب الذي تضمنه الحديث فتكررت لذلك أحاديثه حتى يقال
انه اشتمل على تسعة آلاف حديث ومائتين منها ثلاثة آلاف متكررة ،
وفِرَقُ الطرقِ والأسانيد عليها مختلفة في كل باب .
(١) ستأتي تراجمهم مستوفاة ان شاء الله .
(٢) (كشف الظنون)) ٦٣٧/١ بتصرف يسير .
(٣) في (( مقدمته)) المشهورة ٤٢}
١٠٩

ثم جاء الإمام مسلم بن الحجاج القشيري ، فألف مسندَه الصحيح حذا
فيه حَذْوَ البخاري في نقل المجمع عليه وحَذَفَ المتكرر منها وجمع الطرق
والأسانيد وبوبه على أبواب الفقه ونراجمه ومع ذلك فلم يستوعبا الصحيح كله.
وقد استدرك الناس عليهما في ذلك ، ثم كتب أبو داود السجستاني
وأبو عيسى الترمذي وأبو عبد الرحمن النسائي في السنن بأوسع من
الصحيح وقصدوا ما توفرت فيه شروط العمل إما من الرتبة العالمية في
الأسانيد - وهو الصحيح كما هو معروف - ، وإما مِنَ الذي دونه من
الحَسَنِ وغيره ليكون ذلك إماماً للسنّة والعمل ، وهذه هي المسانيد
المشهورة في الملة ، وهي أمهات كتب الحديث في السنّة فإنها - وإن
تعددت - ترجع إلى هذه في الأغلب ، ومعرفة هذه الشروط الاصطلاحات
كلها هي علم الحديث . وربما يفرد عنها الناسخ والمنسوخ فيجعل فتّاً
برأسه . وكذا الغريب والناس فيه تآليف مشهورة (١)، انتهى.
ثم نَقَصَ ذلك الطلبُ وقل الخرصُ وفترت الهممُ وكذلك كل نوع
من أنواع العلوم والصنائع والدول وغيرها فإنه يبتدىء قليلاً قليلاً ولا يزال
ينمو ويزيد إلى أن يصل إلى غاية هي منتهاه ثم لا يعود وكان غاية هذا العلم
انتهت إلى البخاري ومسلم ومن كان في عصرهما ، ثم نزل وتقاصر إلى
ما شاء الله تعالى حتى لا يوجد اليوم ممن يعلم الحديث واحد في الجمع
الجم من الناس (٢). وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الناس
(١) وسيأتي - ان شاء الله تعالى - بيان شيء من ذلك.
(٢) قاله المؤلف رحمه الله في عصره ، بالرغم من أنه قد وجد علماء
كثيرون اهتموا بعلم الحديث ، ودراسته وتدريسه والتصنيف فيه ،
فكيف في عصرنا هذا ؟؟ لكن - ولله الحمد - يلحظ القاصي والداني
من طلاب العلم أن علم الحديث في هذه الايام يشهد أوبة حميدة لعلها
تعيد ما قد ذهب من أمجاد هذا الفن الشريف .
١١٠

كالإبل المائة لا تكاد توجد فيها راحلة))(١) وإنما هم كحفالة الشعير (٢)
فإنا لله وإنا إليه راجعون .
(١) رواه البخاري ٦٤٩٨ ومسلم ٢٥٤٧ والترمذي ٢٨٧٢ وابن ماجه
٣٩٩٠ وأحمد ٧/٢، ٤٤، ٧٠، ٨٨، ١٠٩ ١٢١٠، ١٢٢، ٠١٢٣ ١٣٩
والبغوي ٤١٩٥ من طرق عن ابن عمر. وانظر ((النهاية)) ٢٠٩/٢
و (( الفتح)) ٣٣٥/١١
(٢) هي بمعنى : حثالة ، وهو الرديء من كل شيء، والنفاية من الحب
وانتمر والشعير ونحوها .
