Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ روى عنه أنه لقى سبعين صحابيا . قال فى تذكرة الحفاظ وقال بحير . ما رأيت أحدا ألزم للعلم منه . وكان علمه فى مصحف له أزرار وعرى )) ثم قال: (( فخالد بن معدان جمع علمه فى مصنف واحد جعل له وقاية لها ازرار وعرى تمسكها لئلا يقع شىء من تلك الصحف وكان ذلك فى القرن الأول فانه مات سنة ١٠٣ أوسنة ١٠٤ . ولكن المشهور أن أول من كتب الحديث ابن شهاب الزهرى القرشى . ولعل سبب ذلك أخذ أمراء بنى أمية عنه)) اهـ . خالف الشيخ المشهور عند العلماء قديما وحديثا من أن أول من دون الأحاديث بأمر الخليفة لتنشر فى جميع الأقطار الإسلامية هو ابن شهاب الزهرى . ولا دليل يستند اليه سوى قول بحير فى خالد بن معدان ( وكان علمه فى مصحف له أزرار وعرى )) مع انه لا دلالة فيه على أولية التدوين وهذا تدوين لنفسه خاصة سبقه به كثير كعبد الله ابن عمرو بن العاص وكل ما هنالك أنه شهد له بغزارة العلم وأنه كان يكتبه فى صحف خشية أن يضيع والثابت ان ابن شهاب كان ألزم للعلم من خالد وأحرص على التدوين منه وأقوى حفظا من غيره وأنه أول من دون الحديث على الاطلاق من التابعين لينشر فى الأقطار الاسلامية . وقد نقل الشيخ نفسه من ثناء العلماء على الزهرى ما هو أبلغ من قول بحير فى خالد حفظا وكتابة فهلا كان ذلك عنده مبررا لأوليته فى التدوين . ثانيا - يرى أن الأحاديث التى صحت فى الاذن بكتابة السنة لاتدل لكتابتها على الاطلاق بل هى فى موضوعات خاصة لا تتعداها . وان الأحاديث الضعيفة التى تدل للكتابة مطلقا ساقطة لا يحتج بها ولا ينظر اليها . قال فى ص ٧٦٥ و ٧٦٦ :- ٢٢٢ ١ - حديث أبى هريرة ((اكتبوا لأبى شاه)» فى الصحيحين وموضوعه خاص . وروى عنه البخاری قوله (( ان عبد الله بن عمرو کان يكتب وانه هو لم يكن يكتب)) وله حديث عند الترمذى ((أن النبى صلى الله عليه وسلم أذن لرجل سيىء الحفظ بأن يستعين بيمينه)). ٢ - حديث أنس ((قيدوا العلم بالكتاب)) ضعيف . ٣ - حديث أبى بكر (( من كتب عنى علما أو حديثا لم يزل يكتب له الأجر ما بقى ذلك العلم أو الحديث )) رواه ابن عساكر فى تاريخه . ضعيف . ٤ - حديث رافع بن خديج (( قلت يا رسول الله انا نسمع منك أشياء فنكتبها قال اكتبوا ولا حرج)) رواه الحكيم الترمذى والطبرانى والخطيب ضعيف . ٥ - حديث حذيفة ((اكتبوا العلم قبل ذهاب العلماء )» عند ابن النجار فى تاريخه . ضعيف أيضا بل يشم منه رائحة الوضع . ٦ - حديث على فى الصحيفة رواه أحمد والبخارى والثلاثة وموضوعها خاص ومنسوب الى الوحى - والحديث المشار إليه هو ما رواه هؤلاء الأئمة عن مطرف بن طريف. قال سمعت الشعبى يقول . أخبر نى أبو جحيفة قال . قلت لعلى بن أبى طالب : هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم شىء سوى القرآن . قال لا والذى فلق الحبة وبرأ النسمة الا أن يعطى الله عبدا فهما فى كتابه وما فى هذه الصحيفة . قلت وما فى الصحيفة. قال: العقل وفكاك الأسير والا يقتل مسلم بكافر» ٧ - كتاب الصدقات والديات والفرائض لعمرو بن حزم . رواه أبو داود والنسائى وابن حبان والدارمى وموضوعه خاص . وانما كتب ٢٢٣ له ذلك ليحكم به اذ ولى عمل نجران - والحديث المذكور هو ما رواه الأئمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب كتاب الصدقات والديات والفرائض والسنن لعمرو بن حزم وغيره . ٨ - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص هو أكثر ما ورد فى الباب وهو كما فى بعض رواياته (( قلت يا رسول الله اكتب كل ما أسمع منك قال نعم . قلت فى الرضا والغضب. قال نعم ، فانى لا أقول فى ذلك كله الاحقا)) قال الشيخ وقد جاء بألفاظ مختلفة من طريقين فيما أعلم الآن عند أحمد وأبى داود والحاكم . فالطريق الأول عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أى عبد الله بن عمرو بن العاص فهو جده . وهذا الطريق فيه مقال مشهور للمحدثين لم يمنع بعض المتأخرين من الاحتجاج به وهو تساهل منهم . ونقل هنا مقالة المتقدمين فى هذا الطريق عن الميزان للذهبى . ثم قال والطريق الثانى عن عبد الله بن المؤمل عن ابن جريج عن عطاء عنه بلفظ: (( قيدوا العلم)) وعبد الله بن المؤمل ، قال