Indexed OCR Text

Pages 21-40

البسّام )) وترجمه بعض العلماء بكتاب اسمه ((قطر الصَّيِّب في ترجمة
الإمام أبي الطيب)) وترجم هو نفسه بكتاب سماه ((إبقاء المنن))، وقال
الأخ الدكتور عاصم بن عبد الله القريوني في مقدمته لـ ((قطف الثمر)
(ص ١١): ((ويقوم الطالب محمد أختر جمال بجامعة أم القرى بالكتابة
عن عقيدة صديق حسن خان)) (١).
٠ - توفي رحمه الله تعالى سنة ألف وثلاث مئة وسبعة هجرية.
الموافق لسنة ألف وثمان مئة وتسع وثمانين ميلادية . فتكون مدة حياته
تسعاً وخمسين سنة قمرية ، وسبعاً وخمسين سنة شمسية . رحمه الله تعالى
رحمة واسعة .
٩ - موارد الكتاب
لقد استمد المصنف كتابه واستقاه من عشرات كتب الحديث .
والتراجم ، والتواريخ ، وغير ذلك مما يصعب استقراؤه ، ويتعذر حصره،
لكنه استكثر - رحمه الله - من النقل والأخذ عن بضعة عشر كتاباً، هي :
١ - ((كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون)) للسيد مصطفى
ابن عبد الله كاتب جلبي، المشهور بـ ((حاجي خليفة)) المتوفى سنة
١٠٦٧ هـ ، والكتاب مطبوع عدة طبعات آخرها في استانبول سنة ١٩٤١ .
وقد اعتمد المصنف عليه كثيراً في نقله عن الكتب الستة ، وشروحها ،
وما يتعلق بها . مما حداه إلى متابعة مصنفه في أوهامه وأخطائه ، وهذا ما
دفع الإمام اللكنوي لأن يقول في ((الفوائد البهية)) (١٢٤): « ... ولا
يخفى على مَن ولع بمطالعة ((كشف الظنون)) أنّ فيه أوهاماً كثيرة،
(١) وأخبرني الشيخ الداعية أبو الحسن الندوي أن أحد الباحثين الهنود
يقوم بدراسة علمية لنيل شهادة الدكتوراه عن حياة المصنف، والله اعلم.
٢١

ومناقضات كبيرةٌ في تواريخ مواليد العلماء ، ووفيات الفضلاء ، فمن
قلّده تقليداً بحتاً من غير أن ينقده نقداً، فقد وقع في الزلل ، والله العاصم
عن الخطأ والخلل ... )) (١).
قلتُ : وقد أعلن الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار عن قيامه بتحقيق
((كشف الظنون)) كما أعلن - قبْلُ - أنه نقدهُ، يسّر اللّه عمله،
وسدّد خطاه .
٢ - ((وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان)) للمؤرخ الأديب أحمد
ابن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خَلكان ، المتوفى سنة ٦٨١ هـ ، وقد
نقل المؤلف عنه في مواضع عدة ، ثم يذكر أنه أخذ منه ، وفي مواضع
أخرى ينقل دون ذكره ، كما يظهر للمتأمل (٢).
٣ - ((العُجالة النافعة)) للشاه عبد العزيز المحدث الدّهلوي، المتوفى
سنة (١٢٣٩ هـ) وهي ثبَتٌ فيه ذكر أسانيده ، وشيء مما يتعلق بالكتب
الستة وغيرها . نقل المصنف منها مراراً بعد تعريب نقله - فهي بالفارسية .
وقد طُبعت مؤخراً بتعريب الحافظ عبد الرشيد السّلَفي ، وتقديم
شيخنا في الإجازة ، مفتي أهل الحديث في الباكستان ، ومحدثهم ، السيد
العلامة ، أبي الطيب محمد عطاء الله حنيف ، وعلّق عليها الحافظ عبد
الرشيد تعليقات لطيفة سماها (( التعليقات الساطعة)) وقد نشر الكتاب سنة
(١٣٩٥ هـ ) في المكتبة السعيدية - باكستان.
٤ - ((بستان المحدّثين)) للمحدّث عبد العزيز الدّهلوي ، أيضاً،
(١) وانظر ( ص ٢٢٩) منه .
(٢) انظر ((البداية والنهاية)) ( ١١-١١٣).
٢٢

وهو كتاب ماتعٌ جامعٌ ، حوى فرائد الفوائد من بطون الكتب ، وخبايا
المصنفات ، كما ظهر من النصوص التي نقلها المصنف في كتابه .
والكتاب مخطوط ، باللغة الفارسية (١)، منه نسخة في مجلد كبير في
(( جامعة البنجاب )) - باكستان (٣).
٥ - (( حجة الله البالغة))، للإمام أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي ،
المشهور بـ ((شاه ولي الله الدهلوي))، المتوفى سنة (١١٧٦ هـ) وهو
كتاب من الكتب المفيدة النافعة ، التي جمعت عدة فنون وعلوم ، طبع
في مصر سنة ( ١٣٥٥ هـ) .
٦ - ((تهذيب الأسماء واللغات)) للإمام يحيى بن شرف النووي
المتوفى سنة (٦٧٦ هـ) جمع فيه مصنفه ما ورد في ((مختصر المزني))
و((المهذب)) و ((التنبيه)) و((الوسيط)) و((الوجيز)) و ((روضة الطالبين))
من كتب الشافعية من تراجم ، ولغات غريبة ، ومواضع ، فذكر شرحاً
لها دون توسع واستيعاب ، وقد طبع الكتاب بثلاثة مجلدات متوسطة في دار
الطباعة المنيرية بمصر قديماً .
٧ - (( إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري)) للإمام الحافظ
أحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني ، المتوفى سنة ( ٩٢٣هـ) وقد نقل
المصنف كثيراً من مقدمته التي تحوي كثيراً مما يتعلق بـ ((صحيح البخاري))
(١) ولقد عرضت على الشيخ الداعية أبي الحسن الندوي أن يوعز لبعض
طلبة العلم ليقوم بترجمته ونشره ، فسر بذلك ، وأبدى موافقته ورغبته
(٢) كما أخبرني بذلك اخونا الدكتور عاصم بن عبدالله القريوتي ، وذكر
العلامة عبد الحي الحسني في ((الثقافة الإسلامية)) (ص ٨٦) أن منه
نسخة في الخزانة الاصفية .
ثم وصلتني منه نسخة مطبوعة مترجمة الى اللغة الأردية .
٢٣