١١١

الفصل الثالث
في اختلاف الأغراض في تصانيف علم الحديث
اعلم أن هذا العلم على شرفه وعلو منزلته كان علماً عزيزاً مشكل
اللفظ والمعنى ، ولذلك كان الناس في تصانيفهم مختلفي الأغراض . فمنهم
من قصر همته على تدوين الحديث مطلقاً ليحفظ لفظه ويستنبط منه الحكم
كما فعله عبد الله بن موسى الصبي (١) وأبو داود الطيالسي (٢) وغيرهما
أولاً (٤)، وثانياً أحمد بن حنبل (٤) ومَنْ بعده فإنهم أثبتوا الأحاديث من
مسانيد رواتها (٥) فيذكرون مسند أبي بكر الصديق ويثبتون فيه كل ما رووه
عنه ثم يذكرون بعده الصحابة واحداً بعد واحد على هذا النسق .
(١) كذا الاصل ، وهو تحريف ، والصواب : عبيدالله بن موسى العبسي
المتوفى سنة ٢١٣ له ترجمة في ((التذكرة)) ٣٥٣ و((النجوم الزاهرة))
٢٠٧/٢ و ((الشذرات)) ٢٩/٢
(٢) هو سليمان بن داود، المتوفى سنة ٢٠٣ ترجمته في ((تاريخ بغداد))
٢٤/٩ و((التذكرة)) ٣٥٠١ و ((الخلاصة)) ١٢٨
(٣) وانظر ((الرسالة المستطرفة)) ٦١
(٤) هو إمام أهل السنة والجماعة المتوفى سنة ٢٤١ ترجمته في ((تاريخ
بغداد)) ٤١٢/٤ و((الحلية)) ١٦١/٩ و((التذكرة)) ٤٣١/٢
(٥) انظر الكلام على المسانيد في ((التدريب)) ١٧١/١ و((الرسالة المستطرفة))
٥٥-٥٦
١١٢

قال القسطلاني (١): فمنهم من رنب على المسانيا كالإمام أحمد بن
حقبل وإسحاق بن راهويه (١) وأبي بكر بن أبي شيبة (٣) وأحمد بن منيع(٤)
وأبي خيشة (٥) والحسن بن سفيان (٦) وأبي بكر البزار (٧) وغيرهم انتهى.
ومنهم من يثبت الأحاديث في الأماكن التي هي دليل عليها فيضعون
لكل حديث باباً يختص به فإن كان في معنى الصلاة ذكروه في باب الصلاة
وإن كان في معنى الزكاة ذكروه فيها، كما فعل مالك في ((الموطأ)) إلاّ أنه
لقلة ما فيه من الأحاديث قَلّت أبوابُه، ثم اقتدى به من بعده ، فلمّا
انتهى الأمر إلى زمن البخاري ومسلم وكثرت الأحاديث المودَعَةُ في
كتابيهما (٨) ( كثرت أبوابُهما) واقتدى بهما مَن جاء بعدهما .
وهذا النوع أسهل مَطْلباً من الأول لأن الإنسان قد يعرف المعنى
وإن لم يعرف راويه بل ربما لا يحتاج إلى معرفة راويه . فإذا أراد حديثاً
(١) في ((ارشاد الساري)) ٧/١
(٢) المتوفى سنة ٢٣٨ ترجمته في ((تهذيب ابن عساكر)) ٤٠٩/٢ و((تاريخ
بغداد)) ٣٤٥/١ و((النجوم الزاهرة)) ٢٨٢/٢ و((التذكرة)) ٢/
٤٣٢ ٠
(٣: هو عبد الله بن محمد بن ابراهيم بن عثمان العبسي الكوفي المتوفى
سنة ٢٣٥ ترجمته في ((تاريخ بغداد)) ٦٦/١٠ و((النجوم الزاهرة))
٢٨٢/٢ و((التذكرة)) ٤٣٢/٢
(٤) المتوفى سنة ٢٤٤ ترجمته في ((التذكرة)) ٤٨١ و((التهذيب)) ٨٤/١
و (( الخلاصة)» ١١
(٥) هو زهير بن حرب، المتوفى سنة ٢٣٤ ترجمته في ((تاريخ بغداد))
٤٨٢/٨ و((التذكرة)) ٤٣٧/٢ و((الشذرات)) ٨٠/٢
(٦) المتوفى سنة ٣٠٣ ترجمته في ((التذكرة)) ٧٠٣/٢ و((النجوم الزاهرة))
١٨٩/٣ و((الوافي بالوفيات)) ٣٢/١٢-٣٣
(٧) هو أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري، المتوفى سنة ٢٩٢ هـ.
