Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
الدور السادس
السنة من عام (٣٠٠) هـ الى عام (٦٥٦) هجرية
ويشتمل هذا الدور على ثلاثة مباحث :-
المبحث الأول : وصف الحالة السياسية فى هذا الدور
المبحث الثانى : السنة فى القرن الرابع
المبحث الثالث : السنة بعد القرن الرابع الى نهاية هذا الدور
المبحث الأول
وصف الحالة السياسية فى هذا الدور
منيت الدولة الاسلامية من مبدأ القرن الرابع الهجرى بتدهور
سياسى قطع أوصالها وجعلها دويلات متناثرة وأشلاء ممزقة فدولة بنى
أمية بالأندلس وعلى رأسها عبد الرحمن الناصر ملقبا نفسه بأمير المؤمنين
سنة (٣٢٥ هـ) وذلك لما أن أحس بضعف الدولة العباسية، والفاطميون
يستقلون بشمال أفريقية ، والدولة الأخشيدية بمصر وان كانت تدعو
لبنى العباس الا أنها مستقلة عنهم فى حقيقة الأمر ، ودولة بنى حمدان
تسيطر على الموصل وحلب الشام وأن تظاهرت بالدعوة لبنى العباس :
والشيعة الزيدية باليمن أقاموا لهم دولة ، والدولة السامانية العظيمة
تسيطر على المشرق وبلاد ما وراء النهر ، ودولة بنى بويه تسيطر على
بغداد ولا تبقى لبنى العباس سوى مجرد الاسم ، ولم تكن الحياة
السياسية حياة استقرار بل كانت مضطربة مائجة فالفاطميون يغيرون
على مصر ويستقلون بها سنة ٣٥٨هـ وآل سلجوق يطغى سيلهم على

٤٢٢
معظم البلاد الاسلامية فينتزعون الملك من بنى بويه ويستولون على
الجزيرة وآسيا الوسطى وينازعون الفاطميين ملك الشام وتصبح لهم
الكلمة النافذة فى جميع الأقاليم الاسلامية ما عدا مصر وبلاد المغرب ،
ثم لما دب الخلاف بين آل سلجوق هبت ريح الصليبيين فقاموا فى أواخر
القرن الخامس واستولوا على بيت المقدس سنة ٤٩٠ وكانت لهم حروب
طويلة مع المسلمين، وعلى أنقاض الدولة السلجوقية قامت دولة الأتابكية
وانتشرت شرقا وغربا حتى سقطت الدولة الفاطمية بمصر على يد
محمود نور الدين وعادت مصر ولاية عباسية وأقام بها صلاح الدين
الأيوبى أحد قواد محمود نور الدين دولة عظيمة .
أما فى بلاد المشرق خراسان وما اليها فقد أقام خوارزم شاه محمد
ابن تكش دولة قوية قضت على الملوك وضمت الممالك وفى أواخر
القرن السادس عزم خوارزم شاه على التوجه الى الخليفة ليقضى عليه
فلم يتيسر له ذلك وباغته التتار النازحون من أطراف الصين والبرارى
- وهم قوم اشتهروا بالشر والغدر - وعلى رأسهم جنكيز خان قائدهم
الأعلى ، ولم يلبثوا أن أغاروا على البلاد الاسلامية فى سرعة هائلة
يسفكون الدماء ويقتلون الأبرياء حتى وصلوا الى بغداد وقتلوا الخليفة
وأسقطوا الخلافة العباسية وذلك سنة ٦٥٦ هـ .
هذا ومما هو جدير بالذكر أن هذه الأحداث التاريخية الهائلة
والتقهقر السياسى الخطير لم يصحبه تقهقر علمى بل ما زالت الحركة
العلمية قائمة ، فالعلماء يرحلون من قطر الى آخر ، ويتلقى بعضهم عن
بعض ، ويعرضون الكتب والمسموعات على الشيوخ . وكان لهم نشاط
علمى فى نقد الرجال وتمحيص الأحاديث ومصنفات جياد فى علل الحديث
وتاريخ الرواة وعلوم الحديث عامة .

٤٢٣
غير أنهم لم يبلغوا شأو المتقدمين ، بل كثيرا ماكانوا يتكلمون بلسان
أهل القرون السابقة (١) .
المبحث الثانى
السنة فى القرن الرابع
كان القرن الثالث الهجرى هو أزهى عصور السنة وأحفلها بخدمة
الحديث ، ففيه ظهر أفذاذ الرجال من حفاظ الحديث وأئمة الرواية ،
وفيه ظهرت الكتب الستة التى لم تغادر من الحديث الصحيح سوى
النزر اليسير ، وفيه اعتنى أئمة السنة بالكلام على الأسانيد وتواريخ
الرجال ومنزلتهم فى الجرح والتعديل ولم يكن العلماء فى هذا القرن
يدونون الأحاديث بالنقل من كتب أخرى بل كان اعتمادهم على ماحفظوه
عن مشايخ الحديث وعرفوا جيده من رديئه وصحيحه من ضعيفه ، وما
كادت شمس هذا القرن تؤذن بمغيب حتى كانت الموسوعات الحديثية
تزخر بالحديث وعلومه وصار العلماء فى القرن الرابع وما بعده يجمعون
ما تفرق فى كتب الأولين أو يختصرونها بحذف الأسانيد أو يقومون بشىء
من الترتيب والتهذيب الى غير ذلك واذا تكلموا فى شىء من الأسانيد فبلسان
من سبقهم من أهل القرون الأولى- غير أن جمهرة كبيرة منهم نسجوا على
منوال السابقين وكان لهم فى رواية الأحاديث وفحص الأسانيد باع طويل.
هذا وكان العلماء فى الأدوار السابقة لا يعتمدون الا الرواية الشفاهية
فى نقل الأحاديث ولا يعولون على مجرد الكتب حتى ينقلوا أحاديثها
بطريق السماع من مؤلفيها ولو كلفهم ذلك أن يرحلوا الشهور الطوال.
(١) تاريخ التشريع للخضرى ص ٣٣٣ وما بعدها وتاريخ الخلفاء
للسيوطى فى عدة أماكن .

