Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ قال : الذين يعملون بالعلم قال : فما يذهب العلم من قلوب العلماء قال : الطمع وشره النفس وتطلب الحاجات الى الناس قال : صدقت . طعن بعض المعاصرين فيه وتفنيد ذلك : ومع ثناء العلماء عليه وتوثيق النقاد له واخراج البخارى ومسلم وأصحاب السنن عنه نجد بعض المغرورين فى هذا العصر من أدعياء العلم يطعن فى كعب بأنه كان يكذب فى الأخبار وأن له يدا فى مقتل عمر رضى الله عنه . أما أنه كان يكذب فى الأخبار فدليله عندهم ما رواه البخارى فى كتاب الاعتصام عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال : إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وان كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب)) . والجواب عن ذلك أن هذا القول من معاوية توثيق لكعب وثناء عليه بأنه أصدق المحدثين عن أهل الكتاب ، وان فى بعض تلك الأخبار التى ينقلها بأمانة ما لا يطابق الواقع فالكذب حينئذ مضاف الى تلك الكتب التى ينقل عنها لا الى كعب ولذلك يقول ابن الجوزى : المعنى أن بعض الذى يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذبا لا أنه يتعمد الكذب ، والا فقد كان كعب من أخيار الأحبار )) . أهـ فما أشبه قول معاوية: ((وان كنا لنبلو عليه الكذب )) بقول ابن عباس فيه : (( بدل من قبله فوقع فى الكذب )) . وأما قولهم : أن له يدا فى مقتل عمر رضى الله عنه فدليله عندهم ما رواه ابن جرير أن كعبا جاء الى عمر بن الخطاب قبل مقتله بثلاثة أيام ، وقال له : اعهد فانك ميت فى ثلاثة أيام ، قال وما يدريك ، قال : أجده فى كتاب الله عز وجل فى التوراة ، قال عمر: أنك لتجد عمر بن ١٨٢ الخطاب فى التوراة ، قال : اللهم لا ، ولكن أجد صفتك وحليتك ، وأنه قد فنى أجلك )) قالوا : فهذه القصة تدل على وقوف كعب على مكيدة قتل عمر ، بل على اشتراكه فيها ، ثم وضعها هو فى هذه الصيغة الاسرائيلية ليدفع عن نفسه التهمة ، ولينال ثقة المسلمين فيما يخبرهم به عن التوراة وغيرها . والجواب أن ابن جرير وغيره من المؤرخين لم يلتزموا الصحة فيما ينقلون ويحكون ، ولذا تجد فى كتبهم الضعيف والموضوع ، والباحث المنصف اذا نقل خبرا من هذه الكتب ينبغى أن يمحصه سندا ومتنا ، ولا يأخذه قضية مسلمة . ونحن اذا نظرنا فى هذه القصة لا نشك فى أنها تنادى على نفسها بالكذب والاختلاق ، وذلك : ١ - لأنها لو كانت فى التوراة لما اختص بعلمها كعب وحده ، ولكن كان يشاركه العلم بها أمثال عبد الله بن سلام ممن لهم علم بالتوراة . ٢ - ولأنها لو صحت لكان المنتظر من عمر حينئذ أن لا يكتفى بقول كعب ، ولكن يجمع طائفة ممن أسلم من أهل الكتاب ، ولهم احاطة بالتوراة ، ويسألهم عن هذه القصة ، وهو لو فعل لافتضح أمر كعب ، وظهر للناس كذبه ، ولتبين لعمر أنه شريك فى مؤامرة دبرت لقتله، أو أنه على علم بها ، وحينئذ يعمل عمر على الكشف عنها بشتى الوسائل ، وينكل بمدبريها ومنهم كعب . هذا هو المنتظر من أى حاكم عادى يقال له مثل ذلك ، فضلا عن عمر ، المعروف بكمال الفطنة ، وحدة الذهن ، وتمحيص الأخبار . لكن شيئا من ذلك لم يحصل ، فكان ذلك دليلا على اختلاقها . ١٨٣ ٣ - وأيضا فانها لو صحت لكان معناها أن كعبا له يد فى المؤامرة وأنه يكشف عن نفسه بنفسه ، وذلك باطل لمخالفته طباع الناس ، اذ المعروف أن من اشترك فى مؤامرة ، يبالغ فى كتمانها بعد وقوعها ، تفاديا من تحمل تبعتها ، ويشتد حرصه ، وتزداد مبالغته فى الكتمان قبل وقوعها ، حرصا على نجاحها ، فالكشف عن المؤامرة قبل وقوعها لا يكون الا من مغفل أبله ، وهذا خلاف ما كان عليه كعب ، من حدة الذهن ، ووفرة الذكاء . ٤ - ثم ما للتوراة وتحديد أعمار الناس ، وتاريخ وفياتهم ? ان الله انما أنزل الكتب نورا وهدى للناس ، لا لمثل هذه الأخبار التى لا تعدو أصحابها . ومن ذلك كله يتبين لك أن هذه القصة مفتراة بدون أدنى اشتباه ، وان رمى كعب بالكيد للاسلام فى شخص عمر ، والكذب فى النقل عن التوراه ، اتهام باطل لا يستند على دليل أو برهان ، ومن عجيب أمر هؤلاء الطاعنين ، أنهم يجعلون روايات المؤرخين