Indexed OCR Text
Pages 41-60
الثاني : ما ينجلب به من المنافع الدنيويّة وهو وجداني وذوقي وجاهي رتبي ثم ما يجلبه العلم من الوجاهة والرتبة . وهي إمّا عند الله سبحانه وتعالى ، وإمّا عند الملأ الأعلى وإمّا عند الملأ الأسفل. الثالث : ما يندفع بالعلم من المضار الدينية . وهو نوعان : فعل النواهي وترك الأوامر . الرابع : ما يندفع به من المضار الدنيوية وهو أيضاً نوعان: الأول : دفع المصالح والمقاصد وجلب المعايب والمفاسد . الثاني : مضرة اجتلاب المفاسد برفض القانون الشرعي العاصم من كل ضلال . وفي الحديث السابق (١) المروي عن معاذ بن جبل إشارة إلى كل من هذه الأقسام الأربعة . فائدة أخرى [ فوائد العلوم ] لا شيء من العلم من حيث هو علم بصارٍ ولا شيء من الجهل من حيث هو جهل بنافع ، لأن في كل علم منفعة ، إمّا في أمر المعاد أو المعاش أو الكمال الإنساني. وإنما يتوهّم في بعض العلوم أنّه ضار أو غير نافع لعدم اعتبار الشروط التي تجب مراعاتها في العلم والعلماء . فإن لكلّ علم حدّاً لا يتجاوزه . فمن الوجوه المغلظة أن يظنّ بالعلم فوق غايته كما يظن بالطب أنّه يبرىء من جميع الأمراض وليس كذلك فإنّ منها ما لا يبرأ بالمعالجة . ومنها أن يظنّ بالعلم فوق مرتبته(٢) في الشرف كما يظن بالفقه أنّه (١) وقد تقدم تخريجه . (٢) في ((الاصل)): مرتبة . ٤١ أشرف العلوم على الإطلاق . وليس كذلك فإن علم التوحيد والكتاب والسنّة أشرف منه قطعاً . ومنها أن يقصد بالعلم غير غايته كمن يتعلم علماً للمان أو الجاه . فالعلوم ليس الغرض منها الاكتساب بل الاطلاع على الحقائق وتهذيب الأخلاق ، على أنّه من تعلم علماً للاحتراف لم يأتِ عالماً إنما جاء شبيهاً بالعلماء ، ولقد كوشف علماء ما وراء النهر (١) بهذا ونطفوا به لما بلغهم بناء المدارس ببغداد أقاموا مأتم العلم . وقالوا : كان يشتغل به أرباب الهمم العلية والأنفس الزكية الذين يقصدون العلم لشرفه والكمال به فيأتون علماء ينتفع بهم وبعلمهم . وإذا صار عليه أجرة تدانى إليه الأخسّاء وأرباب الكسل فيكون سبباً لارتفاعه . ومنها أن يمتهن العلم بابتذاله إلى غير أهله كما اتفق في علم الطب . فإنه كان في الزمن القديم حكمة موروثة عن النبوّة فصار مُهاناً لمّا تعاطاه اليهود بل زال العلم بهم . وما أحسنَ قولَ أفلاطون (٢): أن الفضيلة تستحيل في النفس الرديئة رذيلة كما يستحيل الغذاء الصالح في بدن السقيم إلى الفساد . ومنها أن يكون العلم عزيز المنال رفيع الرقيّ قلّما يتحصل غايته ويتعاطاه من ليس من أهله لينان من تمويهه غرضاً كما اتفق في علوم الكيمياء والسيمياء (٣) والسحر والطلسمات ، والعجب ممن يقبل دعوى من يدّعي علماً من هذه العلوم . فإن الفطرة قاضية بأن من يطلع على ذبابة من أسرار هذه العلوم يكتمها عن والده وولده . (١) يراد به ما وراء نهر جيحون بخراسان، وانظر ((معجم البلدان ))٥/ ٤٥-٤٧ و ((المراصد)) ١٢٢٣/٢ (٢) ترجمته في ((أخبار الحكماء)) للقفطي (١٣ - ٢١). (٣) انظر ((جامع العلوم في اصطلاحات الفنون)) للأحمد نكري (١٩٣/٢/ ٢٧٨ ) . ٤٢ ومنها ذمّ جاهل متعالم خهله إيّاه . فإن من جهل شيئاً أذكره وعاداه كما قيل المرء عدو لما جهله. وقال تعالى (كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ) (يونس - ٣٩). أو ذمّ جاهل متعالم لتعصبه على أهله بسبب من الأسباب . ولعل المراد من منع الأئمة عن تعليم بعض العلوم وتعلمه تخليص أصحاب العقول القاصرة من تضييع العمر وتوزيبه (١) بلا فائدة، فإنّ في تعليم أمثاله ليس له عائدة وإلاّ فالعلم إن كان مذموماً في نفسه لا يخلو تحصيله عن فائدة أقلها رد القائلين بها كالمنطق (٢) وغيره. فائدة أخرى [ شروط طلب العلم ] شرائط تحصيل العلم كثيرة : منها : ما نقل عن سقراط (٢) وهو قوله: ينْبَغي أن يكون الطالب شابّاً فارغَ القلب غيرَ ملتفتٍ إلى الدنيا، صحيحَ المزاج ، محبّاً للعلم ، بحيث لا يختار على العلم شيئاً من الأشياء صدوقاً (٤) منصفاً بالطبع، متديّناً أميناً عالماً بالوظائف الشرعية والأعمال الدينية غير مخلّ بواجب فيها ويحرّم على نفسه ما يحرم في ملة نبيه ويوافق الجمهور في محاسن الرسوم وشرائف العادات ، ولا يكون فظّاً سيّيء الخُلُق ، ويرحم من دونه في المرتبة ولا يكون أكولاً ولا متهتكاً ولا جامعاً للمال إلاّ بقدر الحاجة ، فإنّ الاشتغال بطلب أسباب المعيشة مانع عن التعلّم ، انتهى. (١) أي تسييله . (٢) أنظر ((مفتاح السعادة)) لطاش كبري زاده ٢٩٥/١-٣٠٣، و((مجموع "لفتاوي)) لشيخ الإسلام ابن تيمية ٢٦٩/٩-٢٧٠ (٣) ترجمته في ((أخبار الحكماء)) للقغطي (١٣٥-١٤٠). (٤) في ((الاصل)) : مصدوقا ! ٤٣ ومنها : تزكية الطالب عن الأخلاق الرديئة . ومنها : الإخلاص في مقامات (١) هذا المسلك وقطع الطمع عن قبول أحد، وتقليل العوائق حتى الأهل والأولاد والوطن ، فإنها صارفة شاغلة ( ما جَعَلَ اللّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) (الأحزاب - ٤) وترك الكسل وإيثار السهر في الليالي ، والعزم والثبات على التعلم إلى آخر العمر ، كما قيل : الطلبُ من المهد إلى اللحد . وقال تعالى لرسوله : ( وَقُلْ رَبّ زِدْني عِلْماً) (طه - ١١٤). وقال: (وَقَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم ) (يوسف: ٧٦). فإن مراتب الكمال متفاوتة ، وهي في حد ذاتها كثيرة . ومنها : اختيار معلم ناصح نقيّ الحسب كبير السنّ أمين متديّن ، لا يلابس الدنيا بحيث تشغله عن دينه ويسافر في طلب الأستاذ إلى أقصى البلاد . ويقال:أول ما يذكر من المرء أستاذه فإن کان جليلاً جلّ قدره وإذا وُجِدَ ، يُلقي إليه زمامَ أمره ويذعن لنصحه إذعان المريض للطبيب، ومنها: أن يأتي على ما قرأه مستوعباً لمسائله من مبادئه إلى نهايته بتفهيم واستثبات بالحجج ، وأن يقصد فيه الكتب الجيّدة المستندة وأن لا يعتقد في علم أنّه حصل منه على مقدار لا يمكن الزيادة عليه . فإن هذا طيش يوجب الحرمان . ومنها : المذاكرة مع الأقران والمناظرة مع الإخوان لما قيل : العلم (١) في ((الاصل)): مقاسات! ٤٤ غرس وماؤه درس ، لكن طلباً للثواب وإظهاراً للصواب ، لا لمماراة السفهاء ومجاراة العلماء (١). قيل : مطالعة ساعة خير من تكرار شهر ولكن مع منصف سليم الطبع ، صحيح الفكر ، مهذب النفس . ومنها : مراعاة مراتب العلوم في القرب والبعد من المقصد . فلكلّ منها رتبة ترتيباً ضرورياً بحسب الرعاية في التحصيل إذ البعض طريق إلى البعض ولكل علم حدّ لا يتعداه . فعليه أن يعرفه فلا يتجاوز ذلك الحد . ولهذه الشرائط تفاصيل ذُكرت في محلها . فائدة أخرى [ أهمية العلوم ] يقدم في تعليم العلوم الأهم" فالأهمّ فيه، والوسيلة مقدمة على المقصد كما أن المباحث اللفظية مقدمة على المباحث المعنوية لأن الألفاظ وسيلة إلى المعاني والتحقيق أن تقدم العلم على العلم لثلاثة أمور : إمّا لكونه أهمّ منه كتقديم فرض العين على فرض الكفاية وهو على المندوب إليه وهو على المباح ، وكتقديم الكتاب والسنّة على الإجماع والقياس . وكتقديم السنن على البدع . وإمّا لكونه وسيلة إليه . · إمّا لكون موضوعه جزءاً من موضوع العلم الآخر، والجزء مقدم على الكلّ فيقدم الصرف على النحو . وربما يقدم علم على علم لا لشيء منها بل الغرضُ : التمرينُ على (١) كما في حديث كعب بن مالك عند الترمذي (٢٦٥٤) وابن ماجة (٢٥٣) وحديث جابر بن عبدالله عند ابن ماجة (٢٥٤) والحاكم (٨٦/١) وابن حبان ( ٩٠ - موارد ) ، وهي أحاديث صحيحة بشواهدها . ٤٥ إدراك المعقولات كما أن طائفة من القدماء قدموا تعليم الحساب وكثيراً ما يقدم الأهون فالأهون ، ولذا قدم المصنّفون في كتبهم النحو على الصرف، ولعلهم راعوا في ذلك أنّ الحاجة إلى النحو أمسّ، ثم انه يختلف فروض الكفاية في التأكيد وعدمه بحسب خلو الأعصار والأمصار فرُبَّ مصر لا يوجد فيه من يقيم الفريضة إلاّ واحد أو اثنان ويوجد فيه عشرون فقيهاً فيكون تعلم الحساب (١) فيه آكد من أصول الفقه والواجب علمه هو فرض عين . وهو كل ما أوجبه الشرع على الشخص في خاصة نفسه . وما أوجبه على المجموع ليعملوا به لو قام أحد لسقط عن الباقين يسمى فرض كفاية . والعلوم التي هي فروض كفاية على المشهور : كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمر الدنيا وقانون الشرع كفهم الكتاب والسنّة وحفظهما من التحريفات ومعرفة الاعتقاد بإقامة البرهان عليه منهما ، وإزالة الشبهة ومعرفة الأوقات والفرائض والأحكام الفرعية ، وحفظ الأبدان والأخلاق والسياسة. وكلّ ما يتوصل به إلى شيء من هذه كعلم اللغة والتصريف والنحو والمعاني والبيان ومعرفة الأنساب والحساب إلى غير ذلك من العلوم التي هي وسائل إلى هذه المقاصد وتفاوت درجاتها في التأكيد بحسب الحاجة إليها . فائدة أخرى .