أحمد أحاديثه مناكير وقال النسائى والدارقطنى ضعيف .... أما ما رواه ابن عبد البر عن عبد الله بن عمرو بن العاص من قوله : ما يرغبنى فى الحياة الا خصلتان الصادقة والوهط ، فأما الصادقة فصحيفة كتبتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأما الوهط فارض تصدق بها عمرو ابن العاص كان عبد الله يقوم عليها - ففى سنده ليث عن مجاهد وليث هذا هو ابن سليم . ضعفه يحيى والنسائى . وقال عبد الله بن أحمد ابن حنبل حدثنا أبى قال : ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأيا فى أحد منه فى ليت ومحمد بن اسحاق وهمام لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم . ذكره فى الميزان وذكر أنه اختلط فى آخر عمره ٠ ١ هـ ونحن نتناقش الشيخ فى بعض مقالته هذه لئلا يطول بنا المقال فنقول : - د ٢٢٤ مناقشته فى أحاديث أبى هريرة الثلاثة ادعى أن حديث أبى هريرة عند الشيخين خاص بأبى شاه ولم يبين لنا وجه تلك الخصوصية . ومن المقرر عند العلماء أن دعوى الخصوصية بلا دليل غير مقبولة . فان أراد بالخصوصية أن قوله صلى الله عليه وسلم : اكتبوا لأبى شاه ، خاص بخطبته عام فتح مكة فذلك صريح الحديث . لكن لا يدل على منع الكتابة فى غير خطبته هذه أو لغير أپی شاه لأنه لا فارق بين خطبته فى هذا المقام وبين سائر أحاديثه فى وجوب العناية بحفظها ووجوب تبليغها ، كما أنه لا خصوصية لأبى شاه عن غيره من سائر الصحابة رضى الله عنهم بل عن جميع المكلفين . فان قيل . يحتمل أنه كان سى الحفظ قلنا : ويحتمل أنه أراد أن يضم الكتابة الى الحفظ ، والاحتمالات بابها واسع. فالمصير الى احتمال معين ودعوى أن ما عداه باطل محض تحكم . وأما حديث أبى هريرة الثانى فقد سكت عنه . وهو ما رواه البخارى فى صحيحه عن همام ابن منبه قال : سمعت أبا هريرة يقول : ما من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا منى الا ما كان من عبد الله بن عمرو فانه كان يكتب ولا أكتب )) ولا يلتفت الى الطعن فى همام بعد تخريج البخارى له فى الصحيح . ونحن نستدل بهذا الحديث على أن كتابة الحديث جائزة بل مستحبة فان ابن عمرو فعلها وأبو هريرة لم ينكر عليه بل جعل ذلك من محاسنه وانه من أجل ذلك كان أكثر حديثا منه : قال فى فتح البارى وروى أحمد والبيهقى فى المدخل من طريق عمرو بن شعيب عن مجاهد والمغيرة بن حكيم قالا : سمعنا أبا هريرة يقول : ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه ٢٢٥ وسلم منى الا ما كان من عبد الله بن عمرو فانه كان يكتب بيده ويعى بقلبه وكنت أعى ولا أكتب استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الكتابة عنه فأذن له (١) اسناده حسن . أفاد هذا الحديث ان عبد الله ابن عمرو استأذن النبى صلى الله عليه وسلم فى كتابة الحديث فأذن له وانه لم يكن به آفة تضطره إلى الكتابة ، بدليل قول أبى هريرة ( فانه كان يكتب بيده ويعى بقلبه ) وأن موضوعه ليس بخاص بل هو عام فى الأحاديث كلها . وأما حديث أبى هريرة الثالث عند الترمذى : ( أن النبى صلى الله عليه وسلم أذن لرجل سىء الحفظ بأن يستعين بيمينه ) فواضح الدلالة على أنه يجوز لمن كان على مثل حال هذا الرجل أن يستعين بالكتابة وذلك لا يمنع جواز الكتابة لمن كان حسن الحفظ فأن ذلك آكد لحفظه . ولعل صاحب المنار يقصد بايراد حديث الترمذى المذكور عقب حديث البخارى فى كتابة عبد الله بن عمرو أن عبد الله هو ذلك الرجل الذى كان سيىء الحفظ وقد ذكرنا ما يبطل ذلك . وقد مر بك فى ترجمة عبد الله بن عمرو السبب فى قلة ما وصل الينا من حديثه بالنسبة لأبى هريرة ، مع أنه جمع الى حفظ الحديث كتابته . مناقشته فى حديث صحيفة على وكتاب عمرو بن حزم بعد أن سلم الشيخ بصحة الحديثين ادعى أن كلا منهما فى موضوع خاص . وقد أبطلنا فيما سبق أن خصوص المكتوب أو الكاتب لا يدل على المنع من الكتابة فى غير المكتوب أو لغير الكاتب . فان السنة وحى من الله يجب على الناس تبليغها ومن وسائل ذلك التبليغ : الكتابة . (١) أنظر جـ ١ ص ١٤٨. ٢٢٦ ومن العجيب قول الشيخ فى كتاب عمرو بن حزم ( أن موضوعه خاص وانما كتب له ذلك ليحكم به اذ ولى عمل نجران ) مع أن لفظ الحديث كما سبق : ( كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الصدقات والديات والفرائض والسنن لعمرو بن حزم وغيره ) فالكتابة لم تكن لعمرو بن حزم وحده بل کانت له ولغيره وموضوعها ليس بخاص كما هو ظاهر - وكأن الشيخ فهم أن الكتابة للحكم يلزم منها منع الكتابة للحفظ مع أن الحفظ من وسائل الحكم وعوامل الاصابة فيه ، واليك عبارة العلامة ابن القيم فى زاد المعاد جـ ١ ص ٥٩ قال - فى معرض كلامه على كتبه صلى الله عليه وسلم الى أهل الاسلام فى الشرائع - ما نصه : ومنها كتابه الى أهل اليمن وهو الكتاب الذى رواه أبو بكر بن عمرو ابن حزم عن أبيه عن جده وكذلك رواه الحاكم فى صحيحه والنسائى وغيرهما مسندا متصلا ورواه أبو داود وغيره مرسلا وهو كتاب عظيم فيه أنواع كثيرة من الفقه فى الزكاة والديات والأحكام وذكر الكبائر والطلاق والعتاق وأحكام الصلاة فى الثوب الواحد والاحتباء فيه ومس المصحف وغير ذلك . قال الامام أحمد لا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبه واحتج الفقهاء كلهم بجملة ما فيه من مقادير الديات اهـ فأنت ترى أن موضوع هذا الكتاب لم يكن خاصا والمكتوب اليهم هم أهل اليمن عامة . مناقشته فى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ان النبی صلی الله علیه وسلم أذن له أن یکتب کل ما یسمع منه نقول . هذا الحديث صححه الحفاظ وهو من أقوى الأدلة وأصرحها على أن كتابة الحديث جميعه جائزة بل مستحبة . وقد روى من عدة طرق يقوى بعضها بعضا . قال الحافظ فى فتح البارى : وعند أحمد ٢٢٧ وأبى داود من طريق يوسف ابن ماهك عن عبد الله بن عمرو قال . كنت أكتب كل شىء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه فنهتنى قريش وقالوا تكتب كل شىء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم فى الرضا والغضب . فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ باصبعه الى فيه وقال اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه الا حق )) ولهذا طرق أخرى عن عبد الله ابن عمرو يقوى بعضها بعضا اهـ (١) ولكن الشيخ لما وجد هذا الحديث يحول بينه وبين ما يرمى اليه من النتائج أخذ يتكلم فى متنه تارة وفى اسناده تارة أخرى . فقال عن المتن: قد جاء بألفاظ مختلفة من طريقين فيما أعلم )) ونقول له : ان اختلاف ألفاظ الحديث الواحد لا يعد طعنا فيه إذا كانت غير متعارضة ولا متدافعة . والحديث الذى معنا كذلك اختلفت ألفاظه طولا وقصرا ولكن لا تنافى بينها فلا يجوز أن يتخذ ذلك طعنا فيه . وقال عن السند : جاء من طريقين الأول عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه مقال مشهور للمتقدمين من علماء الحديث ولكن هذا المقال لم يمنع بعض المتأخرين من الاحتجاج به وهو تساهل منهم ثم أخذ يسرد ما قاله المتقدمون نقلا عن الميزان للذهبى (٢) والطريق الثانى عن عبد الله بن المؤمل وعبد الله بن المؤمل قال أحمد ان حديثه مناكير وقال النسائى والدارقطنى ضعيف . ونحن نقول له : أما الطريق الأول فالذى عليه المحققون والجماهير من المتقدمين والمتأخرين أنه يحتج به . قال ابن الصلاح فى النوع الخامس والأربعين من مقدمته : لعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (١) أنظر جـ ١ ص ١٤٩ (٢) سيأتى لك فى ردنا عليه أن الذهبى اعتمد طريق عمرو بن شعيب هذا ورد على ابن حبان ٢٢٨ بهذا الاسناد نسخة كبيرة أكثرها فقهيات جياد . وشعيب هذا هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص . وقد احتج أكثر أهل الحديث بحديثه حملا لمطلق الجد فيه على الصحابى عبد الله بن عمرو بن العاص دون ابنه محمد والد شعيب لما ظهر لهم من اطلاقه ذلك . اهـ وقال السيوطى فى التدريب قال البخارى : رأيت أحمد بن حنبل وعلى بن المدينى واسحاق بن راهويه وأبا عبيدة وعامة أصحابنا يحتجون بحديثه ما تركه أحد من المسمين وقال مرة : اجتمع على ويحيى بن معين وأحمد وأبو خيثمة وشيوخ من أهل العلم فتذاكروا حديث عمرو بن شعيب فثبَوه وذكروا أنه حجة وقال أحمد بن سعيد الدرامى : احتج أصحابنا بحديثه . قال النووى فى شرح المهذب وهو الصحيح المختار الذى عليه المحققون من أهل الحديث وهم أهل هذا الفن وعنهم يؤخذ حملا لجده على عبد الله الصحابى دون محمد التابعى لما ظهر لهم فى اطلاقه ذلك . وسماع شعيب من عبد الله بن عمرو ثابت . وقال اسحق بن راهويه : عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كأيوب عن نافع عن ابن عمر . قاله النووى . وهذا التشبيه غاية الجلالة من مثل اسحاق وقد ألف العلائى جزءا مفردا فى صحة الاحتجاج بهذه النسخة والجواب عما طعن عليها قال ومما يحتج به لصحتها احتجاج مالك بها فى الموطأ فقد أخرج عن عبد الرحمن بن حرملة عنه حديث الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب ! قال وذهب قوم الى ترك الاحتجاج به لأن روايته عن أبيه عن جده كتاب ووجادة فمن هنا جاء ضعفه لأن التصحيف يدخل على الراوى من الصحف ولذا تجنبها أصحاب الصحيح وقال ابن حبان ان أراد جده عبد الله فشعيب لم يلقه فيكون منقطعا وان أراد محمدا فلا صحبة له فيكون مرسلا . قال الذهبى وغيره . وهذا القول لاشىء ٢٢٩ لأن شعيبا ثبت سماعه من عبد الله وهو الذى رباه لما مات أبوه محمد . اهـ كلام السیوطی بحذف يسير . وقال ابن تيمية (( وكان عند آل عبد الله بن عمرو بن العاص نسخة كتبها عن النبى صلى الله عليه وسلم وبهذا طعن بعض الناس فى حديث. عمرو بن شعيب عن أبيه شعيب عن جده وقالوا هى نسخة وشعيب هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص . وقالوا ان عنى جده. الأدنى محمدا فهو مرسل فانه لم يدرك النبى صلى الله عليه وسلم وأن عنى جده الأعلى عبد الله فهو منقطع فان شعيبا لم يدركه وأما أئمة الاسلام وجمهور العلماء فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده اذا صح النقل اليه مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة ونحوهما ومثل الشافعى وأحمد بن حنبل واسحق بن راهويه وغيرهم . قالوا الجد هو عبد الله فانه يجيىء مسمى وشعيب أدركه . قالوا واذا كانت نسخة مكتوبة من عهد النبى صلى الله عليه وسلم كان هذا أوكد لها وأدل على صحتها ولهذا كان فى نسخة عمرو بن شعيب من الأحاديث الفقهية التى فيها مقدرات ما احتاج اليه عامة علماء الاسلام (١). اهـ وأما الطريق الثانى الذى ضعفه الأئمة كما قال الشيخ فهو وان لم يصلح للاحتجاج به لكتابة الحديث فهو يصلح شاهدا على ذلك والحجة قائمة بغيره من الأحاديث الصحيحة . مناقشته فى أهدار الأحاديث الضعيفة اذا تعددت طرقها وضعف حديث أنس وحديث أبى بكر وحديث رافع بن خديج وحديث حذيفة إلى غير ذلك . ونسى ما قرره العلماء من أن الاحاديث (١) أنظر قواعد التحديث ص ٣٦ و ٣٧ ٢٣٠ الضعيفة اذا تعددت طرقها قوى بعضها بعضا وأصبحت صالحة للاحتجاج فضلا عن الاعتبار اذا كان الضعف ناشئا عن سوء حفظ الراوى الصدوق الأمين كما هنا . فكيف وقد ورد فى الاذن بالكتابة أحاديث صحيحة بعضها يفيد العموم نصا وبعضها يفيده دلالة . ثالثا - وبناء على ما سبق للشيخ من أن أحاديث الاذن بالكتابة لا تدل للكتابة يرى أن الأحاديث الواردة فى المنع من كتابة الحديث أرجح من أحاديث الاذن بها ويضيف الى ذلك أن أقوى أحاديث المنع على الاطلاق هو حديث أبى سعيد الخدرى عند مسلم وأحمد . فيقول : (( وأما ما ورد فى المنع فأقواه حديث أبى سعيد الخدرى ( لا تكتبوا عنى شيئا الا القرآن فمن كتب عنى غير القرآن فليمحه ) وهو فى صحيح مسلم ومسند الامام أحمد وهو أصح ما ورد فى باب النهى عن كتابة الحديث والسنة )) اهـ . ونحن نقول فى الرد عليه . علمت أن أحاديث الاذن بالكتابة منها صحيح يدل عليها نصا أو دلالة ومنها ضعيف تعددت طرقه فيصلح للاعتبار أن قصر عن درجة الاحتجاج . فلم يبق الا الجمع بينهما وبين حديث أبى سعيد . وطريق الجمع أن يقال : ان النهى عن كتابة الحديث خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره والاذن بها فى غير ذلك . أو أن النهى خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن فى صحيفة واحدة والاذن فيما اذا كتب الحديث فى غير صحيفة القرآن . أو أن النهى خاص بمن خشى عليه الاتكال على الكتابة دون الحفظ والاذن لمن أمن منه ذلك . رابعا - حاول الشيخ أن يجمع بين أحاديث الاذن بالكتابة والنهى عنها بما لا يصلح . فقال : ( ولذلك وجوه أحدها . أن ما أمر بكتابته ٢٣١ لأبى شاه يحتمل أن يكون خاصا به . ثانيها . لعله كان سيىء الحفظ فأمر أن يكتب له كما طلب . ثالثها . أن حديث النهى عن الكتابة مقيد بابقاء المكتوب وفيه الرخصة الصريحة لمن يكتب مؤقتا ثم يمحوه ويؤيد هذا المعنى ما رواه ابن عبد البر عن زيد بن ثابت وابن مسعود وعلى فى محو المكتوب . وما رواه من قول مالك : فمن كتب منهم الشىء فانما كان يكتبه ليحفظه فاذا حفظه محاه . وهذا الوجه يصلح جوابا عن حديث الاذن لعبد الله بن عمرو بالكتابة ويؤيده قول عبد الله. كنت أكتب كل شىء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه فصرح بأنه كان يكتب ليحفظ . وقد علمت ما قاله أئمة الحديث فى رواية حفيده عن النسخة المكتوبة ويصلح أيضا جوابا عن صحيفة على وكتاب عمرو ابن حزم ) اهـ . ونحن نقول فى الرد عليه : أن الخصوصية لا تثبت لمجرد الاحتمال ودعوى أنه سيىء الحفظ تحتاج الى نقل صحيح ولم يوجد ولو سلمناه فليس حديث أبى شاه هو كل ما ورد فى الاذن بالكتابة . وأما ما ذكره فى الوجه الثالث من وجوه الجمع فيعارضه أن عبد الله ابن عمرو بن العاص كان يكتب الحديث لا لضعف حفظه ولكن ليرجع اليه عند الحاجة وقد أذن له النبى صلى الله عليه وسلم بذلك اذنا مطلقا فكتب عنه صحيفته الصادقة التى بقيت فى آله الى أن رواها عنه حفيده عمرو بن شعيب واعتمدها أكابر المحدثين كالبخارى ومالك وأحمد واسحق بن راهويه وغيرهم . ويعارضه أيضا ما ثبت أن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن النبى صلى الله عليه وسلم خص عليا رضى الله عنه بشىء من الوحى فسأل عليا رضى الله عنه أبو جحيفة وقيس بن عبادة ٢٣٢ والاشتر النخعى فى ذلك فقال على كرم الله وجهه : ما عندنا شىء نقرؤه الا كتاب الله وهذه الصحيفة وكان فيها أحكام الديات ومقاديرها وأصنافها وحكم تخليص الأسير من يد العدو والترغيب فى ذلك وحكم تحريم قتل المسلم بالكافر وفرائض الصدقة الى غير ذلك من الأحكام . فلو كانت كتابة الحديث لأجل الحفظ فقط ثم يجب محوها بعد ذلك لما بقيت صحيفة على الى زمن خلافته . وأما محو بعض الصحابة لما كتبوه أو أمرهم بذلك فليس لأن الكتابة منهى عنها على وجه البقاء . بل لخشيتهم أن يشتغل بها الناس عن القرآن ولما يحفظوه بعد . أو لأنهم رأوا أن الأولى التعويل على الحفظ استنهاضا لعزائم الناس وهممهم على تنمية ملكة الحفظ التى فطر عليها العرب . أو لأن هذه الصحف كانت منقولة عن أهل الكتاب فخافوا أن يشتغل بها الناس عن دينهم بدليل ما رواه ابن عبد البر أن الأسود وعلقمة أصابا صحيفة فانطلقا بها الى عبد الله بن مسعود فقالا هذه صحيفة فيها حديث حسن فأمر ابن مسعود بماء فمحاها وتلا. ( نحن نقص عليك أحسن القصص ) قالا : انظر فيها فان فيها حديثا عجيبا فجعل يمحوها ويقول : هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره . قال أبو عبيد ( أحد رواة هذه القصة) . يرى أن هذه الصحيفة أخذت من أهل الكتاب فلذاكره عبد الله رحمه الله النظر فيها واذن فلا طريق للجمع بين أحاديث النهى وأحاديث الاذن فى الكتابة على وجه مقبول الابما ذكرناه واستظهرناه لا بما ذكره الشيخ واستظهره . خامسا - حاول الشيخ أن يقدم أحاديث النهى عن الكتابة على أحاديث الاذن بها على تقدير صحتها وتعذر الجمع بينها فقال : ( ولو فرضنا أن بين أحاديث النهى عن الكتابة والاذن بها تعارضا يصح أن ٢٣٣ يكون أحدهما ناسخا للآخر لكان لنا أن نستدل على كون النهى هو المتأخر بأمرين . أحدهما : استدلال من روى عنهم من الصحابة الامتناع عن الكتابة ومنعها بالنهى عنها وذلك بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم وثانيهما : عدم تدوين الصحابة الحديث ونشره ولو دونوا ونشروا لتواتر ما دونوه . وتقول فى الرد عليه : - أولا - أن أحاديث الاذن بالكتابة أصح عند المحدثين من أحاديث النهى بدليل أن البخارى وغيره أعلوا حديث أبى سعيد الخدرى فى النهى عن كتابة الحديث . وقالوا: الصواب وقفه على أبى سعيد مع أن هذا الحديث باعتراف الشيخ هو أقوى أحاديث المنع على الاطلاق . ثانيا - أنه على تقدير التعارض بين أحاديث الاذن والنهى فقد كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الاذن