Indexed OCR Text
Pages 1-20
الحديثُ فَ المحزون عناية الأبة الإسلاميّةِ بِالَّخْ رُسَيَّم تأليف محمد محمد أبو زمن طبع ونشر الرياض- المملكة العربية السعودية دنت لله تعالى تشريف كمة محمد أبو زهو الحديث والحدثون أو عناية الأمة الإسلامية بالسنة النبوية ١٤٠٤ هـ ١٩٨٤ م الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد يالرياضى استدراك على كتاب : ((الحديث والمحدثون)) تعليق على ماورد في ص ٢١٥ وص ٢١٦ من أن تفويض الصفات هو مذهب السلف لما كان ماذكره المؤلف في هذين الموضعين يوهم أن مذهب السلف في الصفات تفويض المعنى والكيفية مما قد يلبس الأمر على من لا يعلم حقيقة مذهبهم في ذلك . وتوضيحاً للأمر فإن مذهب السلف في هذه المسألة أن نصوص الصفات تجرى على ظاهرها وتفسر بمعانيها التى تدل عليها ألفاظها من غير تأويل ولا تحريف وأما الكيفية فيجب تفويضها إلى الله سبحانه وتعالى، لأنه لا يعلمها إلا هو، ولهذا جاء عنهم ((أمِروّها كما جاءت بلا كيف)) ولما سئل الإمام مالك رحمه الله عن الإستواء قال: ((الاستواء معلوم والكيف مجهول)). والتفويض للكيفية، أما المعنى فهو مفهوم وليس منه تفويض أو غموض ولا يلزم من إثبات صفات الله بالمعاني التي دلت عليها النصوص تشبيه الله بخلقه، لأن صفات الله تخصه وتليق به، وللمخلوقين صفات تخصهم وتليق بهم، ولايلزم من الاشتراك في المعنى الكلي الموجود في الأذهان بين صفات الله وصفات خلقه الاشتراك الحقيقى والكيفية الخارجية(١). تعليق على ماورد في ص ٣٢٨ وص ٣٣٠ ذكر المؤلف رحمه الله في هذين الموضعين أن السلف ومنهم الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد قد أمسكوا عن الخوض في مسألة خلق القرآن من باب المحافظة على عقيدة العامة. وهذا يوهم أنهم لم يوضحوا الحق في هذه المسألة. والصحيح المأثور عنهم ماذكره شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال: ((ولم يقل أحد من السلف إن القرآن مخلوق أو قديم، بل الآثار المتواترة عنهم بأنهم يقولون القرآن كلام الله، ولما ظهر من قال إنه غير مخلوق قالوا رداً لكلامه إنه غير مخلوق، وأول من عرف أنه قال القرآن مخلوق : الجعد بن درهم وصاحبه الجهم بن صفوان، وأول من عرف أنه قال إنه قديم هو عبد الله بن سعيد بن كلاب)) انتهى. وكان السلف يقولون عن القرآن الكريم ((إنه كلام من الله منزل غير مخلوق منه نزل وإليه يعود)). وقد تعرض الإمام أحمد وغيره من السلف للضرب والسجن بسبب قولهم القرآن غير مخلوق، ولولا ذلك لما حدثت المحنة كما لایخفی. (١) عن مجلة البحوث الإسلامية، العدد ٢٤ ص ١٢٨. الداعى لنشر هذا الكتاب نال المؤلف بهذا الكتاب (( شهادة العالمية مع لقب أستاذ فى علوم القرآن والحديث)) عام ١٣٦٥ هـ - ١٩٤٦ م من الجامع الأزهر الشريف (( قسم تخصص المادة بكلية أصول الدين )) . والذى دعا الى نشره الآن ، هو ظهور بعض مؤلفات ، يحمل أصحابها على السنة حملة شعواء ، ويشككون المسلمين فيها ، بالطعن فى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والنيل من أئمة الحديث ورواته ، ورميهم بالتفريط فى حفظ السنة وفهمها ، وما لهؤلاء الطاعنين بذلك من علم الا ما يتلقفونه من كتب المستشرقين ، ومن سلك طريقهم من المغرضين ( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله الا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ) . الطبعة الأولى ١٣٧٨ هـ - ١٩٥٨ م الطبعة الثانية ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين . بعث فى الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ، وان