[ أخذ العلم عن أهله ] الرحلة في طلب العلم مفيدة . وسبب ذلك أنّ البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما ينتحلونه من المذاهب تارةً علماً وتعليماً، وإلقاءً، وتارةً محاكاة وتلقيناً بالمباشرة ، إلاّ أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكاماً وأقوى رسوخاً . فعلى قدر (١) انظر (ابجد العلوم)) للمصنف رحمه الله (٢٣٨/٢-٢٤٤)، وقال السيوطي في ((حسن المحاضرة)) (٣٣٨/١) عن نفسه: وأما علم الحساب فهو أعسر شيء عليَّ، وأبعده عن ذهني ، واذا نظرت في مسألة تتعلق به فكأنما أحاول جيلا أحمله !! ٤٦ كثرة الشيوخ يكون حصول الملكة ورسوخها ، والاصطلاحات أيضاً في تعليم العلوم مُخْلِطة على المتعلم حتى لقد يظن كثير منهم أنها جزء من العلم ولا يدفع عنه ذلك إلاّ مباشرته لاختلاف الطرق فيها من المعلمين ، فلقاء أهل العلوم وتعدد المشايخ يفيده تمييزّ الاصطلاحات بما يراه من اختلاف طرقهم فيها فيجرد العلم عنها ، ويعلم أنها إنهاء تعليم ، وتنهض قواه إلى الرسوخ والإحكام في الملكات . فالرحلة لا بدّ منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال . ومن تشوق بفطرته إلى العلم ممن نشأ في القرى ولا يجد فيها التعليم لا بدّ له من الرحلة في طلبه إلى الأمصار . فائدة أخرى [ بين الحفظ والفهم ] الحفظ غير الملكة العلمية ، ومن كان عنايته بالحفظ أكثر من عنايته إلى تحصيل الملكة لا يحصل إلى طائل من ملكة التصرف في العلم ، ولذلك ترى من حصل الحفظ لا يحسن شيئاً من الفن وتجد ملكته قاصرة في علمه إن فاوض أو ناظر . ومن ظنّ أنه المقصود من الملكة العلمية فقد أخطأ وإنما المقصودُ هو ملكة الاستخراج والاستنباط وسرعة الانتقال من الدوال إلى المدلولات ومن اللازم إلى الملزوم، وبالعكس ، فإنْ ضم إليها ملكة الاستحضار فنعم المطلوب وهذا لا يتمّ بمجرد الحفظ من أسباب الاحتضار(١) وهو راجع إلى جودة القوة الحافظة وضعفها. وذلك من أحوال الأمزجة الخُلقية وإنْ كان مما يقبل العلاج . نقل الرازيّ عن الحكماء : إن الفهم والحفظ لا يجتمعان على سبيل الكمال ، لأن الفهم يستدعي مزيد رطوبة في الدماغ ، والحفظ يستدعي مزيد يبوسة فيه . والجمع بينهما على سبيل التساوي ممتنع عادة . (١) كذا ((الأصل)) ولعل الصواب: الاستحضار ! ٤٧ آهِ على فهمِ وحفظِ وأنْ أستحضرّ الأشياءَ في وقتها فائدة أخرى [ طبقات العلوم ] تعيين العلم الذي هو فرض عين على كلّ مكلّف أعني الذي يتضمنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((طلب العلم فريضة على كُلّ مسلمٍ)) (١) ، للعلماء اختلاف عظيم فيه (٢) . قال الفقهاء : هو العلم بالحلال والحرام . وقال المتكلمون: هو العلم الذي يدرك به التوحيد الذي هو أساس الشريعة. (١) حديث حسن ، مروي عن عدد من الصحابة بأسانيد ضعيفة تقوي بعضها بعضا منها : ١ - عن علي: عند الخطيب في ((تاريخه)) (٢٠٤/٥)، و((الفقيه والمتفقه)) (٤٤/١). ٢ - عن الحسين بن علي: عند الطبراني في ((الصغير)) (١ / ٩٢) والخطيب في ((تاريخه)) ٢٠٤/٥ ٣ - عن ابن عمر: كما ذكره ابن حبان في ((المجروحين)) ١٤١/١. والدار قطني في ((الرواة عن مالك)) كما في ((اللسان)) (١٣٢/١). ٤ - عن ابن مسعود : عند أبي يعلى والطبراني كما ذكره الهيثمي في المجمع (١١٩/١) والحافظ في ((المطالب العالية)) (١٣٠/٣)، ورواه الخطيب (٢٧٠/٢). ٥ - عن ابن عباس: عند العقيلي في ((الضعفاء)) (٤١٠/٣) بتحقيق القلعجي، ورواه الطبراني في ((الأوسط)) كما في ((المجمع)) (١ / ١٢٠ ) . قلت : وروي أيضا عن جابر وأنس وأبي سعيد وغيرهم ، وانظر ما علقه الاستاذ ارشاد الحق الاثري على ((العلل المتناهية)) لابن الجوزي (٥٤/١ - ٦٦) وراجع لزاما ((المقاصد الحسنة)) للسخاوي (٢٧٥) و((تنزيه الشريعة)) لابن عراق (٢٥٨/١). وقد خرجه السيوطي في جزء مفرد ، قمت بتحقيقه والزيادة عليه ، فكان عدد الطرق بمجموعها أكثر من خمسين طريقا . وهذا الجزء يطبع الان في دار عمار للنشر والتوزيع - عمان. (٢) انظر ((شرح السنة)) للبغوي٢٩٠،٢٨٩/١ بتحقيق الشيخ شعيب الأرنؤوط. ٤٨ وقال الصوفية: هو علم القلب ومعرفة الخواطر لأنّ النيّة التي هي شرط الأعمال لا تصح إلاّ بها ، وقال أهل الحق (١) : هو علم المكاشفة . وقالوا : الأقرب إلى التحقيق أنه العلم الذي يشتمل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ((بُني الإسلام على خمس ... الحديث)) (٢) . لأنه الفرض على عامّة المسلمين وهو اختيار الشيخ أبي طالب المكي (٣) وزاد عليه بعضهم أن وجوب المباني الخمسة إنما هو بقدر الحاجة، مثلاً : من بلغ ضحوة النهار يجب عليه أن يعرف الله سبحانه وتعالى بصفاته استدلالاً وأن يتعلم كلمتي الشهادة مع فهم معناهما . وإن عاش إلى وقت الظهر يجب أن يتعلم أحكام الطهارة والصلاة ، وإن عاش إلى رمضان يجب أن يتعلم أحكام الصوم ، وإن ملك مالاً يجب أن يتعلم كيفية الزكاة ، وإن حصل له استطاعة الحج يجب أن يتعلم أحكام الحجّ ومناسكه . وقال المفسرون والمحدثون : هو علم الكتاب والسنّة . ولقد صدقوا فإن العالم بهما عالمٌ بجملة العلوم المذكورة إذا كُثُلّ الصيد في جوف الفَرا(٤) وليس قرية وراء عبادان (٥) . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( العلم ثلاثة: آية محكمة أو سنّة قائمة أو فريضة عادلة وما كان سوى (١) يقصد بذلك الصوفية أيضا، لانهم يسمون أنفسهم: أهل الحقيقة . (٢) رواه البخاري (٨) و (٤٥١٤) ومسلم (١٦) وغيرهما عن ابن عمر. (٣) هو محمد بن علي بن عطية الحارثي، من الزهاد الفقهاء، نشأ بمكة واشتهر بها، توفي ببغداد عام (٣٨٦)، ترجمته في ((تاريخ بغداد)) ٨٩/٣ ((وفيات الاعيان)) (٣٠٣/٤) و((الوافي بالوفيات)) (١١٦/٤). (٤) رسمت بالاصل بالالف المقصورة والصواب ما أثبتنا، وانظر ((مجمع الامثال)) للميداني (١٣٦/٢) لمعرفة المثل وسببه ولم يضرب ؟! (٥) قاله كالمثل، ويريد به أنه ليس وراء الكتاب والسنة ما يزيد عليهما، وعبادان : بفتح أوله وتشديد ثانيه ، ودال مهملة ، على وزن فعَّالان . انظر ((معجم ما استعجم)) (٩١٦/٢) و((الروض المعطار)) (٤٠٧). الحطة -} ٤٩ ذلك فهو فضل)). رواه أبو داود وابن ماجة (١). فائدة أخرى [ غاية العلم ] إنما المقصود من العلم والتعليم والتعليم معرفة الله سبحانه وتعالى ، وهي غاية الغايات ورأس أنواع السعادات ويعبر عنها بعلم اليقين ، وهو الكمال المطلوب من العلم الثابت من الأدلة ، فإيّاك أن يكون شغلك من العلم أن تجعله صفة غلبت على قلبك حتى قضيت نحبك بتكراره عند النزع - كما يُحكى أن أبا طاهر الزيادي (٢) كان يكرر مسألة ضمان الدرك (٢) حالة نزعه - بل ينبغي لك أن تتخذه سبيلاً إلى النجاة . ولهذا قيل : من أراد أن يرغم عدوه فليحصل العلم وأن لا يترفه في المطعم والملبس وأن لا يتجمل في الأثاث والمسكن بل يؤثر الاقتصار في جميع الأمور ويتشبه بالسلف الصالح ، وكلّما ازداد إلى جانب القلّة ميله ازداد قربه من الله سبحانه وتعالى لأن التزين بالمباح - وإن لم يكن حراماً - لكنّ الخوض فيه يوجب الأنس به حتى يشق تركه ، فالحزم اجتناب ذلك ، لأن من خاض في الدنيا لا يسلم منها ألبتة - مع أنها مزرعة الآخرة - ففيها الخير النافع والسم الناقع (٤). (١) رواه أبو داود (٢٨٨٥) وابن ماجة (٥٤) وابن عبد البر (٢٩/١) والحاكم (٢٣٢/٤) والبغوي (٢٩١/١) وفي اسناده عبد الرحمن بن زياد الافريقي وعبد الرحمن بن رافع ، وهما ضعيفان ، وانظر كلام الحافظ المنذري في ((مختصر السنن)) (٩٣/٨ - العون). (٢) قال السمعاني في ((الانساب)) (٣٣٥/٦): هذه النسبة الى اسم بعض أجداد المنتسب اليه ، وهو يحيى بن كثير الزبادي ، . . ( ومنهم ) أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش بن علي بن داود بن أيوب بن محمد الزيادي . قلت: توفي رحمه الله سنة (٤١٠ هـ) وله ترجمة في ((طبقات العبادي)) (١٠١) و((الشذرات)) (١٩٢/٣) وغيرهما . (٣) انظر ((طبقات السبكي)) (٨٣/٣) لمعرفة هذه المسألة. (٤) أي بالغ قاتل . ٥٠ قال السّبكي في ((معيد النعم)) (١): العلماء فرق كثيرة ، منهم المفسر والمحدث والفقيه والأصولي والمتكلم وغيرهم . وينشعب (٢) كل فرقة من هؤلاء فرقاً كثيرة ويجمع الكلّ أنه حق عليهم إرشاد المسلمين وإفتاء المستفتين ونصح الطالبين وإظهار العلم للسائلين ، فمن كتم علماً ألجمه الله بلجام من نارٍ (٢) وأن لا يقصدوا بالعلم الرياء والمباهاة والسمعة ولا يجعلوه سبيلاً إلى الدنيا فإن الدنيا أقل من ذلك وأقل درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا وخستها وكدورتها وانصرامها وعظم الآخرة ودوامها وصفاءها ، وحق الحق إنّي لأعجب من عالم يجعل علمه سبيلاً إلى حطام الدنيا وهو يرى كثيراً من الجهال وصلوا من الدنيا إلى ما لا ينتهي هو إليه . فإذا كانت الدنيا تنال بالجهل فما بالنا نشتريها بأنْفَس الأشياء ، وهو العلم ، فينبغي أن يُقصد به وجه الله تعالى والترقي إلى جوار الملأ الأعلى ، انتهى ملخصاً . . .. ١ . (١) هو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي من علماء الشافعية توفي في دمشق بالطاعون عام (٧٧١ هـ ) له ترجمة في ((الدرر الكامنة)) ٤٢٥/٢، وحسن المحاضرة)) (١٨٢/١)، وانظر الكلام عن كتابه المذكور في ((كشف الظنون)) (١٧٤٤/٢). (٢) كذا ((الأصل))، ولعل الصواب: وتتشعب كل ... أو : وينشعب من كل ... والله أعلم . (٣) يشير الى قوله صلى الله عليه وسلم: ((من سئل عن علم فكتمه الجم بلجام من نار يوم القيامة)) وقد روي عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم بألفاظ وأسانيد مختلفة، منها ما رواه أحمد (٢٦٣/٢، ٣٠٥، ٣٤٤، ٣٥٣، ٤٩٥، ٤٩٦، ٤٩٩، ٥٠٨ ) والترمذي ( ٢٦٤٩) وحسنه ، وأبو داود ( ٣٦٥٨) وابن ماجه (٢٦٤) والحاكم (١ / ١٠١) والطيالسي (٢٥٣٤) وابن عبد البرفي ((الجامع)) (٤/١) وابن حبان (٩٥ - موارد) والطبراني في الصغير (٦٠،١١٤/١) وإسناده صحيح ١ ٩٥ - موارد) والطبراني في الصغير (٦٠،١١٤/١) وهو صحيح لغيره للشيخ عبيد الله الرحماني (٣٢٥/١). قلت : وقد ورد من طرق أخرى عن غير واحد من الصحابة وكلها لا تخلو من مقال . ٥١ والإفادة أفضل من العبادة ولا بدّ له من النيّة ليكون ذلك ابتغاء" لمرضات الله تعالى وإرشاد عباده ولا يريد بذلك زيادة جاه وحرمة ، ولا يطلب على إفادته أجراً اقتداء بصاحب الشرع صلى الله عليه وسلم. A ومن بلغ رشده في العلم ينبغي أن يبث إليه حقائق العلوم وإلاّ فحفظ العلم وإمساكه عمن لا يكونُ أهلاً له أولى به . سأكتم علمي عن ذوي الجهل طاقتي ولا أنثر الدر النفيس على الغَلَمْ فمَن منَحَ الجهالَ علماً أضاعهُ ومن منَعَ المستوجبين فقد ظَلَمْ(١) وعن أنس رضي اللّه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( واضع العلم عند غير أهله كتقد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب))(١). رواه ابن ماجة ، أي : يحدث من لا يفهمه أو من يريد منه عرضاً دنيوياً أو من لا يتعلمه الله تعالى، كذا في ((المرقاة)). فائدة أخرى [ بدء التدوين ] كانت العرب في صدر الإسلام لا تعتني بشيء من العلوم إلاّ بلغتها ومعرفة أحكام شريعتها ، وبصناعة الطب فإنها كانت موجودةٌ عند أفراد منهم لحاجة الناس طراً إليها . وذلك منهم صوناً لقواعد الإسلام وعقائد أهله عن تطرق الخلل من علوم الأوائل قبل الرسوخ والأحكام حتى يروى أنهم أحرقوا ما وجدوا من الكتب في فتوحات البلاد . (١) الابيات للامام الشافعي رحمه الله، وانظر ((ديوانه)) (١٢٤ - ١٢٦ ) و((الحلية)) ١٥٣/٩ و((جامع بيان العلم)) (١١٠/١) و((الاحياء)) (٩٧/١) وبينها اختلاف يسير. (٢: رواه ابن ماجة برقم (٢٢٤) والسهمي في ((تاريخ جرجان)) (٣١٦). وفي اسناده حفص بن سليمان قال الحافظ عنه في التقريب : متروك الحديث، وانظر ((مرقاة المفاتيح)) ٢٣٣/١) واللآليء المصنوعة)) (٢٠٨/١ - ٢٠٩ ) . وانظر زيادة تخريجه في ((جزء)) السيوطي المشار اليه آنفا . ٥٢ وقد ورد النهي عن النظر في التوراة والإنجيل (١) لاتحاد الكلمة واجتماعها على الأخذ والعمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . واستمر ذلك إلى آخر عصر التابعين ، ثم حدث اختلاف الآراء وانتشار المذاهب والأهواء ، فآل الأمر إلى التدوين والتحصين ، وكان الصحابة والتابعون لهم بإحسان لخلوص عقيدتهم ببركة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وقرب العهد إليه ، ولقلة الاختلاف والواقعات وتمكنهم من المراجعة إلى الثقات مستغنين عن تدوين علم الشرائع والأحكام حتى إن بعضهم كره كتابة العلم كابن عباس رضي الله عنه (٢)، لكنْ لمّا انتشر الإسلام، واتسعت الأمصار ، وتفرقت الصحابةُ في الأقطار ، وحدثت الفتن واختلاف الآراء ، وكثرت الفتاوي والرجوع إلى الكبراء ، أخذوا في تدوين الحديث والفقه وعلوم القرآن، واشتغلوا بالنظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط وتمهيد القواعد والأصول ، وترتيب الأبواب والفصول ، وتكثير المسائل (١) لعله يشير الى ما ورد عن جابر بن عبدالله: أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب ، فقراه النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب، فقال: أمتهولون فيها يا ابن الخطاب ، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها نقية ، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكترثوا به ، أو بباطل فتصدقوا به ، والذي نفسي بيده ، لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حيا ما وسعه الا أن