Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ فمات فأحرقه بالنار فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) وقد ذكر السيوطى فى تحذير (١) الخواص طائفة من الروايات بهذا المعنى ولكن كما قلنا أن هذا كان قليلا نادرا فى عهد النبوة . ثم أن الوضع فى الحديث أخذ يشيع وينتشر فى كل عصر وقد حدثناك عن عوامل ذلك فى القرون الثلاثة وعن جهود العلماء فى مناهضة الوضاعين . والآن نذكر لك الوسائل التى اتخذوها فى جهاد هؤلاء الكذابين والطرق التى سلكوها فى القضاء على أباطيلهم فأنهم لم يكتفوا بطريق دون طريق بل حاربوا أعداء الحديث بكل سلاح وأخذوا عليهم المسالك وسدوا فى وجوههم جميع الطرق . سلك علماء الاسلام وأعلام السنة طريقين. (احداهما) : نظرية فوضعوا القواعد الدالة على وضع الحديث وأقاموا الامارات الصادقة على ذلك بما لا يدع مجالا للشك ، و (الأخرى) : عملية وذلك ببيانهم الأشخاص الوضاعين ، وتعريف الناس بهم وبيان الموضوعات التى وضعوها والأكاذيب التى اختلقوها ، وصنفوا فى ذلك الكتب المعروفة بكتب الموضوعات وأصبحت السنة النبوية أمامنا بحذافيرها فى الصحاح والجوامع والسنن والمسانيد وغيرها معروفة وصارت الأحاديث المكذوبة غير خافية على أحد من علماء الحديث وبذلك سهلت مهمة الوقوف على درجة الأحاديث أهى صحيحة أم حسنة أم ضعيفة أم موضوعة مكذوبة فجزى الله علماء السنة أفضل ما يجزى علماء أمة . (١) ص ١١ وما بعدها . ٤٨٢ الطريقة الأولى فى الدلالة على وضع الحديث : وضع علماء الاسلام وجهابذة هذه الفنون قواعد لا تكاد تخطىء فى الدلالة على وضع الحديث ، وذلك لأن ملكة النقد كانت راسخة فيهم حتى أصبحوا نقادا بالأرواح والأبدان ، ونحن نذكر لك بعض هذه القواعد لتلمس بنفسك أنهم ما فرطوا فى مهمتهم الشريفة فنقول :- ١ - يعرف الوضع بقرينة فى الراوى تنادى عليه بالكذب فيما يقول، ومثال ذلك ما أسنده الحاكم عن سيف بن عمر التميمى أنه قال : كنت عند سعد بن ظريف فجاء ابنه من الكتاب يبكى فقال مالك ؟ قال : ضربنى المعلم قال لأخزينهم اليوم ، حدثنى عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً ( معلمو صبيانكم شراركم أقلهم رحمة لليتيم وأغلظهم على المسكين )) ومثال ذلك أيضا ما روى أنه قيل لمأمون بن أحمد الهروى ألا ترى إلى الشافعى ومن تبعه بخراسان فروى عن النبى صلى الله عليه وسلم ((يكون فى أمتى رجل يقال له محمد بن ادريس أضر على أمتى من ابليس ، ويكون فى أمتى رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتى )» إلى غير ذلك . ٢ - يعرف الوضع بقرينة فى المروى كأن يكون الحديث ركيك المعنى فقط أو ركيك اللفظ والمعنى معا ، أما ركة اللفظ فقط فلا تدل على الوضع لجوائز أن الراوى تصرف فى لفظ الحديث فأتى بلفظ ركيك من عنده ويكون معنى الحديث صحيحا وله أصل عن النبى صلى الله عليه وسلم ، فلا تدل ركاكة اللفظ فقط على أن الحديث موضوع ، اللهم الا اذا ادعى الراوى أن الحديث الذى رواه من لفظ النبى صلى الله عليه وسلم وصرح بذلك فانه يكون كاذبا لأن النبى صلى الله عليه 1 i ٤٨٣ وسلم كان أفصح العرب وعند ذاك تدل ركاكة اللفظ وحدها على وضع الحديث وكذب راويه ، ومثال ركاكة المعنى ما نسبوه كذبا إلى النبى صلى الله عليه وسلم: (( لا تسبوا الديك فأنه صديقى))، و(الديك الأبيض الأفرق حبيبى وحبيب حبيبى جبريل)) و(( لو كان الأرز رجلا لكان حليما )). ٣ - من أدلة وضع الحديث أن يكون مخالفا للعقل ، بحيث لا يقبل التأويل أو مخالفا للمحس المشاهد مثال الأول : الأخبار عن الجمع بين الضدين ، أو نفى الصانع وذلك لأنه لا يجوز ورود الشرع بخلاف مقتضى العقل ، ومثال ذلك حديث (( خلق الله الفرس فأجراها فعرقت فخلق نفسه منها)) فهذا لا يقوله عاقل ، ومثال الثانى حديث (( الباذنجان شفاء من كل داء )) فهذا باطل لأن المشاهد المحس هو أن الباذنجان يزيد الأمراض شدة . ٤ - من أدلة الوضع أن يكون الحديث مخالفا لدلالة القرآن القطعية أو السنة المتواترة أو الاجماع القطعى مع عدم امكان الجمع ، ومن هنا زيف العلماء الحديث الذى يحدد المدة الباقية للدنيا بسبعة آلاف سنة ، لأنه يخالف قوله تعالى: (( يسألونك عن الساعة آيان مرساها قل انما علمها عند ربى لا يجليها لوقتها إلا هو)) وأبطلوا حديث (( ولد الزنا لا يدخل الجنة)) لمعارضته لقوله تعالى: ((ولا تزر وازرة وزر أخرى)) ، كما زيفوا أحاديث مناقضة للسنة المتواترة ، أو الاجماع القطعى ، كالأحاديث الدالة على أن كل من يسمى بأحمد أو محمد لا يدخل النار ، فانه من المعلوم من الدين بالضرورة أن النار لا يجار منها بالألقاب والأسماء وانما يتخلص منها بالعمل الصالح . ٥ - من علامات وضع الحديث اشتماله على مجازفات يرتفع عنها ٤٨٤ كلام النبوة كحديث (( من قال لا اله الا الله خلق الله من تلك الكلمة طائرا له سبعون ألف لسان لكل لسان سبعون ألف ألف لغة يستغفرون الله له)) ومن ذلك حديث ((من اغتسل من الجنابة حلالا أعطاه الله قصرا من درة بيضاء وكتب له بكل قطرة ثواب ألف شهيد )) . ٦ - من علامات كذب الحديث أن يكون أمرا تتوفر الدواعى على نقله أو يصرح الحديث نفسه بأن الواقعة حصلت فى مشهد عظيم من الصحابة ثم لا يشتهر ولا يرويه الا عدد قليل ومن ذلك ما يدعيه بعض الشيعة أن النبى صلى الله عليه وسلم أعطى عليا الخلافة فى غديرخم حين رجوعه من حجة الوداع بحضرة جم غفير أكثر من مائة ألف . ٧ - مجىء الحديث على خلاف مقتضى الحكمة والمنطق السليم المعقول كحديث (( جور الترك ولا عدل العرب)) فان الجور مذموم على الاطلاق كما أن العدل محمود على كل حال . ٨ - من علامات وضع الحديث أن يكون الراوى له رافضيا والحديث فى فضائل آل البيت لأن الروافض متعصبون لآل البيت طاعنون على سائر الصحابة ويعدون الشيخين غاصبين للخلافة من على ابن أبى طالب وما لأهما على ذلك سائر الصحابة . ٩ - من أمارة بطلان الحديث مناقضته للتاريخ الصحيح ، كحديث وضع الجزية عن أهل خيبر الذى قرنه واضعه بشهادة سعد بن معاذ ، اذ أن سعدا توفى فى غزوة الخندق وكانت قبل خيبر ، على أن الجزية أم تشرع فى زمن خيبر ولم تكن معروفة للصحابة الا بعد عام تبوك . ١٠ - ومن أدلتهم على وضع الحديث ادعاء أحد رواته أنه أدرك من العمر فوق ما جرت به سنة الله فى خلقه ، حتى لقى من تقدم بزمن ٤٨٥ بعيد ، وتلقى عنه ، وذلك كالأحاديث التى رواها رتن الهندى مدعياً أنه لقى النبى صلى الله عليه وسلم ، وهو لم يظهر الا بعد ستمائة سنة من الهجرة ، فان بعض الجهال يزعم أنه اجتمع بالنبى صلى الله عليه وسلم وسمع منه ، ودعا له النبى صلى الله عليه وسلم بقوله عمرك الله ، فهذا ليس له أصل عند أئمة الحديث اذ أنه لم يعش أحد من الصحابة ممن لقى النبى صلى الله عليه وسلم أكثر من خمس وتسعين سنة غير أبى الطفيل حتى أن الناس بكوا عليه وقالوا : هذا آخر من لقى النبى صلى الله عليه وسلم . ١١ - من أدلة الوضع فى الحديث ادعاء بعض الصوفية أنه تلقى الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم بطريق الكشف ، دون أن يكون له سند متصل صحيح ، أو بطريق الرؤيا كذلك اذ أنه من المتفق عليه بين علماء الدين أن الرؤيا والكشف لا ينقرر بهما حقيقة شرعية ، لما يكتنفهما من التخليط وعدم الضبط ، فاضافة شىء الى الدين من غير أن يقوم عليه دليل من الكتاب أو السنة المتلقاة عن النبى صلى الله عليه وسلم بالسند الصحيح يعتبر ابتداعا فى الدين ، وزعما باطلا مردودا على من يزعمه . هذا وقد تكلم المحدثون على سبيل الاجمال والتفصيل فى معرفة الموضوعات والوضاعين فتراهم يقولون : من الأحاديث الموضوعة أحاديث الاكتحال والأدهان والتطيب يوم عاشوراء ، والأحاديث التى وضعها بعض الزنادقة وجهلة المتصوفة فى فضائل القرآن سورة سورة الا ما استثنى (١) ، والأحاديث التى تروى فى التختم بالعقيق