ومؤلفه وما يتعلق به ، وقد تصدى الشيخ عبد الهادي نجا الأبياري لشرح
هذه المقدمة بكتاب كبير حافل سماه «نيل الأماني في توضيح مقدمة
القسطلاني))، وقد طبعت المقدمة مفردة في الهند سنة (١٢٨٤ هـ) ونسحتها
الآن نادرة في حكم المفقود ، ولعلّ اللّه سبحانه يُيسر لي تحقيقها
والتعليق عليها ليستفيد منها الباحثون وطلبة العلم، وأما ((الإرشاد ... ))
فهو مطبوع عدة طبعات منها سنة ( ١٣٢٦هـ) في مصر .
٨ - ((جامع الأصول من أحاديث الرسول)) للإمام الحافظ مجد الدين
أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري، المتوفى سنة (٦٠٦ هـ)
جمع فيه المؤلف الكتب الستة المعتمدة عند الفقهاء والمحدثين : ((الموطأ.
والبخاري، ومسلم ، وأبو داود، والترمذي، والنسائي)) ، فهذبها ،
ورتّبها ، وذلّل صِعابها ، وشرح غريبها ، ووضّح معانيها .
وقد طبع الكتاب مرتين :
الأولى : في مطبعة السنة المحمدية بمصر سنة ( ١٣٦٨ هـ)، بتحقيق
الشيخ محمد حامد الفقي ، وهي ناقصة ، ولم تخل من تصحيفات ، وتحريفات
كثيرة .
الثانية: في دمشق الشام سنة ( ١٣٨٩ هـ)، بتحقيق وتخريج وتعليق
الأستاذ الشيخ عبد القادر الأرنؤوط حفظه الله تعالى ، وهي خير من التي
قبلها ، على عوَز في مواضع كثيرة فيها .
٩ - ((المقدمة)) للعالم البحاثة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون،
المتوفى سنة ( ٨٠٨ هـ)، وهي مقدمة لتاريخه الكبير المسمى: ((العبر
وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر)). وهي مقدمة
حافلة تكلم فيها عن كثير من العلوم والفنون وأوائل الصناعات وما شابه

ذلك، قال الزركلي في ((الأعلام)) (٣٣٠/٣): وهي تُعد من أصول
علم الاجتماع . قلت : وهي مطبوعة عدة طبعات ، وترجمت إلى عدة
لغات .
١٠ - ((رسالة في فن أصول الحديث)) للمسيد الفيلسوف علي بن محمد
ابن علي الشريف الجُرجاني ، المتوفى سنة (٨١٦هـ) ، وقد شرحها
شرحاً موسعاً عصريّ المصنف المتقدم ذكره ، الإمام عبد الحي اللكنوي ،
بكتاب جامع سماه ((ظَفَر الأماني بشرح مقدمة الجُرجاني))، وكلاهما
مطبوع في بلاد الهند ، وقد تقدّم أن الشيخ عبد الفتاح أبا غدة ، قام بتحقيق
((ظفر الأماني ... )) والتعليق عليه، ودفعه للطبع، يسّر اللّه صدوره .
١١ - ((تيسير الوصول إلى أحاديث الرسول))، للمؤرخ المحدث
عبد الرحمن بن علي بن محمد الشيباني ، المعروف بابن الدّيبع ، المتوفى
سنة (٩٤٤ هـ)، لخّصه من كتاب ((جامع الأصول)) المتقدم برقم (٨)،
وهو مطبوع في مصر بأربعة مجلدات ، قديماً ، بتحقيق الشيخ أحمد شاكر
رحمه الله .
قلت : وقد استقى المؤلف من عشرات الكتب الأخرى مخطوطة أو
مطبوعة ، ولو أردنا الكلام عليها كلها - ولو بإيجاز - لخرجنا عن مقصود
هذه المقدمة ، فتأمل .
١٠ - عملنا في الكتاب
طبع الكتاب - قبلُ - طبعتين (١) - فيما أعلم - :
(١) وقد صفته على الحروف أخيرا دار الكتب العلمية بيروت صفا رديئا
خاليا من أي تحقيق علمي - كعادتها - ! ولم أفرغ لنقد هذه الطبعة ،
مع أن الناظر بسرعة يرى ضعفها ووهاءها !
٢٥