يتبعني)). أخرجه أحمد (٣٨٧/٣) والدارمي (١١٥/١) وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٢٧/١) وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) (٤٢/٢) وغيرهم، وفي اسناده مجالد بن سعيد الهمداني، وهو ضعيف ، لكن للحديث شواهد عن غير واحد من الصحابة منهم . عبدالله بن ثابت خادم النبي صلى الله عليه وسلم ، أبو قلابة ، وعقبة ابن عامر، وخالد بن عرفطة ، فالحديث بهذه الشواهد والطرق حسن، وانظر ((مجمع الزوائد)) ١٧٣/١، ١٧٤ وللتوسع راجع ما كتبه شيخنا الاستاذ المحدث الألباني في ((الارواء)) ٣٤/٦ - ٣٨. (٢) كما روى ابن عبد البر في ((الجامع)) (٦٥/١) والخطيب في ((تقييد العلم)) (٤٢) أنه قال : أنا لا نكتب العلم ولا نكتبه، وانظر آثارا أخرى عنه أوردها الخطيب في ((التقييد)). ٥٣ بأداءتها وإيراد الشبهة بأجوبتها ، وتعيين الأوضاع والاصطلاحات ، وتبين المذاهب والاختلافات . وكان ذلك مصلحة عظيمة وفكرةً في الصواب مستقيمة ، فرأوا ذلك مستحبّاً بل واجباً لقضية الإيجاب المذكور في القول المأثور : العلم صيد ، والكتابة قيد ، وما كتب قَر ، وما لم يُكتب فرّ . [ التصنيف والمصنفات ] أول من صنّف في الإسلام الإمام عبد الملك بن عبد العزيز ابن جريج البصري المتوفى سنة خمسة وخمسين ومئة (١). وقيل أبو النضر سعيد بن أبي عروبة المتوفى سنة ست وخمسين ومئة (٢) ذكرهما الخطيب البغدادي . وقيل ربيع بن صَبيح (٣) المتوفى سنة ستين ومئة قاله أبو محمد الرامهرمزي . ثم صنّف سفيان بن عيينة ومالك بن أنس بالمدينة المنورة وعبد الله بن وهب بمصر ومعمر وعبد الرزاق باليمن وسفيان الثوري ومحمد بن فضيل بن غزوان بالكوفة وحمّاد بن سلمة وروح بن عبادة بالبصرة وهشيم بواسط وعبد الله بن مبارك بخراسان (٤) وكان مطمح نظرهم بالتدوين ضبط معاقد القرآن والحديث ومعانيهما . ثم دوّنوا فيما هو كالوسيلة إليهما ولمّا اتّسع ملك الملة الإسلامية ودرست علوم الأولين بنبوّتها وكتابها صيروا علومهم الشرعية صناعة بعد أن كانت نقلاً فحدثت (١) ترجمته في ((تاريخ بغداد)) ٤٠٠/١٠ و((وفيات الاعيان)) ١٦٣/٣، و ((التذكرة)) ١٦٩، والتهذيب ٤٠٢/٦ قلت: وقد ذكر ابن خلكان الاختلاف في تاريخ وفاته ، وليس منها ما ذكره المصنف ، بل الراجح وفاته سنة تسع وأربعين ومئة . والله أعلم . (٢) له ترجمة في ((التذكرة)) ١٧٧/١ و((التهذيب)) ٦٣/٤ و((الشذرات)) ٢٣٩/١ ٠ (٣) له ترجمة في ((التهذيب)) ٢٤٧/٣ و((الحلية)) ٣٠٤/٦. (٤) راجع ما كتبه الدكتور محمد عجاج الخطيب في ((السنة قبل التدوين)) ( ٣٣٧، ٣٣٨) . 08 فيه الملكات وتشوقوا إلى علوم الأمم فنقلوها بالترجمة إلى علومهم وبقيت تلك الكتب والدفاتر التي بلغتهم الأعجمية نسياً منسياً وأصبحت العلوم كلها بلغة العرب ، واحتاج القائمون بالعلم إلى معرفة الدلالات اللفظية والخطية في لسانهم دون ما سواه من الألسن لدروسها وذهاب العناية بها . وأول من عُني بعلوم الأوائل الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور ثم لما أفضت الخلافة إلى السابع عبد الله المأمون بن الرشيد تمّم ما بدأه جده . فأقبل على طلب العلم في مواضعه واستخراجه من معادنه فداخل ملوك الروم وسألهم وصلة ما لديهم من كتب الفلاسفة ، فبعثوا إليه منها بما حضرهم من كتب الحكماء وأحضر لها مهرة المترجمين فترجموا له على غاية ما أمكن فنفقت له سوق العلم وقامت دولة الحكمة في عصره (١) . فائدة أخرى [ رحمة الله بالأمة ] ومن الناس من ينكر التصنيف في هذا الزمان مطلقاً ، ولا وجه لإنكاره من أهله . وإنما يحمله عليه التنافس والحسد الجاري بين أهل الأعصار ، ولله دَرّ القائل في نظمه : قل لمن لا يرى المعاصر شيئاً ويرى الأوائل التقديما إن ذاك القديم كان حديثاً وسيبقى هذا الحديث قديما كيف ونتائج الأفكار لا تقف عند حد، وتصرفات الأنظار لا تنتهي إلى غاية ، بل لكلّ عالم ومتعلّم منها حظّ يحرزه في وقته المقدر له ، وليس لأحد أن يزاحمه فيه ، لأن العالم المعنوي واسع كالبحر الزاخر والفيض الإلهي، ليس له انقطاع ولا آخر ، والعلوم مُنح إلهية ومواهب صمدانية ، (١) انظر ((تاريخ الطبري)) ( ٢٩٦/١٠، ٣٠٤) و((أعلام)) الزركلي (١٤٢/٤)، وراجع ما كتبه المصنف رحمه الله في ((أبجد العلوم)) ٢٤٥/٢ - ٢٥٦ فانه مهم .. ٥٥ فغير مستبعد أن يُنّخر لبعض المتأخرين ما لم يُدّخر لكثير من المتقدمين. قال صلى الله عليه وسلم: ((مثل أمتي مثل المطر لا