Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ احتياط علماء هذا العصر فى قبول خبر الواحد : وقفت على ما كان من أهل الأهواء نحو العمل بالسنة وان منهم من ردها جملة ومنهم من ردها اذا لم تكن بيانا للقرآن الكريم ومنهم من لم يقبل منها الا المتواتر خاصة . أما علماء الاسلام فكانوا على وفاق فى أن السنة أصل من أصول الدين المتواتر منها وغير المتواتر اذا صحت عن النبى صلى الله عليه وسلم غير أنهم اختلفوا فى بعض الشروط التى تصح بها السنة الآحادية . فاشترط الامام مالك فى قبول خبر الواحد أن لا يعمل على خلافه الجمهور والجم الغفير من أهل المدينة اذ أن عملهم بمنزلة روايتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواية جماعة عن جماعة أولى بالقبول من رواية فرد عن فرد، واشترط الإمام أبو حنيفة فى قبول خبر الواحد شروطا منها :- ١ - ألا يخالف السنة المشهورة سواء أكانت سنة فعلية أم قولية عملا بأقوى الدليلين . ٢ - ألا يخالف المتوارث بين الصحابة والتابعين فى أى بلد نزلوه بدون اختصاص بمصر دون مصر . ٣ - ألا يخالف عمومات الكتاب أو ظواهره فان الكتاب قطعى الثبوت وظواهره وعموماته قطعية الدلالة والقطعى يقدم على الظنى أما اذا لم يخالف الخبر عاما أو ظاهرا فى الكتاب بل كان بيانا لمجمل فيه فانه يأخذ به حيث لا دلالة فيه بدون بيان . ٤ - أن يكون راوى الخبر فقيها اذا خالف الحديث قياسا جليا لأنه اذا كان غير فقيه يجوز أن يكون قد رواه على المعنى فأخطأ . ٥ - أن لا يكون فيما تعم به البلوى ومنه الحدود والكفارات التى ٢٨٢ تدرأ بالشبهات لأن العادة قاضية أن يسمعه الكثير دون الواحد أو الاثنين فلا بد والحالة هذه من أن يشتهر أو تتلقاه الأمة بالقبول . ٦ - ألا يسبق طعن أحد من السلف فيه وألا يترك أحد المختلفين فى الحكم من الصحابة الاحتجاج بالخبر الذى رواه . ٧ - وألا يعمل الراوى بخلاف خبره كحديث أبى هريرة فى غسل الاناء من ولوغ الكلب سبعا فانه مخالف لفتوى أبى هريرة فترك أبو حنيفة العمل به لتلك العلة . ٨ - أن لا يكون الراوى منفردا بزيادة فى المتن أو السند عن الثقات فان زاد شيئا من ذلك كان العمل على ما رواه الثقات احتياطا فى دين الله ولا تقبل زيادته (١) . أما جمهور المحدثين والفقهاء وفى مقدمتهم الامام الشافعى رحمه الله فعلى أن صحة الحديث تثبت برواية الثقة عن الثقة حتى يبلغ به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان الراوى واحدا فقط ولم يقيموا لغير ذلك من الشروط وزنا فاذا صح الحديث على هذا الوصف كان أصلا من أصول الشريعة لا يقدم عليه عمل ولا غيره وقد أطال الشافعى الحجاج لهذا المذهب فى الأم والرسالة ورد على المخالفين وقد نال بهذا الدفاع وغيره حظا كبيرا عند أهل الحديث الذين كانت لهم الكلمة العليا ولهذا أطلق عليه أهل بغداد ( ناصر السنة ) . هذا والشافعى لا يحتج بالأحاديث المرسلة أخذا بالاحتياط وان خالفه فى ذلك كثيرا من العلماء قبله كالثورى ومالك وأبى حنيفة واستثنى من (١) تأنيب الخطيب للعلامة الشيخ محمد زاهد الكوثرى ص١٥٣ و ١٥٤ وشروح التوضيح فى أصول الحنفية . جـ ٢ ص ٢٥٠. ٢٨٣ ذلك مراسيل كبار التابعين ان جاءت منوجه آخر ولو مرسلة أو اعتضدت بقول صحابى أو أكثر العلماء أو كان المرسل لو سمى لا يسمى الا ثقة فحينئذ يكون مرسله حجة عنده ولا ينتهض الى رتبة الحديث المتصل وأما مراسيل غير كبار التابعين فلا يحتج بها بحال (١). ومما تقدم يتبين أن الاختلاف كان عظيما فى تقدير قيمة الحديث المروى فقد تجد الحديث يعمل به الحنفى لشهرته ويرفضه الشافعى لضعف فى سنده وتجد المالكى يرفض الحديث لأن عمل أهل المدينة جرى على خلافه ويعمل به الشافعى لقوة فى سنده ولما جاءت طبقة الناصرين للمذاهب والناقدين لها لم يلتفتوا الى هذه الأصول التى أخذ بها أئمتهم وصاروا يأخذون على خصومهم مخالفة أى حديث صح سنده وان لم يستوف تلك الشروط التى اشترطها من ينتقدونه كذلك نجدهم يجتهدون فى اضعاف كل حديث لم يأخذ به أمامهم بالطعن فى سنده أو بأى مأخذ آخر مع أنه كان من السهل أن يقال ان الامام لم