الأولى: في حياة المصنف سنة (١٢٨٢ هـ ) في المطبعة النظامية
- كامبور - الهند - وهي عزيزة الوجود كأنفس المخطوطات (١).
الثانية: سنة (١٣٩٧ هـ ) في المكتبة العلمية - لاهور، باكستان ،
نشر إسلام أكادمي - أردو - بازار - لاهور .
وقد اعتمدت في تحقيق الكتاب على الطبعة الأولى ، أما الثانية ، ففيها
عدد كبير من التصحيفات والتحريفات ، ولم أنبته على شيء من ذلك
لكثرته ، وعظمه .
أما عن حقيقة عملي في هذا الكتاب فهو تحقيق النص ، وضبطه، وتوزيعه
والتعليق عليه ، وتخريج أحاديثه ، وتوضيح ما يلبس منه ، وبيان ما وهم
فيه المصنف رحمه اللّه تعانى، فهو - بهذا كله - أقرب إلى الشرح منه
إلى التعليق ، ولن أزيد على ذلك ، فهو بين يدي القارىء ، وسيراه واضحاً
جلياً إن شاء الله تعالى .
ثم ختمتُ عملي بوضع الفهارس العلمية الفنيّة المساعدة ، رغبة في
تقريب الكتاب من خلالها ،
ولا أظن عملاً كهذا يكمل ، وستبقى فيه مواطن تحتاج إلى توضيح .
أو تعليق ، أو نقد ، ولكنّ باب التصحيح مفتوح ، والنصيحة هي الدين
كما صح في سنة سيد المرسلين (٢) صلى الله عليه وسلم.
وسيجد أهلها الباب مفتوحاً ، والآذان صاغية ، والقلوب واعية .
لسماع الحق وقبوله .
(١) وكنت قد طلبت من الشيخ الفاضل الداعية أبي الحسن الندوي تصويرها
فقام بذلك مشكورا ، وأرسلها لي مجلدة ، جزاه الله تعالى خيرا .
(٢) رواه من حديث تميم الداري مسلم (٥٥) وأبو داود (٤٩٤٤) والنسائي
(٧-١٥٦) وأحمد (٤-١٠٢، ١٠٣) وأبو عوانة (١-٣٦) والحميدي
(٨٣٧) والبغوي (٣٥١٤) وعلقه البخاري (١-١٣٧ - فتح) دون
ذكر صحابيه .
٢٦

وسأقوم - بإذن الله تعالى - بنشر أى نقد يوجه إلى هذا العمل، إذا
كان وفق القواعد العلمية صحيحة!
وأخيراً ، فإنني أسأل الله العظيم أن يجعلني والمسلمين ممن يستمعون
القول فيتبعون أحسنه .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
تم الفراغ من تبييض هذه المقدمة في السادس من ذي القعدة،
من العام الرابع بعد الأربع مئة ، والألف من الهجرة النبوية ،
في مدينة الزرقاء من الديار الأردنيّة ، قاله بلسانه ، وزَبَرَهُ
بينانه أبو الحارث علي بن حسن الحلبي الأثري كان الله له، بمنه وكرمه.
٢٧

◌َاءَالله لاقوة الابالله
الله الرحمـ
محملاً لمالذى جعل احل الحديث أهل النه صلى الله عليه وسلم خالصة من دون الناس فى
أعين البُميزهو بكل مهبه الدين معجبوا انفاسه القدسية طول الإناء وان المرصحبوا نفسه الذكريمة
كهبه الركافة الحر من كرا ما خلصه سهبخاصيةٍ وكر الدادة اصطفاً من النصرة دينه وحفظ غمر يسعه
ودخل علوم عبيه الهاد وناهيك بماسى عملياً وصلبا ومس لكعلى سيدنا ومولاناً من المبدالمزيد لامسافات
الكلامية الأهمية العرباءالتا معن باعها والرسالة والدرفيه الكراء والضراءالشعبية بأ ياتيكتابه معمكة
الشراء والتفري مناس فلً به بهاثم البلغاء غاية الاتما دخالا عي كذكرها فى ليلة الإسراء فوق السماء وتُستائر
إنقيمةالمياه وأكرم بهمن سماء مكناً ولمتجباسها، وصى اهل بيته الطيبين الطاهر بن السعداءسلالة
مخ الحنفاء مالكبهأم وقد وة أهل التقوى والمغفرة بغير مراعاة للّين أذهب الله عنهم الرجس مطهرهم
تطهيرها فى للجزر الباهامرة على اسبابه ◌َا رَ الشّئة السيئة الباذخة الشرمم وكا سلبه الله الحنيفية
المسيحية السهلة البيضاء واجبات هم منا حل الحديث دمة العلم ونقلت الرواية ورعاة الداساية براسم
أحد :حسن الجزء مامة قفز الوطفاء على الرياض النا. ولحسن ظماًمَنَّ الله تعالى عليهله
أحمد وانت أقصي الكتب الستة فى الحديث قراءتما واحسن إلى وله الفرنوالبق التكميل تل الصحف
الخطية ورواية ها بعثت جماعية الشوق متهالى العفور علمهتأليف صفرد فى هذة الباب شتا على
مثل مصر عكسمه لمطالب السنة والكتاب فلم الحط تموين فيه خبرا وتواجد له فى الرسائل الن خلة
المراداتكان ذلك أنتكتاب مسطول او فى تقد كممن طبقاتِ الشَّنّ مذ كور أخذربك
الصفحة الاولى من الطبعة الحجرية الاولى
مَطلاء اذاقواك در.
صورة غلاف الطبعة الحجرية الاولى التي
طبيعت فى حياة المصنف رحمه الله تعالى

