Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ السياسية فدسوا فيها ما ليس منها مما يوافق تلك الأغراض ووضعوا الأحاديث التى تنذر بخلافة بنى أمية وتنفر الناس منهم وفى الوقت نفسه وضعوا الأحاديث المبشرة بخلافة بنى العباس لتحبب الناس فيهم . واليك طائفة من هذه المفتريات : - ١ - أحاديث وضعوها للتنفير من بنى أمية : من ذلك قولهم : أن رجلا قام الى الحسن بن على بعد ما بايع معاوية فقال : سودت وجوه المؤمنين فقال لا تؤنبنى فان النبى صلى الله عليه. وسلم رأى بنى أمية على منبره فساءه ذلك. فنزلت (( انا أعطيناك الكوثر)) ونزلت (( انا أنزلناه فى ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر )) يملكها بنو أمية يامحمد وقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى بنى الحكم بن أبى العاص ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات . وأنزل الله تعالى فى ذلك (( وما جعلنا الرؤيا التى أريناك الا فتنة للناس والشجرة الملعونة فى القرآن)) ، ثم يروون عن يعلى بن مرة أن المراد بالشجرة الملعونة فى القرآن بنو أمية ويروون عن عائشة أنها قالت لمروان بن الحكم : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأبيك وجدك : انكم الشجرة الملعونة فى القرآن . ٠ ومن ذلك ما يروونه أيضا ((رأيت بنى أمية على منابر الأرض وسيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء)) . ٢ - أحاديث وضعوها فى التبشير بخلافة بنى العباس : عن عبد العزيز بن بكار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ٢٦٢ يلى ولد العباس من كل يوم يليه بنو أمية يومين ولكل شهر شهرين ، وعن عبد الله بن عباس (( أن النبى صلى الله عليه وسلم نظر الى العباس مقبلا فقال : هذا عمى أبو الخلفاء الأربعين أجود قريش كفا وأجملها . من ولده السفاح والمنصور والمهدى . ياعمى بى فتح الله هذا الأمر وسيختمه برجل من ولدك )) . وعن ابن عباس مرفوعا (( اذا سكن بنوك السواد ولبسوا السواد وكان شيعتهم أهل خراسان لم يزل الأمر فيهم حتى يدفعوه الى عيسى ابن مريم وعنه صلى الله عليه وسلم قال : رأيت بنى مروان يتعاورون على منبرى فساءنى ذلك ورأيت بنى العباس يتعاورون على منبرى فسرنى ذلك)) . هذا وهناك أحاديث وضعها دعاة بنى العباس مروية عن على بن أبى طالب أو بعض أولاده أو غيرهم وقصدهم بذلك تخدير أعصاب الشيعة وصرفهم عن المطالبة بالخلافة لمن يتولونه واليك طائفة منها : - عن على بن موسى الرضى عن أبى موسى عن أبيه جعفر عن محمد عن أبيه على عن أبيه الحسين عن أبيه على بن أبى طالب مرفوعا : (( هبط على جبريل وعليه قباء أسود وعمامة سوداء فقلت ما هذه الصورة التى لم أرك هبطت على فيها قال هذه صورة الملوك من ولد العباس . قلت وهم على حق . قال نعم قال النبى صلى الله عليه وسلم اللهم للعباس وولده حيث كانوا وأين كانوا . قال جبريل : ليأتين على أمتك زمان يعز الله الاسلام بهذا السواد . قلت رياستهم ممن . قال من ولد العباس قلت وأتباعهم . قال من أهل خراسان . قلت وأى شىء يملك ولد العباس . قال يملكون الأصفر والأخضر والمدر والسرير والمنبر والدنيا والمحشر والملك الى المنشر)). ٢٦٣ ومن ذلك زعمهم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال للعباس - وعلى عنده - يكون الملك فى ولدك ثم التفت الى على فقال : لا يملك أحد من ولدك)) . ويروون عن أم سلمة أنها قالت كنت عند النبى صلى الله عليه وسلم فتذاكروا الخلافة فقالوا : ولد فاطمة . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن يصلوا اليها أبدا ولكنها فى ولد عمى صنو أبى حتى يسلموها إلى المسيح . ٣ - أحاديث وضعف للتنفير من بنى العباس : ثم اننا نرى الشيعة وغيرهم من دعاة بنى أمية بعد أن تم الأمر لبنى العباس أو كاد يضعون الأحاديث فى التنفير منهم والتحذير من طاعتهم . ومن ذلك ما يروونه عن سعيد بن المسيب أنه قال : لما فتحت أدانى خراسان بكى عمر بن الخطاب فقال له عبد الرحمن بن عوف : ما يبكيك وقد فتح الله عليك مثل هذا الفتح ؟ قال ومالى لا أبكى والله لوددت أن بيننا وبينهم بحرا من النار . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اذا أقبلت رايات ولد العباس من عقاب خراسان جاءوا بنفى الاسلام فمن سار تحت لوائهم لم تنله شفاعتى يوم القيامة . وعن ثوبان مرفوعا (( ويل لأمتى من بنى العباس صبغوها وألبسوها السواد ألبسهم الله ثياب النار . هلاكهم على يد رجل من أهل بيت هذه وأشار الى أم حبيبة )). وعن أبى شراعة قال : كنا عند ابن عباس فى البيت فقال هل فيكم غريب قالوا لا . قال : اذا خرجت الرايات السود فاستوصوا بالفرس خيرا فان دولتنا معهم فقال أبو هريرة : ألا أحدثك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال وأنك هنا ؟. حدث . قال سمعته يقول : ٢٦٤ (( اذا أقبلت الرايات السود من قبل المشرق فان أولها فتنة وأوسطها حرج وآخرها ضلالة (١)). وهذه الأحاديث كلها أباطيل لا يعول عليها فى قليل ولا كثير ومنها ترى أن هؤلاء الدعاة لبنى العباس وخصومهم من الشيعة وغيرهم ممن لا خلاق لهم ولا دين قد استباحوا الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحصلوا على تلك الأغراض الدنيئة . ثانيا - الزنادقة هم قوم من أعداء الاسلام تظاهروا به وانتحلوا فى الدين نحلا وآراء لا تنفق وأصوله العامة وقواعده المقررة وغرضهم من ذلك استدراج العامة إلى الخروج من الاسلام واضعاف شوكة المسلمين وقد وجد منهم فى هذا العصر خلق كثير أخذوا يضعون الأحاديث لاجتذاب العامة الى معتقدهم الزائف ويغمرون الناس بوابل من الأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر الذى جعل خلفاء بنى العباس يتعقبونهم ويقتلونهم اما لأنهم كانوا يضعون الأحاديث فى ذم بنى العباس وتنفير الناس منهم . وهذا باب فتنة يدخلون منه على المسلمين يضعفون به دولتهم واما لأن الخلفاء كانوا حريصين على دينهم . لا يهمنا أن يكون هذا أو ذاك أو هما معا . بل الذى يهمنا أن هؤلاء الزنادقة كذبوا كثيرا على رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلقوا من الأحاديث ما لم يأت عنه بل ما ترده أصول الدين والعقل السليم وغرضهم كما ذكرنا هو طمس (١) أنظر تاريخ الخلفاء السيوطى ص ٩ وتفسيرى ابن كثير والألوسى فى سورتى الاسراء والقدر واللآلى المصنوعة للسيوطى جـ ١ كتاب المناقب فى مواضع متفرقة . ٢٦٥ هذا الدين والقضاء على الأصل الثانى من أصوله وهو الحديث النبوى عمدة المسلمين فى الأحكام وفهم القرآن . يروى السيوطى فى تاريخ الخلفاء (١) عن ابن عساكر عن ابن علية أنه قال : أخذ هارون الرشيد زنديقا فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق . لم تضرب عنقى ?. قال له : أريح العباد منك . قال فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله كلها ما فيها حرف نطق به ؟ قال : فأين أنت يا عدو الله من أبى اسحاق الفزارى وعبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا )) اهـ . فمن هذه الحادثة تلمح الحالة التى أصابت الحديث من عمل الزنادقة كما ترى منها جهود المحدثين فى ذلك العصر لتنقية الحديث والتمييز بين الغث والسمين . فهذا زنديق واحد يضع ألف حديث ولو امتد به الأجل لوضع الآلاف المؤلفة فما بالك بالزنادقة الكثيرين الذين أخذوا يضعون الأحاديث فى الخفاء ؟ كان من الزنادقة من يكتب الحديث لشيخه فينتهز غفلة شيخه ويدس فى الكتاب كثيرا من الأحاديث المكذوبة فيرويها الشيخ على أنها من حديثه . وكان المهدى العباسى يقول : أقر عندى رجل من الزنادقة أنه وضع أربعمائة حديث فهى تجول فى أيدى الناس الى غير ذلك مما شحنت به كتب الموضوعات . ثالثا - القصاص احترف القصص طائفة من الجهلة بالحديث الذين رق دينهم ليتكسبوا به ولتكون لهم عند عامة الناس الحظوة والصدارة ولقد لاقى المحدثون (١) ص ١٩٤ ٢٦٦ منهم كل شدة ولحقهم من ورائهم العناء الكبير . ذلك أن طبيعة العامة تنجذب الى كل غريب من القول لاسيما القصص فأقبلوا على هؤلاء القصاص الذين أخذوا يضعون الأقاويل - ويروونها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منها برىء ونحن نذكر لك بعض الحوادث التى تدل على مبلغ افسادهم للحديث ومقدار تعلق العامة بهم حتى أنهم كانوا يفضلونهم على الأئمة من العلماء . ١ - روى ابن الجوزى فى كتابه ((القصاص والمذكرين)) عن أبى الوليد الطيالسى أنه قال : كنت مع شعبة فدنا منه شاب فسأله عن حديث : فقال له أقاص أنت؟ قال نعم . قال اذهب فأنا لا نحدث القصاص. فقلت له لم يا أبا بسطام ؟ قال يأخذون الحديث منا شبرا فيجعلونه ذراعا)) فهذه شهادة من شعبة وهو من أعيان المحدثين فى هذا العصر تلقى ضوءا على أعمال القصاص الافسادية للأحاديث كما أنها ترينا مبلغ تنبه العلماء الأفاعيلهم وما يتزيدونه فى الحديث من أباطيلهم . ٢ - وأخرج ابن الجوزى بسنده الى حجر بن عبد الجبار الحضرمى أنه قال : كان فى المسجد قاص يقال له زرعة . فأرادت أم أبى حنيفة أن تستفتى فى شىء فأفتاها أبو حنيفة فلم تقبل وقالت لا أقبل الا ما يقول زرعة القاص فجاء بها أبو حنيفة الى زرعة فقال : هذه أمى تستفتيك فى كذا وكذا فقال أنت أعلم منى وأفقه فافتها أنت قال أبو حنيفة قد أفتيتها بكذا وكذا فقال زرعة القول كما قال أبو حنيفة فرضيت وانصرفت (١))). فهذه القصة ترينا كيف كان القصاص يسيطرون على عقول العامة . (١) أنظر تحذير الخواص من أكاذيب القصاص ص ٨٠ - ٨١ . ٢٦٧ أبو حنيفة الذى بلغ فى الفقه والعلم والذكاء والفهم مبلغا عظيما وطار صيته فى الآفاق لا تقنع أمه بفتواه حتى تطلب فتوى زرعة القاص . هذا ولم تكن هذه الفرق الثلاث تعمل وحدها فى وضع الأحاديث بل كان وراءهم كثير من الفرق مجسمة ومرجئة وغيرهم يختلقون الحديث لترويج بدعهم كما كان وراءهم كثير من جهلة المتصوفة يستبيحون وضع الأحاديث فى الترغيب والترهيب ، يرتجون من ورائها خيرهم وخير الناس ، الى غير هؤلاء ممن أضلهم الله . اتحدوا جميعا على وضع الأحاديث واختلاق الأسانيد . لكن الله تعالى لم يترك حديث نبيه صلى الله عليه وسلم تلعب به الأهواء ويتزيد فيه الكذابون كما يشاءون . بل قيض فى كل زمان من ينافح عنه ويكافح دونه. (( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض )). (((مناهضة العلماء للوضاعين)) هيأ الله تعالى للدفاع عن الأحاديث فى هذا العصر طائفة من فطاحل النقاد وكبار الحفاظ انتدبوا أنفسهم لتخليص الحق من الباطل وتقربوا الى الله بالكشف عن أحوال هؤلاء الكذابين على رسوله صلى الله عليه وسلم المتزيدين فى حديثه. وأنزلوا الرواة منازلهم وبينوا للناس درجاتهم ولقبوهم بما يستحقونه من المحاسن أو المثالب لا تأخذهم بأحد رحمة فى دين الله فتراهم يقولون فلان ثقة . فلان حجة . فلان كذاب . فلان لين الحديث . فلان لا بأس به . فلان ضعيف . إلى غير ذلك من ألقاب الرفعة أو سمات الضعة والسقوط . نشط علماء الحديث فى هذا العصر - الذى يعرف عند المؤرخين بعصر التدوين - نشاطا عظيما فى تدوين الحديث حتى لم يبق أحد منهم ٢٦٨٠ الا صنف الكتب الحديثية ورحل فى سبيل ذلك المراحل العديدة وقطع الأسفار البعيدة الى الأمصار الإسلامية المختلفة . فتجمع لديهم ثروة عظيمة من الأحاديث وتعددت أمامهم طرقها وأسانيدها وبسبب ذلك انكشف لهم ما كان خافيا من اتصال بعض الأسانيد أو انقطاعها وبامعانهم النظر فى متون الأحاديث وفحصهم الدقيق عن قيمتها ظهر لهم الدخيل من غير الدخيل منها فكانت نهضة مباركة فى جمع الحديث وثورة عنيفة فى وجوه الوضاعين غير أنهم لم يصلوا الى هذه المرحلة الحاسمة والنصر المبين على أعداء الاسلام الألداء الا بشق الأنفس . فهذا أبو داود السجستانى فى رسالته إلى أهل مكة يقول ما خلاصته : كان سفيان ووكيع وأمثالهما يجتهدون غاية الاجتهاد فلا يتمكنون من الحديث المرفوع المتصل الا من دون ألف حديث (١). فاذا كان الحديث الواحد المستوفى الشرائط لا يمكن الحصول عليه الا من بين ألف حديث سواه من ضعيف وموضوع . ظهر لنا ما كان يكابده هؤلاء الأئمة من جهد جهيد ، حتى أبلوا ذلك البلاء المبين وفى الحق أن علماء الحديث أبانوا عن علم غزير فى الحديث ورجاله ومتونه وأسانيده كما أظهروا حيطة شديدة فى الأخذ والتحمل عن الشيوخ . فأنت تراهم لم يكتفوا فى تصحيح الحديث بدين الراوى وأمانته وكثرة حفظه حتى يكون مع ذلك ضابطا عارفا بما يتحمله من الحديث غير متساهل فيه . فهذا مالك بن أنس يقول : ( لا يؤخذ العلم عن أربعة ويؤخذ ممن سوى ذلك : لا يؤخذ عن سفيه ، ولا يؤخذ من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه ، ولا من كذاب يكذب فى أحاديث الناس . وأن