لا يثبت منها (١) قال الحافظ السيوطى فى تدريبه : اعلم أن السور التى صحت الأحاديث فى فضائلها : الفاتحة ، والزهراوان ، والأنعام ، والسبع الطوال مجملا ، والكهف ، ويس ، والدخان ، والملك ، والزلزلة ، والنصر ، والكافرون ، والاخلاص ، والمعوذتان ، وما عداها لم يصح فيها شىء . ٤٨٦ شىء ، والحرز المنسوب لأبى دجانة الأنصارى ، ومسند أنس بن مالك الذى يروى عن جعفر بن هارون الواسطى عن سمعان بن أنس . وهو مقدار ثلثمائة حديث يرويها سمعان المهدى عن أنس وأوله (« ان أمتى فى سائر الأمم كالقمر فى النجوم)) ، وأحاديث الأشج وأحاديث خراش وأحاديث نسطور الرومى ، وأحاديث رتن الهندى ، والأحاديث المنسوبة إلى محمد بن سرور البلخى ، وأحاديث شهر بن حوشب كلها موضوعة . كذلك تتبعوا الأخبار الواردة فى كتب التفسير والملاحم والمغازى ووزنوها بميزان النقد الصحيح فالامام أحمد بن حنبل يقول: (( ثلاثة كتب ليس لها أصل المغازى والملاحم والتفسير)) قال الخطيب فى جامعه : وهذا محمول على كتب مخصوصة فى هذه المعانى الثلاثة غير معتمد عليها لعدم عدالة ناقليها وزيادة القصاص فيها ، فأما كتب الملاحم فجميعها بهذه الصفة وليس يصح فى ذكر الملاحم المرتقبة والفتن المنتظرة غير أحاديث يسيرة ، وأما كتب التفاسير فمن أشهرها كتابا الكلبى ، ومقاتل بن سليمان ، وقد قال الامام أحمد فى تفسير الكلبى من أوله إلى آخره كذب ، قيل له فيحل النظر فيه ? قال لا ، وقال أيضا : كتاب مقاتل قريب منه ، وأما المغازى فمن أشهرها كتب محمد بن اسحاق وكان يأخذ عن أهل الكتاب . وقال الشافعى كتب الواقدى كذب . وليس فى المغازى أصح من مغازى موسى بن عقبة (١) اهـ . الطريقة الثانية فى بيان العلماء للموضوعات ومحاربة الوضاعين : هذه هى الطريق العملية التى استنفدت كثيراً من جهود العلماء فى كل عصر ، فانه لم يخل عصر من وجود أعداء للاسلام كادوا له عن طريق (١) تدريب الراوى ص ٩٨ وما بعدها وكشف الخفاء ومزيل الألباس وخاتمته . ٤٨٧ وضع الأحاديث ، ومن أبرز الأعمال التى قام بها هؤلاء الجهابذة هى تصنيف الكتب فى بيان الأحاديث الموضوعة واليك طائفة من هذه الكتب :- ١ - كتاب تذكرة الموضوعات لأبى الفضل محمد بن طاهر المقدسى المتوفى سنة (٥٠٧) . ٢ - كتاب الأباطيل لأبى عبد الله الحسن بن ابراهيم الهمدانى الجوزقى . نسبة الى جوزقان ناحية من همدان الحافظ المتوفى سنة (٥٤٣) قال الذهبى : وهو محتو على أحاديث موضوعة وواهية مع أوهام فيه وقد بين بطلان أحاديث واهية بمعارضة أحاديث صحاح لها . اهـ . ٣ - كتاب الموضوعات الكبرى لأبى الفرج عبد الرحمن بن على ابن الجوزى المتوفى سنة (٥٩٧) فى نحو مجلدين الا أنه تساهل فيه كثيرا بحيث أدخل فيه الضعيف والحسن والصحيح قال الذهبى : (( ربما ذكر ابن الجوزى فى الموضوعات أحاديث حسانا قوية . قال ونقلت من خط السيد أحمد بن أبى المجد قال : صنف ابن الجوزى كتاب الموضوعات فأصاب فى ذكره أحاديث شنيعة مخالفة للنقل والعقل وما لم يصب فيه اطلاقه الوضع على أحاديث بكلام بعض الناس فى أحد رواتها كقوله فلان ضعيف أو ليس بالقوى أو لين ، وليس ذلك الحديث مما يشهد القلب ببطلانه ، ولا فيه مخالفة ، ولا معارضة لكتاب ولا سنة ولا اجماع ، ولا حجة بأنه موضوع سوى كلام ذلك الرجل فى راويه وهذا عدوان ومجازفة)) اهـ. وقال شيخ الاسلام ابن حجر العسقلانى: (( غالب ما فى كتاب ابن الجوزى موضوع والذى ينتقد عليه بالنسبة الى ما لا ينتقد قليل جدا قال وفيه من الضرر أن يظن ما ليس بموضوع موضوعا عكس الضرر بمستدرك الحاكم فانه يظن ٤٨٨ ما ليس بصحيح صحيحا قال وينبغى الاعتناء بانتقاد الكتابين فان تساهلهما أعدم الانتفاع بهما الا لعالم بالفن لأنه ما من حديث الا ويمكن أن يكون قد وقع فيه تساهل )) اهـ . وقد ألف الحافظ ابن حجر (( القول المسدد فى الذب عن مسند الامام أحمد)) أورد فيه أربعة وعشرين حديثا فى المسند