ترجمته في ((تاريخ بغداد)) ٣٣٤/٤ و((النجوم الزاهرة)) ١٥٧/٣
و (( الشذرات » ٢٠٦/٢
(٨) سقطت من الاصل واستدركتها من ((كشف الظنون))
الحطة -٨
١١٣

يتعلق بالصلاة طلبه من كتاب الصلاة لأن الحديث إذا أورد في كتاب الصلاة
عَلَمَ الناظرُ أن ذلك الحديث هو دليل ذلك الحكم فلا يحتاج إلى أن يفكّر
فيه بخلاف الأول .
ومنهم من استخرج أحاديثَ تتضمن ألفاظاً لغوية ومعانيَ مشكلة
فوضع لها كتاباً قصره على ذكر متن الحديث وشرح غريبه وإعرابه ومعناه
ولم يتعرض لذكر الأحكام ، كما فعل أبو عبيد القاسم بن سلام (١) وأبو
محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (٢) وغيرهما .
ومنهم من رتب على العلل بأن يجمع في كل متن طرقه واختلاف الرواة
فيه بحيث يتضح إرسال ما يكون متصلاً أو وقف ما يكون مرفوعاً أو
غير ذلك .
ومنهم من قصد إلى استخراج أحاديث تتضمن ترغيباً وترهيباً وأحاديث
تتضمن أحكاماً شرعية غير جامعة فدوتها وأخرج متونها وحدها كما فعله
أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي في ((المصابيح)) (٣) واللؤلؤي في
(( المشكاة)) (٤) وغير هؤلاء فإنهما حذفا الإسناد واقتصرا على المتن فقط.
(١) المتوفى سنة ٢٢٤ هـ ترجمته في ((تاريخ بغداد)) ٤٠٣/١٢ و((تذكرة
الحفاظ)) ٤١٧/٢ و((وفيات الأعيان)) ٦٠/٤، وكتابه ((غريب الحديث))
طبع في الهند سنة ١٩٦٤، في أربع مجلدات ، وصور مؤخرا في بيروت.
(٢) هو الدينوري، المتوفى سنة ٢٧٦ ترجمته في ((تاريخ بغداد)) ١٧٠/١٠
و(المنتظم)) ١٠٢/٥ و((الوفيات)) ٤٢/٣ وقد طبع قسم من كتابه
في الهند ثم طبع حديثا طبعة محققة في العراق
(٣) الملقب بـ ((محيي السنة)) وقد توفي سنة ٥١٦ ترجمته في ((التذكرة))
٢٥٧/٤ و(البداية والنهاية)) ١٩٣/١٢ و((الشذرات)) ٤٨/٤، وانظر
الكلام على كتابه في ((كشف الظنون)) ١٦٩٨/٢ - ١٧٠٢ .
(٤) لم أعرف اللؤلؤي هذا، وليست ((المشكاة)) له، وانما هي للامام محمد
ابن عبدالله التبريزي: المعروف بالخطيب، توفي سنة ٧٤١ ترجمته في=
١١٤

ومنهم من أضاف إلى هذا الاختيار ذكر الأحكام وآراء الفقهاء مثل
أبي سليمان حَمْدٍ بن محمد الخطابي (١) في ((معالم السنن)) و((إعلام السنن)) (٢)
ومنهم من قصد ذكر الغريب دون المتن من الحديث واستخرج الكلمات
الغريبة ودوَّنها ورتبها وشرحها كما فعل أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي
الباشاني ( م. ٤٠١ ) (٣)، وغيره من العلماء .