يتم الصُّ الرحمنِالرّحِيمْ
محمدلاً لله الذي جعل أهل الحديث أهلَ النبي صلى الله عليه وسلم
خالصةً من دون الناس في أعين البصراء ، بل صحبه الّذين صحبوا أنفاسه
القدسية طول الأناء وإن لم يصحبوا نفسه الزكية كصحبه الرّحماء ، فيا لهم
من كرامٍ أخلصهم الله بخالصة ذكرى الدار ، واصطفاهم لنصرة دينه
وحفظ شريعته وتحمل علوم نبيّه المختار ، وناهيك بها من علياء .
ومصلّياً ومسلّماً على سيدنا ومولانا محمد المبعوث بمزيد الاصطفاء
إلى الأمّة الأمّيّة العَرْباء، الناهض بأعباء الرسالة والدهر فيه السّرّاء والضرّاء
المُعْيي بآيات كتابه مصاقِعَ (١) الفصحاء والمفحم ببيّنات خطابه بواقع(*)
البلغاء غاية الإفحام والإعياء ، الراقي ليلة الإسراء فوق السماء مرقى ما ترقى
رُقَيّه الأنبياء، فأكرم به من سماء ما طاولتها سماء، وعلى أهل بيته الطيبين
الطاهرين السعداء ، سلالة معشر الحنفاء الكبراء ، وقدوة أهل التقوى
والمغفرة بغير مراء ، الذين أذهب الله عنهم الرجسَ وطهّرهم تطهيراً،
(١) يقال : خطيب مصقع ، بكسر الميم : بليغ .
(٢) يقال الكيس الداهي من الرجال : بقعة من البواقع، شبه بالطائر الذي
يرد البقع - وهي المستنقعات دون المشارع - خوف القناص .
٢٩.

فيا للفخر والبأواء (١)، وعلى أصحابه حماة حمى السنّة السّنيّة البازغة
الغَرّاء وكُماة(٢) حلبة الحنيفية السمحة السهلة البيضاء، وأتباعهم من أهل
الحديث وحَمَلَة العلم ونقلة الرواية ورواة الدراية جزاهم الله أحسن الجزاء
ما سَحَّ (٣) قطر الوَطْفاء (٤) على الرياض الغَنّاء .
وبعد، فلما مَنَّ اللّه تعالى عليّ وله الحمد والثناء بتحصيل الكتب
الستة في الحديث وقراءتها وأحسن إليّ وله العزّ والبقاء بتكميل تلك الصحف
العَلِيّة وروايتها انبعثت داعيةُ الشوق منّي إلى العثور على تأليف مفردٍ
في هذا الباب مشتملٍ على ما لا بدّ من تعلّمه لطالب السُنّة والكتاب،
فلم أحط بمؤلّف فيه خبراً ولم أجد له في الرسائل المتداولة أثراً ، وإن كان
ذلك في الكتاب مسطوراً ، وفي تضاعيف طَبَقاتِ الّفِنّ مذكوراً ،
فخطر ببالي أن أجمع في ذلك رسالة بالخصوص مشتملة على ذكر الصحاح
الستة وتراجم مؤلفيها وما يتصل بها من نفائس فوائد هذا العلم المنصوص
يستعين بها الطالب المبتدئء ولا يستغني عنها الراغب المنتهي ، وذلك لأنّ
كتب الحديث وإنْ كانت في نفسها كثيرة ، ولدى أهل العلم شهيرة ،
لكن الطبقة العليا منها هي : الصحاح الستة التي خصت بمزيد الصحة والشهرة
والقَبول، وتلقتها الأمهُ المرحومة جميعاً من السلف والخلف تلقياً لا يحول
ولا يزول ، واعتنى بروايتها عصابةُ أهل الحديث عنايةً تامّةً ، وأذعن
لضبطها ونشرها في كل عصر خاصّتهم والعامّةُ ، بل عليها اقتصروا في
(١) قال الزمخشري في ((أساس البلاغة)) (٢٧) : هو يبأى على أصحابه
بأوآ شديدا : اذا زهى عليهم وافتخر ، وأن فيه لبأواً وزهواً .
(٢) الكماة : الشجعان ، ومفردها كمبي .
(٣) سحّ الماء سَحّاً: اذا سال من فوق الى أسفل .
(٤) السحابة ذات الماء الكثير .
٣٠

