Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ من الأحاديث . ومن شأن العوام القعود عند القاص ما كان حديثه عجبا خارجا عن فطر العقول أو كان رقيقا يحزن القلوب ويستغزر العيون . فاذا ذكر الجنة . قال : فيها الحوراء من مسك أو زعفران وعجيزتها ميل فى ميل . ويبوىء الله تعالى وليّه قصرا من لؤلؤة بيضاء . فيه سبعون ألف مقصورة فى كل مقصورة سبعون ألف قبة فى كل قبة سبعون ألف فراش على كل فراش سبعون ألف كذا وكذا فلا يزال فى سبعين ألف كذا وسبعين ألف كذا كأنه يرى أنه لا يجوز أن يكون العدد فوق السبعين ألفا ولا دونها ويقول : لأصغر من فى الجنة منزلة عند الله من يعطيه الله تعالى مثل الدنيا كذا وكذا ضعفا . وكلما كان هذا أكثر كان العجب أكثر والقعود عنده أطول والأيدى بالعطاء اليه أسرع . والله تبارك وتعالى يخبرنا فى كتابه بما فى جنته بما فيه مقنع عن أخبار القصاص وسائر الخلق الى أن قال : ثم يذكر آدم عليه السلام . ويصفه فيقول : كان رأسه يبلغ السحاب أو السماء ويحاكها فاعتراه لذلك الصلح ولما هبط على الأرض بكى على الجنة حتى بلغت دموعه البحر وجرت فيها السفن ، ويذكر داود عليه السلام فيقول : سجد لله تعالى أربعين ليلة وبكى حتى نبت العشب بدموع عينيه ثم زفر زفرة هاج له ذلك النبات ، ويذكر عصا موسى عليه السلام فيقول : كان نابها كنخلة سحوق وعينها كالبرق الخاطف وعرفها كذا ثم قال : ويذكر عبادا أتاهم يونس عليه السلام فى جبل لبنان فيخبرهم عن الرجل منهم أنه كان يركع ركعة فى سنة ويسجد نحو ذلك ولا يأكل الا فى كذا وكذا من الزمان ثم قال : ( وأما الوجه الثالث الذى يقع فيه فساد الحديث فأخبار متقادمة كان الناس فى الجاهلية يروونها تشبه أحاديث الخرافة ) کقولهم ان الضب کان يهوديا عاقا فمسخه الله تعالى ضبا ، وكفولهم فى الديك والغراب أنهما كانا ٣٤٢ متنادمين فلما نفد شرابهما رهن الغراب الديك عند الخمار ومضى فلم يرجع اليه وبقى الديك عند الخمار حارسا . اهـ ، وروى السيوطى فى كتابه(١) تحذير الخواص من أكاذيب القصاص عن جعفر بن محمد الطيالسى قال: ((صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين فى مسجد الرصافة فقام بين أيديهم قاص فقال حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال لا اله الا الله خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجان وأخذ فى قصة نحوا من عشرين ورقة فجعل أحمد ينظر الى يحيى بن معين ويحيى ينظر الى أحمد فقال له أنت حدثته بهذا فقال والله ما سمعت بهذا الا الساعة فلما فرغ من قصصه وأخذ القطيعات ثم قعد ينتظر بقيتها قال يحيى بن معين بيده تعال فجاء متوهما لنوال ، فقال له يحيى من حدثك بهذا الحديث فقال أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين ، فقال له أنا يحيى بن معين وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا بهذا قط فى حديث رسول الله صلی الله عليه وسلم فان كان ولابد والكذب فعلى غيرنا . فقال له: أنت يحيى بن معين . قال نعم. قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق ما حققته الا الساعة . فقال له يحيى وكيف علمت أنى أحمق . قال كأن ليس فى الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غير كما . قد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين . فوضع أحمد كمه على وجهه وقال دعه يقوم فقام كالمستهزىء بهما )) اهـ . المبحث الثالث تراجم لبعض أئمة الحديث فى هذا العصر اشتهر فى هذا القرن كثير من نحارير المحدثين وجهابذة السنة كانت (١) ص ٤٨ وما بعدها . ٣٤٣ لهم أياد بيضاء فى خدمة الحديث ومعرفة رجاله والبحث عن علله واليك طائفة منهم : - على بن المدینی كان من أئمة الحديث الممتازين لم يترك بابا من أبوابه الا طرقه وبخاصة ما يرجع الى الرجال والعلل ، وقد صنف فى ذلك الكتب الكثيرة التى لم يسبق الى معظمها ولم يلحق فى كثير منها . لذا أثنى عليه العلماء وشهدوا له بالتقدم والمعرفة فسفيان بن عيينة وهو من شيوخه يقول : (والله لقد كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلم منى). وكذلك قال يحيى بن القطان وهو من مشايخه ، وقال البخارى : ( ما استصغرت