وبالجملة فقد كثرت في هذا الشأن التصانيفُ ، وانتشرت في أنواعه
وفنونه التآليف ، واتسعت دائرة الرواية في المشارق والمغارب ، واستثارت
مناهج السنّة لكل طالب ، ولكن لما كان أولئك الأعلام هم السابقون فيه
لم يأت صنيعهم على أكمل الأوضاع فإن غرضهم كان أوّلاً حفظ الحديث
مطلقاً وإثباته ودفع الكذب عنه والنظر في طرقه ، وحفظ رجاله وتزكيتهم
واعتبار أحوالهم والتفتيش عن أمورهم حتى قدحوا وجرحوا وعدلوا
وأخذوا وتركوا هذا بعد الاحتياط والضبط والتدبر ، فكان هذا مقصدهم
الأكبر وغرضهم الأوْفى (٤)، ولم يتسع الزمان لهم والعمر لأكثر من هذا
((الاعلام)) ٢٣٤/٦ و((معجم المؤلفين)) ٢١١/١٠ وانظر ((كشف الظنون))
١٦٩٩/٢، ونقل الكتاني في ((الرسالة المستطرفة)) ص ٩ - محققة .
كلاما ككلام المصنف هذا، وذكر فيه اللؤلؤي ومشكاته ، ولم يعلق بشيء.
(١) المتوفى سنة ٣٨٨ هـ ترجمته في ((المنتظم)) ٣٩٧/٦ ((التذكرة)) ٣/
١٠١٨ و((طبقات السبكي)) ٢٨٢/٣ وقد تحرفت كنيته عند فؤاد
سزكين في ((تاريخ التراث)) ٥١٨/١ الى: ((أبو سهيل)).
(٢) ((المعالم)) شرح لسنن أبي داود، وهو مطبوع عدة طبعات، و((الاعلام
شرح لصحيح البخاري ، ولا يزال مخطوطا، وانظر (( تاريخ التراث
العربي)) ٣١٢/١ - ٣١٣ لفؤاد سزكين.
(٣) ترجمته في (معجم الأدباء)) ٢٦٠/٤، و((طبقات السبكي)) ٢٤/٤.
و ((الشذرات)) ١٦١/٣ ويقال في نسبته: الفاشاني، بالفاء، قيدها
بالحروف ابن خلكان في ((وفيات الاعيان)) ٩٦/١، وقد طبع الجزء
الاول منه في مصر ، عام ١٩٧٠ بتحقيق محمود محمد الطناحي .
(٤) تحرفت في الاصل الى: ((الاولى)).
١١٥

الغرض الأعم والمهم الأعظم ، ولا رأوا في أيامهم أن يشتغلوا بغيره من
لوازم هذا الفن التي هي كالتوابع ، بل ولا يجوز لهم ذلك فإن الواجب أولاً
إثبات الذات ثم ترتيب الصفات . والأصل إنما هو عين الحديث ثم ترتيبه
وتحسين وضعه ، ففعلوا ما هو الغرض المتعين واخترمتهم المنايا قبل الفراغ
والتخلي لما فعله التابعون لهم والمقتدون بهم فتعبوا لراحة (١) من بعدهم.
ثم جاء الخلَفُ الصالح فأحبوا أن يُظهروا تلك الفضيلة ويشيعوا "لمك
العلوم التي أفنوا أعمارهم في جمعها إما بإبداع ترتيب أو بزيادة تهذيب
أو اختصار أو تقريب أو استنباط حكم أو شرح غريب . فمن هؤلاء
المتأخرين من جمع بين كتب الأولين بنوع التصرف والاختصار كمن
جمع بين كتابي البخاري ومسلم مثل أبي بكر أحمد بن محمد الرماني (٢)
وأبي مسعود إبراهيم بن محمد بن عُبِيْد الدمشقي (٣) وأبي عبد الله محمد
الحميدي (٤) فإنهم رتبوا على المسانيد دون الأبواب كما سبق (٥)، وتلاهم
أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري (٦) ، فجمع بين كتب البخاري ومسلم
و ((الموطأ)) لمالك و((جامع)) الترمذي وسنن أبي داود والنسائي، ورتب
(١) تحرفت في الاصل الى: ((الراحة)).
(٢) ترجمته ومصادرها تقدمت وقد تحرفت نسبته في ((الأصل))
الى: الرماتي، بالميم، وفي ((كشف الظنون)) الى: الرّقاني، بالقاف،
وكلاهما خطأ، وانظر ((أنساب السمعاني)) ١٥٧/٢ وعن كتابه ((تاريخ
التراث العربي)) ١ /٥٦٠ .