٤٢٤
أما فى هذا الدور السادس فقد لفظت فيه الرواية الشفاهية أنفاسها
وذهب من بين الرواة ريحها وطغى عليها التدوين الذى بلغ أشده فى
ذلك الوقت لهذا جعل العلماء الحد الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين من
رواة الحديث وحملته هو رأس سنة ثلثمائة كما قرره الحافظ الذهبى
فى خطبة ميزانه .
ولا يغيبن عن بالك أن هذا التطور فى تدوين الحديث وروايته لم
يكن طفرة بل كان تدريجيا سنة الله فى أنواع العلوم والصنائع والدول
وغيرها لذلك وجد من بين علماء القرن الرابع طائفة كبيرة كان لها فى
تدوين الحديث طريقة استقلالية على نمط التدوين فى القرن الثالث
فمن (١) هؤلاء الأئمة الأعلام : -
الحاكم : أبو عبد الله النيسابورى المعروف بابن البيع وهو صاحب
( المستدرك) الذى حدثناك عنه فى الدور السابق وله غيره من التصانيف
الحديثية : العلل ، والأمالى ، وفوائد الشيوخ وأمالى العشيات، ومعرفة
علوم الحديث وهو مطبوع بمصر الى غير ذلك من كتبه التى بلغت
ألفا وخمسمائة جزء . رحل الى العراق والحجاز رحلتين وذاكر الشيوخ
وناظر الحفاظ وتولى القضاء بنيسابور سنة ٣٥٩ هـ وتوفى رحمه الله
بها سنة ٤٠٥(٢) هـ .
الدارقطنى : هو على بن عمر بن أحمد بن مهدى بن مسعود بن
دينار بن عبد الله الحافظ الكبير أمير المؤمنين فى الحديث وأستاذ هذه
الصناعة . سمع الكثير وصنف وألف وأجاد وأفاد وأحسن النظر والتعليل
(١) كشف الظنون جـ ١ ص ٣٢٥.
(٢) تاريخ ابن كثير جـ ١١ ص ٣٥٥ ومفتاح السنة ص ٧١ .

٤٢٥
كان أمام عصره فى صناعة الجرح والتعديل وحسن التأليف واتساع
الرواية ، وله كتاب الألزامات وهو كالمستدرك على الصحيحين وقد
تقدم الكلام عليه ، وله كتاب السنن وقد طبع بالهند مع تعليقات الشمس
الحق أبى الطيب محمد بن أحمد بن على الآبادى ، وله كتاب العلل بين
فيه الصواب من الدخل ، وكتاب الأفراد . وكان الدارقطنى من صغره
موصوفا بالحفظ والفهم . قال ابن الجوزى : ( اجتمع له مع معرفة
الحديث العلم بالقراءات والنحو والفقه والشعر مع الأمامة والعدالة
وصحة العقيدة ) وثناء العلماء عليه لا يحصى . توفى رحمه الله.
سنة ٣٨٥هـ(١).
ابن حبان : هو محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد
أبو حاتم البستى التميمى الحافظ الجليل . سمع كثيرا من الشيوخ فى
كثير من الأمصار ، فقد كان رحالة زمانه . قال ابن السمعانى : ( كان
أبو حاتم امام عصره رحل فيما بين الشاش والاسكندرية ) ، وقال
الحاكم : (كان من أوعية العلم والفقه والحديث واللغة والوعظ ، من عقلاء
الرجال ) ، وقال الخطيب : (كان ثقة نبيلا وله التصانيف الكثيرة منها
المسند الصحيح المسمى الأنواع والتقاسيم قال فيه : لعلنا كتبنا عن ألف
شيخ ما بين الشاش والاسكندرية ) وكتابه هذا على ترتيب مخترع
فلا هو على الأبواب ولا هو على المسانيد . رتبه مؤلفه على خمسة أقسام
وهى الأوامر ، والنواهى ، والأخبار، والاباحات ، وأفعال النبى صلى الله.
عليه وسلم ، ونوع كل واحد من هذه الخمسة الى أنواع لذا كان
الكشف فى كتابه عسرا جدا ، وقد رتبه بعض المتأخرين وهو علاء الدين
على بن بلبان الفارسى المتوفى سنة ٩٣٧ على الأبواب وسماه : ( الاحسان
(١) تاريخ ابن كثير جـ ١١ ص ٣١٧.