يأخذ بهذا الحديث لعدم استيفائه الشرط الذى جعله أصلا للعمل بالحديث (٢). أبو حنيفة كان واسع الاطلاع فى الحديث ويعمل به : ترك أبو حنيفة رحمه الله العمل بكثير من الأحاديث الآحادية بناء على أصوله التى قدمناها لك واحتج بالأحاديث المرسلة المشهورة وأكثر من القياس فيما لم يصح فيه أثر فرماه بعض المتعصبين من أهل الفقه والحديث بأنه : - (١) اختصار علوم الحديث لابن كثير ص ٣٩. (٢) تاريخ التشريع الاسلامى للخضرى ص ٢١٠ ٢٨٤ ١ - كان قليل البضاعة فى الحديث . ٢ - وأنه كان يقدم الرأى على الحديث . ٣ - وأنه لذلك لم يخرج له البخارى ومسلم فى صحيحيهما . ولما كان هذا القول بمعزل عن الحق رأينا أن تتعقب هذه الشبه الثلاث بالرد عليها واحدة واحدة فنقول : - ١ - زعمهم أنه كان قليل البضاعة فى الحديث زعم باطل بعد أن أجمعت الأمة على أنه من أئمة الهدى المجتهدين الذين لهم خبرة واسعة بالكتاب والسنة ومعانيهما ، وقد جمع محمد بن محمود الخوارزمى. المتوفى سنة ٦٦٥ مسندا لأبى حنيفة أخذه من خمسة عشر مسندا جمعها لأبى حنيفة علماء الحديث ورتبه على أبواب الفقه مع حذف المعاد وعدم. تكرير الاسناد قال فى خطبته : (( وقد سمعت فى الشام عن بعض الجاهلين بمقداره ما ينقصه ويستصغره وينسبه الى قلة الحديث ويستدل على ذلك بمسند الشافعى وموطأ مالك . وزعم أنه ليس لأبى حنيفة مسند وكان لا يروى الا عدة أحاديث فلحقتنى حمية دينية فأردت أن أجمع بين. خمسة عشر من مسانيده التى جمعها له فحول علماء الحديث - وسرد أسماءهم واحدا واحدا ثم قال : فجمعتها على ترتيب أبواب الفقه بحذف. المعاد وترك تكرير الاسناد . اهـ . وقال الحافظ محمد بن يوسف الصالحى الشافعى محدث الديار المصرية فى عقود الجمان : - ( كان أبو حنيفة من كبار حفاظ الحديث وأعيانهم ولولا كثرة اعتنائه بالحديث ما تهيأ له استنباط مسائل الفقه . وذكره الذهبى فى - طبقات الحفاظ - ولقد أصاب وأجاد ) اهـ . ثم قال فى الباب الثالث والعشرين من عقود الجمان . ( انما قلت الرواية ٢٨٥ عنه وان كان متسع الحفظ لاشتغاله بالاستنباط وكذلك لم يرو عن مالك والشافعى الا القليل بالنسبة الى ماسمعاه للسبب نفسه كما قلت رواية أمثال أبى بكر وعمر من كبار الصحابة رضى الله عنهم بالنسبة الى كثرة اطلاعهم وقد كثرت رواية من دونهم بالنسبة اليهم ) اهـ. ثم ساق أخبارا تدل على كثرة ما عند أبى حنيفة من الحديث ثم سرد أسانيده فى رواية مسانيد أبى حنيفة السبعة عشر لجامعيها تدليلا على كثرة حديثه . هذا ولأبى حنيفة مسانيد أخرى غير السبعة عشر منها مسند أبى حنيفة للدارقطنى ومسنده لابن شاهين ومسنده للخطيب ومسنده لابن عقده . وذكر البدر العينى فى تاريخه الكبير : أن مسند أبى حنيفة لابن عقده يحتوى وحده على ما يزيد على ألف حديث وابن عقدة كما قال السيوطى فى (التعقبات) من كبار الحفاظ وثقة الناس وما ضعفه الا متعصب(١). اهـ ٢ - زعمهم أنه كان يقدم الرأى على الحديث زعم باطل على اطلاقه . بل كانت طريقته فى الاستنباط ما قاله عن نفسه : ( انى آخذ بكتاب الله اذا وجدته فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والآثار الصحاح عنه التى فشت فى أيدى الثقات فاذا لم أجد فى كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت بقول أصحابه من شئت وأدع قول من شئت ثم لا أخرج من قولهم الى قول غيرهم فإذا انتهى الأمر الى ابراهيم والشعبى والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب وعدد رجالا قد اجتهدوا فلى أن أجتهد كما اجتهدوا ) (٢) اهـ ومن ذلك ترى أنه يأخذ بقول الصحابى اذا أعوزته السنة الصحيحة عنده ويقدمه على اجتهاده فكيف ينسب إليه أنه يقدم الرأى على السنة بل نقول ان الامام كان شديد (١) تأنيب الخطيب ص ١٥٦. (٢) تاريخ التشريح للخضرى ص ٢٤٤. ٢٨٦ التمسك بالسنة بدليل أنه كان يحتج بمراسيل الثقات التى اشتهرت بين العلماء . أما تشدده رحمه الله فى شروط قبول الأحاديث التى تروى آحادا فكان مبعثه الاحتياط البالغ لدين الله وذلك أن الوضع فى عصره قد کثر كثرة مزعجة من الزنادقة والمبتدعة فاضطره ذلك الى تشدده