كانوا من قبل لفى ضلال مبين. والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين ، وعلى آله وأصحابه والتابعين ، الذين رفعوا منار الهداية ، وحملوا راية السنة ، وأعلوا شأن الرواية ، وأحاطوا أحاديث نبيهم بسياج من الصيانة والرعاية ، فنفوا عنها تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين . وبعد فان الله جلت حكمته أنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (( يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ، ويخرجهم من الظلمات الى النور بأذنه ، ويهديهم إلى صراط مستقيم)» ثم وكل سبحانه الى رسوله الأمين تبيان هذا الكتاب فقال سبحانه : ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم)) والرسول صلى الله عليه وسلم فى بيانه للقرآن الكريم لا ينطق عن الهوى ((ان هو الا وحى يوحى)) لذلك أوجب الله علينا طاعته ، وحذرنا معصيته ، فقال تبارك وتعالى (( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)) وقال (« فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )) فالقرآن والسنة هما أساس الدين، والنور الهادى الى الصراط المستقيم . ولما كان للسنة النبوية هذه المكانة العظمى ، عرف السلف الصالح ٦ للسنة قدرها ومكانتها ، فرعوها حق رعايتها ، وحفظوها فى الصدور ، وأودعوها سويداء القلوب ، ودونوها فى المصنفات والكتب ، وحكموها فى شؤونهم ، وكانوا بها مستمسكين ، وعلى نهجها سائرين ، وما زال العلماء فى كل عصر يعنون بالسنة عناية تامة علما وعملا ، حتى جاءت عصور ضعف فيها المسلمون ، فخلف من بعد هؤلاء الأعلام خلف تهاونوا بشأنها ، وتقاعدوا عن حفظها ، فاستعجم عليهم فهمها ، واستغلق لديهم الوقوف على أسانيدها ومتونها ، وكان من اثر ذلك أن رأينا أرباب الأديان المبدلة ، والعقائد الزائفة ، والأهواء المتبعة ، يطعنون فى سنة نبينا ، ويغضون من شأن الأحاديث النبوية ، فمن قائل لا يعتمد عليها الآن لانقطاع أسانيدها ، ومن قائل ان السنة ليست دينا عاما دائما ، ومن قائل أن الأغلبية العظمى من الأحاديث ليست الا من وضع الوضاعين ، واختلاق الكذابين ، ومن طاعن فى صحابة رسول الله وهم الحلقة الأولى فى سلسلة الاسناد الذى يصلنا بصاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم ، ومن مْشَوِّهٍ للحقائق التاريخية الثابتة فتراه يخلط الحق بالباطل ، ويحمل البرىء تبعة المذنب ، ويغلب الشر على الخير ، ومن متلمس للهفوات يضخم من شأنها ، فيرفعها الى درجة العظائم ، لينال من هذه الملة المطهرة ، والسنة النبوية المشرفة ، إلى غير ذلك من أنواع المكايد والطعون التى يبثها أعداء الاسلام . فلما رأيت هذا الخلط والتلبيس ، وذلك الطعن والأزراء ، دون برهان ولا دليل ، وغالب ذلك من المستشرقين ، ومن حذا حذوهم من المفتونين ، ورأيت القوم مسرفين فى تبجح واسترسال توجهت رغبتى الى تأليف كتاب فى تاريخ الحديث والمحدثين ، يكشف القناع عن وجه الحقيقة ، التى طالما شوه جمالها أصحاب الأهواء ، ويوضح الحق من ٧ الضلال ويميز الخطأ من الصواب ، فأكون بذلك - ان شاء الله - منتظما فى سلك المناضلين عن سنة خير المرسلين ، ومنضويا تحت لواء البررة المجاهدين . هذا ولما كانت السنة النبوية قد تواردت عليها عصور مختلفة ، وتدرجت فى أطوار متباينة ، ولكل طور منها طابعه الخاص : رأيت أن أرتب هذا الكتاب على مقدمة وسبعة أدوار وخاتمة . المقدمة : فى معنى السنة ونسبتها إلى الوحى ومنزلتها فى الدين وبيانها للقرآن الكريم . الدور الأول : السنة فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم . الدور الثانى : السنة فى عهد الخلافة الراشدة . الدور الثالث : السنة بعد الخلافة الراشدة الى منتهى القرن الأول الهجرى . الدور الرابع : السنة فى القرن الثانى . الدور الخامس : السنة فى القرن الثالث . الدور السادس : السنة من مبدأ القرن الرابع الى سقوط بغداد عام ٦٥٦هـ الدور السابع : السنة من عام ٦٥٦ هـ الى عصرنا الحاضر . الخاتمة : فى ذكر أنواع من علوم الحديث ناطقة بجهود الأئمة فى خدمة السنة . والله تعالى أسأل أن يوفقنا لخدمة العلم والدين وأن يديم به النفع العميم انه على ما يشاء قدير . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . محمد محمد أبو زهو المقررة وتشتمل على أربعة مباحث : - المبحث الأول - معنى السنة لغة واصطلاحا . المبحث الثانى - السنة من الوحى . المبحث الثالث - منزلة السنة فى الدين . المبحث الرابع - السنة مبينة للقرآن الكريم . المبحث الأول معنى السنة لغة واصطلاحاً السنة فى اللغة : الطريقة حسنة كانت أم سيئة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم (( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها الى يوم القيامة . ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة)) رواه مسلم . قال فى لسان العرب ( السنة السيرة حسنة كانت أو قبيحة . قال خالد بن عتبة الهذلى :- فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها فأول راض سنة من يسيرها وسننتها سنا واستننتها سرتها . وسننت لكم سنة فاتبعوها ، وفى ٩ الحديث ( من سن سنة حسنة ) الخ يريد عملها ليقتدى به فيها . وكل من ابتدأ أمرا عمل به قوم بعده قيل هو الذى سنه قال نصيب : - كأنى سننت الحب أول عاشق من الناس اذ أحببت من بينهم وحدى وقد تكرر فى الحديث ذكر السنة وما تصرف منها والأصل فيه الطريقة والسيرة . واذا أطلقت فى الشرع فانما يراد بها ما أمر به النبى صلى الله عليه وسلم ونهى عنه وندب اليه قولا وفعلا مما لم ينطق به الكتاب العزيز . ولهذا يقال فى أدلة الشرع الكتاب والسنة أى القرآن والحديث ) اهـ . السنة فى لسان أهل الشرع يختلف معنى السنة عند أهل الشرع حسب اختلاف الأغراض التى اتجهوا اليها من أبحاثهم فمثلا علماء أصول الفقه عنوا بالبحث عن الأدلة الشرعية وعلماء الحديث عنوا بنقل ما نسب الى النبى صلى الله عليه وسلم . وعلماء الفقه عنوا بالبحث عن الأحكام الشرعية من فرض وواجب ومندوب وحرام ومكروه . والمتصدرون للوعظ والإرشاد عنوا بكل ما أمر به الشرع أو نهى عنه . لذلك اختلف المراد من لفظ السنة عندهم بل وقد يقع الاختلاف أيضا بين علماء الطائفة الواحدة منهم . فعلماء الأصول يطلقون لفظ السنة على أقوال النبى صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته . وبعض الأصوليين يطلق لفظ السنة على ماعمل عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء أكان ذلك فى الكتاب ١٠ العزيز أم عن النبى صلى الله عليه وسلم أم لا كما فعلوا فى جمع المصحف وتدوين الدواوين ونحو ذلك . ويدل على هذا الاطلاق قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم (( عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى)) وذهب الى هذا أيضا طائفة من المحدثين . وعلماء الفقه يريدون بالسنة الطريقة المسلوكة فى الدين من غير افتراض ولا وجوب . وعلماء الوعظ والإرشاد يريدون بالسنة ما قابل البدعة فيقال عندهم فلان على سنة اذا عمل على وفق ما عمل عليه النبى صلى الله عليه وسلم سواء كان ذلك مما نص عليه فى الكتاب العزيز أم لا ويقال فلان على بدعة اذا عمل على خلاف ذلك . وعلماء