٤٢٦٠
فى تقريب صحيح ابن حبان ). قالوا: وأصح من صنف فى الصحيح
المجرد بعد الشيخين ابن خزيمة فابن حبان وقد نسبوا اليه التساهل فى
التصحيح الا أن تساهله أقل من تساهل الحاكم . قال الحازمى : ( ابن
حبان أمكن فى الحديث من الحاكم ) .
. ومنشأ تساهل ابن حبان أنه كان يقول : ( من كان منكر الحديث
على قلته لا يجوز تعديله الا بعد السبر . ولو كان ممن يروى المناكير
ووافق الثقات فى الأخبار لكان عدلا مقبول الرواية اذ الناس فى أقوالهم
على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح هذا حكم
المشاهير، فأما المجاهيل الذين لم يرو عنهم الا الضعفاء فهم متروكون على
الأحوال كلها ) . قال ابن حجر فى مقدمة لسان الميزان بعد أن حكى
قوله هذا : ( وهذا الذى ذهب اليه ابن حبان من أن الرجل اذا انتفت
جهالة عينه كان على العدالة حتى يتبين جرحه مذهب عجيب والجمهور
على خلافه وهذا هو مسلك ابن حبان فى كتاب الثقات فانه يذكر خلقا
ممن نص عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون . وقد أفصح ابن
حبان بقاعدته فقال : العدل من لم يعرف فيه الجرح اذ التجريح ضد
التعديل فمن لم يجرح فهو عدل حتى يتبين جرحه اذ لم يكلف الناس
ما غاب عنهم ، وقال فى ضابط الحديث الذى يحتج به : ( اذا تعرى
اراويه من أن يكون مجروحا أو فوقه مجروح أو دونه مجروح أو كان
سنده مرسلا أو منقطعا أو كان المتن منكرا ) اهـ فمن هذا ترى أن ابن
حبان يحكم للرجل بالعدالة اذا انتفت جهالة عينه (١) حتى يتبين جرحه
(١) وجهالة العين ترفع عنده برواية واحد مشهور وهو مذهب شيخه
ابن خزيمة ، ومجهول العين عند الجمهور هو كل من لم يعرفه العلماء ومن
لم يعرف حديثه الا من جهة راو واحد .

٤٢٧
وهذا خلاف ما عليه الجمهور فان جهالة العين عندهم لا تزول الا برواية.
عدلين فصاعدا عن المجهول وتعيينهما له ومع ذلك لا يثبت له حكم
العدالة بروايتهما هذه ، وزعم قوم أن عدالته تثبت بذلك وهذا باطل
لأنه يجوز أن يكون العدل لا يعرف عدالته فلا تكون روايته عنه.
تعديلا له ولا خبرا عن صدقه وقد وجد من جماعة من الثقات الرواية.
عن جماعة غير مرضيين أمسكوا فى بعضها عن ذكر أحوالهم وفى بعضها
شهدوا عليهم بالكذب ، فرواية العدل أو العدلين أو الأكثر عن راو
لا يعد توثيقا له خلافا لما ذهب اليه ابن حبان ومن هنا نرى أن اطلاق
الصحيح على كتابه فيه تجوز لأن كلامه فى الرواة يدخل عليه الحسن
وقد حاول بعض العلماء الدفاع عنه . فقال : ( ان كانت نسبة التساهل
اليه باعتبار وجدان الحسن فى كتابه فهى مشاحة فى الاصطلاح لأنه.
يسميه صحيحا وان كانت باعتبار خفة شروطه فأنه يخرج فى الصحيح
ما كان راويه ثقة غير مدلس سمع من شيخه وسمع منه الآخذ عنه
ولا يكون هناك ارسال ولا انقطاع واذا لم يكن فى الراوى جرح
ولا تعديل وكان كل من شيخه والراوى عنه ثقة ولم يأت بحديث منكر
فهو عنده ثقة وفی کتاب الثقات له کثیر ممن هذه حاله ولأجل هذا ربما
اعترض عليه فى جعلهم ثقات من لم يعرف اصطلاحه ولا اعتراض عليه.
فانه لا مشاحة فى ذلك فابن حبان وفى بما التزمه من الشروط بخلاف
الحاكم ) توفى رحمه الله سنة ٣٥٤ هـ (١).
الطبرانى : هو الامام أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبرانى المتوفى
(١) طبقات الشافعية جـ ٢ ص ١٤١ ولسان الميزان . جـ ٥ ص ١١٢
وما بعدها وتوجيه النظر ص ١٤٠ و ٣٢٥ والرسالة المستطرفة ص ١٦
وما بعدها ومقدمة لسان الميزان لابن حجر .