(٣) توفى سنة ٤٠٠ هـ ترجمته في ((التذكرة)) ١٠٦٨ و((البداية والنهاية))
٣٤٤/١١ و((الشذرات)) ١٦٢/٣، وانظر الكلام عن كتابه في ((كشف
الظنون)) ١١٦/١ .
(٤) مرت ترجمته ومصادرها وانظر الكلام عن كتابه في ((كشف
الظنون)) ١ /٥٦٩ ، ٥٦٠
(٥) وانظر ((تاريخ التراث العربي)) ٣٤٥/١ - ٣٤٦، ٣٦٧ - ٣٦٨.
(٦) ترجمته في ((الديباج المذهب)) ٣٦٧/١، و((الشذرات)) و((شجرة
النور الزكية)) ١٣٣/١ وانظر ((كشف الظنون)) ٣٤٥/١ وقد تحرف
اسمه في الاصل الى : العبدي .
١١٦

على الأبواب إلاّ أن هؤلاء أودعوا متون الحديث عارية من الشرح . وكان
كتاب رزين أكبرها وأعمها حيث حوى هذه الكتب الستة التي هي أم كتب
الحديث وأشهرها ، وبأحاديثها أخذ العلماء واستدل الفقهاء وأثبتوا الأحكام ،
ومصنفوها أشهر علماء الحديث وأكثرهم حفظاً وإليهم المنتهى .
وتلاه الإمام أبو السعادات مبارك بن محمد بن الأثير الجزري (١) فجمع
بين كتابي رزين وبين الأصول الستة بتهذيبه وترتيب أبوابه وتسهيل مطلبه
وشرح غريبه في ((جامع الأصول)) (٢) فكان أجمع ما جمع فيه .
ثم جاء الحافظ جلال الدين السيوطي فجمع بين الكتب الستة والمسانيد
العشرة وغيرها في (( جمع الجوامع)) (٢)، فكان أعظم بكثير من ((جامع
الأصول)) من جهة المتون إلاّ أنه لم يبان بما صنع فيه من جمع الأحاديث
الضعيفة بل الموضوعة ، وكان أول ما بدأ فيه هؤلاء المتأخرون أنهم حذفوا
الأسانيد اكتفاء بذكر من روى الحديثَ من الصحابي - إن كان خبراً-
وبذكر من يرويه عن الصحابي - إن كان أثراً - والرمز إلى المُخَرّج ،
لأن الغرض ممّنْ ذَكَرَ الأسانيدَ كان أولاً إثبات (٤) الحديث وتصحيحه
وهذه كانت وظيفة الأولين . وقد كفوا تلك المؤنة فلا حاجة بهم إلى ذكر
ما فرغوا منه كذا في ((كشف الظنون)) (٥) .
(١) تقدمت ترجمته .
(٢) قد مر الكلام عليه في المقدمة، وانظر: ((كشف الظنون)):
٥٣٥/١ - ٠٥٣٧
(٣) قد بدىء بطبعه في دمشق وفي الهند، لكن الهيئة العامة للكتاب في مصر
قامت مؤخرا بتصوير مخطوطته الاصلية وطبعها بالاوفست على حالها
دون تحقيق ، وهي نسخة جيدة ، فيسرت بذلك على طلبة العلم .
وسهلت لهم مراجعة هذا الكتاب الجامع الماتع ، بعد أن كان ذلك غير
يسير عليهم ، فالحمد لله على توفيقه .
(٤) في ((الكشف)): لا ثبات .
(٥) (كشف الظنون)) ٦٣٨/١ - ٦٤٠ باختصار .
١١٧

الفصل الرابع
في أنواع كتب الحديث كثر الله سوادها
ذكر المولى عبد العزيز المحدث الدهلوي (١) في ((العجالة النافعة)) (٢)
ما نصه بالعربية : إن كتب الحديث لها طرق متنوعة ، كالجوامع ، والجامع
في اصطلاح المحدثين (٣) ما يوجد فيه جميع أقسام الحديث ، أي : أحاديث
العقائد وأحاديث الأحكام وأحاديث الرقاق وأحاديث آداب الأكل والشرب
وأحاديث السفر والقيام والقعود والأحاديث المتعلقة بالتفسير والتاريخ والسير
وأحاديث الفتن وأحاديث المناقب والمثالب . وقد صنف علماء الحديث في
كل فن من هذه الفنون الثمانية تصانيفَ مفردةً .