نفسى عند أحد قط الا عند على بن المدينى) ، وقال أبو حاتم : ( كان ابن المدينى علما فى معرفة الحديث والعلل ) ، هذا وقد ذكر الحاكم فى معرفة علوم الحديث جملة وافرة من مؤلفاته تدل على رسوخ قدمه واتساع أفقه فى علوم السنة فمن ذلك كتاب الاسامى والكنى ثمانية أجزاء ، وكتاب الضعفاء عشرة أجزاء ، وكتاب المدلسين خمسة أجزاء ، وكتاب الطبقات عشرة أجزاء، وكتاب علل المسند ثلاثون جزءا ، وكتاب علل حديث ابن عيينة ثلاثة عشر جزءا ؛ وكتاب من لا يحتج بحديثه ولا يسقط جزءان ، وكناب الكنى خمسة أجزاء ، وكتاب الوهم والخطأ خمسة أجزاء ، وكتاب من نزل من الصحابة سائر البلدان خمسة أجزاء ، وكتاب من حدث ثم رجع عنه جزءان ، وكتاب اختلاف الحديث خمسة أجزاء ، وكتاب العلل المتفرقة ثلاثون جزءا ، وكتاب مذاهب المحدثين جزءان . الى غير ذلك من مصنفاته الباهرة التى تدل على تبحره وتقدمه وكمال ٣٤٤ معرفته . توفى رحمه الله سنة ٢٣٤ هـ . بسرمرى (١). یحیی بن معين هو أحد الأئمة الأربعة الذين انتهت اليهم الزعامة فى الحديث - أحمد بن حنبل ويحيى بن معين . وعلى بن المدينى . وأبى بكر بن أبى شيبة - سمع الحديث من ابن المبارك وابن عيينة وابن مهدى وهشيم ووكيع وغيرهم ، وسمع منه أبو زرعة الرازى وأبو حاتم والبخارى ومسلم وأبو داود وكثير غيرهم. أجمع العلماء على امامته وجلالته فى هذا الشأن لا سيما ما يتعلق بالجرح والتعديل وكشف حال الكذابين مع التثبت والتمكن حتى رووا عنه أنه استقبل القبلة ورفع يديه يقول : ( اللهم أن كنت تكلمت فى رجل ليس هو عندى كذابا فلا تغفر لى ) ، ورووا عنه أنه قال : ( لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما علقناه ) . قال فيه أحمد بن حنبل : ( السماع من يحيى بن معين شفاء لما فى الصدور ) وقال أيضا : ( يحيى بن معين رجل خلقه الله لهذا الشأن يظهر كذب الكذابين وكل حديث لا يعرفه يحيى ليس بحديث ) وقال ابن المدينى : ( ما رأيت فى الناس مثله ) وقد عده الحاكم فى كتابه علوم الحديث من فقهاء المحدثين . توفى بالمدينة المنورة سنة (٢٣٣) ودفن بالبقيع ، ونودى يوم وفاته : هذا الذى كان ينفى الكذب عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (٢) . أبو بكر بن أبى شيبة هو الحافظ المتقن عبد الله بن محمد بن أبى شيبة الکوفی . روی عن (١) تهذيبالأسماءللنوویج ١ ص ٣٥٠ . فهرست ابن النديم ص ٣٢٢ ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص ٧١ . (٢) تهذيب الأسماء للنووى جـ ١ ص ١٥٦ - الفهرست لابن النديم ص ٣٢٢ - معرفة علوم الحديث للحاكم ص ٧٢. ٣٤٥ أبى الأخوص وابن المبارك وشريك وهشيم وجرير بن عبد الحميد ووكيع وابن علية وابن مهدى وابن القطان وابن عيينة وزيد بن هارون وخلق كثير . وروى عنه البخارى ومسلم وأبو داود وابن ماجه ، وروى له النسائى بواسطة أحمد بن على القاضى ، وابنه أبو شيبة ابراهيم ، واحمد ابن حنبل ومحمد بن سعد وأبو زرعة وأبو حاتم وعبد الله بن أحمد ابن حنبل وابراهيم الحربى وكثير غيرهم . كان أبو بكر ثقة حافظا للحديث أثنى عليه بالحفظ والاتقان كثير من أهل عصره . قال أبو عبيد القاسم : ( انتهى العلم الى أربعة : فأبو بكر أسردهم له وأحمد أفقههم فيه ويحيى أجمعهم له وعلى أعلمهم به ). وقال صالح بن محمد: ( أعلم من أدركت بالحديث وعلله على بن المدينى وأعلمهم بتصحيف المشايخ يحيى بن معين وأحفظهم عند المذاكرة أبو بكر بن أبى شيبة). وقال أبو زرعة الرازى : ( ما رأيت أحفظ من أبى بكر بن أبى شيبة ) وقال ابن حبان : كان متقنا حافظا دينا ممن كتب وجمع وصنف وذاكر وكان أحفظ أهل زمانه للمقاطيع. توفى رضى الله عنه سنة (٢٣٥) (١). أبو زرعة الرازى هو عبد الله بن عبد الكريم أحد الحفاظ المشهورين أثنى عليه أهل عصره بالعلم والورع والحفظ وشهدوا له بالتفوق على أقرانه . قالوا : كان يحفظ سبعمائة ألف حديث . وكان فى شبيبته اذا اجتمع بأحمد بن حنبل اقتصر أحمد على الصلوات المكتوبات ولا يفعل المندوبات اكتفاء (١) تهذيب التهذيب جـ ٦ ص ٢. ٣٤٦ بمذاکر ته وحسبك هذا من مثل أحمد بن حنبل دليلا على اتقان أبى زرعة وحفظه وضبطه . روى الحاكم فى معرفة علوم الحديث : ( لما انصرف قتيبة