ذكرها ابن الجوزى فى الموضوعات ومن بينها حديث فى صحيح مسلم عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ان طالت بك مدة أوشك أن ترى قوما يغدون فى سخط الله ويروحون فى لعنته فى أيديهم مثل أذناب البقر)). وذيل السيوطى على هذا الكتاب بذيل فى الأحاديث التى بقيت فى كتاب الموضوعات من المسند وهى أربعة عشر مع الكلام عليها . ٤ - كتاب اللآلى المصنوعة فى الأحاديث الموضوعة للحافظ السيوطى اختصره من كتاب ابن الجوزى فعلق الأسانيد وذكر منها ما تمس اليه الحاجة وأتى بالمتون وكلام ابن الجوزى عليها وتعقب كثيرا منها وتتبع كلام الحفاظ فى تلك الأحاديث لا سيما شيخ الاسلام الحافظ ابن حجر واللآلىء المصنوعة مطبوعة بمصر الآن ، هذا وقد ألف السيوطى كتابا سماه (( القول الحسن فى الذب عن السنن )) أورد فيه مائة وبضعة وعشرين حديثا ذكرها ابن الجوزى فى الموضوعات مع أنها ليست بموضوعة ففى سنن أبى داود منها أربعة أحاديث وفى سنن الترمذى ٢٣ حديثا ، وفى سنن النسائى حديث واحد ، وفى سنن ابن ماجه ١٦ حديثاً؛ وفى صحيح البخارى ، رواية حماد بن شاكر ، حديث واحد ؛ وهو (( كيف بك يا ابن عمر اذا عمرت بين قوم يخبأون رزق سنتهم)) ومنها ما هو فى كتاب خلق الأفعال للبخارى فى غير الصحيح، وفى مسند الدارمى، والمستدرك للحاكم ، وصحيح ابن حبان ، وتصانيف البيهقى ؛ وغيرها من الكتب أحاديث كثيرة حكم عليها ابن الجوزى بالوضع وليست بموضوعة . ٤٨٩ ٥ - كتاب ((تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة)». لأبى الحسن على بن محمد الكنانى المتوفى سنة ( ٩٦٣) وهو أجمع كتاب فى الموضوعات . ٦ - تذكرة الموضوعات لرئيس محدثى الهند جمال الدين الفتنى الملقب بملك المحدثين المتوفى قتيلا سنة ٩٨٦ هـ . ٧ - كتاب الفوائد المجموعة فى الأحاديث الموضوعة للقاضى أبى عبد الله محمد بن على بن محمد الشوكانى اليمنى المتوفى سنة (١٢٥٠هـ) لكنه أدرج فيه كثيرا من الأحاديث التى لم تبلغ درجة الوضع بل ومنها صحاح وحسان قلد فى ذلك ابن الجوزى واضرابه من المتساهلين . ٨ - كتاب («تحذير المسلمين ، من الأحاديث الموضوعة على سيد المرسلين)) فى جزء لطيف لمحمد البشير ظافر أبى عبد الله المالكى الأزهرى المتوفى سنة (١٣٢٥ هـ)(١). علم أصول الرواية أو علم مصطلح الحديث قدمنا لك بضعة أنواع من علم أصول الرواية واليك الآن نبذة يسيرة عن تاريخه والتعريف به : هو علم يبحث فيه عن حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وأحكامها وحال الرواة وشروطهم وأصناف المرويات وما يتعلق بها (٢)، وهذا العلم (١) أنظر تدريب الراوى ص ١٠٠ وما بعدها والرسالة المستطرفة ص ١١١ وما بعدها . (٢) ( حقيقة الرواية ) : نقل الخبر واسناده الى من عزى اليه بتحديث أو أخبار وغير ذلك، و ( شروطها ) : تحمل الراوى لما يرويه بنوع من أنواع التحمل من سماع أو عرض أوأجازة ونحوها، و ( أنواع الرواية ) : الاتصال والانقطاع ونحوهما ((وأحكامها)) القبول أو الرد ، و ( حال الرواة العدالة والجرح وشروطهم فى التحمل والأداء ، و ( أصناف المرويات ) : المصنفات من المسانيد والمعاجم والأجزاء وغيرها من أحاديث وآثار ونحوهما و ( ما يتعلق بهذه المصنفات ) : هو معرفة اصطلاح أهلها ، أنظر مقدمة تدريب الراوى للسيوطى . ٤٩٠ هو المسمى بعلم مصطلح الحديث وبه يعرف المقبول من المردود من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . نشأته : ولم يكن هذا العلم بحالته الراهنة معروفا لدى أهل القرون الثلاثة الأولى مسمى بهذا الاسم مجموعة أنواعه بعضها إلى بعض فى مصنف واحد ، وان كان قد سبق منهم الكلام فى أنواع مفردة ، وتثبتوا فى قبول الأخبار ، كما كان من الشيخين أبى بكر وعمر ، وتكلموا فى الجرح والتعديل ، ونقبوا عن علل الأحاديث ووضعوا فى بعض الأنواع كتبا كما حصل ذلك من على بن المدينى شيخ البخارى الذى كان علامة زمانه فى علوم