كان لا يتهم (١) أنظر حجة الله البالغة جـ ١ ص ١٤٨ ٢٦٩ على أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا من شيخ له فضل وصلاح وعبادة اذا كان لا يعرف ما يحدث به )(١) وسئل مالك أيؤخذ العلم ممن ليس له طلب ولا مجالسة فقال لا . فقيل أيؤخذ ممن هو صحيح ثقة غير أنه لا يحفظ ولا يفهم ما يحدث به فقال : لا يكتب العلم الا عمن يحفظ ويكون قد طلب وجالس الناس وعرف وعمل ويكون معه ورع)) ويقول مالك أيضا : لقد أدركت سبعين ممن يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذه الأساطين فما أخذت عنهم شيئا وأن أحدهم "أو ائتمن على بيت مال لكان به أمينا لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن ، وقدم علينا ابن شهاب فكنا نزدحم عند بابه )) وهذا عبد الله ابن المبارك يقول : قلت لسفيان الثورى أن عباد بن كثير من تعرف حاله واذا حدث جاء بأمر عظيم أترى أن أقول للناس لا تأخذوا عنه ! قال سفيان : بلى . قال عبد الله فكنت اذا كنت فى مجلس ذكر فيه عباد أثنيت عليه فى دينه وأقول لا تأخذوا عنه)) . وهذا يحيى بن سعيد القطان يقول (( لم نر أهل الخير فى شىء أكذب منهم فى الحديث))(٢). وهذا سفيان الثورى يقول : انى أحب أن أكتب الحديث على ثلاثة أوجه . حديث أكتبه أريد أن أتخذه دينا . وحديث رجل أكتبه فأوقفه لا أطرحه ولا أدين به ، وحديث رجل ضعيف أحب أن أعرفه ولا أعبأ به . والأوزاعى رضى الله عنه يقول (( تعلم ما لا يؤخذ كما تتعلم ما يؤخذ(٣))) وهذا خليفة المسلمين فى القرن الثانى هارون الرشيد يقول للزنديق وقد قال أنى وضعت ألف حديث على رسول الله . فأين أنت ياعدو الله من أبى (١) الانتقاء لابن عبد البر ص ١٥ - ١٦ (٢) أنظر هذه الآثار فى توجيه النظر ص ٣٥، ٣٦ (٣) أنظر جامع بيان العلم وفضله جـ ١ ص ٧٦ . ٢٧٠ اسحاق الفزارى وعبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا». وتقدم لك هذا الأثر قريبا . من هذا كله يظهر لك جليا ما كان عليه أئمة الحديث فى هذا العصر من بصيرة نقادة ومعرفة تامة بالسنة متونها وأسانيدها فتراهم غربلوا الرواة وأقصوا كثيرا منهم عن حظيرة السنة والتمتع بشرف روايتها . كما ميزوا الأحاديث فحديث علموا صحته وعملوا به وحديث علموا كذبه. فترکوه وحديث تبين لهم ضعفه فلم يعتمدوا عليه وحده وحديث اشتبه أمره فتوقفوا فيه حتى يظهر حاله وينكشف أمره . وتراهم يأمرون بحمل. جميع ما يسمعونه لينتقوا منه الصحيح حتى أصبحوا بحق صيارفة. الحديث ونقاد الأسانيد . واليك جملة مما ذكره ابن عدى فى كامله تلقى لنا ضوءا على جهود. هؤلاء الجهابذة فى هذا العصر قال رحمه الله ما نصه : - ( وأما القرن الثانى فقد كان فى أوائله من أوساط التابعين جماعة من الضعفاء . وضعف أكثرهم نشأ غالبا من قبل تحملهم وضبطهم للحديث . فكانوا يرسلون كثيرا ويرفعون الموقوف وكانت لهم أغلاط. وذلك مثل أبى هرون العبدرى المتوفى سنة ١٤٣ هـ . ولما كان آخر عصر التابعين وهو حدود الخمسين ومائة تكلم فى التعديل والتجريح طائفة من. الأئمة فضعف الأعمش المتوفى سنة ١٢٨ هـ جماعة ووثق آخرين . ونظر فى الرجال شعبة المتوفى سنة ١٦٠ هـ وكان متثبتا لا يكاد يروى الا عن. ثقة . ومثله مالك المتوفى سنة ١٧٩ هـ وممن كان فى هذا العصر اذا قال. قبل قوله معمر المتوفى سنة ١٥٣ وهشام الدستوائى المتوفى سنة ١٥٤ والأوزاعى المتوفى سنة ١٥٦ هـ . وسفيان الثورى المتوفى سنة ١٦١ هـ .. ٢٧١ وابن الماجشون المتوفى سنة ٢١٣ هـ وحماد بن سلمة المتوفى سنة ١٦٧ هـ. والليث بن سعد المتوفى سنة ١٧٥ . وبعد هؤلاء طبقة . منهم ابن المبارك المتوفى سنة ١٨١ . وهشيم بن بشير المتوفى سنة ١٨٨ هـ . وأبو اسحاق الفزارى المتوفى سنة ١٨٥ هـ. والمعافى بن عمران الموصلى المتوفى سنة ١٨٥ هـ . وبشر بن المفضل المتوفى سنة ١٨٦ هـ . وابن عيينه المتوفى سنة ١٩٧ هـ . وقد كان فى زمنهم طبقة أخرى منهم ابن علية المتوفى سنة ١٩٣ هـ . وابن وهب المتوفى سنة ١٩٧ هـ . ووكيع بن الجراح المتوفى سنة ١٩٧ هـ. وقد انتدب فى ذلك الزمان لنقد الرجال الحافظان الحجتان يحيى ابن سعيد القطان المتوفى سنة ١٨٩ وعبد الرحمن بن مهدى المتوفى سنة ١٩٨ هـ وكان للناس وثوق بهما فصار من وثقاه