فى شرط الصحيح ولهذا قال العلماء (( أن أبا حنيفة لم يخالف الأحاديث عنادا بل خالفها اجتهادا لحجج واضحة ودلائل صالحة وله بتقدير الخطأ أجر وبتقدير الاصابة أجران والطاعنون عليه أما حساد أو جهال بمواقع الاجتهاد )) . وما من امام من الأئمة الا رد كثيرا من الأحاديث لعدم استيفائها شروط الصحة عنده أو لظهور نسخها أو لقيام معارض لها أو لغير ذلك من الأعذار المقبولة . وهذا مالك أمام دار الهجرة وأمير المؤمنين فى الحديث يخالف السنة فى سبعين مسألة الى رأيه لعدم استيفائها شروط العمل عنده (١) . ٣ - وأما عدم تخریخ الشیخین له فی صحیحیهما فلا يدل على ضعفه فى الحديث فانهما لم يستوعبا الأحاديث الصحيحة ولا الأئمة الموثوق بهم والا لزم تجريح كثير من الصحابة وكثير من أئمة الهدى كالشافعى ولا يقول بذلك أحد من المسلمين. ولعل السر فى عدم تخريجهما لأمثال أبى حنيفة والشافعى رضى الله عنهما أنهما عنيا بجمع الحديث الصحيح عن لو ترك عندهم لمات بموته لعدم وجود أتباع لهم أو لقلتهم أما أمثال (١) أنظر جامع بيان العلم لابن عبد البر جـ ٢ ص ١٤٨ - شروط الأئمة الخمسة ص ٤٩ - ٥٠ - مقدمة ابن خلدون عند الكلام على علوم الحديث ومقدمة القسطلانى على البخارى ص ٠٣٣ ٢٨٧ أبى حنيفة والشافعى فان لهم أصحابا يحملون عنهم أحاديثهم فيؤمن عليها من الضياع . هذا وربما كان عزوف الشيخين عن التخريج لأمثالهما هو اشتغالهم بفقه الأحاديث واستنباط الأحكام منها لا بجمع طرقها والانقطاع لحفظها وأدائها انما كانوا يروون تلك الأحاديث على تلاميذهم خاصة فى أثناء مجالسهم الفقهية وأيضا قد يكون عدم تخريجهما لأمام من الأئمة لأنه يقع الحديث بروايته نازلا وبرواية غيره عاليا فيقدمان العالى على المنازل لما فيه من القرب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومن ذلك كله يتبين أن أبا حنيفة رحمه الله لم يكن قليل البضاعة فى الحديث ولم يكن يقدم رأيه عليه وأنه من كبار الحفاظ الذين لهم خبرة واسعة بالحديث رواية ودراية وأن الطعن عليه بمثل ما تقدم لا يصدر الا عن حاسد أو جاهل فلا ينبغى أن يغتر بما ذكره ابن خلدون فى مقدمته من أن أبا حنيفة لتشدده فى شروط الصحة لم يصح عنده سوى سبعة عشر حديثا ولا بالروايات الزائفة التى ذكرها الخطيب البغدادى فى كتابه - تاريخ بغداد - وفيها نسبة أبى حنيفة الى ما هو برىء منه وقد تصدى لتفنيد هذه الروايات الامام الفقيه المحدث الشيخ محمد زاهد ابن الحسن الكوثرى فى كتاب خاص أسماه (( تأنيب الخطيب على ما ساقه فى ترجمة أبى حنيفة من الأكاذيب )) أجاد فيه وأفاد فجزاه الله عن أئمة الاسلام خيرا . المبحث الرابع تراجم لبعض مشاهير المحدثين فى القرن الثانى مالك بن أنس هو الامام الجليل مالك بن أنس بن مالك بن أبى عامر . ينتهى نسبه الى ذى أصبح - قبيلة باليمن - قدم أحد أجداده الى المدينة وسكنها. ٢٨٨ وجده أبو عامر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد معه المغازى كلها ما خلا بدرا . ولد مالك بالمدينة سنة ثلاث وتسعين وأخذ العلم عن علماء المدينة وأول من لازمه منهم عبد الرحمن بن هرمز الذى أقام معه مدة طويلة من الزمان لم يشركه بغيره وسمع نافعا مولى ابن عمر، ومحمد بن المنكدر ، وأبا الزبير والزهرى وكثيرا من التابعين وتابعيهم بلغ عددهم على ما يقال تسعمائة شيخ . من التابعين ثلثمائة ومن تابعيهم ستمائة وكلهم ممن اختاره مالك وارتضى دينه وفقهه وقيامه بحق الرواية وشروطها وخلصت الثقة به . كما ترك الرواية عن أهل دين وصلاح لا يعرفون الرواية ، وأخذ عنه الحديث يحيى الأنصارى والزهرى وهما من شيوخه ، وينازع ابن عبد البر فى رواية الزهرى عن مالك . كذلك أخذ عنه ابن جريج ويزيد بن عبد الله بن الهادى ، والأوزاعى والثورى وابن عيينه وشعبة والليث وابن المبارك والشافعى وابن علية وابن وهب وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبى حنيفة وابن مهدى ومعن بن عيسى وخلائق لا يحصون غيرهم . أجمع العلماء على أمامته وجلالته فى الحديث ونقد الرواة واستخراج الأحكام من الكتاب والسنة ، وشهد له بذلك