الحديث ، فلم يترك بابا من أبوابه الا وضع فيه كتابا ، كذلك ألف غيره أنواعا مفردة كالبخارى ومسلم والترمذى وغيرهم ، وكان تأليفهم كما قلنا لا يعدو الكلام على أنواع مفردة ، أما جمع هذه الأنواع والكلام عليها فى مصنف واحد فلم يحدث ذلك الا فى منتصف القرن الرابع الهجرى فيما يغلب على الظن . قال الحافظ ابن حجر فى أول شرحه للنخبة ما نصه : (( ان أول من صنف فى ذلك القاضى أبو محمد الرامهرمزى المتوفى سنة ٣٦٠ فى كتابه ((المحدث الفاصل بين الراوى والواعى)) لكنه لم يستوعب والحاكم أبو عبد الله النيسابورى المتوفى سنة ٤٠٥ لكنه لم يهذب ولم يرتب ، ثم تلاه أبو نعيم الأصفهانى فعمل على كتاب الحاكم مستخرجا وأبقى أشياء للمتعقب ، ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادى المتوفى سنة (٤٦٣) فصنف فى قوانين الرواية كتابا سماه ((الكفاية)) وفى آدابها كتابا سماه (( الجامع لآداب الشيخ والسامع)) وقل فن من فنون الحديث الا وقد صنف فيه الخطيب كتابا مفردا فكان كما قال الحافظ ابن نقطة: (( كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على ٤٩١ كتبه)) ثم جاء بعدهم بعض من تأخر عن الخطيب فأخذ من هذا العلم بنصيب ، فجمع القاضى عياض المتوفى سنة (٥٤٤) كتابا لطيفا سماه ((الالماع))(١) وأبو حفص الميانجى جزءا سماه (( ما لا يسع المحدث جهله)) وأمثال ذلك من التصانيف التى اشتهرت ، قال : الى أن جاء الحافظ تقى الدين عمرو بن عثمان بن الصلاح عبد الرحمن الشهرزورى نزيل دمشق فجمع فى ذلك كتابه المشهور بمقدمة ابن الصلاح ، فهذب فنونه وأملاه شيئا بعد شىء على تلاميذه بالمدرسة الأشرفية عندما ولى تدريس الحديث بها فلهذا لم يقع ترتيبه على وضع متناسب ، اذ كان الأولى به أن يذكر ما يتعلق بالمتن وحده ، وما يتعلق بالسند وحده ، وما يشتركان معا فيه ، وما يختص بكيفية التحمل والأداء وحده ، وما يختص بصفات الرواة وحده ، واعتنى بتصانيف الخطيب المفرقة فجمع شتات مقاصدها وضم اليها من غيرها نحب فوائدها فاجتمع فى كتابه ما تفرق فى غيره فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره فلا يحصى كم ناظم له ومختصر ومستدرك عليه ومقتصر ومعارض له ومنتصر)) اهـ. بتصرف يسير . هذه نبذة يسيرة توضح لنا كيف نشأ التأليف فى علم أصول الرواية على الوضع الحالى من ضم أنواع مختلفة بعضها إلى بعض فى مصنف واحد ولننتقل بك الى الكلام على أشهر تلك الكتب وأهمها : - أهم كتب أصول الرواية : أولا - كتاب ((المحدث الفاصل بين الراوى والواعى)) لأبى الحسن ابن خلاد الرامهرمزى المتوفى سنة (٣٦٠) هجرية . وهو أول مصنف ظهر فى فن مصطلح الحديث وهو وان لم يستوعب أنواع الفن يعتبر أجمع (١) منه نسخة بدار الكتب الظاهرية بدمشق . ٤٩٢ ما صنف فى عصره ، والكتاب لم يطبع الى الآن ويوجد مخطوطا بدار الكتب المصرية . ثانيا - معرفة علوم الحديث للحاكم أبى عبد الله النيسابورى المتوفى سنة (٤٠٥) هـ وهو كتاب قيم اشتمل على اثنين وخمسين نوعا من علوم الحديث وهو مدعم بالأسانيد قد طبع لأول مرة بمطبعة دار الكتب المصرية بتصحيح وتعليق العالم الهندى الجليل الأستاذ الدكتور السيد معظم حسين كما قدمه بنبذة عن تاريخ تدوين الحديث ونشأة علوم المصطلح ولم يغفل الكلام على ترجمة المؤلف فجزاه الله خيرا . ثالثا -- كتاب ((الجامع لآداب الراوى والسامع)) للحافظ أحمد ابن على المعروف بالخطيب البغدادى صاحب تاريخ بغداد المتوفى سنة (٤٦٣). رابعا - (( الكفاية فى معرفة أصول الرواية)) للخطيب البغدادى أيضا . خامسا - كتاب علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح للحافظ البارع أبى عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزورى المشهور بابن الصلاح المتوفى سنة ( ٦٤٢ هـ ) لخص فيه كتب الخطيب المتفرقة وزاد عليها ، فجمع بذلك على طالبى هذا الفن ما تفرق من أنواعه فى حسن عبارة وكمال