قراءة كتب الحديث وتدريسه (١) ، وبها اكتفوا في تحصيل سند هذا العلم
وتأسيسه، فاستخرتُ اللّه تعالى في تحريرها واستقدرتهُ في تسطيرها، وجئتُ
بها في أقل زمان على قدر ، وابتدرت لنيل المعاني ونظم الدرر الغرر بعد ،
ما التقطتها من الزبر الحوافل الكبار روماً لاقتناص الأوابد (٢) ، وغب ما
اقتطفتها من نفائس الوسائل والأسفار ضبطاً لبعض الشوارد ، راجياً أن
ينتفع بها الصالحون الراغبون في علم الحديث وأهله ، السّائرون المارّون
بحَزْله (٣) وسهله، سيما الولد الأحب الأعزّ الأقرب فلذة كبدي المُعنيّ،
وثمرة فؤادي المضني ، السيد نور الحسن طيب(٤) بارك الله في علمه وعمره
ونهيه وأمره لا انتظاماً في سلك المؤلفين وانصباغاً بصبغ المصنّفين ، ومن
أين لي ذلك والبضاعة من هذا العلم قدر مَنْزُور(٥) والمتشبع بما لم يعط
كلابس ثوبي زور (٦) هذا وقد سمّيتُها (( بالحطة في ذكر الصحاح الستة »
(١) هذا كلام يعوزه الدقة، فان دراسة الاحاديث النبوية ليست مقصورة
على الكتب الستة ، فهناك غيرها من الكتب فيها أحاديث كثيرة ليست
بها ، مثل : معاجم الطبراني الثلاثة ، ومسانيد البزار وأبي يعلى
وأحمد ، وسنن سعيد بن منصور والدارمي وغير ذلك كثير مما ينبغى
الاهتمام به ودراسته وفهمه، وأن كانت دراسة الكتب الستة مقدمة عليها
لخصائصها الكثيرة كما لا يخفى .
(٢) هو الغريب العجيب من الكلام .
(٣) ما غلظ من الارض ، وهو بخلاف السهل .
(٤) في هامش الاصل ما نصه : ولد يوم الاربعاء، احدى وعشرين من شهر
رجب سنة ثمان وسبعين بعد ألف ومئتين الهجرية ، وذاك يوم ولد
فيه يونس بن متى عليه السلام، وفتحت فيه غزوة الأحزاب .
قلت: خفي تاريخ ولادته على العلامة الزركلي في ((الاعلام)) ٥١/٨والاستاذ
عمر رضا كحالة في ((معجم المؤلفين)) ١١٩/١٣، وانظر ترجمته بشيء
من التفصيل في ((نزهة الخواطر)) ٥.٥/٨-٥٠٧ للامام عبد الحي
الحسني رحمه الله تعالى .
(٥) أي قليل .
(٦) يشير الى قوله عليه السلام: ((المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)).
رواه البخاري (٥٢١٩) ومسلم (٢١٣٠) وأحمد (٣٥٣٠٣٤٥/٦) وأبو
داود (٤٩٧٧) من حديث أسماء، ورواه مسلم (٢١٢٩) وأحمد (١٦٧/٦)
=
٣١

وضمتُها فاتحةً وخمسة أبواب وخاتمة، أعاذنا الله ومحصّليها عن النار
الحاطمة ، فخذها إليك رسالة مفصلة شذورها وعقائلها للمشغوف بإحيائها ،
ودونك مقالة مشرحة أبوابها وفصولها للمستضيء بأضوائها فإنّها أوْلى
ما يحفظه قرّاءُ الصحاح الستّة وطَلَبَةُ علم الحديث، وأحقّ ١٠ يحصله
أهلُ السنّة الطاهرة وخُدّامُها في القديم والحديث فتقد استيقظتُ لها والناس
نيام(١)، ووردتُ ماءها وهم صيام. وأنا العبد الفقير إلى الله ، الغنيّ به
عمن سواه ، الشاكر على ما أولاه ، خادم علوم السنّة وأهاليها ومحصّل
فُنون الحديث ومتطفل مواليها راجي رحمة الرحيم الرحمن ، دائم الفكر
متواصل الأحزان ، عبد ربّه الباري وابن عبده النور الساري أبو الطيّب
عليّ بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني المدعو بصديق حسن الفَنّوجي(١)
البخاري ، خصّه اللّه تعالى بالاستفادة والإفادة ، وجعله من الّذين لهم
الحسنى وزيادة ، وستر عيوبه بكرمه الضافي ، ولم يكدر عليه ما منحه من
مَشْرَع (٢) عطائه النمير (٢) الصافي. والمرجو ممّن حباه الله تعالى بشيمة
=
والحاكم من ((علوم الحديث)) (٧٧) عن عائشة، وأنظر ((فتح الباري))
(٣١٧/٩)، والمراد به المتكثر بأكثر مما عنده يتجمل بذلك كالذي
يرى أنه شبعان وليس كذلك ، مَن فعله فانما يسخر من نفسه .
وهو من أفعال ذوي الزور ، بل هو في نفسه زور أي كذب ، كذا في
((النهاية)) ٤٤١/٢، وانظر ((الفائق)) للزمخشري ٢١٧/٢، و((مشارق
الانوار)) للقاضي عياض ٢٤٣/٢
(١) علَّق الكتاني في ((فهرس الفهارس)) (٣٦٢/١) على هذا بقوله: وفيما
ذكر انه تيقظ لجمع ما يتعلق بالصحاح الستة والناس نيام نظر. فن
صاحب ((اليانع الجَني)) سبقه إلى التأليف في ذلك، لانه أتم اليانع
سنة ١٢٠٨ ، وصديق حسن أنما ألفها بعده ، بثلاث سنوات . قلت:
لكن الناظر فيهما يرى البون الشاسع بينهما، فان المصنف هو أول من
قام بجلب كتب السنة ، وطبعها ، أو شرحها ، وما الى ذلك ، وقد
تقدم ذكر شيء من هذا في المقدمة ، فانظره .
(٢) هو مورد الماء الذي يستقى منه .
(٣) هو الطيب الناجع في الري من الماء .
٣٢

الفتوّة وألبسه حلّة المروّة أن يسامح إن رأى قد زلّ القلم أو دحض القدم،
فمن دَيْدن الحُرّ العَفْوُ وللخرق الرّفو (١) والله وليّ التوفيق والإجابة،
وبيده الهدايةُ والإصابة .
(١) أي الاصلاح.
٣٣
الحطة-٣