مقبولا ومن جرحاه مجروحا . ومن اختلفا فيه وذلك قليل رجع الناس الى ما ترجح عندهم . ثم ظهرت بعدهم طبقة أخرى يرجع اليهم فى ذلك منهم يزيد بن هارون المتوفى سنة ٢٠٦ هـ وأبو داود الطيالسى المتوفى سنة ٢٠٤ وعبد الرزاق ابن همام المتوفى سنة ٢١١ هـ وأبو عاصم الضحاك النبيل بن مخلد المتوفى ( سنة ٢١٢ هـ) اهـ (١). المبحث الثالث النزاع حول حجية السنة فى القرن الثانى رأيت كيف عمل الوضاعون على افساد الحديث النبوى كما رأيت جهود الأئمة فى مناهضتهم وتزييف ما قذفوا به من أباطيلهم وأكاذيبهم . والآن نحدثك عن خصوم آخرين للسنة ظهروا فى هذا العصر أيضا بمبدأ (١) توجيه النظر ص ١١٤. ٢٧٢ خبيث وأقاموها حربا شعواء على الحديث وأئمة الحديث . كان هؤلاء القوم طوائف مختلفة فطائفة رفضوا السنة جملة وتفصيلا وأنكروا أن تكون أصلا من أصول التشريع الإسلامى ، زاعمين أن فى القرآن غنية لهم عن كل ما سواه وأنه يتعذر الاطمئنان الى الأحاديث من جهة أنه يجوز على رواتها الخطأ والنسيان والكذب ، وطائفة أخرى قالوا : لا نقبل من الحديث الا ما كان بيانا لما نطق به الكتاب العزيز ، وطائفة ثالثة قالوا : لا نقبل من السنة أخبار الخاصة التى تعرف عند المحدثين. ((بأخبار الآحاد )) مهما كان رواتها من العدالة والضبط ولا نعتمد. الا ما تواتر نقله عن النبى صلى الله عليه وسلم . تلك هى الطوائف التى. لم تقم للسنة وزنا ولم ترفع لها رأسا فى هذا العصر وهى لا تقل خطرا عن. الطوائف الأخرى التى حاولت تزييف السنة عن طريق الكذب عليه. صلى الله عليه وسلم . وقد تصدى للرد على هذه الفرق المبطلة كثير من أئمة المسلمين وفى. مقدمتهم الامام الجليل محمد بن أدريس الشافعى الذى وهبه الله تعالى بيانا ناصعا وحجة دامغة ومقدرة علمية فائقة . وقد جاء فى كتابه المعروف ((بالأم)» رواية الربيع بن سليمان المرادى عنه حوار بينه وبين بعض المنسوبين الى هذه الفرق كما جاء فى رسالته المشهورة دفاع مجيد عن السنة وحجيتها . ونحن نذكر لك طرفا من أقواله لتكون على بينة مما قام به العلماء فى القضاء على هذه الطوائف الزائغة . مناظرة الامام الشافعى لمن يرد الأحاديث كلها : قال الشافعى رحمه الله تعالى : قال لى قائل ينسب الى العلم بمذهب أصحابه . أنت عربى والقرآن نزل بلسان من أنت منهم . وأنت أدرى بحفظه . وفيه لله فرائض أنزلها . لو شك شاك قد تلبس عليه القرآن ٢٧٣ بحرف منها استتبته فان تاب والا قتلته . وقد قال الله عز وجل فى القرآن (( تبيانا لكل شىء)) فكيف جاز عند نفسك أو لأحد فى شىء فرضه الله أن يقول مرة الفرض فيه عام . ومرة الفرض فيه خاص ومرة الأمر فيه فرض ومرة الأمر فيه دلالة . وان شاء ذو أباحه . وكثر ما فرقت بينه من هذا. عندك حديث ترويه عن رجل عن آخر عن آخر أو حديثان أو ثلاثةحتى تبلغ به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد وجدتك ومن ذهب مذهبك لا تبرئون أحدا لقيتموه وقدمتموه فى الصدق والحفظ . ولا أحدا لقيت ممن لقيتم من أن يغلط وينسى ويخطىء فى حديثه بل وجدتكم تقولون لغير واحد منهم أخطأ فلان فى حديث كذا وفلان فى حديث كذا . ووجدتكم لو قال رجل لحديث أحللتم به وحرمتم من علم الخاصة . (( لم يقل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم انما أخطأتم أو من حدثكم وكذبتم أو من حدثكم)) لم تستتيبوه ولم تزيدوا على أن تقولوا له بئس ما قلت أفيجوز أن يفرق بين شىء من أحكام القرآن وظاهره واحد عند من سمعه بخبر من هو كما وصفتم وتقيمون أخبارهم مقام كتاب الله وأنتم تعطون بها وتمنعون بها ... قال : واذا أقمتم على أن تقبلوا أخبارهم وفيهم ما ذكرت فما حجتكم فيه على من ردها ، وقال : لا أقبل منها شيئا اذا كان يمكن فيهم الوهم ولا أقبل الا ما أشهد به على الله (١) كما أشهد بكتابه الذى لا يسع أحدا الشك فى حرف منه . أو يجوز أن يقوم شىء مقام الاحاطة (٢) وليس بها ؟ فقلت له : من علم اللسان الذى به كتاب الله وأحكام الله دله علمه بهما على قبول أخبار (١) لايقال أن هذا المشتبه يعترف بالسنة المتواترة أخذا من هذه العبارة لايقال هذا لأن بقية الكلام لا يدل عليه ولعل سند هذه الطائفة فى رد المتواتر أيضا أنه جاء من طرق آحادها ظنى. (٢) المراد من الاحاطة العلم اليقينى . ٢٧٤ الصادقين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ..... قال : فاذكر شيئا أن حضرك . قلت: قال الله عز وجل: (( هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة)) ، قال : فقد علمنا أن الكتاب كتاب الله . فما الحكمة ؟. قلت : سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : أفيحتمل أن يكون يعلمهم الكتاب جملة والحكمة خاصة وهى أحكامه ؟. قلت : تعنى بأن يبين لهم عن الله عز وجل مثل ما بين لهم فى جملة الفرائض من الصلاة والزكاة والحج وغیرها فیکون الله تعالی قد أحکم فرائض من فرائضه بکتابه وبین کیف هى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ؟ قال : أنه ليحتمل ذلك . قلت : . فان ذهبت هذا المذهب فهو فى معنى الأول قبله الذى لا تصل اليه الا بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فان ذهبت مذهب تكرير الكلام ؟. قلت : وأيهم أولى به اذا ذكر الكتاب والحكمة أن يكونا شيئين أو شيئا واحدا . قال: يحتمل أن يكونا كما وصفت كتابا وسنة فيكونا شيئين ويحتمل أن يكونا شيئا واحدا قلت : فأظهرهما أولاهما وفى القرآن دلالة على ما قلنا وخلاف ما ذهبت اليه قال : وأين؟. قلت: قول الله عز وجل. ((واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة ان الله كان لطيفا خبيرا )) فأخبر أنه يتلى فى بيوتهن شيئان . قال: فهذا القرآن يتلى فكيف تتلى الحكمة ؟ قلت : انما معنى التلاوة أن ينطق بالسنة كما ينطق بالقرآن . قال : فهذه أبين فى أن الحكمة غير القرآن من الأولى . وقلت : افترض الله علينا اتباع نبيه صلى الله عليه وسلم قال: وأين؟. قلت: قال الله عز وجل: (( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)). وقال الله عز وجل: ((من يطع الرسول فقد أطاع الله)). ٢٧٥ وقال: (( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)) . قال: ما من شىء أولى بنا أن نقوله فى الحكمة من أنها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان كما قال بعض أصحابنا . (( ان الله أمر بالتسليم لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحكمه انما هو لما أنزله)) لكان من لم يسلم له أولى أن ينسب الى عدم التسليم لحكم الله منه الى عدم التسليم لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم . قلت: لقد فرض الله عز وجل علينا اتباع أمره. فقال: ((وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)) قال : انه لبين فى التنزيل أن علينا فرضا أن تأخذ الذى أمرنا به وننتهى عما نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم . قلت : والفرض علينا وعلى من هو قبلنا ومن بعدنا واحد . قال نعم . فقلت : فان كان ذلك علينا فرضا فى اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنحيط أنه اذا فرض علينا شيئا فقد دلنا على الأمر الذى يؤخذ به فرضه قال نعم . قلت : فهل تجد السبيل الى تأدية فرض الله عز وجل فى اتباع أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد قبلك أو بعدك ممن لم يشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الا بالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وقلت له أيضا . يلزمك هذا فى ناسخ القرآن ومنسوخه . قال : فاذكر منه شيئا قلت. قال الله تعالى: (( كتب عليكم اذا حضر أحدكم الموت أن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين)) وقال فى الفرائض : « ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك ان كان له ولد فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فان كان له أخوة فلأمه السدس » فزعمنا (١) بالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آية الفرائض (١) أى علمنا . ٢٧٦ نسخت الوصية للوالدين والأقربين فلو كنا ممن لا يقبل الخبر فقال قائل: الوصية نسخت الفرائض هل نجد الحجة عليه الا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : هذا شبيه بالكتاب والحكمة والحجة لك ثابتة بأن علينا قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد صرت الى أن قبول الخبر لازم للمسلمين لما ذكرت وما فى مثل معانيه من كتاب الله وليست تدخلنى أنفة من أظهار الانتقال عما كنت أرى الى غيره اذا بانت الحجة فيه بل أتدين بأن على الرجوع عما كنت أرى الى ما رأيته الحق وهنا سأل المناظر عن العام فى القرآن يبقى على عمومه مرة ويخصص مرة فأجابه الامام بأمثلة كثيرة ثم قال للمناظر : (( فقد بان لك فى أحكام الله تعالى فى كتابه فرض طاعة رسوله والموضع الذى وضعه الله عز وجل به من الابانة عنه ما أنزل خاصا وعاما وناسخا ومنسوخا . قال : نعم وما زلت أقول بخلاف هذا حتى بان لى خطأ من ذهب هذا المذهب ولقد ذهب فيه أناس مذهبين . أحد الفريقين لا يقبل خبرا وفى كتاب الله البيان . قلت : فما لزمه ?. قال : أفضى به ذلك الى عظيم من الأمر فقال من جاء بما يقع عليه اسم صلاة وأقل ما يقع عليه اسم زكاة فقد أدى ما عليه لا وقت فى ذلك ولو صلى ركعتين فى كل يوم أو فى كل أيام . وقال ما لم يكن فيه كتاب الله فليس على أحد فيه فرض وقال غيره ما كان فيه قرآن يقبل فيه الخبر فقال بقريب من قوله فيما ليس فيه قرآن فدخل عليه ما دخل على الأول أو قريب منه . ودخل عليه أن صار الى قبول الخبر بعد رده وصار الى ألا يعرف ناسخا ولا منسوخا ولا خاصا ولا عاما وأخطأ . قال : ومذهب الضلال فى هذين المذهبين واضح لست أقول بواحد منهما . ولكن هل من حجة فى أن تبيح المحرم بأحاطة بغير أحاطة ؟ قلت نعم . قال ما هو ؟ قلت: ما تقول فى هذا الرجل ٢٧٧ الى جنبى ، أمحرم الدم والمال ؟ قال نعم . قلت : فان شهد عليه شاهدان بأنه قتل رجلا وأخذ ماله وهو هذا الذى فى يديه . قال : أقتله فورا وأدفع ماله الذى فى يديه الى ورثة المشهود له . قلت : أو يمكن فى الشاهدين أن يشهدا بالكذب والغلط ؟. قال: نعم. قلت: فكيف أبحت الدم والمال المحرمين بآحاطة بشاهدين وليسا بأحاطة قال أمرت بقبول الشهادة . قلت : فان كنت أمرت بذلك على صدق الشاهدين فى الظاهر فقبلتهما على الظاهر ولا يعلم الغيب الا الله فانا لنطلب فى المحدث أكثر مما نطلب فى الشاهد فنجيز شهادة البشر لا نقبل حديث واحد منهم ونجد الدلالة على صدق المحدث وغلطه ممن شركه من الحفاظ وبالكتاب وبالسنة ففى هذه الدلالات ولا يمكن هذا فى الشهادات .. فقال لى قد قبلت منك أن أقبل الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمت أن الدلالة على معنى ما أراد بما وصفت من فرض الله طاعته فأنا اذا قبلت خبره فعن الله قبلت ما أجمع عليه المسلمون فلم يختلفوا فيه وعلمت ما ذكرت من أنهم لا يجتمعون ولا يختلفون الا على حق ان شاء الله تعالى)) اهـ يحذف بعض الجمل (١) . استدلال الامام الشافعى رضى الله عنه على حجية خبر الواحد . ننقل لك فقرات مما جاء فى رسالة الامام القرشى رضى الله عنه تحت عنوان (( الحجة (٢) فى تثبيت خبر الواحد)) قال الشافعى : قال لى قائل. أذكر الحجة فى تثبيت خبر الواحد بنص خبر أو دلالة فيه أو اجماع فقلت له : أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله (١) ثم سأله عن حجية القياس فأجابه وأن شئت أن تطلع على هذه المناظرة بتمامها فانظر الجزء السابع من ( الأم ) ص ٢٥٠ وما بعدها . (٢) ص ٤٠١ وما بعدها طبع الحلبى . ٢٧٨ ابن مسعود عن أبيه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال (( نضر الله عبدا سمع مقالتى فحفظها ووعاها وأداها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لايغل عليهن قلب مسلم اخلاص العمل لله والنصيحة للمسلمين ، ولزوم جماعتهم فان دعوتهم تحيط من ورائهم » فلما ندب رسول الله الى استماع مقالته وحفظها وأدائها أمراً يؤديها والمرء واحد دل على أنه لا يأمر أن يؤدى عنه الا ما تقوم به الحجة على من أدى اليه لأنه انما يؤدى عنه حلال يؤتى وحرام يجتنب وحد يقام ومال يؤخذ ويعطى ونصيحة فى دين ودنيا ودل على أنه قد يحمل الفقه غير فقيه يكون له حافظا ولا يكون فيه فقيها وأمر رسول الله بلزوم. جماعة المسلمين مما يحتج به فى أن اجماع المسلمين ان شاء الله لازم . قال الشافعى : أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال : - (( بينما الناس بقباء فى صلاة الصبح اذ أتاهم آت فقال: ان رسول الله قد أنزل عليه قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم الى الشام فاستداروا الى الكعبة)) وأهل قباء أهل سابقة من الأنصار وفقه وقد كانوا على قبلة فرض الله عليهم استقبالها ولم يكن لهم أن يدعوا فرض الله فى القبلة الا بما تقوم به عليهم الحجة ولم يلقوا رسول الله ولم يسمعوا ما أنزل الله عليه فى تحويل القبلة فيكونوا مستقبلين بكتاب الله وسنة نبيه سماعا من رسول الله ولا بخبر عامة وانتقلوا بخبر واحد اذ كان عندهم من أهل الصدق عن فرض كان عليهم فتركوه الى ما أخبرهم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه أحدث عليهم من تحويل القبلة . ولم يكونوا ليفعلوه ان شاء الله بخبر الا عن علم بأن الحجة تثبت بمثله اذا كان من أهل الصدق ولا ليحدثوا أيضا مثل هذا العظيم فى دينهم الا عن علم بأن لهم أحداثه ولا يدعون أن يخبروا رسول ٢٧٩ الله بما صنعوا منه . ولو كان ما قبلوا من خبر الواحد عن رسول الله فى تحويل القبلة - وهو فرض - مما لا يجوز لهم لقال لهم : - ان شاء الله - رسول الله صلى الله عليه وسلم . قد كنتم على قبلة ولم يكن لكم تركها الا بعد علم تقوم به عليكم حجة من سماعكم منى أو خبر عامة أو أكثر من خبر واحد عنى . قال الشافعى : أخبرنا مالك عن اسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس ابن مالك قال: (( كنت أسقى أبا طلحة وأبا عبيدة بن الجراح وأبى بن كعب شرابا من فضيخ (١) وتمر فجاءهم آت . فقال : أن الخمر قد حرمت . فقال أبو طلحة : قم يا أنس الى هذه الجرار فاكسرها فقمت الى مهراس(٢) لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت)) وهؤلاء فى العلم والمكان من النبى صلى الله عليه وسلم وتقدم صحبته بالموضع الذى لا ينكره عالم وقد كان الشراب عندهم حلالا يشربونه فجاءهم آت واحد وأخبرهم بتحريم الخمر . فأمر أبو طلحة - وهو مالك الجرار - بكسر الجرار ولم يقل هو ولا هم ولا واحد منهم : نحن على تحليلها حتى نلقى رسول الله مع قربه منا أو يأتينا خبر عامة . وذلك أنهم لا يمرقون حلالا اهراقه سرف وليسوا من أهله والحال أنهم لا يدعون أخبار رسول الله بما فعلوا ولا يدع - لو كان ماقبلوا من خبر الواحد ليس لهم - أن ينهاهم عن قبول مثله . قال الشافعى وأمر رسول الله أنيسا أن يغدو على امرأة رجل ذكر أنها زنت. (( فان اعترفت فارجمها)) فاعترفت فرجمها . قال الشافعى : وبعث رسول الله أبا بكر واليا على الحج فى سنة (١) قال فى النهاية هو شراب يتخذ من البسر المفضوح أى المشدوخ. (٢) المهراس حجر مستطيل منقور يتوضأ منه ويدق فيه . ٢٨٠ تسع وحضره الحاج من أهل بلدان مختلفة وشعوب متفرقة فأقام لهم مناسكهم وأخبرهم عن رسول الله بما لهم وما عليهم . وبعث على ابن أبى طالب فى تلك السنة فقرأ عليهم فى مجمعهم يوم النحر آيات من سورة براءة ونبذ الى قوم على سواء وجعل لقوم مددا ونهاهم عن أمور فكان أبو بكر وعلى معروفين عند أهل مكة بالفضل والدين والصدق وكان من جهلهما أو أحدهما من الحاج وجد من يخبره عن صدقهما وفضلهما . ولم يكن رسول الله ليبعث واحدا الا والحجة قائمة بخبره على من بعثه اليه ان شاء الله . قال الشافعى : وقد فرق النبى عمالا على نواحى عرفنا أسماءهم والمواضع التى فرقهم عليها .. وكل من ولى فقد أمره أن يأخذ ما أوجب الله على من ولاه عليه ولم يكن لأحد عندنا فى أحد ممن قدم عليه من أهل الصدق أن يقول أنت واحد وليس لك أن تأخذ منا ما لم نسمع رسول الله يقول أنه علينا . ولا أحسبه بعثهم مشهورين فى النواحى التى بعثهم اليها بالصدق الا لما وصفت من أن تقوم بمثلهم الحجة على من بعثه اليه . قال الشافعى : ولم تزل كتب رسول الله تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهى ولم يكن لأحد من ولاته ترك انفاذ أمره ولم يكن ليبعث رسولا الا صادقا عند من بعثه اليه .. وهكذا كانت كتب خلفائه بعده وعمالهم وما أجمع المسلمون عليه من أن يكون الخليفة واحدا والقاضى واحدا والأمير واحدا والامام واحدا ... قال : والولاة من القضاة وغيرهم يقضون وتنفذ أحكامهم ويقيمون الحدود وينفذ من بعدهم أحكامهم وأحكامهم أخبار عنهم . قال الشافعى : ففيما وصفت من سنة رسول الله ثم ما أجمع المسلمون عليه منه دلالة على فرق بين الشهادة والخبر والحكم .