٤٢٨
سنة ٣٦٠ هـ ألف المعاجم (١) الثلاثة : - الكبير والصغير والأوسط -
فالكبير جمع فيه مسانيد الصحابة مرتبين على حروف المعجم ما عدا مسند
أبى هريرة فانه أفرده فى مصنف ، ويقال انه أورد فى الكبير نحو خمسمائة
وعشرين ألف حديث واذا أطلق المعجم فى كلام العلماء فالمراد الكبير ،
والأوسط ألفه على أسماء شيوخه وهم نحو ألفى رجل حتى أنه روى
عمن عاش بعده لسعة روايته وكثرة شيوخه وأكثر من غرائب حديثهم ،
ويقال أن فيه ثلاثين ألف حديث وهو فى ست مجلدات كبار وكان يقول
فيه : ( هذا الكتاب روحى ) لأنه تعب فيه . قال الذهبى : ( وفيه كل
نفيس عزيز ومنكر ) . وأما الصغير فهو فى مجلد واحد خرج فيه عن
ألف شيخ يقتصر فيه غالبا على حديث واحد عن كل واحد من شيوخه
وهو نحو ألف وخمسمائة حديث بأسانيدها (٢).
قاسم بن أصبغ : هو أبو محمد قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف
البيانى نسبة الى بيانه كجبانة بلدة بالأندلس على بعد ثلاثين ميلا من
قرطبة المالكى المتوفى سنة ٣٤٠ وله كتاب الصحيح المنتقى (٣).
ابن السكن : الحافظ أبو على سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن
البغدادى نزيل مصر والمتوفى بها سنة ٣٥٣ هجرية ألف الصحيح المنتقى
ويسمى أيضا بالسنن الصحاح المأثورة عن النبى صلى الله عليه وسلم
(١) المعجم فى اصطلاحهم ما يذكر فيه الحديث على ترتيب الصحابة
أو الشيوخ أو البلدان أو غير ذلك والغالب أن يكونوا مرتبين على حروف
الهجاء .
(٢) كشف الظنون جـ ٢ ص ٢٩٠ والرسالة المستطرفة ص ١٠١
وما بعدها .
(٣) الرسالة المستطرفة ص ٢٠

٤٢٩
ألفه على الأبواب فى جميع ما يحتاج اليه من الأحكام وضمنه ما صح
عنده من السنن المأثورة مع حذف الأسانيد . قال : وما ذكرته فى كتابى
هذا مجملا فهو مما أجمعوا على صحته وما ذكرته بعد ذلك مما يختاره
أحد من الأئمة الذين سميتهم فقد بينت حجته فى قبول ما ذكره ونسبته
الى اختياره دون غيره ، وما ذكرته مما ينفرد به أحد من أهل النقل
الحديث فقد بينت علته ودللت على انفراده دون غيره (١) اهـ .
أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوى : هو أبو جعفر أحمد بن
محمد الطحاوى المتوفى سنة ٣٢١ وله كتاب معانى الآثار وهو كتاب
جليل القدر ذكر فيه أنه سأله بعض أصحابه تأليفا فى الآثار المأثورة عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الأحكام التى يتوهم أهل الالحاد
والزندقة أن بعضها ينقض بعضا لقلة علمهم بناسخها ومنسوخها ، فألف
هذا الكتاب وجعله أبوابا ذكر فى كل باب مافيه من الناسخ والمنسوخ
وتأويل العلماء واقامة الحجة على الصحيح ، وقد عمل العينى المتوفى .
سنة (٨٥٥) عليه شرحا ولابن قطلوبغا المتوفى سنة (٨٧٩) كتاب الايثار
برجال معانى الآثار (٢).
المبحث الثالث
السنة بعد القرن الرابع الى آخر هذا الدور
قدمنا لك فى المبحث السابق نخبة من علماء القرن الرابع الذين
تضلعوا فى علوم السنة وكانوا يدونون كتبهم من محفوظهم ومسموعاتهم
عن شيوخهم كما كان يفعل أهل القرن الثالث ثم ما كاد ينتهى القرن الرابع
(١) الرسالة المستطرفة ص ٢٠ - ٢١ وكشف الظنون جـ ١ ص ٥١٠
(٢) كشف الظنون جـ ٢ ص ٢٨٦ .

٤٣٠
حتى أصبح عمل العلماء قاصرا على الجمع والترتيب أو التهذيب لكتب.
السابقين ونحن نذكر لك جملة من أعمالهم التهذيبية فى الدور السادس
فنقول : -
الجمع بين الصحيحين : تناول كثير من الناس الجمع بين أحاديث
الصحيحين فى مصنف على حدة فمن ذلك الجمع بينهما لاسماعيل بن
أحمد المعروف بابن الفرات المتوفى سنة (٤١٤) والجمع بينهما لمحمد بن
نصر الحميدى الأندلسى سنة (٤٨٨)، وربما زاد زيادات ليست فيهما ،
والجمع بينهما لحسين بن مسعود البغوى سنة (٥١٦) والجمع بينهما
لمحمد بن عبد الحق الاشبيلى سنة (٥٨٢) والجمع بينهما لأحمد بن محمد
القرطبى المعروف بابن أبى حجة سنة (٦٤٢) .
الجمع بين الكتب الستة (١) : جمع بينها أحمد بن رزين بن معاوية
العبدرى السرقسطى المتوفى سنة (٥٣٥) فى كتابه تجريد الصحاح لكنه
لم يحسن فى ترتيبه وتهذيبه وترك بعضا من أحاديث الستة ولما جاء
أبو السعادات مبارك بن محمد المعروف بابن الأثير الجزرى
الشافعى المتوفى سنة (٦٠٦) . هذب كتابه ، ورتب أبوابه ، وأضاف
اليه ما فاته من الأصول ، وشرح غريبه وبين مشكل اعرابه وخفى المعنى
وحذف أسانيده ولم يذكر الا راوى الحديث من صحابى أو تابعى .
كما ذكر المخرج له من الستة ولم يذكر من أقوال التابعين الا النادر
ورتب أبوابه على حروف المعجم وسماه جامع الأصول لأحاديث الرسول
فجاء كتابا عظيما سهل العسير وقرب البعيد ، وهو بدار الكتب المصرية
فى عشرة أجزاء متوسطة وقد شرع أحد علماء الأزهر الشريف وهو
الشيخ عبد ربه بن سليمان بن محمد المشهور بالقليوبى فى شرحه وسماه
(١) المراد بالكتب السنة الصحيحان وموطأ مالك وسنن النسائي
وأبى داود والترمذى .