فاتحة وفيها فصلان
الفصل الأولى
في فضيلة العلم والعلماء وما يناسبها من الفوائد العليا
واكتفيت ممّا ورد فيها من الآيات والأخبار بالقليل لشهرتها وقوّة
الدليل .
قال الله تبارك وتعالى (يَرْفَعِ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والّذِينَ
أُوتُوا العِلْمَ دَرَجات ) (المجادلة - ١١) (هَلْ يَسْتَوي الّذِينَ
يَعْلَمُونَ والّذينَ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر -٩) و(شَهِدَ اللّهُ أَنّهُ
لا إلهَ إلاّ هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ قَائِماً بالقِسْطِ ) (آل عمران١٨)
(ولكِنْ كُونُوا رَبّانِيّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلّمُونَ الكِتَابَ وبِما
كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) ( آل عمران - ٧١) (وَقُلْ رَبّ زِدْنِي عِلْماً)-
(طه - ١١٤) (وَمَا يَعْقَلْها إلاّ العَالِمُونَ) - (العنكبوت - ٤٣)
و ( إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالَمِينَ) و(إنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ
عِبَادِهِ العُلَمَاءُ ) (فاطر - ٢٨).
وعن أبي الدرداء ، قال : إني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول : ((من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك اللّه به طريقاً من طرق
الجنة . وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها رضىّ لطالب العلم وإنّ العالِمَ يستغفرٌ
٣٤

له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء . وإن فضل
العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب . وإن العلماء
ورثة الأنبياء . وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم
فمن أخذه أخذ بحظ وافرٍ)). رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة
والدارمي والبيهقيّ وابن حبان والحاكم وصححوه، ولهُ طُرُقٌ عديدة
وألفاظ كثيرة (١).
وعن عبد الله بن عمرو (٤). قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((قليل العلم خير من كثير العبادة)). أخرجه الطبراني في الأوسط (٣).
وعن أبي أمامة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يجاء
بالعالم والعابد ، فيقال للعابد : ادخل الجنة ، ويقال للعالم : قف حتى
تشفع للناس)). رواه الأصفهاني(٤).
(١) اسناده صحيح وأخرجه أبو داود (٣٦٤١) و (٢٦٤٢) في العلم : باب
الحث على طلب العلم، والدارمي (٩٨/١) في المقدمة: باب في فضل
العلم والعالم، وابن ماجة (٢٢٣) في المقدمة : باب فضل العلماء والحث
على طلب العلم ، والترمذي (٢٦٨٤) في العلم : باب ما جاء في فضل
الفقه على العبادة، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) (٤٣٠٤٢،
٤٤)، والبغوي (٢٧٦/١) وصححه ابن حبان (٨٠) والحاكم (٨٩/١)
(٢: ورد في الاصل: عبدالله بن عمر، وما أثبتنا هو الصواب.
(٣) قطعة من حديث طويل، قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٢٠/١: رواه
الطبراني في الأوسط والكبير ، وفيه اسحاق بن أسيد ، قال أبو حاتم:
لا يشتغل، وقال المنذري في ((الترغيب)) ٩٣/١: وفي اسناده اسحاق
ابن أسيد ، وفيه توثيق لين ، ورفع هذا الحديث غريب، قال البيهقي:
ورويناه صحيحا من قول مُطَرِّف بن عبدالله بن الشخير ، ثم ذكره،
والله أعلم. وعزاه المناوي في ((الفيض)) ٥٢٦/٤ الى العسكري قلت:
ورواه ابن عبد البر في ((الجامع)) ٢٥/١ وذكره الالباني في ((ضعيف
الجامع "٤١١٥ وقال : ضعيف جدا . قلت : وهو من قول مطرف عند
أبي خيثمة في ((العلم)) رقم ١٣ .
(٤) صدره المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ١٠٢٠١٠١/٢١ بصيغة
التضعيف وقال : رواه الأصبهاني وغيره .
ثم وقفت عليه في (الترغيب)) ق ٢٢٠ له بسند ضعيف!
٣٥