بن سعد الى الرى سألوه أن يحدثهم فامتنع وقال : أحدثكم بعد أن حضر مجلسى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلى بن المدينى وأبو بكر بن أبى شيبة وأبو خيثمة . فقالوا له : أن عندنا غلاما يسرد كل ما حدثت به مجلسا مجلسا . قم يا أبا زرعة فقام أبو زرعة فسرد كل ما حدث به قتيبة فحدثهم قتيبة ) وعده الحاكم فى فقهاء الحديث فى كتابه المذكور . توفى رحمه الله سنة ( ٢٦٤) (١). أبو حاتم الرازى هو محمد بن ادريس بن المنذر بن داود بن مهران أبو حاتم الحنظلی الرازى أحد الأئمة الحفاظ الأثبات العارفين بعلل الحديث والجرح. والتعديل وهو قرين أبى زرعة سمع الكثير وطاف الأقطار وروى عن كثير من الأئمة الكبار . جاء عنه أنه قال لابنه عبد الرحمن : يا بنى مشيت على قدمى فى طلب الحديث أكثر من ألف فرسخ ، وکان یتحدی من حضر عنده من الحفاظ وغيرهم يقول : من أغرب على بحديث واحد صحيح فله على درهم أتصدق به قال ومرادى ( سمع ما ليس عندى ) فلم يأت أحد بشىء من ذلك وكان من جملة من حضر أبو زرعة الرازى . أجمعوا على جلالته وعلو شأنه فى الحديث وعلله وعده الحاكم من فقهاء الحديث . توفى رحمه الله سنة ( ٢٧٧) (٢) .. محمد بن جرير الطبرى هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبرى . (١) تاريخ ابن كثير جـ ١١ ص ٣٧ . معرفة علوم الحديث ٧٥ وما بعدها (٢) تاريخ ابن كثير جـ ١١ ص ٥٩ . معرفة علوم الحديث للحاكم ص ٧٦ - ٣٤٧ ولد بآمل سنة (٢٢٤) واستوطن بغداد حتى توفى بها ، وكان يعد فى طبقة الترمذى والنسائى . سمع كثيرا من شيوخ البخارى ومسلم وغيرهم وحدث عنه كثير من العلماء منهم أحمد بن كامل ، ومحمد بن عبد الله الشافعى ، ومخلد بن جعفر ، كان ابن جرير من أكابر الأئمة يحكم بقوله ويرجع الى معرفته وعلمه حافظا لكتاب الله عارفا بالقراءات كلها بصيرا بالمعانى فقيها فى الأحكام عالما بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها عارفا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم عارفا بأيام الناس وأخبارهم ، وله من المصنفات كتابه المشهور ( تاريخ الأمم والملوك ) وكتاب التفسير الذى قال فيه أبو حامد الاسفرائينى : ( لو سافر رجل الى الصين ليحصل تفسير ابن جرير الطبرى لم يكن هذا كثيرا ) وكتاب ( تهذيب الآثار ) ألا أنه لم يتمه ولو تم لكان آية فى علوم السنة . ابتدأ فيه بما رواه أبو بكر الصديق وتكلم على كل حديث وعلته وطرقه وما فيه من الفقه واختلاف العلماء وحججه واللغة فتم مسند العشرة وأهل البيت والموالى وقطعة من مسند ابن عباس وهو من عجائب كتبه . قال ابن كثير فى التاريخ وقد رأيت له كتابا جمع فيه أحاديث (غدير خم ) فى مجلدين ضخمين وكتابا جمع فيه طرق حديث الطير . توفى رحمه الله سنة ( ٣١٠) (١). ابن خزيمة هو محمد بن اسحاق أبو بكر بن خزيمة النيسابورى امام الأئمه رحل الى الرى وبغداد والبصرة والكوفة والشام والجزيرة ومصر وواسط ، وسمع الحديث من خلق كثير منهم اسحاق بن راهويه ومحمد بن حميد (١) تاريخ ابن كثير جـ ١١ ص ١٤٥ وما بعدها - ومفتاح السنة ص ٣٣ طبقات الشافعية الكبرى جـ ٢ ص ١٣٥ ٠ ٣٤٨ الرازی ولم يحدث عنهما لکو نه سمع منهما فى صغره ، وحدث عن محمود ابن غيلان ومحمد بن ابان المستملى واسحاق بن موسى الخطمى وأبى قدامة السرخسى وغيرهم ، وروى عنه الأئمة الكبار كالبخارى ومسلم خارج الصحيح ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم شيخه ويحيى ابن محمد بن صاعد وأبو على الغسانى واسحاق بن سعد النسوى وخلائق كثير . كان ابن خزيمة قبلة العلم والعلماء وإماما يقصده الناس من كل ناحية. كالبحر يقذف للقريب جواهرا كرما ويبعث للغريب سحائبا وكان شديد التحرى للحديث حتى ليتوقف فى التصحيح لأدنى كلام يقال فى الإسناد . روى الحاكم عن أبى العباس بن سريج أنه قال فيه : ( أنه يخرج النكت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنقاش ) وقال الربيع بن سليمان : ( استفدنا من ابن خزيمة أكثر مما استفاد منا ) وقال محمد بن حبان التميمى : ( ما رأيت على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها حتى كأن السنن كلها بين عينيه الا محمد بن اسحاق )، وقال الدارقطنى: ( كان ابن خزيمة اماما ثبتا معدوم النظير). عده الحاكم من فقهاء الحديث قال : ( ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتابا سوى المسائل والمسائل المصنفة أكثر من مائة جزء فان فقه حديث بريرة ثلاثة أجزاء ومسألة الحج خمسة أجزاء ) وله كتاب الصحيح وهو من أجل كتب الحديث يتلو صحيح مسلم بن الحجاج على ما ذكره السيوطى فى ألفيته الا أنه قد انعدم أكثره . توفى رحمه الله سنة ( ٣١١) (١). (١) الطبقات الكبرى للشافعية جـ ٢ ص ١٣٠ ٠ معرفة علوم الحديث للحاكم ص ٨٣ - الرسالة المستطرفة للكتانى ص ١٧ . ٣٤٩ محمد بن سعد كاتب الواقدى هو الامام الحافظ المؤرخ الثقة أبو عبد الله محمد بن سعد ابن منيع القرشى الهاشمى ولاء البصرى ثم البغدادى . كان أبوه مولى الحسين ابن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمى . ولد بالبصرة سنة ١٦٨ وتوفى ببغداد سنة ٢٣٠ . روى عن محمد بن عمر الواقدى ، وبه تخرج ، وعن ابن علية وسفيان ابن عيينه ويزيد بن هارون الواسطى وعبيد الله بن موسى العبسى . وأبى نعيم الفضل بن دكين الكوفى وغيرهم من شيوخ الرواية بالبصرة والكوفة وواسط وبغداد ومكة المكرمة والمدينة المنورة والشام واليمن ومصر وسائر البلاد ، وهو من المكثرين جدا من الرواية عن شيوخ الأمصار وعمدته فى العلم ذلك البحر المواج محمد بن عمر الواقدى وممن روى عنه مصعب الزبيرى ، والحارث محمد بن أبى أسامة صاحب المسند، وأحمد بن عبيد بن ناصح الهاشمى ، وأحمد بن يحيى بن جابر البلاذرى صاحب فتوح البلدان ، وأبو بكر عبد الله بن محمد المعروف بابن أبى الدنيا ، والحسين بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن فهم راوية الطبقات الكبرى عن ابن سعد وهو الذى قال عن شيخه : ( كان كثير العلم كثير الكتب كتب الحديث والفقه والغريب ) . كان ابن سعد مرضيا عند الرواة حيث لم يلابس الفتن الهوجاء فى عهد المأمون وبعده فأمكنه ذلك نشر علمه وعلم أستاذه وبقيت كتبه محفوظة مقبولة عندهم ومن أهمها كتاب الطبقات الكبير جمع فيه صفوة ما ذكره علماء السير أمثال الشعبى ، والأوزاعى ، وموسى بن عقبة ، ومحمد بن اسحاق الواقدى . ذكر فى هذا الكتاب أخبار الأنبياء عليهم ٣٥٠ السلام وسائر آباء سيد المرسلين وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم تمهيدا لذكر سيره ومغازيه عليه السلام وبعد أن انتهى من السيرة النبوية ذكر طبقات الصحابة والتابعين ومن بعدهم الى وقته ووزعهم على أمصار المسلمين : المدينة المنورة، ومكة المكرمة ، والشام، واليمن ، ومصر ، والكوفة ، والبصرة، وبغداد ، وسائر البلدان ، وهو أقدم كتاب متوارث فى موضوعه لا يستغنى عنه محدث ولا فقيه ولا مؤرخ وقد أجاد فيه وأحسن . لكن ليس كل ما فيه من الروايات قويا بل بين أسانيده ما هو مقطوع أو مرسل . وانما فعل ذلك ليستوفى جميع ما ورد فى الموضوع الذى يبحث عنه. وتمحيص هذه الأسانيد هين عند أهل العلم . هذا والذين جاءوا بعد ابن سعد ممن كتب فى الرجال هم عالة على علمه ومع ذلك فقد فاتهم ترتيبه وسياق أسانيده بسبب اختصارهم (١) . اسحاق بن راهويه هو إسحاق بن ابراهيم بن مخلد بن ابراهيم أبو يعقوب الحنظلی المروزى المعروف بابن راهويه - راهويه لقب أبيه ابراهيم - كان من أئمة المسلمين والعلماء البارزين . جمع الى امامته فى الحديث امامته فى الفقه وبراعته فيه مع الحفظ والصدق والورع والزهد. رحل الى العراق والحجاز واليمن والشام، وسمع جرير بن عبدالحميد الرازى ، واسماعيل ابن علية ، وسفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح ، وبقية بن الوليد ، وعبد الرازق بن همام ، والنضر بن شميل وآخرين ، وروى عنه محمد ابن اسماعيل البخارى ، ومسلم بن الحجاج النيسابورى ، ومحمد بن نصر المروزى ، وأبو عيسى الترمذى ، وأحمد بن سلمة وكثير غيرهم ، (١) تاريخ بغداد للخطيب ومقدمة الطبقات الكبرى للشيخ محمد زاهد الكوثرى . طبع مصر . ٣٥١ وروى عنه من قدماء شيوخه يحيى بن آدم (١)، وبقية بن الوليد ، ومن أقرانه أحمد بن حنبل ، وكان رحمه الله مضرب المثل فى الحفظ والاتقان والامامة والصدق قال عن نفسه : ( أعرف مكان مائة ألف حديث كأنى أنظر اليها وأحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلب وأحفظ أربعة آلاف حديث مزورة . فقيل له ما معنى حفظ المزورة ؟ قال اذا مر بى منها حديث فى الأحاديث الصحيحة فليته منها فليا )، وقيل له أنك تحفظ مائة ألف حديث ؟ قال : ( مائة ألف ما أدرى ما هو ولكنى ما سمعت شيئا قط الا حفظته ولا حفظت قط شيئا فنسيته ) ، وقال أبو داود الخفاف : ( أملى علينا اسحاق بن راهويه أحد عشر ألف حديث من حفظه ثم قرأها علينا فما زاد حرفا ولا نقص حرفا)، وقال أبو حاتم الرازى : ( ذكرت لأبى زرعة اسحاق بن ابراهيم الحنظلى وحفظه للأسانيد والمتون فقال أبو زرعة : ما رؤى أحفظ من اسحاق ) ، قال أبو حاتم ( والعجب من اتقانه وسلامته من الغلط مع ما رزق من الحفظ ) وكلام الأئمة فى الثناء على اسحق يطول ذكره فنكتفى بذلك . قال أبو داود : ( اسحاق بن راهويه تغير قبل أن يموت بخمسة أشهر وسمعت منه فى تلك الأيام ورميت به . ولد سنة ١٦١ وتوفى سنة ٢٣٨ بنيسابور عن سبع وسبعين سنة (٢). الامام أحمد بن حنبل هو امام الأئمة وحافظ الأمة وفقيهها أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيبانى المروزى ثم البغدادى . (١) روى عن اسحاق بن راهويه قال. كتب عنى يحيى بن آدم ألفى حديث . (٢) تاريخ بغداد للخطيب جـ ٦ ص ٣٤٥ وما بعدها . ٣٥٢ ولد فى بغداد سنة ١٦٤ . وفى حداثته كان يختلف الى مجلس القاضى أبى يوسف ثم ترك ذلك وأقبل على سماع الحديث سنة ١٨٧. وقد طاف فى البلاد والآفاق وسمع من مشايخ العصر وكانوا يجلونه ويحترمونه ومن مشايخه هشيم وابراهيم بن سعيد وسفيان بن عيينة وتفقه بالشافعى حين قدم بغداد ولزمه واستفاد منه ، وعنى عناية عظيمة بالسنة والفقه حتى عده أهل الحديث أمامهم وفقيههم ، وقد أخذ عنه الحديث جماعة من الأماثل منهم محمد بن اسماعيل البخارى ومسلم بن الحجاج النيسابورى والشافعى وعبد الرزاق ووكيع وهؤلاء الثلاثة من شيوخه ، وقد كان الامام الشافعى على جلالة قدره فى الحديث والفقه يعتمد الامام أحمد فى تصحيح الأحاديث وتضعيفها ولذلك لما اجتمع به فى بغداد سنة ١٩٨ . قال له يا أبا عبد الله اذا صح عندكم الحديث فأعلمنى به أذهب اليه حجازيا كان أو شاميا أو عراقيا أو يمنيا، وعمر أحمد اذ ذاك نيف وثلاثون سنة ، وقال الشافعى : خرجت من العراق فما تركت رجلا أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أثقى من احمد بن حنبل ، وكذلك اعترف له بعلو المكانة فى العلم والحديث علماء عصره على اختلاف ميولهم ومشاربهم قال اسحاق بن راهويه : ( أحمد حجة بين الله وبين عبيده فى أرضه ) وقال يحيى بن معين : ( كان فى أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها فى عالم قط كان محدثا وكان حافظا وكان عالما وكان ورعا وكان زاهدا وكان عاقلا) وقال أيضا: (أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل والله ما تقوى أن نكون مثله ولا نطيق سلوك طريقه ) اهـ . وقد استحوذ جماعة من المعتزلة على المأمون ثم المعتصم ثم الواثق ودعوهم إلى أن يحملوا الناس على القول بخلق القرآن وممن أريد على ذلك الامام أحمد بن حنبل فأبى كل الاباء فضرب وحبس وهو ٣٥٣ مصر على الامتناع سنة (٢٢٠) فى عهد المعتصم . قال بشر الحافى بعد ما ضرب أحمد : ( أدخل أحمد الكير فخرج ذهبا أحمر ) وقال على بن المدينى : ( ما قام أحد فى الاسلام ما قام أحمد بن حنبل ) ولما بلغت هذه المقالة أبا عبيد القاسم بن سلام قال : ( صدق على ، ان أبا بكر وجد يوم الردة أنصارا وأعوانا وأن أحمد بن حنبل لم يكن له أنصار ولا أعوان ) ثم أخذ أبو عبيد يطريه ويقول ( لست أعلم فى الاسلام مثله ) . وقد توفى أحمد رحمه الله سنة ٢٤١ ببغداد وله عند العلماء حسن الذكرى وجميل الأحدوثة - تاريخ ابن كثير ( ١٠ - ٣٣٥) . الامام البخارى هو امام المحدثين وشيخ الحفاظ أبو عبد الله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفى مولاهم . امام أهل الحديث فى زمانه ، والمقتدى به فى أوانه والمقدم على سائر أقرانه . ولد البخارى رحمه الله ببخارى سنة (١٩٤) هـ وألهمه الله حفظ الحديث وهو فى المكتب قال الفربرى : سمعت محمد بن أبى حاتم وراق البخارى يقول : سمعت البخارى يقول : ألهمت حفظ الحديث وأنا فى الكتاب قلت وكم أتى عليك اذ ذاك فقال عشر سنين أو أقل ثم خرجت من الكتاب فجعلت أختلف الى الداخلى وغيره فقال يوما فيما كان يقرأ للناس : سفيان عن أبى الزبير عن ابراهيم . فقلت أن أبا الزبير لم يرو عن ابراهيم فانتهرنى فقلت له ارجع الى الأصل إن كان عندك فدخل فنظر فيه ثم رجع فقال كيف هو يا غلام فقلت هو الزبير وهو ابن عدى عن ابراهيم فأخذ القلم وأصلح كتابه وقال لى صدقت قال : فقال له انسان ابن كم حین رددت عليه ؟ فقال ابن احدى عشرة سنة . قال فلما طعنت فى ست عشرة سنة ٣٥٤ حفظت كتب ابن المبارك ووكيع وعرفت كلام هؤلاء يعنى أصحاب الرأى قال ثم خرجت مع أمى وأخى الى الحج . قال : ولما طعنت فى ثمانى عشرة صنفت كتاب قضايا الصحابة والتابعين ثم صنفت التاريخ فى المدينة عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم وكنت أكتبه فى الليالى المقمرة وقل اسم فى التاريخ الا وله عندى قصة ألا أنى كرهت أن يطول الكتاب . ارتحل البخارى لطلب الحديث وتنقل فى البلاد . قال سهل ابن السرى : قال البخارى: ( دخلت الى الشام ومصر والجزيرة مرتين والى البصرة أربع مرات وأقمت بالحجاز ستة أعوام ولا أحصى كم دخلت الى الكوفة وبغداد مع المحدثين ) وكان لا يجارى فى حفظ الحديث سندا ومتنا مع تمييزه للصحيح منه والسقيم . دخل مرة الى سمرقند فاجتمع بأربعمائة من علماء الحديث بها فجعلوا متون الأحاديث على غير أسانيدها وخلطوا فى الأسانيد فأدخلوا أسناد الشام فى أسناد العراق ثم قرءوها على البخارى يقصدون امتحانه فرد كل حديث الى أسناده وقوم تلك الأحاديث والأسانيد كلها ولم يقدروا أن يأخذوا عليه سقطة فى أسناد ولا متن وكذلك صنعوا معه فى بغداد فأذعنوا له بالفضل والسبق ، وقد ذكروا أنه كان ينظر فى الكتاب فيحفظه من نظرة واحدة والأخبار عنه فى ذلك كثيرة. وقد أثنى عليه علماء زمانه من شيوخه وأقرانه . فقال الامام أحمد : ما أخرجت خراسان مثله ، وقال ابن المدينى : لم ير البخارى مثل نفسه ، وقال محمود بن النظر بن سهل الشافعى : دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها كلما جرى ذكر محمد بن اسماعيل البخارى فضلوه على أنفسهم . وقال أحمد بن حمدون القصار: ( رأيت مسلم بن الحجاج جاء الى البخارى فقبل بين عينيه وقال : دعنى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث فى علله ، ثم ٣٥٥ سأله عن حديث كفارة المجلس ، فذكر له علته ، فلما فرغ قال مسلم : لا يبغضك الا حاسد، وأشهد أن ليس فى الدنيا مثلك)، وقال الترمذى : ( لم أر بالعراق ولا بخراسان فى معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من البخارى ) وقال ابن خزيمة : ( ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحفظ له من محمد بن اسماعيل البخارى) وكان البخارى رحمه الله من الأئمة المجتهدين فى الفقه واستنباط الأحكام من السنن والآثار ومما يؤثر عنه قوله : ( لا أعلم شيئا يحتاج اليه الا وهو فى الكتاب والسنة ) فقيل له يمكن معرفة ذلك فقال نعم ، وتراجمه على الأحاديث فى كتابه الجامع الصحيح تدل على ذلك . قال اسحاق بن راهويه أحد شيوخه : ( لو كان البخارى فى زمن الحسن لاحتاج الناس اليه فى الحديث ومعرفته وفقهه )، وقال أبو نعيم وأحمد ابن حماد وغيرهما : ( البخارى فقيه هذه الأمة)، وقال أبو محمد عبد الله ابن عبد الرحمن الدارمى : ( محمد بن اسماعيل البخارى أفقهنا وأعلمنا وأغوصنا وأكثرنا طلبا) وقال ابن كثير فى التاريخ : ( ومنهم من فضله فى الفقه والحديث على الامام أحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه ) وقد كان البخارى رحمه الله فى غاية الحياء والشجاعة والسخاء والورع والزهد فى الدنيا شريف النفس بعيدا عن الأمراء والسلاطين حتى أن أمير بخارى خالد بن أحمد الذهلى طلب إليه أن يحضر ليسمع أولاده منه فأبى أن يذهب . وقال: فى بيته يؤتى العلم فأراد الأمير أن يصرف الناس عن السماع منه فلم يقبلوا من الأمير فأمر عند ذلك بنفيه فنزح البخارى من بلده إلى بلدة يقال لها ( خرتنك ) على فرسخين من سمرقند وجعل يدعو الله أن يقبضه اليه حين رأى الفتن فى الدين فمرض