يُدرى أوله خير أم آخره)). رواه البغوي في ((المصابيح))(١) عن أنس. وقال: ((أمتي أمّة مباركة لا يُدرى أولها خير أو آخرها))(٢). وقال ابن عبد ربّه في ((العقد)) (٢): إني رأيت آخر كل طبقة واضعي كل حكمة ومؤلفي كل أدب أهذب لفظاً وأسهل لغة وأحكم مذاهب وأوضح طريقة من الأول لأنه ناقص متعقب ، والأول بادىء متقدم ، انتهى . قال الشاعر (٤): وإني وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائلُ ولا غرو في هذا ، فرُبَ حديثٍ تقدم على قديم وسبق وإن تأخّر . فالرجال معادن ، ولكل زمان محاسن ، والخواطر موارد لا تنزح (٥) (١) رواه أحمد والترمذي وابن عساكر والخيالسي وابن عدي عن أنس، وأحمد وابن حبان عن عمار ، وأبو يعلى عن علي ، والطبراني والقضاعي عن ابن عمر والطبراني عن ابن عمر وغيرهم، وهو صحيح لطرقه، وانظر (صحيح الجامع الصغير)) (٥٧٣٠) والجامع الكبير (٧٣٦/٢) و ((مصابيح السنة)) ٢١١/٢. (٢) رواه ابن عساكر عن عمرو بن عثمان مرسلا ، كذا قال السيوطي في الكبير)) ( ١٥٠/١) وضعفه الاستاذ الالباني في ((ضعيف الجامع)) (١٣٧٥)، وقد ورد بلفظ آخر عن أبي موسى، وهو: ((أن هذه الامة امة مرحومة، لا عذاب عليها .. )) رواه أحمد (٤٠٨/٤) والحاكم (٢٥٤/٤ و٣٤٤) والطبراني في ((الصغير)) (١١٨) وله الفاظ مختلفة. وطرق عديدة، وانظر ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (رقم ٩٥٩) و ((العلل المتناهية)) ( رقم ١٥٤٦ ) . (٣) هو أحمد بن محمد، المعروف بابن عبد ربه القرطبي ، المتوفى سنة (٣٢٨ هـ) له ترجمة في ((وفيات الأعيان)) (١١٠/١) ومعجم الادباء (٢١١/٤) و((البداية والنهاية)) ١٩٣/١١، وانظر عن كتابه: ((كشف الظنون)) (١١٤٩/٢ ) . (٤) هو لأبي العلاء المعري. (٥) أي : لا تقل . ٥٦ والأفكار مصابيح لا تطفىء والأفهام مرايا لا تتناهى صورها ، والعقول سحائب لا ينفد مطرها، والمعالي غير متناهية، والفضائل غير متوارية ، وأم الليالي ولود، والفضل في كل حين مشهود، وإن الفضل بيدالله يؤتيه من يشاء. [ العلم بين العرب والعجم ] حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم، وذلك من الغريب الواقع ، لأن علماء الملّة الإسلامية في العلوم الشرعية والعقلية أكثرهم العجم إلاّ في القليل النادر . وإن كان منهم العربي في نسبته فهو أعجمي في لغته . والسبب في ذلك أنّ الملّة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال البداوة ، وإنما أحكام الشريعة كان الرجال ينقلونها في صدورهم وقد عرفوا مأخذها من الكتاب والسنّة بما تلقوه من صاحب الشرع وأصحابه ، والتوم يومئذ عرب لم يعرفوا أمر التعليم والتدوين ولا دعتهم إليه حاجة إلى آخر عصر التابعين . وكانوا يسمّون المختصين بحمل ذلك ونقله : القرّاء ، فهم قرّا كتاب الله سبحانه وتعانى والسنة المأثورة ، التي هي في غالب مواردها تفسير له وشرح . فلما بَعْدَ النقل من لدن دولة الرشيد احتيج إلى وضع التفاسير القرآنية وتقييد الحديث مخافة ضياعه . ثم احتيج إلى معرفة الأسانيد وتعديل الرواة ثم كثر استخراج أحكام الواقعات من الكتاب والسنّة وفسد مع ذلك اللسان فاحتيج إلى وضع القوانين النحوية . وصارت العلوم الشرعية كلّها ملكات في الاستنباط والتنظير والقياس واحتاجت إلى علوم أخرى هي وسائل لها كقوانين العربية وقوانين الاستنباط والقياس والذب عن العقائد بالأدلة ، فصارت هذه الأمور كلها علوماً محتاجة إلى التعليم ، فاندرجت في جملة الصنائع . والعرب أبعد الناس عنها فصارت العلوم لذلك حضرية والحضر هم العجم أو مَنْ في معناهم لأن أهل الحواضر تبع للعجم في الحضارة وأحوالها من الصنائع والحرف ولأنهم أقوم على ذلك الحضارة الراسخة فيهم منذ دولة الفرس . ٥٧ فكان صاحب صناعة النحو سيبويه والفارسي والزجاج (١) كلهم عجم في أنسابهم اكتسبوا اللسان العربي مخالطة العرب وصيّروه قوانين لمن بعدهم. وكذلك حملة الحديث وحفاظه أكثرهم عجم أو مستعجمون باللغة ، وكان علماء أصول الفقه كلهم عجماً . وكذلك حملة أهل الكلام وأكثر المفسرين ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلاّ الأعاجم. وأمّا العرب الذين أدركوا هذه الحضارة وخرجوا إليها عن البداوة فشغلهم الرئاسة في الدولة العبّاسية وما دفعوا إليه من القيام بالملك عن القيام بالعلم مع ما يلحقهم من الأنفة عن انتحال العلم لكوذ من جملة الصنائع ، والرؤساء يستنكفون عن الصنائع . وأما العلوم العقلية