وتهذيب وقد انتقد عليه فى وضعه كما سبق لك وهو انتقاد شكلى لا يضيره وكتابه مطبوع بالهند الآن ويشتمل على خمسة وستين نوعا من علوم الحديث . وكتاب ابن الصلاح هذا يعتبر خاتمة المصنفات وأجودها فى هذا الفن لذلك نجد العلماء فيما بعد يعولون عليه فى أبحاثهم ، ومن تصدى منهم للتأليف فى علوم الحديث لا يعدو أن يكون ناظما له أو مختصرا ٤٩٣ أو شارحا فمن الناظمين له زين الدين العراقى المتوفى سنة ٨٠٦ هـ فى ألفية سماها ((نظم الدرر فى علم الأثر)) وقد أتمها سنة ٧٦٨ هـ وعمل عليها شرحا سماه فتح المغيث بشرح الفية الحديث وقد طبع بمصر عام (١٣٥٥ هـ ) وقد تناول الناس ألفية العراقى بالشرح منهم السخاوى والسيوطى والشيخ زكريا الأنصارى المتوفى سنة (٩٢٨هـ). وقد نظم مقدمة ابن الصلاح أيضا الحافظ السيوطى المتوفى سنة ٩١١ هـ فى ألفية زاد فيها على ألفية العراقى نكتا عزيزة وفوائد جليلة وهى مطبوعة الآن بمصر قال فى أولها . وما ينوب فعليه أعتمد لله حمدى واليه أستند خير صلاة وسلام سرمد ثم على نبيه محمد منظومة ضمنتها علم الأثر وهذه الفية تحكى الدرر فى الجمع والإيجاز واتساق فائقـة الفيــة العراقى لى وله ولذوى الايمان والله يجزى سابغ الاحسان وممن شرح مقدمة ابن الصلاح الزين العراقى المتوفى سنة ٨٠٦ شرحها شرحا مختصرا سماه ((التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح)) ويعرف أيضا بنكت العراقى على مقدمة ابن الصلاح والحافظ ابن حجر عليها نكت أيضا تسمى ( الافصاح بتكميل النكت على ابن الصلاح )) وكذلك شرحها بدر الدين الزركشى المتوفى سنة (٧١٤ هـ). وقد اختصر المقدمة كثير من العلماء منهم الأمام شرف الدين النووى المتوفى سنة (٦٧٦) وسمى كتابه ((الارشاد فى علم الاسناد)) ثم اختصر الارشاد فى كتاب آخر سماه «التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير ٤٩٤ النذير)) وهو المشهور الآن وعليه عدة شروح للزين العراقى والسخاوى وللحافظ السيوطى شرح سماه ((تدريب الراوي شرح تقريب النواوى)» وهو من أعظم الكتب فى أصول الرواية ومن أنفس كتب الحافظ السيوطى وقد طبع بمصر سنة (١٣٠٧هـ) ونفذت نسخه . هذا ومن المتون الجامعة الممتعة ((نخبة الفكر فى مصطلح أهل الأثر)) للحافظ أحمد بن حجر العسقلانى المتوفى سنة ( ٨٥٢) هـ وشرحها له أيضا ويسمى. ((نزهة النظر فى توضيح نخبة الفكر)) وهو شرح وجيز عظيم النفع غزير العلم ، وقد شرحه كثير من العلماء منهم على القارىء الحنفى المتوفى سنة (١٠١٤هـ) وهو على شرح النخبة وسماه ((مصطلحات أهل الأثر)» وقد طبع بمطبعة أخوت باستنبول . وللسيد الشريف الجرجانى المتوفى سنة (٨١٦هـ) كتاب ((المختصر فى مصطلح أهل الأثر)» وقد شرحه محمد عبد الحى اللكنوى الهندى المتوفى سنة (١٣٠٤هـ) فى كتاب (ظفر الأمانى فى شرح مختصر الجرجانى) وقد طبعت رسالة الجرجانى وشرحها ظفر الأمانى بالهند ، ولعمر بن محمد بن فتوح البيقونى الدمشقى المتوفى سنة (١٠٨٠هـ) منظومة تعرف بالبيقونية وعليها شروح كثيرة منها شرح الزرقانى وطبعت بمصر مرارا وطبع أحد شروحها المسمى ((البهجة الوضية شرح متن البيقونية)) للشيخ محمود نشابه بدار الخلافة سنة ( ١٣٢٨ ) ، إلى غير ذلك من المنظومات والمختصرات وهى كثيرة جدا بعضها مطبوع والآخر مخطوط يطول ذكرها ويصعب عدها فنجتزئء بما ذكرناه(١). هذه أيها القارىء قرابة أربعة عشر قرنا من الزمان والسنة النبوية (١) أنظر مقدمة الدكتور معظم حسين لمعرفة علوم الحديث للحاكم . ٤٩٥ الشريفة بين أعداء يكيدون لها وأنصار يناضلون عنها وهذه أيها القارىء جهود جبارة قام بها هؤلاء الأئمة الأعلام فى كل مكان وزمان مخلفين وراءهم تلك الثروة الطائلة من الحديث وعلومه فى متناول أيدينا اليوم ناطقة بحسن صنيع الأولين شاهدة على المتأخرين بالتفريط والاهمال حيث أغفلوا تلك الكنوز الثمينة وتركوها تنعى أصحابها حتى أصبحت ما بين مستشرق يعبث بها