على أثر ذلك وتوفى ليلة عيد الفطر عن اثنتين وستين سنة وقد ترك بعده علما نافعا ٣٥٦ لجميع المسلمين بما بثه فى مؤلفاته من العلم الغزير ومن هذه المؤلفات : قضايا الصحابة والتابعين والتاريخ الكبير والتاريخ الأوسط والتاريخ الصغير والأدب المفرد والقراءة خلف الامام وبر الوالدين وخلق أفعال العباد وكتاب الضعفاء والجامع الكبير والمسند الكبير والتفسير الكبير وكتاب الأشربة وكتاب الهبة وأسامى الصحابة وكتاب الوحدان وكتاب المبسوط وكتاب العلل وكتاب الكنى وكتاب الجامع الصحيح وهو أجل كتبه نفعا وأعلاها قدرا . رحم الله البخارى رحمة واسعة وأجزل له العطاء آمين (١). الإمام مسلم بن الحجاج هو الامام الكبير وحافظ الحفاظ أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيرى النيسابورى . ولد بنيسابور سنة (٢٠٤)، وطلب الحديث صغيرا ورحل فى طلبه الى جميع محدثى الأمصار فرحل الى العراق والحجاز والشام ومصر ، وأخذ عن شيوخها من مشايخ البخارى وغيرهم . ولما ورد البخارى نيسابور فى آخر أمره لازمه مسلم وأدام الاختلاف اليه ونظر فى علمه وحذا حذوه وكان يناضل عنه ، وقد هجر من أجله شيخه محمد ابن يحيى الذهلى لما قال يوما لأهل مجلسه وفيهم مسلم بن الحجاج ألا من كان يقول بقول البخارى فى مسألة ((اللفظ بالقرآن)) فليعتزل مجلسنا فنهض مسلم من فوره الى منزله وجمع ماكان سمعه من الذهلى وأرسله اليه وترك الرواية عنه فى الصحيح وغيره ، روى عن مسلم جماعة كثيرون من أئمة عصره وحفاظه وفيهم طائفة من أقرانه ومنهم أبو حاتم الرازى وموسى بن هارون وأحماد بن سلمة والترمذى وغيرهم . أجمعوا (١) تاريخ ابن كثير جـ ١١ ص ٢٤ وما بعدها ومفتاح السنة ص ٣٨ - ٣٩ - مقدمة فتح البارى الجزء الثانى ص ١٩٣ وما بعدها. ٣٥٧ على جلالته وامامته وعلو مرتبته فى السنة وحذقه فيها وتضلعه منها ومن أكبر الدلائل على ذلك كتابه الصحيح الذى لم يوجد فى كتاب قبله ولا بعده ما فيه من حسن الترتيب وتلخيص طرق الحديث بغير زيادة ولا نقصان والاحتراز من التحويل فى الأسانيد عند اتفاقها من غير زيادة وتنبيهه على ما فى ألفاظ الرواة من اختلاف فى المتن أو الأسانيد ولو قل ، واعتنائه بالتنبيه على الروايات المصرحة بسماع المدلسين وغير ذلك مما هو معروف فى كتابه ، وقد أثنى عليه كثير من العلماء من أهل الحديث وغيرهم . قال أحمد بن سلمة : ( سمعت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج فى معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما ) وقال اسحاق بن منصور لمسلم: ( لن نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين ) . صنف مسلم فى علم الحديث كنبا كثيرة منها كتابه الصحيح الذى من الله به على المسلمين ومنها الكتاب المسند الكبير على أسماء الرجال ، وكتاب الجامع الكبير على الأبواب. وكتاب العلل وكتاب أوهام المحدثين وكتاب التمييز وكتاب من ليس له الا راو واحد وكتاب طبقات التابعين وكتاب المخضرمين وغير ذلك . توفى رحمه الله بنيسابور (٢٦١) عن ٥٧ عاما ( تهذيب الأسماء وتاريخ ابن كثير ١١ - ٣٢). الامام النسائى هو الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن على بن بحر بن سنان بن دينار النسائى نسبة الى نساء بلدة مشهورة بخراسان ، ويقال النسوى بقلب الهمزة واوا. ولد رحمه الله سنة (٢١٥) وكان أحد أعلام الدين وأئمة الحديث امام أهل عصره وقدوتهم بين أصحاب الحديث فى معرفة الجرح والتعديل . قال الحاكم أبو عبد الله ( سمعت الدار قطنى غير ٣٥٨ مرة يقول : أبو عبد الرحمن مقدم على كل من يذكر بعلم الحديث من أهل زمانه فى جرح الرواة وتعديلهم وكان شديد التحفظ والورع فتراه يقول فى سننه وهو يروى عن الحارث بن مسكين : هكذا قرىء عليه وأنا أسمع ولا يقول فى الرواية عنه : حدثنا أو أخبرنا كما يقول فى روايات أخرى عن مشايخه ) . سمع إسحاق بن راهويه ، وأبا داود السجستانى ، ومحمود بن غيلان وقتيبة بن سعيد وعلى بن خشرم وغيرهم من أهل خراسان والحجاز والجزيرة ومصر والشام وغيرها ، وأخذ عنه الحديث خلق كثير منهم الدولابى ، وأبو القاسم الطبرانى وأبو جعفر الطحاوى ومحمد بن هارون ابن شعيب . رحل وهو ابن (١٥) سنة الى قتيبة