٤٣١
( جامع المعقول والمنقول. شرح جامع الأصول). الا أنه لم يكمل (١).
وجمع بين الكتب الستة أيضا عبد الحق بن عبد الرحمن الاشبيلى
المعروف بابن الخراط سنة (٥٨٢هـ).
الجمع بين أحاديث من كتب مختلفة : (أ) مصابيح السنة للامام حسين
ابن مسعود البغوى سنة (٥١٦) جمع فيه (٤٤٨٤) من الأحاديث الصحاح
والحسان وهو يريد بالصحاح ما أخرجه الشيخان أو أحدهما وبالحسان
ما أخرجه (٢) أبو داود والترمذى وغيرهما، وما كان فيها من ضعيف
أو غريب بينه ، ولا يذكر ما كان منكرا أو موضوعا ، وقد اعتنى العلماء
بها عناية عظيمة فشرحوها شروحا كثيرة، وهذبها محمد بن عبد الله الخطيب
وذيل أبوابها فذكر الصحابى الذى روى الحديث والكتاب الذى أخرجه
وزاد على كل باب من الصحاح والحسان فصلا ثالثا عدا بعض الأبواب ،
وكان ذلك سنة ٧٣٧ هجرية وسمى كتابه هذا مشكاة المصابيح وقد
شرح المشكاة كثيرون منهم القاضى ناصر الدين عبد الله بن عمر
البيضاوى سنة (٦٨٥) .
(ب) جامع المسانيد والألقاب لأبى الفرج عبد الرحمن بن على
الجوزى المتوفى سنة (٥٩٧) جمع فيه بين الصحيحين ومسند أحمد وجامع
الترمذى وقد رتبه أبو العباس أحمد بن عبد الله المكى المعروف بالمحب
الطبرى المتوفى سنة (٩٦٤) هـ (٣).
(١) اختصر جامع الأصول كثير من العلماء منهم محمد الموزى المتوفى
سنة (٦٨٢) وهبة الله بن عبد الرحيم الحموي سنة (٧١٨) هـ وعبد
الرحمن بن على المعروف بابن الديبع الشيبانى الزبيدى (٩٤٤) هـ وكتابه
أحسن المختصرات وهو مطبوع بمصر فى ثلاثة أجزاء أو أربعة .
(٢) وهذا اصطلاح له خاصة والا ففى السنن الصحيح والضعيف أيضا
انظر كشف الظنون جـ ٢ ص ٢٧٢ .
(٣) كشف الظنون جـ ١ ص ٢٩٥ .

٤٣٢
(جـ) بحر الأسانيد للامام الحافظ الحسن بن أحمد السمرقندى
المتوفى سنة (٤٩١) جمع فيه مائة ألف حديث رتبه وهذبه ويقال انه لم
يقع فى الاسلام مثله (١) .
كتب منتقاة فى أحاديث الأحكام والمواعظ : -
(١) كتاب منتقى الأخبار فى الأحكام للحافظ مجد الدين أبى البركات
عبد السلام بن عبد الله بن أبى القاسم الحرانى المعروف بابن تيمية
الحنبلى المتوفى سنة (٦٥٢) انتقاه من صحيحى البخارى ومسلم ومسند.
الامام أحمد وجامع الترمذى والسنن للنسائى وأبى داود وابن ماجه
واستغنى بالعزو الى هذه الكتب عن الاطالة بذكر الأسانيد وهو كتاب
جليل الفائدة لولا اطلاقه العزو الى الأئمة دون التحسين والتضعيف فقد
يقول رواه الترمذى مثلا وهو فى جامع الترمذى منصوص على ضعفه
فيعزوه اليه من غير بيان ، وقد بين ذلك محدث اليمن محمد بن على.
الشوكانى المتوفى سنة (١٢٥٠) فى كتابه نيل الأوطار الذى شرح به منتقى
الأخبار وهو مطبوع بمصر فى ثمانية أجزاء .
(ب) السنن الكبرى للبيهقى أحمد بن حسين المتوفى سنة ( ٤٥٨ )
قال ابن الصلاح : ما تم كتاب فى السنة أجمع للأدلة من كتاب السنن
الكبرى للبيهقى وكأنه لم يترك فى سائر أقطار الأرض حديثا الا وقد
وضعه فى كتابه وقد طبع فى الهند وعمل له فى آخره فهرس بأسماء
الصحابة والتابعين ومسانيدهم ومروياتهم ، والبيهقى أيضا السنن
الصغرى قيل أنه لم يصنف فى الاسلام مثلها .
(جـ) الأحكام الصغرى . للحافظ أبى محمد عبد الحق الاشبيلى
(١) كشف الظنون جـ ١ ص ١٤٤.