حجة لا يأتيها الباطل بحال اذا كان لهم غرض فى اثبات مضمونها ، ويتشككون فى روايات البخارى ومسلم اذا جاءت على غير ما يشتهون . وهب بن منبه هو التابعى العابد الثقة ، أبو عبد الله وهب بن منبه ، اليمانى الصنعانى ، عالم أهل اليمن وحافظهم ، وقاضيهم على مدينة صنعاء ، كان من أبناء فارس ، وأصل والده ( منبه ) من خراسان ، من أهل هراة ، بعثه كسرى فيمن بعثه لأخذ اليمن ، وأسلم فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم ، وولد له وهب هذا سنة أربع وثلاثين وهو باليمن ١٨٤ وكانت له - الى جانب علمه بالكتاب والسنة - خبرة واسعة بكتب أهل الكتاب والتاريخ والشعر ، حتى اجتمع له علم عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ، روى عنه أنه قال : يقولون عبد الله بن سلام أعلم أهل زمانه ، وكعب أعلم أهل زمانه ، أفرأيت من جمع علمهما ، ( يعنى نفسه ) - روى الحديث عن أبى هريرة وعبد الله بن عمر بن الخطاب وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبى سعيد الخدرى وجابر وغيرهم . وروى عنه ابناه عبد الله وعبد الرحمن وابن أخيه عبد الصمد وعمرو بن دينار وسماك بن الفضل وعوف الأعرابى وآخرون . وأخرج له البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى والترمذى - وكانت وفاته سنة مائة وعشر فى أحد الأقوال . ثناء العلماء عليه : قال العجيلى : كان وهب ثقة تابعيا ، وقال الذهبى : كان ثقة صادقا كثير النقل من كتب الاسرائيليات ، وقال النسائى : ثقة ، وقال أحمد : كان يتهم بشىء من القدر ثم رجع ، وقال ابن حجر : وثقة الجمهور وشذ الفلاس فقال : كان ضعيفا وشبهته فى ذلك أنه كان يتهم بالقول فى القدر ، وقال مثنى بن الصباح : لبث وهب عشرين سنة لم يجعل بين الفجر والعشاء وضوا . وممن أثنى عليه عمر ابن عبد العزیز ، کتب الیه وهب : انی فقدت من بيت مال الیمن دنانير ، فكتب إليه عمر : أما بعد فانى لست أتهم دينك ولا أمانتك ، ولكن أتهم تضييعك وتفريطك ، وانما أنا حجيج المسلمين فى مالهم ، وانما لأشحهم يمينك فاحلف لهم ، والسلام . واذ قد تبين لك مما أسلفنا أن كعبا ووهبا كانا من خيار التابعين ، فرانا مسوقين الى ذكر كلمة عن ((الاسرائيليات)) يتبين لك منها - ان شاء الله - مدى كذب من يقدحون فيهما وفيمن أخذ عنهم فنقول : ١٨٥ الاسرائيليات ((على أى وجه كانت تروى وتؤخذ ، أخذها بالميزان الشرعى لا يعد طعنا فى الصحابة والتابعين ، لا خطر من الأسرائيليات اذا وزنت بميزان الشرع ، التوفيق بين النهى عن سؤال أهل الكتاب والاذن بالتحديث عنهم ، ذكر الاسرائيليات فى كتب الأئمة لا يفيد أنها صحيحة . كعب ووهب ليسا من اليهود )) ١ - ما رواه الصحابة رضوان الله عليهم عن كعب الأحبار ووهب ابن منبه وأضرابهما ليس هو الحديث النبوى ، وانما هو أخبار اسرائيلية ، نقلها هؤلاء عن كتب أهل الكتاب . ٢ - وقد أخبر الله عن أهل الكتاب أنهم غيروا فى كتبهم وبدلوا ، فامتزج الحق فيها بالباطل ، والصدق بالكذب ، ومن أجل ذلك كان موقف الصحابة ازاء ما يروى لهم منها : (١) أن يصدقوا ما وافق القرآن أو السنة ، لأن هذه الموافقة دليل على أن الموافق لم تتناوله يد التحريف والتبديل (٢)، وأن يكذبوا ما جاء على خلاف القرآن أو السنة ، لأن المخالفة دليل على أن أيديهم قد امتدت اليها بالعبث والتغيير ، (٣) وأما ما لا يصدقه شرعنا ولا يكذبه ، واحتمل أن يكون وأن لايكون، فقد جاء فيه حديث البخارى عن أبى هريرة قال : (( كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ، ويفسرونها بالعربية لأهل الاسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل اليكم .. الآية )) وحديث ابن عبد البر عن عطاء بن يسار قال: (( کانت يهود يحدثون أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ، فيسبحون كأنهم يتعجبون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنا بالذى ١٨٦ أنزل إلينا وأنزل إليكم، والهنا والهكم واحد ، ونحن له مسلمون )) ، وحكمة النهى عن التصديق والتكذيب فى هذا الضرب من أخبارهم أفصح عنها حديث أبى نملة الأنصارى عند ابن عبد