أقرانه وعلماء عصره . فهذا حبيب الوراق يقول : دخلت على مالك فسألته عن ثلاثة رجال لم لم يرو عنهم قال فأطرق ثم رفع رأسه وقال ما شاء الله لا قوة الا بالله - وكان كثيرا ما يقولها - فقال ياحبيب أدركت هذا المسجد وفيه سبعون شيخا ممن أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عن التابعين ولم نحمل الحديث الا عن أهله . وكان مالك يقول : ربما جلس الينا الشيخ فيحدث نهاره ما نأخذ عنه حديثا واحدا ما بنا أن نتهمه ولكن لم يكن من أهل الحديث . كان مالك ثبتا فى الحديث عالما بالرجال موثوقا به فى كل ذلك حتى ٢٨٩ أخذ الحديث عنه شيوخه وأقرانه ، ولما كانت المدينة هى منبع الحديث ومهبط الوحى لم يرحل مالك عنها لذا تجد معظم روايته عن أهل الحجاز وقلما تجد فى موطئه ذكرا لغيرهم ، ورحل اليه الناس من الأقطار البعيدة يتلقون عنه الحديث والمسائل لما سمعوا عن علمه ونباهة شأنه فى علوم الحديث والفقه وكانوا يزدحمون على بابه ويقتتلون عليه من الزحام لطلب العلم . امتحن مالك سنة ١٤٧ وضرب بالسياط ، واختلف الناس فى سبب ذلك فقيل انه أفتی بعدم وقوع طلاق المكره وقد کانوا یکرهون الناس على الحلف بالطلاق عند البيعة فرأوا أن فتوى مالك تجعل الناس فى حل من نقض البيعة ، وقيل ان ابن القاسم سأل مالكا عن البغاة يجوز قتالهم . فقال : ان خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز . قال فأن لم يكن مثله . فقال دعهم ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما . فكانت هذه الفتوى سبب محنته فضربه عامل المنصور بالمدينة سبعين سوطا ، ولما بلغ ذلك المنصور غضب على عامله وعزله ، ثم لقى المنصور مالكا من قابل فى موسم الحج فاعتذر اليه وفاتحه فى كثير من مسائل الدين وطلب اليه أن يجمع ما ثبت لديه من الأحاديث والآثار ويدونها فى كتاب يوطنه للناس فاعتذر الامام عن ذلك فلم يقبل المنصور عذره ، فألف كتاب الموطأ ، ولما جاء المهدى حاجا بعد ذلك سمعه منه ، ولم يزل مالك رحمه الله محل احترام الخلفاء واجلالهم وتقدير العلماء وتعظيمهم ، وقد سمع منه الرشيد وأولاده الموطأ فى موسم الحج . وقال له الرشيد : أردت أن أعلق كتابك هذا فى الكعبة وأفرقه فى الأمصار وأحمل الناس عليه . فقال له مالك : لا تفعل ، فان الصحابة تفرقوا فى الآفاق ورووا أحاديث غير أحاديث أهل الحجاز وأخذ الناس بها فاتركهم وما هم عليه . ٢٩٠ فقال له الرشيد : جزاك الله خيرا يا أبا عبد الله . وكان مالك رحمه الله كثير التواضع جم الحياء عظيم الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انه كان لا يركب دابة فى المدينة اجلالا لأرض ضمت جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم . توفى رحمه الله سنة مائة وتسعة وسبعين بالمدينة. ودفن بالبقيع (١). يحيى بن سعيد القطان هو أبو سعيد يحيى بن سعيد بن فروخ التميمى ولاء البصرى. القطان امام جليل ومحدث كبير من أتباع التابعين . أخذ الحديث عن. يحيى بن سعيد الأنصارى وابن جريج وسعيد بن أبى عروبة والثورى وابن عيينة ومالك وشعبة وكثير غيرهم ، وأخذ عنه الحديث السفيانان. وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلى بن المدينى واسحاق بن راهويه وابن مهدى وأبو عبيد القاسم بن سلام وخلائق غيرهم . اتفق العلماء. على أمامته وكثرة حفظه وعلمه وصلاحه وشهد له بذلك كثير من المحدثين . قال ابن حنبل : ما رأيت مثل يحيى القطان فى كل أحواله ، وقال فيه أيضا : اليه المنتهى فى التثبت بالبصرة وهو أثبت من وكيع. وابن مهدى وأبى نعيم ويزيد بن هارون ، وقد روى عن خمسين شيخا ومن روى عنهم سفيان . قال : ولم يكن فى زمان يحيى مثله . وقال. أبو زرعة: هو من الثقات الحفاظ . وقال ابن منجويه : كان يحيى القطان. من سادات أهل زمانه حفظا وورعا وفقها وفضلا ودينا وعلما وهو الذى مهد لأهل العراق رسم الحديث وأمعن فى البحث عن الثقات وترك (١) تهذيب الأسماء جـ ٢ ص ٧٥ - الانتقاء لابن عبد البر- مفتاح السنة. ص ٢٣ . ٢٩١ الضعفاء . قال ابن سعد : توفى يحيى القطان فى صفر سنة ثمان وتسعين ومائة وكان مولده