٤٣٣
المعروف بابن الخراط سنة (٥٨٢ ) قال فيها : ( جمعت فى هذا الكتاب
متفرقا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فى لوازم الشرع
وأحكامه وحلاله وحرامه وفى ضروب من الترغيب والترهيب أخرجتها
من كتب الأئمة وهداة الأمة أبو عبيد اللّه مالك بن أنس وأبو عبد الله
محمد بن اسماعيل البخارى وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيرى
النيسابورى وبقية الكتب الستة وفيها أحاديث من كتب أخرى (١) .
(د) عمدة الأحكام . للإمام الحافظ عبد الغنى بن عبد الواحد
المقدسى الدمشقى المتوفى سنة (٦٠٠) جمع فيها أحاديث الأحكام التى
اتفق عليها البخارى ومسلم وقد شرحها شرحا وسطا ابن دقيق العيد
وقد طبعت بمصر مع الشرح فى أربعة أجزاء صغيرة .
(هـ) الترغيب والترهيب : للحافظ الحجة عبد العظيم بن عبد القوى
بن عبد الله المنذرى المتوفى سنة (٦٥٦)هـ وهو من أحسن الكتب فى
جمع الحديث وبيان درجته وعليه جل اعتماد الوعاظ والمرشدين فى
عصرنا الحاضر وقد طبع بمصر عدة مرات .
كتب. الأطراف
هذا وقد وجد فى هذا الدور طائفة من المحدثين عملوا ما يسمى
بكتب الأطراف وطريقتهم فيها أن يذكروا طرفا من الحديث يدل على
بقيته ثم هم يجمعون أسانيده أما على وجه الاستيعاب وأما مقيدة بكتب
مخصوصة واليك بعض هذه الكتب :
١ - أطراف الصحيحين للحافظ ابراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقى
المتوفى سنة (٤٠٠) وأطراف الصحيحين لأبى محمد خلف بن محمد
(١) كشف الظنون جـ ١ ص ٤٥ .

٤٣٤
الواسطى سنة (٤٠١) قال الحافظ ابن عساكر : وكتاب خلف أحسنهما
ترتيبا ورسما وأقلهما خطأ ووهما ، ويوجد بدار الكتب المصرية فى أربعة
مجلدات . وأطرافهما أيضا لأبى نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهانى
سنة (٤٣٠هـ).
٢ - أطراف السنن الأربعة لأبى القاسم على بن الحسن المعروف
بابن عساكر الدمشقى (٥٧١) فى ثلاثة مجلدات مرتبا على حروف المعجم
واسمه الاشراف على معرفة الأطراف .
٣ - أطراف الكتب الستة (١) لمحمد بن طاهر المقدسى (٥٠٧) ولما
كان كتابه مشتملا على أوهام كثيرة وترتيب مختل لخصه الحافظ
شمس الدين محمد بن على بن الحسين الحسينى الدمشقى (٧٦٥) ورتبه
أحسن ترتيب (٢) .
(١) هى الصحيحان والسنن الأربعة.
(٢) كشف الظنون جـ ١ ص ٨٥ و ٩٢

٤٣٥
الدور السابع
السنة من عام (٦٥٦) الهجرى الى عصرنا الحاضر
ويشتمل على أربعة مباحث : -
المبحث الأول : وصف الحالة السياسية لهذا العهد .
المبحث الثانى : منهج العلماء فى رواية السنة فى هذا الدور .
المبحث الثالث : عناية المسلمين بالسنة فى الممالك الاسلامية المختلفة .
المبحث الرابع : طريقة العلماء فى تصنيف الحديث لهذا الدور .
المبحث الأول
وصف الحالة السياسية
سقطت الخلافة العباسية على أيدى التتار سنة ٦٥٦ هـ وفى سنة ٦٥٨
وصل التتار الى حلب وأغاروا عليها ثم قصدوا إلى دمشق ، وكانت الدولة
الأيوبية بمصر قد انقرضت وحل محلها دولة المماليك ، فخرج اليهم
المصريون والتقوا بهم عند ( عين جالوت ) ووقعت بين الفريقين معركة
عظيمة أسفرت عن هزيمة ذريعة للتتار فولوا الأدبار يتخطفهم الناس من
كل مكان ، وفى هذا التاريخ قدم الى مصر أحد أعقاب العباسيين ، فبايعه
بالخلافة الملك الظاهر بيبرس ، وبذلك أصبحت القاهرة عاصمة الخلافة
العباسية ، ولكن سلطة الخليفة كانت فى حكم العدم، فهو خليفة بالاسم،
أما السلطة الحقيقية فكانت فى أيدى المماليك ، وما كاد القرن السابع
الهجرى يتم حتى أصبح العنصر التركى هو المسيطر على جميع الممالك