وعن ثعلبة (١). قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول
الله عزّ وجلّ يوم القيامة إذا قعد على كرسيّه الفصل عباده : إني لم أجعل
علمي وحلمي (٢) فيكم إلاّ وأنا أريد أن أغفر لكم ولا أبالي)). رواه
الطبراني (٣) .
وعن ابن عبّاس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من
جاء أجله وهو يطلب العلم لفي اللّه تعالى ولم يكن بينه وبين النبيين إلا"
درجة النبوة)) . أخرجه الطبرانيّ في الأوسط (٤).
وعن أبي أمامة الباهلي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((إنّ الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى
الحوت ليصلون على معلّم الناس الخير)). رواه الترمذي ، وأخرجه الدارمي
عن مكحول مرسلاً (٥) .
(١) هو ثعلبة بن الحكم الليثي، ترجمه ابن الاثير في ((أسد الغابة »٢٨٥/١،
والحافظ في ((الاصابة)) ٩/٢
(٢) تحرفت في ((معجم الطبراني الكبير)) الى حكمي، وهو مخالف لما في
((المجمع)) و((الترغيب)) وغيرهما .
(٣) في ((المعجم الكبير)) (١٣٨١)، وقال الهيثمي (١٢٦/١): ورجاله
موثقون، وقال المنذري (١٠١/١): ورواته ثقات، وقال السيوطي في
(اللآلى)) ٢٢١/١: لا بأس به.
قلت : وفي اسناده العلاء بن مسلمه الرواس وهو متروك اتهم بالوضع،
وانظر ((الميزان)) ١٠٥/٣ و((التهذيب)) ١٩٢/٨ وانظر ((تنزيه
الشريعة)) ٢٦٨/١
(٤) ذكره الهيثمي في ((المجمع)) ١٢٣/١ وقال: وفيه محمد بن الجعد،
وهو متروك . ورواه ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد ١٣١/٣ ورواه
الخطيب في ((تاريخه)) ٧٨/٣، وفيه محمد بن الجعد ايضا، وعلي بن زيد
ابن جدعان وهو ضعيف أيضا، ورواه ابن عبد البر (١١٥/١) عن ابن
عباس مرفوعا و (٥٥/١) عن الحسن مرسلا، وانظر ((الجامع الكبير))
٧٦٩/٢
(٥) أخرجه الترمذي (٢٦٨٥) والطبراني في ((الكبير)) (٧٩١٢) وابن عبد
البر (٤٥/١) والدارمي مرسلا (٨٨/١) وزاد نسبته السيوطي في
=
٣٦

وعن معاذ بن جبل ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((تعلّموا العلم فإن تعلّمه الله خشيةٌ، وطلبه عبادةٌ، ومذاكرته تسبيح ،
والبحث عنه جهادٌ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقةٌ ، وبذله لأهله قربة ،
لأنه معالم الحلال والحرام ومنار سبل أهل الجنّة ، وهو الأفيس في الوحشة ،
والصاحب في الغربة ، والمحدث في الخلوة ، والدليل على السرّاء والضراء ،
والسلاح على الأعداء ، والزين عند الاخلاء ، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم
في الخير قادة وأئمة يُقتفى آثارهم ويُقتدى بفعالهم ويُنتهى إلى رأيهم.
يرغب الملائكة في خلتهم ، وبأجنحتها تمسحهم ، يستغفر لهم كل رطب
ويابس وحيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه ، لأن العلم حياة القلوب
من الجهل ومصابيح الأبصار من الظلم يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار
والدرجات العلى في الدنيا والآخرة ، والتفكر فيه يعدل الصيام ، ومدارسته
تعدل القيام ، به توصل الأرحام ، وبه يعرف الحلال والحرام ، وهو
إمام العمل والعمل تابعه، يُلْهَمُهُ السعداء ويُحَرمُهُ الأشقياء)).
أورده ابن عبد البرّ في كتاب ((جامع بيان العلم)) (١) بإسناده ، وقال :
حديث حسن جدّاً وفي إسناده ضعف (٢) .
وروي أيضاً من طرق شتى موقوفاً على مُعاذ (٣). وقد يقال: الموقوف
(( الزيادة)) (٨٠٢) للضياء، قلت : وفي اسناد الترمذي سلمة بن
رجاء : صدوق يغرب ، وقد خالفه يزيد بن هارون عند الدارمي فرواه
عن مكحول مرسلا .
وانظر مقالة ابن جماعة في ((تذكرة السامع والمتكلم)) (ص ٨) في شرح
الحديث .
(١) في (٦٥/١) منه .
(٢) في المطبوعة من ((الجامع)): ولكن ليس له اسناد قوي، وكذا فيما نقله
عن المنذري في ((ترغيبه)).
(٣) قال المنذري في ((الترغيب)) (٩٥/١) بعد أن نقل كلام ابن عبد البر:
كذا قال رحمه الله، ورفعه غريب جدا، والله أعلم.
٣٧

في مثل هذا كالمرفوع (١) لأن مثله لا يقال بالرأي .
قال النووي(٢): الاشتغال بالعلم من أفضل القُرب وأجلّ الطاعات
وأهم أنواع الخير وآكد العبادات وأوْلى ما أنفقت فيه نفائس الأوقات
وشمر في إدراكه والتمكين فيه أصحابُ الأنفس الزاكيات ، وبادر إلى
الاهتمام به المسارعون إلى الخبرات وسابق إلى التحلّي به مستبقو المكرمات،
وقد تظاهر على ما ذكرته جملٌ من الآيات الكريمات والأحاديث الصحيحة
المشهورات وأقاويل السلف النيرات ، ولا ضرورة إلى ذكرها لكونها من
الواضحات الجليات ، انتهى .
قال ابن الجوزي في ((صيد الخاطر)): ليس في الوجود شيء أشرف
من العلم ، كيف لا ! وهو الدليل فإذا عدم وقع الضلان ، انتهى .
وقال الشافعي : مِن شرف العلم أنّ كلّ من نسب إليه ولو في شيء
حقيرٍ فرح ، ومن رفع عنه حزن .
وقال الأحنف : كل عز لم يوجد بعلم فإلى ذل مصيره .
قيل : سادات الخلق ثلاثة : الملائكة والأنبياء والسلاطين ، وكلهم
خضعوا للعلم، أمر الملائكة بالسجود لآدم لفضل علمه، وأمّا الأنبياء
فحديث موسى وخضر (٣)، وأمّا الملوك فقصّة يوسف. فلما كلمه قال :
إنّك اليوم لدينا مكين أمين .
قلت: ورواه موقوفا أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٣٩/١) وفي اسناده
=
مجهول، وأورده السيوطي في ((الكبير)) (٤٥٧/٢) وزاد نسبته لابن
لال، وانظر ((تنزيه الشريعة)) (٢٨٢،٢٨١/١) ولعل ابن عبد البر
أراد حسن المعنى وليس حسن الاسناد وصحته !!
(١). انظر: ((تدريب الراوي)) ١٩٠/١، ١٩١، ((محاسن الاصطلاح))
(١٢٦)، ((توضيح الافكار)) ٢٦٢/١ .
(٢) في مقدمته لـ ((شرح مسلم)) (ص ٣).
(٣) رواه البخاري (١٢٢) و (٣٤٠١) و ( ٤٧٢٥) ومسلم (٢٣٨٠)
وغيرهما عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما .
٣٨