البر: (( انه بينا هو جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل من اليهود ، فقال : يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أعلم ، فقال اليهودى : أنا أشهد أنها تتكلم ، فقال رسول الله صلى الله. عليه وسلم : ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنا بالله و کتبه ورسله ، فان كان حقا لم تكذبوهم ، وان كان باطلا لم تصدقوهم)) ولفظ عبد الرزاق فى هذا الحديث: (( فان كان باطلا لم تصدقوه ، وان كان حقا لم تكذبوه))، وقد أشار الى ما أسلفنا صاحب فتح البارى اذ يقول: (( قوله لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم)) أى اذا كان ما يخبرونكم به محتملا ، لئلا يكون فى نفس الأمر صدقا فتكذبوه ، أو كذبا فتصدقوه ، فتقعوا فى الحرج ، ولم يرد النهى عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه ، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه ، نبه على ذلك الشافعى رحمه الله أ هـ (ج ٨ - ص ١٢٩ من الأميرية ) . ٣ - ولا ينبغى أن يجعل من تلقى الاسرائيليات على هذا الوجه ، ذريعة للطعن فى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأنهم كانوا يزنونها بالميزان الشرعى كما أسلفنا، وكان ذلك منهم بعد استقرار أصول الشريعة وارساء قواعدها ، وكان فى الأخبار والقصص لا فى العقائد والأحكام ، فلم تكن رواية هذه الأخبار بالتى تزلزل عقائدهم ، أو تشوش أفكارهم ، ومنزلتهم معروفة فى العلم والدين - كما لا ينبغى أن يتخذ من رواية هذه الاسرائيليات ، وسيلة للطعن فى رواتها من ١٨٧ أمثال كعب ووهب ممن أثنى عليهم الصحابة ، وزكاهم أهل البصر بالتعديل والتجريح ، وذلك لأنهم حكوها عن الكتب غير مصدقين لها على الاطلاق ، بل كانت عقيدتهم فيها كعقيدة الصحابة ما جاء على وفق شرعنا صدقوه ، وما خالفه كذبوه ، ومالم يوافق أو يخالف شرعنا ردوا فيه العلم الى الله عز وجل ، وما مثلهم فيما ينقلون ويحكون ألا كمثل رجل أمين أراد أن يطلعك على كتاب مؤلف بغير لسانك ، فترجمه إلى لغة تفهمها ، لتعرف ما فيه ان صدقا وان كذبا ، والصدق أو الكذب حينئذ يضاف الى الكتاب لا الى الناقل ، وليس أمثال ابن مسعود وابن عباس وأبى هريرة وابن عمرو بالقاصرين عن تمييز الخبيث من الطيب حتى يقال : أن نقلها أليهم يشوش على أفكارهم وعقائدهم . ٤ - أما اذا أخذت الاسرائيليات على غير المنهج الشرعى ، كأن صدق الآخذ جميع ما فيها أو كذبه ، أو كان غير ملم بأصول الشريعة وقواعدها ، أو لم يكن لديه من قوة النظر وشفوف الذهن ما به يستطيع أن يميز بين حقها وباطلها ، أو جعلها من موارد الشريعة يأخذ عنها العقائد والأحكام ، فإنه حينئذ يكون لها أكبر الأثر فى افساد العقيدة ، وتشويش الأفكار ، وقد نهى الشارع عن أخذها كذلك أعظم النهى ، روى البخارى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : كيف تسألون أهل الكتاب عن شىء ، وكتابكم الذى أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث ، تقرؤونه محضا لم يشب ، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه ، وكتبوا بأيديهم الكتاب ، وقالوا هو من عند الله، ليشتروا به ثمنا قليلا ، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم ، لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذى أنزل عليكم )) وروى عبد الرازق عن عبد الله ((هو ابن مسعود)) قال: لا تسألوا أهل ١٨٨ الكتاب عن شىء ، فانهم لن يهدوكم ، وقد أضلوا أنفسهم ، فتكذبون بحق ، وتصدقون بباطل ، ( زاد فى رواية ) ان كنتم سائليهم لا محالة فانظروا ما واطأ كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فدعوه )) وروى ابن عبد البر عن يحيى بن جعدة قال : أتى النبى صلى الله عليه وسلم بكتاب فى كتف ، فقال : كفى بقوم حمقا وضلالة ، أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم الى نبى غير نبيهم أو كتاب غير كتابهم ، فأنزل الله عز وجل : أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم .. الآية )) وأخرج ابن عبد البر باسناد فيه (( مجالد )) : أن عمر بن