٤٣٦
الاسلامية ما عدا البلاد المغربية فكانت الحكومة فيها لبرابرة المغرب ،
وفى مستهل القرن الثامن ظهر بآسيا الصغرى - بلاد تركيا اليوم -
رجل يدعى (( عثمان كجق)) - مؤسس الدولة العثمانية - على رأس
قبيلته التركية فأسس ملكا على أنقاض الدولة السلجوقية ولم تزل دولة
آلَّ عثمان تتسع رقعتها وتستولى على ما جاورها من الممالك والدويلات
حتى فتحوا القسطنطينية فى منتصف القرن التاسع الهجرى واتخذوها
عاصمة لهم ثم فتحوا مصر وأزالوا الخلافة العباسية ولقبوا ملوكهم
بالخلفاء ومن هذا الوقت انتقلت الخلافة الاسلامية الى القسطنطينية
وأصبحت مصر ولاية عثمانية فضاع مركزها السياسى والعلمى أما دولة
بنى عثمان فقوى شأنها وعظم ملكها ومما يؤسف له أنها وهى فى أوج
عظمتها سقطت دولة الأندلس وانطفأ نور الاسلام فى هذه البلاد بعد أن
مكث بها نحوا من ثمانية قرون .
ثم أخذت دول أوربة الغاشمة تعمل جهدها على اضعاف المسلمين
منتهزة غفلتهم واختلافهم فأوقعت بينهم الفتنة حتى مزقت شمل الدولة
الاسلامية وقضت على الخلافة العثمانية وعبثوا بحقوق المسلمين وحجروا
عليهم فى بلادهم واستعبدوهم أيما استعباد حتى أصبحنا من هذا الوقت
لا يستطيع المصرى الرحلة الى الحجاز أو الى الشام أو غيرهما من بلاد
الاسلام الا بجواز بذلك وقل مثل هذا فى أهل الأقطار الإسلامية جميعها.
ومن هنا انعدمت الرحلة بين العلماء وانقطع الاتصال العلمى بين سكان
البلدان المختلفة بعد أن كان الوطن الاسلامى وحدة لا تنفصم عراها
ينتقل فيه المسلم أنى شاء وينشر دينه كيفما أراد فعسى الله أن يكف بأس
الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا .

٤٣٧
٠ ٠٠ ٠
....
المبحث الثانى
منهج العلماء فى رواية السنة فى هذا الدور
حيال هذه الأحداث التاريخية الخطيرة تبلبلت الأفكار ، وتقاعدت
همم العلماء عن الرحلة الى الأقطار ، فانقرضت الرواية الشفاهية، وحل
محلها الاجازة والمكاتبة ، وصار الاسناد فى الحديث يقصد للتبرك اللهم
الا فى أفراد تبعث بهم الأقدار الالهية من وقت لآخر يجددون ما خلق
ويحيون ما اندثر وقد اشتهر من هؤلاء الأعلام طائفة كانوا يرحلون الى
الأقطار ويجلسون للاملاء (١) ويكتب عنهم أتباعهم الأمالى ومن أمثال
هؤلاء الحافظ الكبير أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين
العراقى الأثرى الامام حافظ العصر وصاحب المصنفات البديعة فى
الحديث المتوفى سنة (٨٠٦) ومجالسه للاملاء تزيد على أربعمائة مجلس.
قال تلميذه ابن حجر : ( شرع فى املاء الحديث من سنة (٧٩٦) فأحيا الله
به السنة بعد أن كانت دائرة فأملى أكثر من أربعمائة مجلس غالبها من
حفظه متقنة مهذبة محررة كثيرة الفوائد الحديثية ) اهـ .
ومنهم شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن على بن محمد بن محمد بن على
ابن حجر العسقلانى الأصل ثم المصرى المولد والمنشأ والدار والوفاة
الحافظ بل سيد الحفاظ والمحدثين فى تلك الأمصار وما جاورها
المتوفى سنة (٨٥٢ هـ ). قال السيوطى: (وختم به الفن) . وقال
غيره : ( انتهت اليه الرحلة والرياسة فى الحديث فى الدنيا بأجمعها فلم
(١) الاملاء من وظائف العلماء قديما لا سيما الحفاظ من أهل الحديث
يجلس المحدث ويسمى ( المملى ) فى المسجد يوما من أيام الأسبوع والمستحب
أن يكون يوم الجمعة ويكتب عنه التلاميذ ويتخذ لذلك فى العادة منهم
رجلا يبلغ عنه يسمى ( المستملى ) .

٤٣٨
يكن فى عصره حافظ سواه ، ألف كتبا كثيرة وأملى أكثر من ألفه
مجلس ) ، ومنهم الحافظ السخاوى تلميذ ابن حجر العسقلانى قال فى
كتابه فتح المغيث (أمليت بمكة وبعدة أماكن من القاهرة وبلغ عدة ما أمليته
من المجالس الى الآن نحو الستمائة والأعمال بالنيات ) اهـ .
الا أن هذه الطريقة كانت غير منتشرة انتشارها فى العصور الأولى.
بل كان جل علماء الحديث فى هذا الدور عاكفين على كتب الأولين بالجمع
والاختصار والشرح والتخريج وما الى ذلك الا أنه فى أواخر هذا الدور
انعدمت العناية بالحديث وعكف الناس على الفروع الا فى قليل من
البلدان وأفراد قلائل من العلماء . هذا وفى حدود هذه الامكانيات كان
هناك نشاط فى علوم الحديث تتناوبه الأقطار الاسلامية فى أوقات مختلفة.
وهذا ما نريد أن نحدثك عنه بعون الله تعالى فنقول :
المبحث الثالث
عناية المسلمين بالسنة فى الممالك المختلفة
انه اذا ما استثنينا البلاد المغربية التى كان لها فضل مشكور على
السنة فى جميع العصور ، وجدنا أنفسنا أمام بلدين عظيمين يتناوبان
النشاط العلمي الحديثى وهما البلاد المصرية والهندية ، فمن يوم أن
سقطت بغداد عاصمة الخلافة العباسية على أيدى التتار - الذين بلغ
من جهلهم وغشمهُم ، أن ألقوا بالمكتبة الاسلامية العظيمة فى ( دجلة )
ليجعلوا منها جسرا تعبر عليه جيوشهم الغاشمة - نقول : من هذا
اليوم أخذت العلوم والمعارف ترحل عن بغداد الى أقطار أخرى ثم كانت
بينها دولا ، فبينما نجد الديار المصرية بعد سقوط بغداد مزدهرة بعلوم.
السنة زاخرة بالعلم والعلماء طيلة القرون الثلاثة الأولى من هذا الدور .