سنة ١٢٠ هـ مائة وعشرين رحمه الله (١). وكيع بن الجراح هو الحافظ الجليل والمحدث الكبير أمام أهل الكوفة فى الحديث وغيره ، أبو سفيان وكيع بن الجراح بن مليح بن عدى من أتباع التابعين. أخذ الحديث عن الأعمش وهشام بن عروة وعبد الله بن عون وحنظلة ابن أبى سفيان وابن جريج وشريك بن عبد الله والأوزاعى والسفيانين وغيرهم . اتفق العلماء على جلالته وكثرة علمه وحفظه للحديث واتقانه له وصلاحه وفضله . كان أحمد بن حنبل اذا حدث عنه قال : حدثنى من لم تر عيناك مثله وكيع بن الجراح . وقال فيه : ما رأيت رجلا قط مثل وكيع فى العلم والحفظ والأسناد والأبواب ويحفظ الحديث جيدا ويذاكر بالفقه مع ورع واجتهاد ولا يتكلم فى أحد ، وقال ابن معين : ما رأيت أحدا يحدث لله غير وكيع بن الجراح. وهو أحب الى من سفيان وابن مهدى وأبى نعيم ، وما رأيت رجلا قط أحفظ من وكيع ووكيع فى زمانه كالأوزاعى فى زمانه ، وقال ابن عمار : ما كان بالكوفة فى زمن وكيع أفقه ولا أعلم بالحديث من وكيع . توفى وكيع سنة ١٩٧ هـ سبع وتسعين ومائة . وكان مولده سنة ١٢٧ هـ (٢) . سفيان الثورى هو أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثورى الكوفى الأمام الفذ . كان من تابعى التابعين . تلقى الحديث عن أبى إسحاق السبيعى (١) تهذيب الأسماء جـ ٢ ص ١٥٤. تهذيب التهذيب جـ ١١ ص ٢١٦ (٢) تهذيب التهذيب جـ ١١ ص ١٢٣ - تهذيب الأسماء جـ ٢ ص ١٤٤ ٢٩٢ وعبد الملك بن عمير ، وعمرو بن مرة وخلائق من كبار التابعين وغيرهم ، وأخذ الحديث عنه محمد بن عجلان والأعمش وهما تابعيان ومعمر والأوزاعى ومالك وابن عيينة وشعبة والفضيل بن عياض وابن المبارك ووكيع وأبو نعيم ويحيى بن القطان وكثير من الأئمة الأعلام . اتفق العلماء على أمامته وتقدمه فى الحديث والفقه والورع والزهد وخشونة العيش والقول بالحق وغير ذلك من المحاسن . قال أبو عاصم : الثورى أمير المؤمنين فى الحديث . وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من الثورى . وقال يحيى بن معين : كل من خالفه. الثورى فالقول قول الثورى . وقال ابن مهدى : ما رأيت أحفظ للحديث من الثورى . وقال ابن عيينه : كان ابن عباس فى زمانه والشعبى فى زمانه والثورى فى زمانه . وقال أيضا : أنا من غلمان الثورى ، وما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه ، وقال الأوزاعى- وقد ذكر ذهاب العلماء - : لم يبق منهم من يستمع عليه العامة بالرضى والصحة الا الثورى ، وقال عباس الدورى : رأيت ابن معين لا يقدم على الثورى فى زمانه أحدا فى. كل شىء ، وبالجملة فالثناء عليه مشهور وهو أحد أصحاب المذاهب السنة المتبوعة - مالك ، وأبى حنيفة ، والشافعى ، وأحمد ، والأوزاعى ، والثورى - ولد الثورى سنة ٩٧ هـ وتوفى بالبصرة سنة ١٦١ هـ أحدى وستين ومائة رضي الله عنه(١) . سفيان بن عيينة هو أبو محمد سفيان بن عيينة بن عمران الكوفى ثم المكى الهلالى ولاء . كان من أتباع التابعين . أخذ الحديث عن الزهرى ، وعمرو بن (١) أنظر تهذيب التهذيب جـ ٤ ص ١١١. تهذيب الأسماء جـ ١ ص ٠٢٢٢ ٢٩٣ دينار ، والشعبى . وعبد الله بن دينار ، ومحمد بن المنكدر ، وخلائق من التابعين وغيرهم . وتلقى الحديث عنه الأعمش والثورى وابن جريج وشعبة وهمام ووكيع وابن المبارك وابن مهدى والقطان والشافعى وأحمد بن حنبل وابن المدينى وابن معين وابن راهويه والحميدى وخلائق كثيرة لا يحصون من علماء الحديث والفقه . اتفق المحدثون على أمامته وفضله وبعد شأوه فى الحديث وحفظه . قال أبو حاتم وغيره : أثبت الناس فى حديث عمرو بن دينار ابن عيينة وكان أعلم بحديث عمرو ابن دينار من شعبة ، وقال يحيى القطان فى حياة سفيان : سفيان امام. من أربعين سنة وقال أيضا : ما رأيت أحسن حديثا من ابن عيينة ، وقال الشافعى : ما رأيت أحدا أكف عن الفتيا من سفيان وما رأيت أحدا احسن لتفسير الحديث منه ، وقال أحمد بن عبد الله : كان ابن عيينة حسن الحديث وكان يعد من حكماء أصحاب الحديث وقال ابن وهب : ما رأيت أعلم. بكتاب الله من ابن عيينة. ومناقبه كثيرة مشهورة. ولد سفيان سنة ١٠٧ هـ وتوفى سنة ١٩٨ هـ رضى الله عنه (١) . شعبة بن الحجاج هو أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد العتكى الأزدى ولاء الواسطى ثم البصرى أصله من واسط ثم انتقل الى البصرة فاستوطنها . وهو من تابعى التابعين . أمام جليل . وحافظ كبير من أعلام المحدثين وكبار المحققين . تلقى الحديث عن أنس بن سيرين وعمرو بن دينار والشعبى وكثير من التابعين وغيرهم ، وأخذ عنه الحديث الأعمش وأيوب السختيانى ومحمد بن اسحاق وهم من التابعين والثورى وابن مهدى (١) تهذيب التهذيب جـ ٤ ص ١١٧ : تهذيب الأسماء جـ ١ ص ٢٢٤ ٢٩٤ ووكيع وابن المبارك ويحيى القطان وكثير لا يحصون من كبار الأئمة . أجمعوا على أمامته فى الحديث وجلالته وتحريه واحتياطه واتقانه . قال الامام أحمد : لم يكن فى زمن شعبة مثله فى الحدیث ولا أحسن حديثا منه قسم له منه حظ ، وروى عن ثلاثين رجلا من الكوفة لم يرو عنهم سفيان الثورى ، وقال الشافعى : لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق ، وقال حماد بن زيد : لا أبالى من يخالفنى اذا وافقنى شعبة لأن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة، واذا خالفنى شعبة فى شىء تر کنه وقال سفيان الثورى : شعبة أمير المؤمنين فى الحديث ، وقال لمسلم بن قتيبة حين قدم من البصرة : ما فعل أستاذنا شعبة? وقال صالح بن محمد : أول من تكلم فى الرجال شعبة ثم تبعه يحيى القطان ثم أحمد بن حنبل وابن معين ، وقال أحمد بن حنبل : كان شعبة أمة وحده فى هذا الشأن يعنى علم الحديث وأحوال الرواة، وقال عبد الصمد : أدرك شعبة من أصحاب ابن عمر نيفا وخمسين رجلا . توفى شعبة بالبصرة فى أول سنة ١٦٠ ستين ومائة وهو ابن سبع وسبعين سنة رحمه الله (١) . عبد الرحمن بن مهدی هو الامام أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدى بن حسان بن عبد الرحمن العنبرى البصرى اللؤلئى امام أهل الحديث فى عصره والمعول عليه فيه . أخذ الحديث عن خالد بن دينار ومالك بن مغول ومالك بن أنس والسفيانين والحمادين وشعبة وخلائق من أعلام المحدثين ، وروى عنه ابن وهب وأحمد بن حنبل وابن معين وابن المدينى واسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهم . اتفق الأئمة على جلالته ورسوخه (١) تهذيب التهذيب جـ ٤ ص ٣٣٨. تهذيب الأسماء جـ ١ ص ٢٤٤ ٢٩٥ فى نقد الرجال وفحص الأحاديث مع الورع والزهد والأمانة . قال أحمد ابن حنبل : كأن ابن مهدى خلق للحديث ، وقال ابن معين ما رأيت رجلا أثبت فى الحديث من ابن مهدى ، وعن على بن المدينى أنه قال غير مرة :- والله لو أخذت وحلفت بين الركن والمقام لحلفت بالله أنى لم أر قط أعلم. بالحدیث من عبد الرحمن بن مهدی ، و کان عبد الرحمن بن مهدی يقول: لا يجوز أن يكون الرجل اماما حتى يعلم ما يصح وما لا يصح وحتى. لا يحتج بكل شىء وحتى يعلم مخارج العلم ، وجاءه رجل فقال : يا أبا سعيد انك تقول هذا ضعيف وهذا قوى وهذا لا يصح . فعم تقول ذاك ؟ فقال ابن مهدى : لو أتيت الناقد فأريته دراهم فقال هذا جيد وهذا ستوق وهذا بهرج . أكنت تسأله عم ذاك أم تسلم الأمر اليه ? فقال بل كنت أسلم الأمر اليه . فقال ابن مهدى هذا كذلك . هذا بطول المجالسة والمناظرة والمذاكرة والعلم به ، ولد سنة ١٣٥ هـ وتوفى سنة ١٩٨ هـ رحمه الله (١) . الأوزاعى هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الشامى الدمشقى . كان امام أهل الشام فى عصره بلا نزاع . وكان أهل الشام والمغرب على مذهبه قبل انتقالهم إلى مذهب مالك رحمه الله، وهو من أتباع التابعين . سمع الحديث عن جماعات من التابعين كعطاء بن أبى رباح وقتادة ونافع مولى ابن عمر والزهرى ومحمد بن المنكدر وغيرهم ، وروى عنه جماعة من التابعين من شيوخه كفتادة والزهرى ويحيى بن أبى كثير وجماعات من أقرانهم ، وروى عنه أيضا من الأئمة الكبار سفيان ومالك (١) تهذيب الأسماء جـ ١ ص ٣٠٤ . تهذيب التهذيب ج ٦ ص ٢٧٩ ٢٩٦ وشعبة وابن المبارك وكثير غيرهم . أجمع العلماء على أمامة الأوزاعى وجلالته وعلو مرتبته وكمال فضله كما اتفقوا على كثرة حديثه ، وغزارة فقهه ، وشدة تمسكه بالسنة وبراعته