الحديث يريدون بالسنة ( على ما ذهب إليه جمهورهم ) أقوال النبى صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته وصفاته الخلقية والخلقية وسيره ومغازيه وبعض أخباره قبل البعثة مثل تحنثه فى غار حراء ومثل حسن سيرته لأن الحال يستفاد منها ما كان عليه من كريم الأخلاق ومحاسن الأفعال كقول خديجة أم المؤمنين له صلى الله عليه وسلم (( كلا والله لا يخزيك الله أبدا أنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتقرى الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق)) ومثل أنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ، وأنه عرف بالصدق والأمانة، وما الى ذلك من صفات الخير وحسن الخلق فمثل ذلك ينتفع به فى اثبات نبوته صلى الله عليه وسلم كثيرا كما حصل من هرقل فى حديثه المشهور . والسنة بهذا المعنى مرادفة للحديث النبوى عندهم . ١١ المبحث الثانى السنة من الوحى السنة النبوية بالمعنى السابق ما أضيف الى النبى صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير هىأحد قسمی الوحیالالهی الذی نزل به جبريل الأمين على النبى الكريم صلى الله عليه وسلم . والقسم الثانى من الوحى هو القرآن الكريم . فالسنة النبوية من الوحى ، بذلك نطق الكتاب العزيز ( وما ينطق عن الهوى أن هو الا وحى يوحى ) وبذلك جاءت السنة نفسها فقد روى أبو داود والترمذى وابن ماجه عن المقدام بن معديكرب أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ألا أنى أوتيت القرآن ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا وأن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله) وعن حسان ابن عطية أنه قال ( كان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن ) وعن مكحول قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( آتانى الله القرآن ومن الحكمة مثليه ) أخرجهما أبو داود فى مراسيله . هذا ولما كانت السنة صنو الكتاب العزيز ، ونوعا من وحى رب العالمين رأينا أن تتكلم عن الوحى وأقسامه بايجاز ، حتى يتضح المقام ، ويتبين لنا الفرق بين السنة والكتاب ، فنقول : - ١٢ الوحى وأقسامه الوحى يطلق ويراد منه الايحاء ويطلق ويراد منه الموحى به ولابد من بيانهما . الوحى بمعنى الايحاء : الوحى بمعنى الايحاء معناه لغة الاعلام بالشىء على وجه الخفاء والسرعة ، ولذا كانت الكتابة والاشارة والرمز والكلام الخفى من قبيل الوحى عند أهل اللغة . ومعناه فى لسان الشرع اعلام الله لأنبيائه ما يريد ابلاغه اليهم من الشرائع والأخبار بطريق خفى بحيث يحصل عندهم علم ضرورى قطعى بأن ذلك من عند الله جل شأنه . فهو أخص من المعنى اللغوى باعتبار مصدره وهو الله سبحانه ومورده وهم أنبياؤه الكرام . أقسامه . أعلام الله لأنبيائه ما يريد يقع على أحوال ثلاثة أشار الله اليها بقوله ( وما كان لبشر أن يكلمه الله الا وحيا أومن وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى باذنه ما يشاء ) واليك بيانها :- أولا - الأعلام بطريق الالهام ، وهو القاء المعنى فى قلب النبى دفعة مع العلم اليقينى بأن ذلك من الله عز وجل ، وقد يكون هذا الالهام فى المنام كما يكون فى اليقظة . وهذا النوع من الوحى هو المراد من قوله تعالى فى الآية السابقة ( ألا وحيا ) بدليل مقابلته بالقسمين بعده . ثانيا - الكلام من وراء حجاب أى بدون رؤية النبى لربه عز وجل وقت التكلم بحيث يسمع كلامه ولا يراه كما حصل ذلك لموسى عليه السلام فى بدء رسالته وقد رأى نارا فقال لأهله امكثوا ( فلما أتاها نودى ياموسى أنى أنا ربك ) الآيات ، وعند