٤٣٩
حتى كان لمصر القدح المعلى دون جميع البلدان اذا بنا نجدها فى منتصف
القرن العاشر وقد آذنت شمس الحديث فيها بمغيب ، وأخذت السنة
وعلومها ترحل عنها الى بلد آخر هو القطر الهندى ومن هذا الوقت
أخذت البلاد الهندية تسعد بخدمة السنة ودام الأمر على هذا الحال
الى وقتنا هذا قرابة أربعة قرون أو تزيد، ولنتكلم على أشهر الممالك التى
كان لها أثر ملموس فى خدمة السنة لهذا العصر : -
دور مصر فى العناية بالسنة وعلومها :
فى هذه الفترة من الزمان - أى بعد سقوط بغداد - كانت مصر
محكومة لدولتى المماليك البحرية والبرجية ، ويحدثنا التاريخ عما كان
عليه هؤلاء السلاطين من حب للعلم وتقدير للعلماء ، ومن أجل ذلك
شيدوا الجامعات والمدارس الحديثية ، واستقدموا لهذا الغرض العلماء
من الأقطار البعيدة ، وحبسوا الأموال الطائلة على تلك المؤسسات
الدينية والعلمية ، وهاهى آثارهم الخالدة ماثلة للعيان ، تحدث عما كان
للقوم من عناية بعلوم الشريعة والسنة .
هذا ولم يقف الأمر عند حد المعاونة بالمال أو السلطان . بل لقد
انعمر السلاطين فى حلبة الدروس مع المتعلمين وتتلمذوا للعلماء وأئمة
الحديث وتحملوا السنة بأسانيدها الصحيحة حتى صار بعضهم حافظا
يتلقى عنه الحديث ويسمع منه الصحيح ، فهذا هو ( الظاهر برقوق )
يتفقه على الامام أكمل الدين (( البابرتى)) ، ويشارك المحدثين فى رواية
الصحيحين، ويستقدم المسندين أمثال (( ابن أبى المجد)) من الأقطار
النائية . رغبة منه فى اعلاء الاسناد لدى المتعلمين بمصر لسماعهم الحديث
من أصحاب الأسانيد العالية؛ وهذا هو (( المؤيد)) يروى الصحيح عن

٤٤٠
السراج ((البلقينى)) حتى أن الحافظ ابن حجر يسمع الحديث من
((المؤيد))؛ ويترجم له فى عداد مشايخه فى ((المعجم المفهرس)) ؛ وقد
استقدم ((المؤيد)) الى مصر العلامة ( شمس الدين الديرى ) المحدث
العظيم صاحب كتاب ((المسائل الشريفة فى أدلة مذهب الإمام أبى حنيفة»؛
وهذا هو (( الظاهر جقمق)» يسمع الصحيح من ابن الجزرى ؛ ويستقدم
كبار المسندين الى مصر ليتلقى عنهم المتعلمون مروياتهم فى السنة من
الصحاح والمسانيد ؛ ويجعل من القلعة المصرية مجمعا علميا للعلماء ؛
وناديا يؤمه طلاب الحديث يتلقون المرويات عن الحفاظ المتقنين والمحدثين
النابهين ؛ وبهذه العناية من السلاطين والأمراء كانت مصر دار حديث
وفقه وأدب طيلة هذه القرون الثلاثة الأولى من هذا الدور ، وكانت
أسعد بلاد الاسلام حظا بالحديث وعلومه ؛ وهاهى كتب التاريخ قد
اكتظت بتراجم لرجال نبهاء ، وفطاحل علماء . أنجبتهم مصر فى تلك
القرون الذهبية، وكانت لهم مؤلفات كثيرة جدا فى علوم شتى . بحيث
يعدون بحق مفخرة الاسلام ؛ وان مآثرهم المحفوظة فى خزانات العالم
ومكتباته لمما يشهد لمصر بالمجد التالد والشرف الرفيع .
استمرت النهضة العلمية بمصر - على ما وصفنا - إلى أوائل
القرن العاشر الهجرى اذ بانقراض دولة المماليك البرجية فى أوائل هذا
القرن أحذ النشاط العلمى يتضاءل ويضمحل ، وطفق يرحل شيئا فشيئا
الى بلاد أخرى ألا وهى البلاد الهندية التى أفسحت صدرها للحديث
وعلومه وسهرت على خدمته فكانت أسعد بلاد المسلمين بعلوم السنة
الى يومنا هذا .