فى الفصاحة . عن عبد الرحمن بن مهدى قال : ما كان بالشام أحد أعلم بالسنة من الأوزاعى ، وقال أيضا : الأئمة فى الحديث أربعة . الأوزاعى ومالك وسفيان الثورى وحماد بن زيد، وقال أبو حاتم : الأوزاعى امام متبع لما سمع (١) ، وعن هقل ( وهو أثبت الناس فى الرواية عن الأوزاعى) قال: (( أجاب الأوزاعى فى سبعين ألف مسألة أو نحوها )) وكان علماء عصره يجلونه غاية الاجلال ويكبرونه فى أنفسهم ويعترفون له بالامامة والسبق والزهد والورع والجهر بالحق . قيل لأمية بن يزيد : أين الأوزاعى من مكحول . قال هو عندنا أرفع من مكحول . فقيل له أن مكحولا قد رأى أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم . قال: وأن كان قد رآهم فان فضل الأوزاعى فى نفسه . فقد جمع العبادة والورع والقول بالحق . وعن سفيان الثورى أنه لما بلغه مقدم الأوزاعى خرج حتى لقيه بذى طوی فحل سفيان رأس البعير عن القطار ووضعه على رقبته وكان اذا مر بجماعة قال : الطريق للشيخ . (١) وأما قول الامام أحمد فى الأوزاعى . حديثه ضعيف فهو محمول عند المحققين كالبيهقى على أنه كان يحتج فى بعض مسائل الفقه بالروايات الضعيفة وهذا لا يضيره فى الفقه ولا فى الحديث أما الأول فلأن للعلماء فى طرق الاستدلال على الأحكام مسالك مختلفة وكثيرا ما يستدلون بالاحاديث المرسلة والمنقطعة والموقوفة لا سيما اذا تعددت طرقها أو كان لها شواهد تؤيدها . وأما الثانى فقد كان من عادة المحدثين ألا يقصروا أنفسهم على رواية الصحيح من الأحاديث بل يذكرون الموضوع لبيان حاله والضعيف لجواز الاعتبار به أو الاحتجاج اذا تعددت طرقه أو أيدته . الشواهد أو لغير ذلك من المقاصد . ٢٩٧ ولد الأوزاعى رحمه الله سنة ٨٨ من الهجرة . ومات سنة ١٥٧ هـ فى بيروت وكان قد نزل بها مرابطا فى أواخر عمره (تهذيب الأسماء ١- ٢٩٨) الليث بن سعد هو الامام الكبير والفقيه البارع والمحدث الحافظ أبو الحارث الليث ابن سعد بن عبد الرحمن الفهمى مولاهم المصرى . كان من أتباع التابعين. أخذ الحديث عن عطاء بن أبى رباح ، وعبد الله بن أبى مليكة ، ونافع مولى ابن عمر ، وسعيد المقبرى ، والزهرى ، ويحيى الأنصارى ، وأبى الزبير وكثير من التابعين وتابعيهم ، وتلقى عنه الحديث محمد بن عجلان وهشام بن سعد وهما من شيوخه وقيس بن الربيع وابن المبارك وابن وهب وابن لهيعة وعبد الله بن صالح كاتبه وكثير من الأئمة . أجمع العلماء على جلالته وأمامته وعلو مرتبته فى الفقه والحديث وهو امام أهل مصر فى زمانه . قال الشافعى رحمه الله : كان الليث بن سعد أفقه من مالك الا أنه ضيعه أصحابه ، وقال محمد بن سعد : كان الليث مولى لقريش وكان ثقة كثير الحديث وصحيحه وكان استقل بالفتوى فى زمانه بمصر وكان سريا نبيلا سخيا، وقال أحمد ابن حنبل: الليث كثير العلم صحيح الحديث ليس فى هؤلاء المصريين أثبت منه ما أصح حديثه . وقال أيضا : رأيت من رأيت فلم أر مثل الليث كان فقيه البدن عربى اللسان يحسن القرآن والنحو ويحفظ الحديث والشعر وحسن الذاكرة وعد خصالا جميلة عنه حتى بلغ عشرا . ولد اللیث سنة ثلاث أو أربع وتسعين وتوفى سنة ١٦٥ خمس وستين ومائة فى قول ابن سعد (١) . (١) أنظر تهذيب الأسماء جـ ٢ ص ٧٣ - تهذيب التهذيب جـ ٨ ص ٤٥٩ . ٢٩٨٠ الامام الشافعى رضى الله عنه هو أبو عبد الله محمد بن ادريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصی يلتقى نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عبد مناف ، والسائب ابن عبيد اسلم يوم بدر وابنه شافع بن السائب من صغار الصحابة ، وأم الشافعى من الأزد . ولد الشافعى رحمه الله بغزة سنة ١٥٠ هـ ومات أبوه وهو صغير فحملته أمه الى مكة وهو ابن سنتين لئلا يضيع نسبه فنشأ بها وقرأ القرآن وأقام فى هذيل نحوا من عشر سنين فتعلم منهم اللغة والشعر وأخذ الفقه والحديث عن مسلم بن خالد الزنجى مفتى مكة وغيره من الأئمة ، ثم قدم المدينة فلزم مالكا رحمه الله وأكرمه مالك لعلمه وفهمه وعقله وأدبه ، وقرأ الموطأ عليه حفظا فأعجبته قراءته فكان مالك يستزيده من القراءة لذلك وكان للشافعى حين قدومه المدينة