الخطاب أتى النبى صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض الكتب ، فقال : يا رسول الله أنى أصبت كتابا حسنا من بعض أهل الكتاب ، قال : فغضب وقال : أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب ، والذى نفسى بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، لا تسألوهم عن شىء فيحدثونكم بحق فتكذبوا به ، أو بباطل فتصدقوا به ، والذى نفسى بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه ألا أن يتبعنى))، إلى غير ذلك من الأحاديث والآثار ، وان يكن فى بعضها مقال ، فتعدد طرقها يعطيها قوة تجعلها صالحة للاحتجاج . ٥ - وقد التبس على بعض المعاصرين ، الذين اعتادوا أن يتلقفوا عن الكتب كل صحيح وسقيم، وجه التوفيق بين هذه الأحاديث والآثار التى تفيد النهى عن سؤال أهل الكتاب ، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص فى جواز الاذن بالتحديث عن أهل الكتاب، وهو ما رواه البخارى عنه، رضى الله عنه ، ان النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( بلغوا عنى ولو آية، وحدثوا عن بنى اسرائيل ولا حرج، ومن كذب علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار )) فزعم أن الحديث باطل غير صحيح ، والحديث صحيح والحمد لله ، ويكفيك أنه فى صحيح البخارى مسندا موصولا ، ١٨٩ ولم يتكلم فيه أحد من أهل هذا الشأن بكلمة ، ولا تعارض بينه وبين ما ذكرنا من الأحاديث والآثار ، وذلك لأن المعنى حدثوا عنهم بما تعلمون صدقه ، وهو ما يوافق القرآن أو السنة الصحيحة ، لما فى الحديث عنهم من العظة والاعتبار ، ولا يجوز أن يكون المعنى ، حدثوا عنهم بكل حديث حق أو باطل ، اذ من المعلوم ضرورة أن النبى صلى الله عليه وسلم لا يجيز التحديث بالكذب ، كما لا يجوز أن يكون المعنى ، حدثوا عنهم بما لا تعلمون كذبه ، لما سنذكره ، وقوله فى الحديث (( ولا حرج)) أى لا ضيق عليكم فى الحديث عنهم ، لأنه كان قد تقدم منه صلى الله عليه وسلم الزجر عن الأخذ عنهم ، والنظر فى كتبهم ، على ما سمعت ، ثم حصل التوسع فى ذلك ، لا لكل أحد ، ولكن لمن رسخ فى علوم الشريعة ، وتمكن من معرفة أصولها ، وصار لديه من قوة النظر ، ما به يستطيع أن يميز بين الحق والباطل ، والصواب والخطأ ، كما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص، أصاب يوم ((اليرموك )) زاملتين من علوم أهل الكتاب ، فكان يحدث منهما بما أذن به الشارع لا بكل ما فيهما (( كما يقول الجاهلون والمقصرون)) - هذا وحذاق العلماء قديما وحديثا ، من دأبهم أن ينظروا فى كتب أهل الكتاب ، ليجادلوهم بالتى هى أحسن ، وليقيموا عليهم الحجة على صحة الرسالة المحمدية بما يعتقدون، وقد قال تعالى: (( فان كنت فى شك مما أنزلنا اليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك)) وقال : (( قل فأتوا بالتوراة فاتلوها ان كنتم صادقين)) وقال: ((ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم ومن عنده علم الكتاب)) أى التوراة . قال الحافظ فى الفتح ( ج ٦ - ص ٣٦١ من الأميرية ) : (( وكأن النهى وقع قبل استقرار الأحكام الاسلامية ، والقواعد الدينية ، ١٩٠ خشية الفتنة ، ثم لما زال المحذور وقع الاذن فى ذلك ، لما فى سماع الأخبار التى كانت فى زمانهم من الاعتبار )) أهـ وينبغى أن يخص الاذن بمن تمكن فى علوم الشريعة ، وقويت معرفته بأصولها كما ذكرنا ، وألا لحدث اللبس والتخليط فى العقائد (١) وقد صرح بذلك الحافظ نفسه فى موضع آخر من فتح البارى ( ج ١٣ - ص ٤٣٨ ) إذ يقول : (( والأولى فى هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن ويصر من الراسخين فى الايمان فلا يجوز له النظر فى شىء من ذلك ، بخلاف الراسخ فيجوز له ، ولا سيما عند الاحتياج الى الرد على المخالف ، ويدل على ذلك نقل الأئمة قديما وحديثا من التوراة ، والزامهم اليهود بالتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم ، بما يستخرجونه من كتابهم ، ولولا اعتقادهم جواز النظر فيه لما فعلوه وتواردوا عليه)) أ هـ وبهذا البيان تجتمع لديك الأحاديث والآثار ، ولا يكون