مجيئه للميقات كماقال تعالى ١٣ ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرنى أنظر اليك ) الآيات . وكما حصل ذلك لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج عند فرض الصلاة عليه وعلى أمته ومراجعته ربه فيها على ما صرحت به الأحاديث الصحيحة . ثالثا - أعلام الله للنبى ما يريد أن يبلغه اليه بواسطة الملك فى اليقظة أو المنام . ثم الاعلام بواسطة الملك يقع على وجهين : لأن النبى تارة يشاهد الملك عند الوحى اما على صورته الحقيقية وهذا نادر واما متمثلا فى صورة بشر كما كان جبريل يتمثل للنبى صلى الله عليه وسلم فى صورة الصحابى الجليل دحية الكلبى - وتارة لا يرى النبى الملك عند الوحى وانما يسمع عند قدومه دويا وصلصلة شديدة يعلم الله كنهها ومصدرها فيعتريه حالة روحية غير عادية لا يدرك الحاضرون منها الا أماراتها الظاهرية كثقل بدنه وتفصد جبينه عرقا . روى البخارى فى الصحيح عن عروة عن عائشة رضى الله عنها أن الحارث بن هشام سأل النبى صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس وهو أشده على فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى فأعى ما يقول . قالت عائشة رضى الله عنها ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليتفصد عرقا . وربما سمع الحاضرون عند وجهه الكريم دويا كدوى النحل عند مجىء الوحى أخرج الترمذى عن عمر رضى الله عنه أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا نزل عليه الوحى يسمع عند وجهه كدوی .النحل الحديث . ١٤ الوحى بمعنى الموحى به الوحى بمعنى الموحى به ينقسم الى متلو والى غير متلو : ١ - فمن الوحى المتلو القرآن الكريم الذى جعله الله آية باهرة ومعجزة قاهرة وحجة باقية على نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وتكفل بحفظه من التبديل والتحريف الى قيام الساعة فقال ( انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون ) نزل به جبريل الأمين على النبى صلى الله عليه وسلم بلفظه ومعناه من غير أن يكون لواحد منهما مدخل فيه بوجه من الوجوه وانما هو تنزيل من الله العزيز الحكيم قال تعالى ( وانه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربى مبين ) وقد انعقد الاجماع على أن القرآن الكريم نزل على النبى صلى الله عليه وسلم فى اليقظة بواسطة جبريل عليه السلام وانه لم ينزل عليه منه شىء فى النوم ولا بطريق من طرق الوحى الأخرى . وليس ذلك لأن طرق الوحى الأخرى يعتريها اللبس أو يلحقها الشك كلا فالوحى بجميع أنواعه فى اليقظة أو المنام يصاحبه علم يقينى ضرورى بأنه من الله سبحانه . وانما كان الاجماع على ما ذكرنا لأنه الواقع الذى تفيده الأحاديث والآثار الواردة فى أسباب النزول - فان قيل روى مسلم عن أنس أنه قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا اذ غفا أغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا ما أضحكك يا رسول الله فقال أنزل على آنها سورة فقرأ سورة الكوثر)) فهذا يفيد أن سورة الكوثر نزلت فى النوم قلنا أجاب العلماء عن ذلك بأن الاغفاءة الواردة فى الحديث ليست إغفاءة نوم وانما هى ما كان يعتريه عند نزول الملك من بُرَحاء الوحى وشدته وقد ذكر العلماء أنه كان يؤخذ عن الدنيا عند نزول الوحى عليه لتغلب روحيته على بشريته صلى الله عليه وسلم . ١٥ ومن خصائص القرآن الكريم أنه متعبد بتلاوته فى الصلاة وخارجها وأنه لا تجوز روايته بالمعنى وأنه معجز بلفظه ومعناه ( قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) . ٢ - ومن الوحى غير المتلو