ثلاث عشرة سنة ولفقره ساعده مصعب بن عبد الله القرشى قاضى اليمن عند هارون الرشيد فولاه الحكم بنجران من أرض اليمن ثم وشى به الى الرشيد أنه يروم الخلافة فاستقدمه الخليفة الى بغداد سنة ١٨٤ هـ وعمره ثلاثون سنة فتناظر هو ومحمد بن الحسن بين يدى الرشيد وأحسن محمد القول فيه وتبين للرشيد براءته مما نسب اليه ، وأنزله محمد بن الحسن عنده وأكرمه وكتب عنه الشافعى وقر بعير ، وعاد الشافعى الى مكة ، ثم قدم العراق للمرة الثانية سنة ١٩٥ هـ فاجتمع به جماعة من العلماء هذه المرة منهم أحمد بن حنبل وأبو ثور والحسين بن على الكرابيسى والزعفرانى وغيرهم ، وصاروا يأخذون عنه وأملى عليهم مذهبه القديم ثم رجع الى مكة وفى سنة ١٩٨ هـ رحل الى العراق للمرة الثالثة فأقام بها مدة يسيرة ٢٩٩ وفى أواخر سنة ١٩٩ هـ انتقل الى مصر فأقام بها إلى أن مات سنة ٢٠٤ هـ، وفى مصر ظهرت مواهبه ومقدرته العلمية وقصده الناس من سائر الأقطار للتفقه عليه والرواية عنه وأملى على تلاميذه كتبه الجديدة وفيها مذهبه المصرى أو الجديد . وقد أجله المصريون حيا وميتا . والشافعى هو الامام الذى نشر مذهبه بنفسه بما قام به من الرحلات التى اكتسب فيها علوم الحجازيين والعراقيين وهو الذى كتب كتبه بنفسه وأملاها على تلاميذه ، ولم يعرف هذا لغيره من كبار الأئمة ... عناية الشافعى رضى الله عنه بالسنة : كان الشافعى رضى الله عنه أعلم أهل عصره بمعانى القرآن والسنة وقد جمع فى مذهبه بين أطراف الأدلة مع الاتقان والتحقيق والغوص على المعانى ، وهو صاحب الفضل على أهل الآثار وحملة الحديث بتوقيفه أياهم على معانى السنة ونصرهم على مخالفيهم بواضح البراهين . فأيقظهم بعد أن كانوا غافلين وأصبحت لهم الكلمة العليا بعد أن كانوا خاملين وغلب فى عرف العلماء على متبعى مذهبه لقب ((أصحاب الحديث)) وكثيرا ما كان ينهى رضى الله عنه عن ترك الكتاب والسنة الى غيرهما من آراء الناس وأهوائهم . قال : لو علم الناس ما فى الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد . وقال : حكمى فى أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم فى القبائل وينادى عليهم : هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام )) وقال البويطى : سمعت الشافعى يقول : عليكم بأصحاب الحديث فأنهم أكثر الناس صوابا . وقال : اذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأنما رأيت رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . جزاهم الله خيرا حفظوا لنا الأصل فلهم علينا الفضل . ومن شعره فى هذا المعنى . ٣٠٠ كل العلوم سوى القرآن مشغلة الا الحديث والا الفقه فى الدين العلم ما كان فيه (( قال حدثنا )) وما سوى ذاك وسواس الشياطين وقد قدمنا لك أنه دافع دفاعا عظيما عن خبر الواحد اذا اتصل الى النبى صلى الله عليه وسلم بنقل الثقة عن الثقة وقد نال بذلك الدفاع عن الحديث وأهله حظا كبيرا عند حملة الآثار حتى كان أهل بغداد يطلقون عليه (( ناصر السنة )) قال محمد بن الحسن : أن تكلم أصحاب الحديث يوما فبلسان الشافعى . وقال الزعفرانى : كان أصحاب الحديث رقودا فأيقظهم الشافعى. وقال أحمد بن حنبل: (( ما أحد مس بيده محبرة ولا قلما الا وللشافعى فى رقبته منة)) وقال أحمد أيضا لمحمد بن مسلم بن وارة أحد أئمة الحديث - وقد قدم من مصر -: (( كتبت كتب الشافعى فقال لا . قال : فرطت . ما علمنا المجمل من المفسر ولا ناسخ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من منسوخه حتى جالسنا الشافعى)) وقال ابن خزيمة : وقد سئل هل سنة لم تبلغ الشافعى - فقال : لا ، وقال داود بن على الظاهرى: (( للشافعى من الفضائل ما لم يجتمع لغيره من شرف نسبه وصحة دينه ومعتقده وسخاوة نفسه ومعرفته بصحة الحديث وسقمه وناسخه ومنسوخه وحفظ الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء وحسن التصنيف وجودة الأصحاب والتلامذة)). وقال الكرابيسى : ( ما كنا ندرى ما الكتاب والسنة والإجماع حتى سمعناه من الشافعى وما رأيت مثل الشافعى ولا رأى الشافعى مثل نفسه وما رأيت أفصح منه وأعرف ) .