بن سعيد البلخى ومكث عنده سنة وشهرين وأخذ عنه الحديث وقدم مصر وأقام بها طويلا وانتشرت بها تصانيفه وأخذ عنه الناس ثم خرج منها سنة (٣٠٢) الى دمشق فسئل عن معاوية وما روى من فضائله ففضل عليا عليه فما زالوا به حتى قتلوه ضربا . قال الدارقطنى : ( لما امتحن النسائى بدمشق قال احملونى الى مكة فحمل اليها فتوفى بها ودفن بين الصفا والمروة ) وصوب الذهبى أنه مات بالرملة بفلسطين . نقل التاج السبكى عن شيخه الحافظ الذهبى ووالده التقىّ السبكى أن النسائى أحفظ من مسلم صاحب الصحيح وأن سننه أقل السنن بعد الصحيحين حديثا ضعيفا ، بل قال بعض الشيوخ أنه أشرف المصنفات كلها وما وضع فى الاسلام مثله ، وقد قال ابن منده وابن السكن وأبو على النيسابورى وأبو أحمد بن عدى والخطيب والدارقطنى ( كل ما فى سنن النسائى صحيح) لكن فى هذا تساهل صريح وشذ بعض المغاربة ففضله ٣٥٩ على كتاب البخارى ولعله لبعض الحيثيات الخارجة عن كمال الصحة ، وقال أبو على النيسابورى : ( للنسائى شرط فى الرجال أشد من شرط مسلم)، وهذا القول غير مسلم قال البقاعى فى شرح الألفية عن ابن كثير: ( أن فى النسائى رجالا مجهولين اما عينا أو حالا ومنهم المجروح وفيه أحاديث ضعيفة ومعلة ومنكرة) وللنسائى مصنفات كثيرة فى الحديث والعلل توفى رحمه الله سنة (٣٠٣) بعد أن عمر ٨٩ عاما (١). أبو داود هو سليمان بن الأشعث بن اسحاق الأسدى السجستانى ولد سنة (٢٠٢) ورحل فى طلب العلم وكتب عن أهل العراق والشام ومصر وخراسان وأخذ الحديث عن مشايخ البخارى ومسلم كأحمد بن حنبل وعثمان بن أبى شيبة وقتيبة بن سعيد وغيرهم من أئمة الحديث وأخذ عنه ابنه عبد الله وأبو عبد الرحمن النسائى وأبو على اللؤلؤى وخلق سواهم . أثنى العلماء عليه ووصفوه بالحفظ التام والعلم الوافر والفهم الثاقب فى الحديث وغيره مع الدين والورع فكان علما من أعلام الحفاظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه . قال الحاكم أبو عبد الله : ( كان أبو داود امام أهل الحديث فى عصره بلا مدافعة سمعه بمصر والحجاز والشام والعراقين وخراسان ) . وكان علماء الحديث قبل أبى داود قد صنفوا الجوامع والمسانيد ونحوها فتجمع كتبهم الى السنن والأحكام أخبارا وقصصا وآدابه ومواعظ فأما السنن المحضة فلم يقصد أحد منهم أفرادها واستخلاصها حتى جاء أبو داود فعمل على جمع أحاديث الأحكام والاقتصار عليها (١) تاريخ ابن كثير ( جـ ١١ ص ١٢٣ - ١٢٤) ومقدمة شرح المجتبى للسندى والسيوطى . ٣٦٠ فاتفق له مالم يتفق لغيره وقد عرضها على أحمد بن حنبل فاستجادها واستحسنها . وقال إبراهيم الحربى : ( لما صنف أبو داود هذا الكتاب ألين له الحديث كما ألين لداود الحديد ) صنف أبو داود كنبا كثيرة وتوفى بالبصرة سنة ( ٢٧٥ ) . الترمذى هو الأمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى ابن الضحاك السلمى الترمذى ولد سنة ٢٠٩ بترمذ ، وكان اماما ثقة حجة . أخذ الحديث عن جماعة كثيرة منهم قتيبة بن سعيد واسحاق بن موسى ومحمود بن غيلان وسعيد بن عبد الرحمن ومحمد بن بشار وعلى ابن حجر ، وأحمد بن منيع ومحمد بن المثنى وسفيان بن وكيع ومحمد بن اسماعيل البخارى . وأخذ عنه الحديث خلق كثير منهم محمد بن أحمد ابن محبوب المحبوبي راوى الجامع عنه وأبو حامد أحمد بن عبد الله المروزى والهيثم بن كليب الشاشى ومحمد بن المنذر بن شكر . طاف أبو عيسى البلاد وسمع خلقا كثيرا من الخراسانيين والعراقيين والحجازيين وكتب الحديث وصنف التصانيف العجيبة . منها : الجامع ، وكتاب الأسماء والكنى ، والشمائل، والتواريخ، والعلل، وكتاب الزهد ، واتفقوا على امامته وجلالته . ذكره ابن حبان فى الثقات فقال : ( كان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر ) وقال أبو يعلى الخليلى : ( ثقة متفق عليه ) ، ويكفى فى توثيقه أن امام الحديث والمحدثين محمد بن اسماعيل البخارى كان يعتمده ويأخذ عنه ، وقال الحافظ ابن كثير : ( روی عنه غیر واحد من العلماء منهم محمد بن اسماعيل البخارى فى الصحيح ) . وعلى هذا فلا التفات إلى قول ابن حزم فيه ، أنه مجهول . قال الحافظ ابن كثير : وجهالة ابن حزم لأبى عيسى الترمذى لا تضره حيث قال فى محلاه : ٠