ويقال : العلم دواء القلوب وشفاء الذنوب ونعم الحارس والفارس .
تعلّم فليس المرء يولد عالماً وليس أخو علم كمن هو جاهل
صغير إذا التفت عليه المحافل
وإن کبیر القوم لا علم عنده
وهو قوت الأرواح والقلوب وروضة المحب والمحبوب ، به يفضل
الذوق الروحاني على الجسماني من عالم الميثاق، وليس يُدْرِك ذاك إلاَ
مَن تضلع أو ذاق .
لا يعرف الشوق إلاّ من يكابده ولا الصبابة إلاّ من يدانيها
ولكن على كلّ خير مانع ، وعلى العلم موانع منها الوثوق بالمستقبل
وبالذكاء وبالانتقال من علم إلى علم قبل أن يحصل منه قدراً يُعتد به، أو من
كتاب إلى كتاب قبل ختمه ، ومنها طلب المال والجاه أو الركون إلى اللذات
البهيمية وضيق الحال وعدم المعرفة على الاشتغال وإقبال الدنيا وتقليد
الأعمال وكثرة التأليف في العلوم ، وكثرة الاختصارات إنها محلة عائقة
ولكل منها تفصيل ذكر في محله .
فائــدة
[ شرف العلوم ] (١)
اعلم أن شرف الشيء إمّا لذاته أو لغيره ، والعلم حائز
للشرفين جميعاً، لأنه لذيذ في نفسه فيطلب لذاته ولذيذ لغيره
فيطلب لأجله . أمّا الأول فلا يخفى على أهله أنّه لا لذة فوقها ، لأنها لذة
روحانية وهي اللذة المحضة . وأمّا اللذّة الجسمانية فهي دفع الألم في
الحقيقة كما أنّ لذة الأكل دفع ألم الجوع، ولذّة الجماع دفع ألم الامتلاء
(١) هذه العناوين الفرعية وضعتها لزيادة الايضاح ، وهي ليست في
((الأصل)).
٣٩

بخلاف اللذّة الروحانية، فإنها ألذ وأشهى من اللذائذ الجسمانية. ولذا
كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله يقول: لو يعلم الملوك ما نحن فيه من الذّة
العلم لحاربونا عليه بالسيوف .
وقال الفقيهُ الرباني محمد بن حسن الشيباني (١) عندما انحلّت له
مشكلات العلوم : أين أبناء الملوك من هذه اللذّة ؟ سيما إذا كانت الفكرة
في حقوق الملكوت وأسرار اللاهوت ، ومن لذته التابعة لغيره أنّه لا يقبل
العزل والنصب مع دوامه ، لا مزاحمة فيه لأحد لأن المعلومات متسعة مزيدة
بكثرة الشركاء والصناعات متكاملة متزايدة بتلاحق الأفكار والآراء .
ومع هذا لا ترى أحداً من الولاة الجهال إلاّ يتمنون أن يكون عزهم
كعز أهل العلم إلاّ أنّ الموانع البهيمية تمنع عن نيله . وأما اللذائذ الحاصلة
لغيره . أمّا في الأخرى فلكونه وسيلة إلى أعظم اللذائذ الأخروية والسعادة
الأبدية . وأمّا في الدنيا فالعزّ والوقار ونفوذ الحكم على الملوك والحكّام
ولزوم الاحترام في الطباع ، فإنك ترى أغبياء الترك وأجلاف العرب وأراذل
الهند وغيرهم يصادفون طبائعهم مجبولة على التوقير لشيوخهم وعلمائهم
لاختصاصهم بمزيد علم مستفاد من التجربة ، بل البهيمة تجدها توقر الإنسان
بطبعها لشعورها بتمييز الإنسان بكل مجاوز لدرجتها حتى أنها تنزجر بزجره،
وإن كانت فوتها أضعاف قوة الإنسان . ثم السعادة منحصرة في قسمين :
جلب المنافع ودفع المضار ، وكل منهما دنيوي وديني ، فالأقسام أربعة :
الأول : ما ينجلب بالعلم من المنافع الدينية وهو خفي وخلقي .
-
(١) هو الامام الاصولي ناشر علم الامام أبي حنيفة رحمه الله، ولد بواسط.
عام ( ٧٤٨ هـ ) ونشأ بالكوفة، له مؤلفات عديدة جلها مطبوع. توفي
رجمه الله عام (٨٠٤ هـ ) في الري، ترجمته في ((تاريخ بغداد)) ١٧٢/٢
و(وفيات الاعيان)) ١٨٤/٤ و((البداية والنهاية)) ٢٠٢/١٠
٤٠