فأحاديث العقائد منها تسمى علم التوحيد وفيه كتاب (( التوحيد ))
لأبي بكر بن خزيمة (٤) وكتاب (( الأسماء والصفات)) للبيهقي (٥) .
وأحاديث الأحكام من كتاب الطهارة إلى كتاب الوصايا على ترتيب
(١) المتوفى سنة ١٢٣٩ ترجمة المصنف في ((أبجد العلوم)) ٢٤٤/٢-٢٤٥))
وله ترجمة في ((ايضاح المكنون)) ١٨٢/١ و((الاعلام)) ١٥،١٤/٤.
(٢) انظر الكلام على هذا الكتاب في ((فهرس الفهارس)) ٤٧٨/٢ الطبعة الثانية
(٣) لمعرفة ((الجوامع)) والكلام عليها، راجع ((توضيح الأفكار)) ١٥/٢
و (( الرسالة المستطرفة)) ٣٢ .
(٤) هو محمد بن اسحاق بن خزيمة، المتوفى ٣١١ هـ ترجمته في ((التذكرة))
٧٢٠/٢، و((البداية والنهاية)) ١٤٩/١١ و((طبقات القراء)) لابن
الجزري ٩٧/٢، وكتابه مطبوع في مصر، باعتناء الشيخ محمد خليل هراس
(٥) هو أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ وترجمته في
((التذكرة))١١٣٢/٣، و((طبقات السبكي)) ١٨/٤ و((النجوم الزاهرة))
١٧٧/٥ وقد طبع كتابه مرتين ، الأولى في الهند، عام ١٣١٣ هـ والثانية
في مصر عام ١٣٥٨ ، وله نسخة مخطوطة في مكتبة فيض الله باستانبول.
رقمها ١٣٠٧ كتبت سنة ٥٧٧ وعدد أوراقها ٢٠٥ ورقات .
ويقوم باعادة تحقيقها والرد على التعليقات الكوثرية التي عليها أخونا
الدكتور عبدالرحمن الفريوائي ، حفظه الله ووفقه .
٠١١٨

الفقه تسمى ((سنناً)) (١) والكتب المصنفة فيها أكثر من أن تحصر . قلت :
وذكرت قسطاً منها في كتابي ((المسمى بـ ((جنان المتقين)) ذيل بستان
المحدثين . انتهى .
وأحاديث الرقاق تسمى ((علم السلوك والزهد))، وفيه كتاب ((الزهد))
للإمام أحمد وعبد الله بن المبارك (٢) وجماعة أخرى (٢).
وأحاديث الآداب يقال لها: ((علم الأدب))، وللبخاري فيه كتاب
مبسوط موسوم بـ ((الأدب المفرد )) (٤).
والأحاديث المتعلقة بالتفسير تسمى ((علم التفسير)) كتفسير ابن
مردويه (٥) وتفسير الديلمي (٦) وتفسير ابن جرير (٧) ، فإنها من مشاهير
(١) انظر ((الرسالة المستطرفة)) ٢٥ و((منهج النقد في علوم الحديث)) ١٨٣
(٢) والكتابان مطبوعان، الاول في مصر باعتناء الشيخ عبد الرزاق حمزه ،
والثاني في الهند بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الاعظمي .
(٣) انظر البحث الدي كتبه الاخ الاستاذ عبدالرحمن الفريوائي، الذي استقصى
فيه أسماء الكتب التي الفت في ((الزهد والاخلاق)) في مجلة ((الجامعة
السلفية)) التي تصدر في الهند ، المجلد الخامس عشر، العدد الثامن
شوال ١٤٠٣ - ص ٢٧ - ٣٦ فانه جامع .
(٤) وقد طبع طبعات عدة، في استنبول والهند وأكرا والقاهرة وبيروت
وغيرها وله شرح لفضل الله الجيلاني اسمه ((فضل الله الصمد في توضيح
الأدب المفرد)» وهو مطبوع في القاهرة سنة ١٣٤٦ هـ .