بالكتابة دون النهى عنها بدليل ما أخرجه البخارى عن ابن عباس قال : لما اشتد بالنبى صلى الله عليه وسلم وجعه قال اثتونى بكتاب اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده وفى بعض رواياته (( لما حضرت النبى صلى الله عليه وسلم الوفاة )) وله من حديث سعيد بن جبير أن ذلك كان يوم الخميس وهو قبل موته صلى الله عليه وسلم بأربعة أيام (١) . ووجه الدلالة من الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم هم قبيل وفاته أن يكتب لأمته كتابا يحصل معه الأمن من الاختلاف وهو لا يهم الا بحق . ثالثا - ان امتناع بعض الصحابة عن كتابة الحديث ومنعهم منها لم يكن سببه نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن كتابة الحديث ، بدليل (١) أنظر جـ ١ ص ١٤٦ من فتح البارى ٢٣٤ أن الآثار الواردة عنهم فى المنع أو الامتناع من كتابة الحديث لم ينقل فيها التعليل بذلك وانما كانوا يعللون بمخافة أن يشتغل الناس بها عن كتاب الله ، أو بمخافة أن يهمل الناس الحفظ اعتمادا على الكتابة أو لغير ذلك من الأغراض . رابعا - ان عدم تدوين الصحابة للحديث كما دونوا القرآن وجمعوه لم يكن لنهى النبى صلى الله عليه وسلم عن كتابة الحديث وانما كان خوف أن تختلط بصحف القرآن فيلتبس على الناس أمر دينهم فى وقت لم يجمع القرآن فيه الا نفر قليل من الصحابة . وقد روى البيهقىّ فى المدخل عن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستشار فى ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشاروا عليه أن يكتبها فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا ثم أصبح يوما وقد عزم الله له فقال انى كنت أردت أن أكتب السنن وانى ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله وانى والله لا ألبس كتاب الله بشىء أبدا)) فهذا الأثر يدل على جواز كتابة الحديث بدليل أن الصحابة رضى الله عنهم أشاروا عليه بذلك وأن عمر رضى الله عنه رأى أن يأخذ الحيطة لكتاب الله ويتوثق لصيانته وذلك يستدعى أن تكون الكتابة قاصرة على القرآن وأن يكتفى فى الأحاديث بالحفظ لئلا يختلط الأمر على الناس فما كان للصحابة أن يشيروا على عمر بكتابة السنن إذا كان النهى عنها هو آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم بل لو كان النهى عن كتابة السنن باقيا لما جاز لهم أن يسكتوا عن الانكار على عمر عزمه على كتابة السنن فضلا عن أن يشيروا عليه بكتابتها . هذا ولا بأس أن ننقل هنا نصوصا لبعض العلماء فى كتابة الحديث فنقول : ٢٣٥ قال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى : ان السلف اختلفوا فى ذلك - يعنى كتابة العلم - عملا وتركا وان كان الأمر استقر والاجماع انعقد على جواز كتابة العلم بل على استحبابه بل لا يبعد وجوبه على من خشى النسيان مِمَّنْ يتعين عليه تبليغ العلم (١). اهـ وقال أبو عمر بن عبد البر: (( من كره كتاب العلم إنما كرهه لوجهين : لئلا يتخذ مع القرآن كتاب يضاهى به - ولئلا يشكل الكاتب على ما يكتب فلا يحفظ فيقل الحفظ . ثم قال : وليس أحد اليوم على هذا ولولا الكتاب لضاع كثير من العلم . وقد أرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كتاب العلم ورخص فيه جماعة من العلماء وحمدوا ذلك . وقد دخل على ابراهيم النخعى شىء فى حفظه لتركه الكتاب . وعن منصور قال : كان ابراهيم يحذف الحديث فقلت له : ان سالم بن الجعد يتم الحديث قال ان سالما كتب وأنا لم أكتب . قال ابن عبد البر فهذا النخعى مع كراهته لكتابة الحديث قد أقر بفضل الكتاب)) (٢) اهـ. وقال ابن الصلاح فى النوع الخامس والعشرين من مقدمته : اختلف الصدر الأول رضى الله عنهم فى كتابة الحديث فمنهم من كره كتابة الحديث والعلم وأمروا بحفظه ومنهم من أجاز ذلك قال : ثم انه زال ذلك الخلاف وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك واباحته . ولولا تدوينه فى الكتب لدرس فى الأعصر الآخرة)). اهـ (٣). فكيف يجمع المسلمون على نقيض آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم . (١) أنظر فتح البارى جـ ١ ص ١٤٦ (٢) أنظر جامع بيان العلم وفضله جـ ١ ص ٦٨ و ٧٠ (٣) ص ٨٧ - ٨٨. ٢٣٦ سادسا - استخلص الشيخ من بحثه هذا أن الصحابة لم يدونوا الأحاديث لأنهم لم يريدوا أن يجعلوها دينا عاما دائما كالقرآن مؤيدا ذلك يعمل عمر بن الخطاب على خلاف بعض الأحاديث . وباكتفاء علماء الأمصار كأبى حنيفة بما بلغه منها وعدم تعنيه فى جمعها . وبمخالفة الفقهاء لكثير من الأحاديث الصحيحة ونحن ننقل ذلك عنه بالتفصيل ونرد عليه فنقول : (١) قال الشيخ : وإذا أضفت الى هذا ما ورد فى عدم رغبة الصحابة فى التحديث بل رغبتهم عنه بل فى نهيهم عنه قوى عندك ترجيح كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث دينا عاما دائما كالقرآن . اهـ وتلك لعمر الله مقدمات عقيمة ونتيجة باطلة وذلك لأن الصحابة انما أمروا بتقليل الرواية لئلا يكثر الخطأ أو السهو فى الأحاديث فيدخلها ما ليس منها ولئلا يتخذها المنافقون ذريعة للكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولئلا ينصرف الناس عن القرآن ولما يتمكن من نفوسهم فضل تمكن . كذلك لم يدونوا الأحاديث لئلا يلتبس الأمر على عامة الناس فيضاهوا بصحف الحديث صحف القرآن ومخافة أن تقضى الكتابة على ملكة الحفظ فيهم . فلم يكن عدم تدوين الأحاديث وقلة التحديث من الصحابة رضى الله عنهم لما ذكره الشيخ من أنهم يريدون ألا يتخذوا الأحاديث دينا عاما دائما فهذه نتيجة لا أساس لها . وأن القرآن العظيم ليفضح أمرها ويكشف سترها . وقد تكلمنا فى المقدمة على منزلة السنة فى الدين فارجع اليها ان شئت . (ب) قال الشيخ : ولو كانوا فهموا عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه يريد ذلك لكتبوا ولأمروا بالكتابة ولجمع الراشدون ما كتب ٢٣٧ وضبطوا ما وثقوا به وأرسلوه الى عمالهم ليبلغوه ويعملوا به ولم يكتفوا بالقرآن والسنة المتبعة المعروفة للجمهور بجريان العمل بها . وبهذا يسقط قول من قال : ان الصحابة كانوا يكتفون فى نشر الحديث بالرواية . اهـ نقول . أن الصحابة رضى الله عنهم فهموا عن نبيهم أنه يريد أن تكون السنة دينا عاما دائما . وكيف لا يفهمون ذلك عنه صلى الله عليه وسلم وهو يقول لهم فى حجة الوداع قبل وفاته بقليل : ( ان الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضى أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم واحذروا . انى قد تركت فيكم ما ان اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه ) رواه الحاكم وصححه وله أصل فى الصحيح وكيف لا يفهم الصحابة عن نبيهم ذلك وهو القائل : ( من رغب عن سنتي فليس منى) رواه مسلم الى غير ذلك من الأحاديث (الكثيرة المشهورة (١). نقول كيف لا يفهمون ذلك عن نبيهم والقرآن يأمرهم بطاعته ويحذرهم مخالفة أمره . ويحتم عليهم قبول حكمه والاذعان لقضائه كما جاء ذلك فى كثير من آياته . قال تعالى ((وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)) الآية. وقال تعالى (( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا (الله وأطيعوا الرسول)) الآية. وقال تعالى. ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ». الحق أن الصحابة فهموا أن السنة دين عام دائم كالقرآن وكان هذا أمرا بدهيا عندهم لا يحتاج الى استدلال بل هو ضرورة من ضرورات الدين وبدهى عند عامة المسلمين فى جميع الأزمان حتى اليوم . (١) أنظر الترغيب والترهيب جـ ١ ص ٤٠ ٢٣٨ أما انهم لو علموا ذلك لكتبوا ولأمروا بالكتابة إلى آخر ما قاله الشيخ فهذا غير لازم لما قدمناه لك . واما انهم اكتفوا بالقرآن والسنة المتبعة المعروفة للجمهور الخ ... فهذا غير مسلم ولا يقوله الا من جهل طريقة الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة من ورائهم فى العمل بأحكام الدين وكيف كانوا يأخذونها ، فقد تقدم لنا أن أبا بكر وعمر رضى الله عنهما كانا يطلبان الحكم أولا من القرآن ثم اذا لم يجداه فيه طلباه فى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فان لم يوجد عندهما حديث فى الحادثة سألا عنه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . فاذا لم يجدا عندهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعا رؤوس الناس وعلماء الصحابة وخيارهم للمشاورة فيما عرض من الحوادث ثم يقضيان