فلم تظهر في الملّة إلاّ بعد أن تميز حملة العلم ومؤلفوه واستقر العلم كله صناعة ، فاختصت بالعجم وتركها العرب فلم يحملها إلاّ المستعربون من العجم (٢) . [ أنواع العلوم ] العلوم الشرعية كثيرة ، وهي : علم التفسير وعلم القراءة وعلم الحديث وعلم الفقه وعلم الكلام وعلم العقائد وغيرها وفروع هذه العلوم . وأفضلها رتبة وأكملها شرافة وأعظمها نفعاً علم الحديث والقرآن ، والنظر فيهما لا بدّ أن يتقدمه العلوم العربية لأنه متوقف عليها وهي علم اللغة والنحو والبيان ونحو ذلك . وهذه العلوم النقلية كلّها مختصة بالملة الإسلامية وإن كانت كلّ ملّة لا بدّ فيها من مثل ذلك فهي مشاركة لها من حيث أنّها علوم الشريعة ، وأمّا على الخصوص فمباينة لجميع الملل لأنها ناسخة لها وكل ما قبلها من (١) انظر ((مفتاح السعادة)) لطاش كبري زادة ١٤٤/١ - ٢٠٠. (٢) نقل هذه الفائدة بتمامها العلامة المباركفوري في مقدمة كتابه ((تحفة الاحوذي)) (٢٤/١ - ٢٥) ونقل نقولا أخرى انظرها فيه. ٥٨ علوم الملل فمهجورة والنظر فيها محظور ، وإن كان في الكتب المنزلة غير القرآن كما ورد النهي عن النظر في التوراة والإنجيل (١)، ثم إنّ هذه العلوم الشرعية قد نفقت أسواقها في هذه الملة بما لا مزيد فيه ، وانتهت فيها مدارك الناظرين إلى الغاية التي لا فوقها . وحدثت الاصطلاحات ورُتبت الفنون وكان لكل فن رجال يرجع إليهم فيه ، ووضاع يستفاد منهم التعليم، واختص المشرق من ذلك والمغرب بما هو مشهور منها . وكتب العلم كثيرة لاختلاف أغراض المصنفين في الوضع والتأليف . وقد دون أسماء تدويناتهم صاحب كشف الظنون على وجه الاستقصاء (١) ، ولعمري إنه أجدى من تفاريق العصا (٣). [ أقسام المصنفين ] المؤلفون المعتبرة تصانيفهم فريقان : الأول : من له في العلم ملكة تامة ، ودراية كاملة ، وتجارب وثيقة وحدس صائب ، وفهم ثاقب ، فتصانيفهم عن قوّة تبصرة ونفاذ فكر وسداد رأي ، وهؤلاء أحسنوا إلى الناس كما أحسن الله تعانى إليهم ، وهذا لا يستغني عنه أحد . والثاني : من له ذهن ثاقب وعبارة طلقة طالع الكتب فاستخرج دررها ومارس الصحف فأحسن نظمها وهذا ينتفع به المبتدؤون والمتوسّطون ، ومنهم من جمع وصنف للاستفادة لا للإفادة فلا حجر عليه بل يرغب (١) تقدم تخريج الحديث الوارد في ذلك . (٢) لكن فاته الشيء الكثير ، وعليه استدراكات عديدة في أسماء الكتب وأخطاء في الوفيات نبه على الكثير منها الاستاذ احمد عبد الغفور عطار في ((نقده)) لكشف الظنون، وكذلك في ((تحقيقه)) له كما سبقت الاشارة اليه وانظر ((الاعلام)) للزركلي (٢٣٦/٧، ٢٣٧) و((ومعجم المؤلفين)) لعمر رضا كحالة ( ٢٦٢/١٢، ٢٦٣) . (٣) انظر ((تاج العروس)) للزبيدي (٤٧/٧ - ط ١). ٥ إليه إذا تأهل ، فإن العلماء قالوا : ينبغي للطالب أن يشتغل بالتخريج والتصنيف فيما فهمه منه إذا احتاج الناس إليه بتوضيح عبارته كي يكسبه جميل الذكر وتخليده إلى آخر الدهر . والتعقب على الكتب سهل بالنسبة إلى تأليفها ووضعها وترصيفها كما يشاهد في الأبنية العظيمة والهيا كل القديمة حيث يعترض على بانيها من عرى في فنّه عن القوى والقار بحيث لا يقدر على وضع حجر على حجر . وقد كتب القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني (١) إلى العماد الأصفهاني معتذراً عن كلام استدركه عليه : إنّه وقع لي شيء وما أدري أوقع لك أم لا وها أنا أخبرك به وذلك أني رأيت أنّه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلاّ قال في غده لو غير هذا المكان لكان أحسن لو زيد هذا لكان يستحسن ولو قدم هذا لكان أفضل ولو ترك هذا لكان أجمل وهذا من أعظم العبر . وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر، وهذه الموائد قد التقطتها من مقدمة كتاب ((كشف الظنون)) وغيره من كتب الفنون وإنْ كانت قليلة المناسبة بفن الرسالة ووضع هذه المقالة . خرجت من شيء إلى غيره كذلك الفاضل إذ ينسخ يكتب هذا ثمّ هذا وذا لعله في قلبه يرسخ [ العلم والعلماء ] أخذ الناس اليوم يزهدون في العلم وينتفرون منه ويشتغلون عنه بتزاحم الفتن تارة ، وجمع الشمل أخرى ، وبقلّة الرغبات (١) المتوفى سنة (٥٩٦ هـ) انظر ترجمته في ((وفيات الاعيان)) (١٥٨/٣) وطبقات السبكي (٢٥٣/٤ - ط ١) و((الشذرات)) (٣٢٤/٤)، وقد اشتهرت هذه الكلمة مؤخرا منسوبة للعماد الاصفهاني ، وانظر («إتحاف السادة المتقين))٣/١ و((الاعلام بأعلام بيت الله الحرام)) ص٤٥٦ للنهر والي. ٦٠