بينهما تناقض أو اختلاف - ويرى بعضهم أن معنى حديث عبد الله بن عمرو : حدثوا عن بنى اسرائيل بمالم يثبت لديكم كذبه فى المواعظ والقصص ، لا فى العقائد والأحكام - وحمل (١) من هنا تستطيع التوفيق بين منع ابن مسعود وابن عباس عن سؤال أهل الكتاب والنظر فى كتبهم ، وما كان منهما من الأخذ عن كعب وغيره من مسلمى أهل الكتاب . كما تستطيع أن تفهم سر منع عمر بن الخطاب كَعباً من رواية الأسرائيليات ، وقوله له ((ان كنت تعلم أنها التوراة التى أنزلها اللّه على موسى فاقرأها آناء الليل والنهار)) فعمر يخشى على عامة الناس أن لا يميزوا بين الحق والباطل ، فتتشوش عليهم عقائدهم ، ويرى أن مدارسة القرآن والحديث أهم من هذا ، وكعب يرى أن ذكرما فى التوراة من البشائر النبوية وغيرهما مما أخبر عنه القرآن والحديث ، يزيد المؤمنين إيمانا ، ((ولكل وجهة هو موليها))، هذا هو الباعث لكل منهما، لا ما يزعمه المبشرون وأذنابهم من أن كعبا كان كاذبا فى الحديث عن التوراة ، وأنه كان يهوديا يتظاهر بالاسلام ليفسد عقائد المسلمين ومن أجل ذلك منعه عمر فيما يزعمون .. ١٩١ الحديث على هذا المعنى غير مرضى عندنا ، وذلك لأن مالم يثبت كذبه نوعان: (( أحدهما)) ما ثبت صدقه ، وهذا تجوز حكايته باطلاق ، ولا ينبغى أن يخص بالمواعظ والقصص، و (( ثانيهما)) مالم يثبت صدقه ولا كذبه ، ولا فائدة تعود على المسلمين من التحديث بهذا النوع ، بعد قوله صلى الله عليه وسلم فيه: (( لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم .. الحديث)) وشرعنا والحمد لله مكتف بنفسه ، وليس بحاجة الى مثل هذا ، ففيه من العقائد والأحكام ، والأخلاق والآداب ، والمواعظ والأمثال، ما فيه كفاية وذكرى ، لكل من كان له قلب أوألقى السمع وهو شهيد . ٦ - وفى تفاسير كبار الأئمة كثير من الاسرائيليات المنسوبة إلى كعب ووهب وغيرهما ، كما تراه فى تفسير ابن جرير وغيره ، ولا ينبغى أن يذم هؤلاء الأئمة بذكرها فى كتبهم ، لأنهم رووها على أنها اسرائيليات توزن بميزان الشرع ، ولأنهم قد ذكروا أسانيدها الى قائليها ، تاركين تمييز صحيحها من باطلها لمن يأتى بعدهم ، كما فعل المحدثون عند تدوين الحديث ، ولأنهم بذكر الأسناد قد برئوا من عهدتها ، لأن أحوال الرجال كانت معروفة المعاصريهم ، على خلاف ما نحن عليه اليوم . هذا وليس كل ما ينسب الى كعب ووهب وأضرابهما صحيحا ، فقد اختلق عليهم الوضاعون كثيرا ، ليروجوا باطلهم بنسبته إليهم ، وتناقل هذه الأخبار المكذوبة بعض القصاص والمؤرخين والأدباء ، وبعض القاصرين من المفسرين ، على أنها حقائق ، من غير أن يتثبتوا من صحة نسبتها إلى من عزيت له ، وبدون أن يفطنوا الى أنهم كانوا يروونها على أنها اسرائيليات بتقدير صحتها عنهم ، فضلوا وأضلوا ، والذنب ليس ذنب كعب ووهب ، ولكنه ذنب القصور والتقصير . ١٩٢ ٧ - ومن المضحكات المبكيات ، ما زعمه بعض أدعياء العلم فى عصرنا ، من أنه قد عنى بمطالعة الكتب التى ألفها أعداء الدين فوجد أكثر المطاعن التى تتخذ شبهة على الاسلام ، مأخوذة عن اسرائيليات تروى عن كعب ووهب ، وهذا يدل - فى نظره القاصر - على أنهما من اليهود الذين تظاهروا بالاسلام ليفسدوه ، وزعم هذا الدعى أيضا أن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الجرح والتعديل ، قد أثنوا عليهما خيرا وعدلوهما ، من غير أن يفطنوا الى ما فطن له هو من أمرهما - وهذا الزعم بنوعيه لا يصدر الا عن جاهل قد ملأه الغرور ، أو مجنون لا يدرى ما يقول ، ولو أنه كلف نفسه النظر فى أسانيد هذه الروايات التى تنسب اليهما ليتبين أصحيحة هى عنهما أم باطلة ، ثم تأمل بعد ذلك إلى أنهما كانا يرويانها على أنها اسرائيليات، ما رمى الصحابة والتابعين ومن بعدهما من حذاق الناقدين ، بهذا البهتان المبين . سعيد بن المسيب هو التابعى الجليل ، أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن القرشى المخزومى ، أبوه وجده صحابيان ، أسلما يوم فتح مكة . ولد سعيد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب . ورأى عمر وسمع منه ومن عثمان وعلى وسعد بن أبى وقاص وابن عباس