بما اجتمعوا عليه . كما كان من عادتهما انه اذا استبانت لأحدهما سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قضى على خلافها فانه ينقض قضاءه ويرجع الى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقوم هذا حالهم فى احترام السنة يقال فيهم انهم لم يريدوا أن يتخذوها دينا عاما دائما . اللهم ان هذا انكار للحقائق وسير فى طريق الخيال وهوى متبع واعجاب بالرأى ( ومن أضل مِمَّن اتبع هواه بغير هدى من الله ) واذا كان هذا حال العمرين اللذين كانا أعلم الصحابة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يقال ان الصحابة كانوا يكتفون بالقرآن والسنة المتبعة المعروفة . (جـ) قال الشيخ . واذا أضفت الى ذلك كله حكم عمر بن الخطاب على أعين الصحابة بما يخالف بعض تلك الأحاديث ، ثم ما جرى عليه علماء الأمصار فى القرن الأول والثانى من اكتفاء الواحد منهم كأبى حنيفة ٢٣٩ بما بلغه ووثق به من الحديث وان قل وعدم تعنيه فى جمع غيره اليه فيفهم دينه ويبين أحكامه قوى عندك ذلك الترجيح . اهـ وللرد عليه نقول : - أولا - ما رمى به عمر بن الخطاب من أنه كان يخالف السنة على مرأى ومسمع من الصحابة فهذا حكم جائر بالنسبة لعمر بن الخطاب . أليس عمر هو القائل ( أصحاب الرأى أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم فاياكم واياهم )(١) فهل هذا قول صحابى يفهم أن السنة ليست دينا عاما دائما ويتعمد مخالفتها أو هو قول من عرف للسنة قدرها وحذر الناس عن مخالفتها ونعى على أصحاب الرأى آراءهم المعارضة لها . أما ما ورد من حكم بعض الصحابة والتابعين أو الأئمة المجتهدين على خلاف بعض الأحاديث فان لهم أعذارا تكلمنا عليها فى مقدمة كتابنا هذا ينبغى للقارىء الرجوع اليها ليتضح له المقام بما يرفع الملام عن هؤلاء الأئمة . ثانيا - يرمى الأستاذ علماء المسلمين فى القرنين الأول والثانى بعدم اهتمامهم بجمع الأحاديث وأنت أيها القارىء اذا اطلعت على ما كتبناه عن رحلة العلماء من الصحابة والتابعين فى القرن الأول وأعمال الأئمة فى القرن الثانى فانك ترى العجب . تری جهودا جبارة بذلت فى سبيل جمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعناية فائقة بتمحيص الأسانيد ونقد المتون ومناهضة الوضاعين بما لم يتوفر لدى أمة من الأمم. (١) أنظر أعلام الموقعين لابن القيم جـ ١ ص ٤٥ . ٢٤٠ ثالثا - يرمى الأستاذ أبا حنيفة بأنه كان يكتفى بالقليل من الأحاديث ولا يكلف نفسه عناء البحث عن سائرها ليفهم دينه الى آخر ما قال . ومعنى هذا أن أبا حنيفة يرى فى السنة ما يراه الشيخ . ونعيذ أبا حنيفة كما نعيذ سائر علماء المسلمين من هذه الوصمة القبيحة . لقد كان. أبو حنيفة اماما واماما مجتهدا يبذل وسعه ويفرغ جهده فى استطلاع الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة . وما جاء عنه من الأحكام مخالفا لبعض الأحاديث فهو معذور فيه على ما بيناه فى المقدمة ونزيد هنا ان أباحنيفة رضى الله عنه اشترط فى قبول الحديث شروطا شديدة أملاها عليه البيئة التى عاش فيها فقد كان بالعراق التى هى عش الخوارج والشيعة وكثير من أخلاط الأمم وأوشاب الناس الذين أخذوا يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قيل فى العراق انها ((دار ضرب الحديث)) فلا عجب أن يتوقى الامام أبو حنيفة لدينه ويحتاط للحديث لئلا يدخل عليه من الأباطيل ما يفسد عليه أمره ولعل الذى دعا أبا حنيفة. الى عدم الاكثار من الرحلة فى طلب الحديث أن الكوفة كانت فى الصدر الأول مهبط الصحابة الذين بثوا أحاديثهم وعلمهم فى التابعين من أهل العراق الى غير ذلك من الاعتبارات . وسيمر بك البيان الشافى فى مبحث. النزاع فى حجية السنة فى القرن الثانى . (د) قال الشيخ . ( بل تجد الفقهاء - بعد اتفاقهم - على جعل الأحاديث أصلا من أصول الأحكام الشرعية وبعد تدوين الحفاظ لها فى الدواوين وبيان ما يحتج به وما لا يحتج به لم يجتمعوا على تحرير الصحيح والاتفاق على العمل به فهذه كتب الفقه فى المذاهب المتبعة لا سيما كتب الحنفية. فالمالكية والشافعية فيها مئات من المسائل المخالفة الأحاديث المتفق عليها وعلى صحتها ولا يعد أحد منهم مخالفا لأصول.