(٥) هو احمد بن موسى، المتوفى سنة ٤١٠ هـ ترجمته في ((ذكر أخبار
أصبهان)) ١٦٨/١ وتذكرة الحفاظ ١٠٥/٣ و((طبقات المفسرين))
الداودي ٩٣/١، وانظر ((تاريخ التراث العربي ٥٥١/١ و((كشف
الظنون)) ٤٣٩/١ .
(٦) لم أجد تفسيرا اسمه ((تفسير الديلمي)) فيما تيسر لدي من مصادر
بالرغم من أن صاحب ((الرسالة المستطرفة)) ٥٧ - ٥٩ اجتهد ان
يستقصي أسماء التفاسير التي يذكر فيها اصحاب الاحاديث فلم يذكر
هذا منها، أما الديلمى المشهور: صاحب ((فردوس الاخبار)) فهو :
شيرويه بن شهر دار بن شيرويه بن فناخسرو ، المتوفى سنة ٥٠٩ ترجمته
في ((طبقات الشافعية)) ٢٣٠/٤ و(تذكرة الحفاظ)) ٥٣/٤، ٥٤ .
و ((الشذرات)) ٢٣/٤، ٢٤ .
(٧) هو محمد بن جرير: المتوفى سنة ٣١٠ ترجمته في ((تاريخ بغداد)) =
١٩ ١١

تفاسير الحديث وكتاب ((الدر المنثور))(١) يجمعها كلها (٢).
وأما أحاديث التواريخ والسير فهي قسمان :
قسم يتعلق بخلق السماء والأرض والحيوانات والجن والشياطين والملائكة
والأنبياء الماضين والأمم السابقين ويسمى بدء الخلق .
وقسم يتعلق بوجود النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه الكرام وآله
العظام من بدء ولادته إلى وفاته ويسمى سيرة كسيرة ابن إسحاق (٣) وسيرة
ابن هشام (٤) وسيرة ملا عمر (٥) .
والكتب المصنفة في هذا الباب أيضاً كثيرة جداً . قلت : وجملتها
= ١٦٢/٢ و((غاية النهاية)) ١٠٦/٢ و((تهذيب الأسماء واللغات)) ٧٨/١
وهو مطبوع مرتين ، الأولى من غير تحقيق في المطبعة الاميرية عام ١٣٢٦
قد طبع منه خمسة عشر جزء محققا الشيخ محمود محمد شاكر في دار
المعارف، وقد شاركه في مراجعة الاجزاء الاولى وتخريج أحاديثها شقيقه
العلامة المحدث أحمد شاكر رحمه الله .
(١) هو للجلال السيوطي، وقد طبع عام ١٣١٤ هـ في مصر بالمطبعة الميمنية
بستة مجلدات، وانظر ((الرسالة المستطرفة)) : ١٤٦ .
(٢)، وراجع: ((التفسير والمفسرون)) للدكتور الذهبي ١٥٤/١ - ٢٥٥.
(٣) هو محمد بن اسحاق بن يسار، المتوفى سنة ١٥١ ترجمته في ((تاريخ
بغداد)) ٢١٤/١ و((التذكرة)) ١٧٢/١ و((التهذيب)) ٣٨/٩، وكتابه
في السيرة طبع قسم منه باسم ((السير والمغازي)) باعتناء الدكتور سهيل
الزكار في دمشق عام ١٩٧٦، وانظر ((الرسالة المستطرفة)) ص ٨٠ ،
و ((كشف الظنون)) ١٠١٢/٢ .
(٤) هو عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، المتوفى سنة ٢١٨ هـ
ترجمته في ((البداية والنهاية)) ٢٦٧/١٠ و((وفيات الاعيان ))١٧٧/٣
و ((الشذرات)) ٤٥/٢، وقد طبع كتابه مرات عديدة ، أجودها الطبعة
التي قام على تحقيقها وضبطها والاعتناء بها مصطفى السقا ، وزميلاه ،
ونشرت في مصر، وانظر ((الرسالة المستطرفة)) ٨٠.
(٥) اشار اليها كاتب جلبي في ((كشف الظنون)) ١٠١٦/٢ وانظر ١٢٧٦/٢
منه .
١٢٠