وجاهل لا يعرف قيمتها ولا غرابة فإن هذا هو الطابع العام لنا فى هذه الأيام ولكنا مع ذلك لا تقطع الرجاء فى أن يهيىء الله تعالى لدينه من ينصره على أعدائه وأملنا وطيد فى نخبة من علماء الأزهر اليوم كرست حياتها على احياء السنة والدفاع عنها بالكتابة تارة وبالدرس أخرى ، وأخيرا نوجه رجاءنا لأولى الشأن فى الأزهر أن يعملوا على أحياء المخطوطات الحديثية بطبعها وتحريرها وتسهيلها على طلاب العلم والتوسع فى دراسة الحديث النبوى دراسه تعتمد على تحليل الأسانيد والمتون ونقدهما ويعنى فيها برد الشبهات وحل المشكلات فانه لا يخفى عليهم مكان السنة من التشريع الإسلامى . وبعد فأنى لمتفائل لهذه العجالة بالنفع العميم أن تم تأليفها صبيحة ليلة القدر التى هى خير من ألف شهر فى السابع والعشرين من رمضان سنة ١٣٦٥ هجرية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم والحمد لله الذى بنعمه تتم الصالحات . خاتمة الطبع بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله ، والصلاة والسلام على نبينا محمد رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه الى يوم الدين . وبعد فقد اقتضانا الداعى إلى نشر هذا الكتاب فى هذه الأيام -- حسبما نوهنا عنه فى مطلعه - أن حذفنا تراجم لبعض الرواة ، ووضعنا بدلا منها بحوثا هامة ، يتطلبها الرد على بعض الملاحدة الذين يكيدون للسنة النبوية ، كما ألجأنا غلاء الورق الى الاجمال فى الكلام عن الدورين السادس والسابع ، والكمال لله جل جلاله . وعلى الله قصد السبيل ، وهو الهادى الى أقوم طريق . محمد أبو زهو القاهرة فى ٢ من جمادى الثانية ١٣٧٨ هـ بِسْرِالله الرحمن الرحيم تقاريظ الكتاب - ١ - تفضل مولانا الأستاذ الامام عالم العلماء ، ومفتى الاسلام ، فضيلة الشيخ (( حسنين محمد مخلوف)) مفتى الديار المصرية سابقا ، ورئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشريف ، وعضو هيئة كبار العلماء ، بكلمة رائعة قيمة ، بعد اطلاعه على هذا الكتاب ، فقال حفظه الله وأبقاه ذخرا للاسلام والمسلمين : الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وأصحابه ، ومن اتبع هداه ، أما بعد، فقد طالعت كثيرا من مباحث كتاب (( الحديث والمحدثون)) للأستاذ الجليل العلامة الشيخ محمد محمد أبى زهو الأستاذ بكلية أصول الدين بالأزهر ، فحمدت الله أجل الحمد ، اذ وفقه لاخراجه فى وقت أحوج ما نكون فيه الى عالم ثبت قدير ، وباحث ثقة بصير ، ينفى عن السنن النبوية تحريف الغالين . وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، ويدفع عن رواياتها ورواتها مطاعن الملحدين وافتراءات أعداء الدين . فجاء كتابه وافيا بذلك ، فى سلاسة عبارة ، واستقصاء بحث ، وعمق فكرة ، وقوة حجة . يجد فيه طلاب الحقائق العلمية البيان الشافى ، والبحث الوافى ، عن منزلة السنة من الكتاب ، وأنها بصريح القرآن الأصل الثانى فى تشريع - ١ - الأحكام ، وعن مبلغ عناية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتابعين ، ومن بعدهم من أئمة الاسلام، باستقصائها وضبطها وتمحيصها ونفى الزيف عنها، وتحقيق أسانيدها، والتثبت من حال رواتها فى الحفظ والضبط والعدالة ، ثم تدوين علومها رواية ودراية ، فهناك الصحاح والمسانيد التى بلغ الضبط والتثبت فيها غايته ، وهناك علم الحديث دراية الذى يعرف منه شروط الرواية وشروط الصحة وكيفيات التحمل والأداء وأنواع الأحاديث المقبولة والمردودة ، وهناك علم الجرح والتعديل الذى يعرف منه حال كل راو من رواة الحديث قبولا وردا . وبجانب ذلك ما ألف من الكتب فى الموضوعات المنتحلة لنفى نسبها من السنن الثابتة ، وما سلكه أئمة الفقه حيال الأحاديث التى اعتمدوا عليها فى استنباط الأحكام، واتخذوها مجال أنظارهم ومدار اجتهادهم . وكانت نتيجة هذه الجهود التى لا نظير لها تمييز الصحيح من السنة والمقبول منها فى الاستدلال ، وبقاء السنة سليمة من كل شائبة . وقد جرت سنة الله أن يكون لكل حق أعداء ، ولكل نور من يحاول اطفاءه ، ليميز الله الخبيث من الطيب ، ويزداد الحق ثباتا ورسوخا ، والنور ضياء ووضوحا ، بتمسك أهله به ، وقوة دفاعهم عنه ، فكان للسنن فى العصور الأولى أعداء من الملحدين والزنادقة ، والداخلين فى الاسلام على دخل ومكيدة ، وممن تبعهم على جهالة وعمى بصيرة ، فطعنوا فى متونها ورواتها ، وفى كتبها بما شاءت لهم الأهواء ، ثم ارتدت سهامهم فى نحورهم ، ولم ينالوا منها منالا ، بجهاد أولئك الأبطال من الأئمة الأعلام ، الذين قعدوا لهم كل مرصد ، وأخذوا عليهم كل سبيل . وقسم لعصرنا من أولئك نفر من الكاتبين ، تساقطوا كالفراش على تلك الشبه الواهية ، والطعون البالية ، التى افتراها الأقدمون من - ٢ - الملاحدة ، فأثاروها فخورين بأنهم بناتها ، وحملة لوائها . وصالوا وجالوا بها بين الجهال بالسنن وعلومها ، عسى أن ينالوا بها حطاما ، أو يظفروا من العامة بسمة العلم والعلماء ، ومكن لهم فى هذه الفتنة الفهم الخاطىء لمعنى حرية الفكر واللسان والقلم . انهم لم يأتوا بجديد ، وانما سطوا على القديم من الشبه والآراء ، وطلوه بطلاء حديث تغريرا للبسطاء ، واستمالة للدهماء ، فجمعوا بين جريمتين جريمة الخيانة وجريمة الخداع ، فوق ما اقترفوا من جريمة الطعن فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهى الأصل الثانى فى التشريع، والوحى المنزل للهدى والارشاد، قال تعالى: (( وما ينطق عن الهوى ، ان هو الا وحى يوحى)) وقال تعالى: (( وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا)). وقال تعالى: (( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)). ولكن الرأى العام الاسلامى سليم العقل ، صحيح الفكر ، راسخ العقيدة ، لا يخدع بالأضاليل ، ولا ينقاد بالأباطيل ، ولا يلقى لها بالا ، عرف ذلك من عرفه ، وجهله من جهله . ألا فليعلم ذلك هذا النفر ، وليعلموا أن الله تعالى اذ حفظ كتابه من المعتدين ، حفظ سنة رسوله التى أقامها من كتابه مقام الشرح والبيان ، من كل اعتداء وعدوان ، فستبقى محفوظة بحفظ الله ، عالية الذرا ، ناصعة الجبين ، واضحة المحجة ، ظاهرة الحجة ، داعية الى الحق والهدى ، نابذة للضلالة والعمى ، رغم أنوف الغواة والمضللين . وان كتاب الأستاذ أبى زهو - والحمد لله - صوت حق ، ولسان صدق ، وبلاغ للناس، يفخر به العلماء، ويعتز به المنصفون من الباحثين. ونسأل الله تعالى أن ينفع به ، وأن يثيب مؤلفه أجزل الثواب ، ويجزيه خيرا عن السنة والكتاب . ١٥ رجب سنة ١٣٧٨ هـ . ٢٤ يناير سنة ١٩٥٩ م . حسنين محمد مخلوف - ٣ - - ٢ - وكتب زميلنا الأستاذ الجليل ، الشيخ (( محمد عبد الوهاب بحيرى ))، مدرس التفسير والحديث ، بكلية الشريعة ، بالأزهر الشريف ، بعد أن اطلع على هذا الكتاب : كلمة جامعة ، نسطرها شاکرین مقدرین . قال حفظه الله ورعاه : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على من بعثه ربه رحمة للعالمين ، وخاتما للنبيين ، سيدنا محمد النبى الأمين، وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه الى يوم الدين . أما بعد فقد قرأت كلمة للكاتب الاسلامى المعروف ، أخينا وصديقنا فى الله عز وجل، الأستاذ الشيخ محمد الغزالى، يقول فيها: ((هناك مستشرقون مصريون ، ولدوا فى بلادنا هذه ، ولكن عقولهم وقلوبهم تربت فى الغرب ، ونمت أعوادهم مائلة اليه ، فهم أبدا تبع لما جاء به .. أنهم من جلدتنا ، ويتكلمون بألسنتنا ، بيد أنهم خطر على كياننا ، لأنهم كفار بالعروبة والاسلام، أعوان - عن اقتناع أو مصلحة - للحرب الباردة التى يشنها الاستعمار علينا ، بعد الحرب التى مزق بها أمتنا الكبيرة خلال قرن مضى . (( وهم سفراء فوق العادة لانجلترا وفرنسا وأمريكا ، دول التصريح الثلاثى الذى خلق اسرائيل وحماها ، والفرق بينهم وبين السفراء الرسميين - ٤ -