وابن عمر وجبير بن مطعم وعبد الله بن زيد بن عاصم وحكيم بن حزام وأبى هريرة ومعاوية وعبد الله بن عمرو بن العاص وعائشة وأم سلمة وغيرهم من الصحابة . وروى عنه جماعات من أعلام التابعين ، كعطاء بن أبى رباح ومحمد ١٩٣ الباقر وعمرو بن دينار ويحيى الأنصارى والزهرى ( الذى أكثر عنه من الرواية ) وخلائق غيرهم. اتفق العلماء على امامته وجلالته ، وتقدمه على أهل عصره فى الحديث والعلم والفضل ، فقد كان رئيس أهل المدينة ، فى الفتوى والفقه حتى كانوا يسمونه (( فقيه الفقهاء)) قال قتادة: (( ما رأيت أحدا أعلم بحلال الله وحرامه من سعيد بن المسيب)) وقال مكحول: (( طفت الأرض كلها فى طلب العلم فما لقيت أحدا أعلم من سعيد بن المسيب )) وكان سعيد يقول: (( كنت أرحل الأيام والليالى فى طلب الحديث الواحد )) . أجمع أهل الحديث على ثقته ، وعدالته وضبطه ، وجدارته وشدة حرصه فى طلب الحديث ، وشغفه بحفظه وجمعه . كان سعيد لا يأخذ عطاء السلطان ، ويتعيش من تجارته فى الزيت ، وكان شديد الورع فى الدين ، زاهدا فى الدنيا ، توفى سنة ٩٣ هـ . عروة بن الزبير هو أبو محمد عروة بن الزبير بن العوام القرشى الأسدى المدنى ، التابعى الجليل ، كان من حفاظ الحديث المتقنين . سمع أباه الزبير وأخاه عبد الله وأمه أسماء بنت أبى بكر الصديق وخالته عائشة أم المؤمنين وسعيد بن زيد وحكيم بن حزام وأبا هريرة وكثيرا من الصحابة والتابعين ، وروى عنه عطاء وابن أبى مليكة وأبو سلمة بن عبد الرحمن والزهرى وعمر بن عبد العزيز ، كما روى عنه أبناؤه الخمسة هشام ومحمد ويحيى وعبد الله وعثمان وغيرهم . كان عروة كثير الحديث ، بحكم اختلاطه بخالته عائشة أم المؤمنين ، ١٩٤ وشدة حرصه فى طلب العلم وروايته ، مع الثقة التامة والضبط والأمانة . شهد له بذلك علماء الحديث من التابعين وغيرهم . فابن شهاب الزهرى يقول: ((كان عروة بحرا لا يكدر)). وهذا ابنه هشام يقول: (( والله ما تعلمنا منه جزءا من ألفى جزء من حديثه)) وابن عيينة يقول: ((كان أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة، القاسم وعروة وعمرة)) وقال محمد بن سعد: (( كان ثقة كثير الحديث، فقيها مأمونا عالما ثبتا ))، توفى عروة سنة ٩٤ هـ. على أحد الأقوال. نافع مولى ابن عمر هو أبو عبد الله نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم . مكنت له سماحة الاسلام ، أن أصبح من الأئمة الأعلام ، مع أنه كان مملوكا لعبد الله بن عمر ، فلم تلهه خدمة سيده عن التفقه فى الدين ، وحفظ كثير من حديث سيد المرسلين ، فسمع سيده عبد الله بن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد الخدرى وأبا لبابة ورافع بن خديج وعائشة وغيرهم من الصحابة ، وخلائق من التابعين ، منهم القاسم وسالم ويزيد ابن عبد الله وأسلم مولى عمر وعبد الله بن محمد بن أبى بكر الصديق وغيرهم . وروى عنه أبو اسحق السبيعى والحكم بن عيينة ويحيى الأنصارى ومحمد بن عجلان والزهرى وصالح بن كيسان وأيوب وحميد الطويل وميمون بن مهران وموسى بن عقبة وابن عون والأعمش وغيرهم من التابعين . وروى عنه من غير التابعين ابن جريج والأوزاعى ومالك والليث ويونس بن عبيد وابن أبي ذؤيب وبنو نافع عبد الله وعمر وأبو بكر ، وابن أبى ليلى والضحاك بن عثمان وكثير غيرهم . : ١٩٥ أجمعوا على توثيقه وأمانته وعلوّ منزلته فى رواية الحديث حتى قال البخارى : أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر ، وقال مالك اذا سمعت من نافع حديثا عن ابن عمر لا أبالى الا أسمعه من غيره )). وقال عبيد الله بن عمر: لقد من الله علينا بنافع)) وقال ابن عيينة : أى حديث أو ثق من حديث نافع )» ، ولبعد شأوه فى الحديث والفقه ، ومعرفته بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، انتدبه عمر بن عبد العزيز الخليفة العالم، بمصر يعلمهم أحكام الدين ويرويهم الحديث . قال محمد بن سعد : (( بعث عمر بن عبد العزيز نافعا إلى مصر يعلمهم السنة)) قال ((وكان كثير الحديث))، توفى نافع بالمدينة سنة سبع عشرة ومائة . عبيد الله بن عبد الله بن عتبة هو التابعى الجليل ، والحافظ المتقن ، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود الهذلى المدنى . اتفقوا على أمامته وجلالته ، وكثرة حفظه للحديث ، وضبطه له وثقته فيه ، حتى كان ابن عباس يعزه ويكرمه ، لنباهته وعلو شأنه فى الحديث والفقه، ويقول الزهرى: (( ما جالست عالما الا ورأيت أنى أتيت على ما عنده ، الا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فانى لم آته الا وجدت عنده علما طريفا )) قال عبيد الله : ما سمعت حديثا قط فأشاء أن أعيه الا وعيته)) ، ولعلو كعبه فى علوم الدين وحفظه لكثير من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم اختير لأن يكون معلما لعمر بن عبد العزيز. قال ابن سعد: ((كان عالما ثقة فقيها كثير الحديث)). أخذ عبيد الله العلم عن جماعات من الصحابة ، فسمع ابن عباس وابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد الخدرى وأبا واقد الليثى وزيد بن ١٩٦ خالد والنعمان بن بشير وعائشة وفاطمة بنت قيس وغيرهم من الصحابة ، كما سمع كثيرا من كبار التابعين . وروى عنه الحديث عراك بن مالك والزهرى وأبو الزناد وصالح بن كيسان وغيرهم . وتوفى سنة ٩٩ على أحد الأقوال . سالم بن عبد الله بن عمر هو أبو عبد الله سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشى العدوى. المدنى التابعى الامام ، سمع أباه وأبا أيوب الأنصارى ورافع بن خديج وأبا هريرة وعائشة ، كما سمع جماعات من التابعين ، وروى عنه من التابعين عمرو بن دينار ونافع مولى أبيه والزهرى وموسى بن عقبة وحميد الطويل وصالح بن كيسان وغيرهم من التابعين كما يروى عنه. خلائق من أتباع التابعين . أجمعوا على جلالته وامامته فى الفقه والحديث حتى قال اسحاق ابن راهويه أصح الأسانيد الزهرى عن سالم عن أبيه ، وقال محمد ابن سعد: (( كان سالم كثير الحديث عاليا فى الرجال ورعا)). توفى سالم سنة ست ومائة فى قول البخارى وأبى نعيم . الشعبى هو عامر بن شراحيل علامة التابعين . ولد الشعبى فى خلافة عمر بن. الخطاب سنة سبع عشرة. وكان اماما حافظا وفقيها بارعا . روى الحديث. عن على بن أبى طالب وعن أبى هريرة وابن عباس وعائشة وابن عمر وغيرهم . وهو أكبر شيخ للإمام أبى حنيفة رضى الله عنه . ولى قضاء الكوفة زمنا وظهرت فتواه زمن الصحابة ، مما يدل على أنه کان على. جانب عظيم فى الحديث والفقه . ١٩٧ وقد اتفق العلماء على امامته وثقته ، وأثنوا على علمه وفضله وتواضعه ونبله . قال مكحول : ما رأيت أعلم من الشعبى ، وقال عنه أبو حصين : ما رأيت أحدا قط أفقه من الشعبى ، وقال ابن سيرين لأبى بكر الهذلى : الزم الشعبى فقد رأيته يستفتى والصحابة متوافرون وقال ابن أبى ليلى كان الشعبى صاحب آثار وكان ابراهيم صاحب قياس وجاء عن الشعبى أنه كان يقول: (( انا لسنا بالفقهاء ولكنا سمعنا الحديث ورويناه، الفقيه من اذا علم عمل)). توفى رحمه الله سنة ١٠٤ مائة وأربع هجرية . ابراهيم النخعى هو أبو عمر ن ابراهيم بن يزيد بن قيس النخعى الكوفى ، فقيه أهل الكوفة، التابعى الجليل ، دخل على عائشة رضى الله عنها ، ولم يثبت له سماع عنها بل سمع جماعة من كبار التابعين ، منهم علقمة وخالاه الأسود وعبد الرحمن بنا يزيد ومسروق وغيرهم . وروى عنه جماعة من التابعين منهم السبيعى وحبيب بن أبى ثابت وسماك بن حرب والأعمش وحماد ابن أبى سليمان شيخ أبى حنيفة . أجمع العلماء على توثيقه وبراعته فى الفقه ، فالشعبى يقول حين توفى ابراهيم : ما ترك أحدا أعلم منه أو أفقه قيل ولا الحسن وابن سيرين قال ولا الحسن وابن سيرين ولا من أهل البصرة ولا الكوفة ولا الحجاز ولا الشام . وابراهيم وان لم يحدث عن أحد من الصحابة مع أنه أدرك جماعة منهم ، فقد كان على منزلة فى الحديث ، ومكانة فى علم الرواية ، حتى قال الأعمش فيه: ((كان النخعى صيرفى الحديث)) وهذه كلمة لها ١٩٨ مغزى عظيم ، فان العالم لا يبلغ أن يكون نقادة فى الحديث الا اذا حفظ کثیرا منه ، وعرف كثيرا من أحوال رواته ، وكذلك كان ابراهيم . قال أبو زرعة: (( النخعى علم من أعلام الاسلام))، وقال العجلى : كان النخعى فقيها متوقيا قليل التكلف .. توفى سنة ٩٦ هـ سنة ست وتسعين . علقمة هو التابعى الكبير ، والفقيه الجليل ، أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله النخعى الكوفى عم الأسود وعبد الرحمن ابنى يزيد وخالى ابراهيم النخعى . سمع عمر بن الخطاب وعثمان وعليا وابن مسعود وسلمان الفارسى وخبابا وحذيفة وأبا موسى وعائشة وغيرهم من الصحابة رضى الله عنهم . وروى عنه أبو وائل وابراهيم النخعى والشعبى وابن سيرين وعبد الرحمن بن يزيد وأبو الضحى وغيرهم من التابعين . أجمعوا على جلالته ووفور علمه وجميل سيرته حتى قال ابراهيم : ((كان علقمة يشبه ابن مسعود)) وقال السبيعى: كان علقمة من الربانيين وقال أحمد بن حنبل: (( علقمة ثقة من أهل الخير )) وقال أبو سعد السمعانى : (( كان علقمة أكبر أصحاب ابن مسعود وأشبههم هديا ودلا به )) . وتوفى سنة ٦٢ هـ . المبحث الثامن ((الرد على شبه وردت على رواية الحديث وكتابته فى القرن الأول)) ظهر لنا مما تقدم أن الحفظ والكتابة تعاونا على جمع الحديث وصيانته فى القرن الأول حتى جاء عصر التدوين ، ولكن بعض الزنادقة ١٩٩ أبوا ألا أن يشككوا المؤمنين فى رواية السنة وحملتها فى عهودها المختلفة ، بزخرف من القول ، وباطل من الأدلة ، ونحن نورد مقالتهم ، ثم تتبعها بما يدحضها ، معتمدين على الله ، فنقول : (كيف كانت تروى الأحاديث النبوية)) ردّ شبه أثيرت حول الرواية بالمعنى يقول دعاة الإلحاد : ان الأحاديث قد رواها الرواة بالمعنى ، لا بالألفاظ المسموعة منه صلى الله عليه وسلم ، وكان هذا شأن الرواة فى كل طبقة ، يسمعون الأحاديث بألفاظ ثم يروونها بألفاظ أخرى ، وهكذا ، حتى وصلت الينا ، وقد انطمست معالم ألفاظها ومعانيها ، فكان للرواية بالمعنى ضرر كبير فى الدين واللغة والأدب ، ولهذا لم يثق العلماء على اختلاف مشاربهم بالأحاديث ، فالمتكلمون ردوا منها ما لا يتفق وما ذهبوا اليه من أصول ، والفقهاء أخذوا منها وتركوا ، وعلماء العربية لما رأوا الأحاديث قد رويت بالمعنى ، ولم يعلموا على اليقين لفظه صلى الله عليه وسلم الذى نطق به ، رفضوا أن يستشهدوا بها فى اثبات اللغة أو قواعد النحو ، فى الوقت الذى يستشهدون فيه بكلام أجلاف العرب الذين كانوا يبولون على أعقابهم . قالوا : وقد كان الواجب يقضى أن تكتب الأحاديث بین یدیه صلى الله عليه وسلم كالقرآن ، ويتلقاها الرواة طبقة بعد طبقة ، مضبوطة الألفاظ ، متواترة الاسناد ، حتى يمكن الوثوق بها . الجواب ولتفنيد هذه الشبهة ينبغى أن تتعرض للبحث فى الموضوعات الآتية : (١) لماذا لم تدون السنة بين يديه صلى الله عليه وسلم كالقرآن؟ (٢) رواية السنة بالمعنى لا تجوز بعد تدوينها فى الكتب . ٢٠٠ (٣) الصحابة ومن بعدهم كانوا يحرصون على الرواية باللفظ النبوى . لا يعدلون عنه الا عند الاضطرار . (٤) اختلاف ألفاظ الأحاديث التى تتوارد على معنى واحد ، لا يرجع الى الرواية بالمعنى وحدها . (٥) قبول التشكيك فى الأحاديث يرفع الثقة عن جميع العلوم . (٦) لماذا أخذ العلماء من الأحاديث وتركوا . (٧) المحققون من أئمة العربية على جواز الاستشهاد بالأحاديث فى اللغة والنحو . واليك هذه المباحث بايجاز حتى تنجاب عنك تلك الظلمات : ١ - (( لماذا لم تدون السنة بين يديه صلى الله عليه وسلم كالقرآن» اعلم أن كتابة القرآن بين يديه صلى الله عليه وسلم كان بوحى من الله عز وجل ، لأنه متعبد بتلاوته ، معجز بنظمه ، ومن أجل ذلك لاتجوز روايته بالمعنى، بل لابد من المحافظة على لفظه المنزل ، فلو ترك لحوافظ العرب تعيه ، بدون أن تستعين على وعيه بالكتابة ، لما أمن أن يزيدوا فيه حرفا أو ينقصوه ، أو يبدلوا كلمة بكلمة ، أو جملة بأخرى ، الى غير ذلك من أنواع التغيير والتبديل ، فيختل بذلك ركن من أركانه وهو النظم . وكذلك ترك كتابة السنة بين يديه صلى الله عليه وسلم كان بوحى من الله جل شأنه ، لأن المقصود منها المعنى دون اللفظ ، ولذلك لم يتعبد بتلاوتها ، ولم يقع التحدى بنظمها ، وتجوز روايتها بالمعنى . هذا الى أن فى المحافظة على لفظ القرآن صيانة الشريعة ، وفى الاكتفاء برواية السنة بالمعنى التيسير على الأمة ، والتخفيف عنها ،