السنة النبوية لقوله تعالى (وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى) وقوله (من يطع الرسول فقد أطاع الله) إلى غير ذلك من الأدلة وقد تقدم بعضها غير أن السنة النبوية تفارق القرآن الكريم بأمور كثيرة أهمها أنها منزلة بالمعنى ولفظها من النبى صلى الله عليه وسلم ومن هنا جاز روايتها بالمعنى للخبير بمقاصدها العارف بمعانيها وألفاظها عند من يرى ذلك من العلماء ، وأنها ليست معجزة بألفاظها ولا متعبدا بتلاوتها ، وأنها نزلت بطرق الوحى السابقة فى المنام أو اليقظة بواسطة الملك أو غيره . وقد يشكل على أن السنة بأقسامها أقوالها وأفعالها وتقريراتها من الوحى ما قرره العلماء من جواز الاجتهاد له صلى الله عليه وسلم وأنه اجتهد فى كثير من الوقائع فى الحروب وغيرها فجَعْلُ السنة بأقسامها الثلاثة موحى بها من الله سبحانه يعارض ما قرره جمهور العلماء فضلا عن أنه يسلبه صلى الله عليه وسلم خصائصه ومزاياه من الفهم الثاقب والرأى الصائب والجواب عن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم وان اجتهد فى كثير من المواطن التى لم ينزل عليه فيها وحى بمقتضى ما فطر عليه من العقل السليم والنظر السديد الا أن الله سبحانه لا يتركه وشأنه ولكن يقره اذا أصاب وينبهه ان أخطأ ومن هنا كان اجتهاده صلى الله عليه وسلم اذا أقره الله عليه وحيا حُكْماً . فلا تعارض بين ما قرره العلماء وما قررنا ١٦ من أن السنة بأقسامها وحى من الله سبحانه ثم ان ذلك لا يسلبه صلى الله عليه وسلم شيئا من خصائصه ومزاياه كما قيل بل يؤكدها ويقررها . الحديث القدسى ومن أى أقسام الوحى هو ؟ هناك طائفة من الأحاديث نقلت الينا آحادا عنه صلى الله عليه وسلم مع اسنادها الى الرب عز اسمه تعرف بالأحاديث القدسية أو الالهية أو الربانية فهل هى من كلامه تعالى وقوله أو هى من كلامه صلى الله عليه وسلم ولفظه واذا كانت من كلامه تعالى أفيثبت لها خصائص القرآن الكريم أم لا؟ والجواب عن ذلك أن للعلماء قولين فى الأحاديث القدسية الأول :- انها من كلام الله تعالى وليس للنبى صلى الله عليه وسلم الا حكايتها عن ربه عز وجل وربما يستأنس لذلك بأمور :- ١ - أن هذه الأحاديث أضيفت الى الله تعالى فقيل فيها قدسية والهية وربانية فلو كان لفظها من عنده صلى الله عليه وسلم لما كان لها فضل اختصاص بالاضافة اليه تعالى دون سائر أحاديثه صلى الله عليه وسلم . ٢ - وأنها اشتملت على ضمائر التكلم الخاصة به تعالى كقوله. ( يا عبادى انى حرمت الظلم على نفسى ) وكقوله ( أصبح من عبادى مؤمن بي وكافر بالكواكب ) . ٣ - وأن هذه الأحاديث تروى عن الله تعالى متجاوزا بها النبى صلى الله عليه وسلم فتارة يقول الراوى ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه ) وتارة يقول الراوى ( قال الله تعالى فيما رواه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فلو كان اللفظ من النبى صلى الله. عليه وسلم لانتهى بالرواية اليه كما هو الشأن فى الأحاديث النبوية . ١٧ هذا والأحاديث القدسية وان كانت من كلام الله تعالى على هذا القول لكن ليس لها خصائص القرآن الكريم . فقد نقل القرآن الينا بطريق التواتر معجزا بلفظه ومعناه متعبدا بتلاوته يحرم على المحدث مسه وعلى نحو الجنب قراءته مسمى باسم ( القرآن ) متعينا للصلاة به . الجملة منه تسمى آية وسورة ولا تجوز روايته بالمعنى وهو بجميع آياته وسوره نزل به جبريل الأمين على قلب النبى صلى الله عليه وسلم كما سبق . أما الأحاديث القدسية فليس لها شىء من تلك المزايا بل هى أحاديث تروى آحادا عن النبى صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل تترجم عن عظمة البارى جل علاه وسعة رحمته وعظيم سلطانه وفيض عطائه وهى خاضعة لقواعد القبول والرد أدرجها المحدثون فى عداد الأحاديث النبوية وخلطوها بها فى المؤلفات والتصانيف وأجمعوا على أنها غير معجزة بألفاظها ولا متعبد بتلاوتها وانها لا تسمى باسم القرآن والراجح انها لم يلتزم فيها طريق خاصة من طرق الوحى السابقة وانه يجوز روايتها بالمعنى للعارف بالمعانى والألفاظ . القول الثانى فى الأحاديث القدسية : انها من قوله صلى الله عليه وسلم ولفظه كالأحاديث النبوية وممن قال ذلك أبو البقاء فى كلياته وعبارته: (( القرآن ما كان لفظه ومعناه من عند الله بوحى جلى وأما الحديث القدسى فهو ما كان لفظه من عند الرسول صلى الله عليه وسلم ومعناه من عند الله بالالهام أو بالمنام )» واختاره أيضا الطيبى وعبارته : (( القرآن هو اللفظ المنزل به جبريل على النبى صلى الله عليه وسلم والحديث القدسى أخبار الله معناه بالالهام أو بالمنام فأخبر النبى صلى الله ١٨ عليه وسلم أمته بعبارة نفسه وسائر الأحاديث لم يضفها الى الله تعالى ولم يروها عنه تعالى)) وحكمة أضافتها اليه تعالى على هذا القول دون بقية الأحاديث زيادة الاهتمام بمضمونها وتوجيه النفوس الى ما اشتملت عليه من المعانى والآداب . ((الحكمة فى أن الوحى المحمدى منهما نزل باللفظ ومنه ما نزل بالمعنى)). من آثار رحمة الله تعالى أن جعل الشريعة المحمدية من دون الشرائع السابقة شريعة باقية خالدة الى أن يرث الله الأرض ومن عليها فأنزل القرآن الكريم وحيا يتلى الى قيام الساعة محفوظا من التبديل والتغيير ( انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون ) فكان دليلا قائما وبرهانا ساطعا على اثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم الى يوم الدين وكان خير حافظ الشريعة المحمدية من عبث العابثين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين وكان وما يزال نورا ساطعا وضياء للمتقين ( يهدى به الله من اتبع رضو أنه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور باذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) . وكما حفظ الله شريعته بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه رفع الاصر والحرج عن خلقه فأنزل على نبيه الكريم الى جانب القرآن العزيز نوعا آخر من الوحى هو السنة أنزلها عليه بالمعنى وجعل اللفظ اليه ايذانا بأن فى الأمر سعة على الأمة وتخفيفا عليها وأن المقصود هو مضمونها لا ألفاظها فيجوز لصحابته ومن بعدهم أن يبلغوها عنه صلى الله عليه وسلم باللفظ النبوى وهو الأولى والأحوط لما فى قوله صلى الله عليه وسلم من أنوار النبوة وضياء الرسالة والفصاحة العربية التى لا يلحق شأوه فيها ويجوز لهم أن يبلغوها عنه صلى الله عليه وسلم ١٩ بعبارات ينشؤونها وأقوال تفى بالمعنى المقصود ولا يكون ذلك الا للماهر فى لغة العرب وأساليبها العارف بمعانى الشريعة ومقاصدها حتى لا ينشأ عن الرواية بالمعنى خلل يذهب بالغرض المقصود من الحديث وفى ذلك من الخطر ما فيه فان السنة تبيان للقرآن العزيز ووحى من رب العالمين وثانى مصادر التشريع فالخطأ فيها أثره جسيم وخطره عظيم ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من كذب على فليتبوأ مقعده من النار). وانك لتلمس آثار رحمة الله وحكمته فى أن جعل الوحى على قسمين قسما لا تجوز روايته بالمعنى بل لابد فيه من التزام الألفاظ المنزلة وهو القرآن الكريم وقسما تجوز روايته بالمعنى لمن يستطيع ذلك وهو السنة النبوية المطهرة وفى ذلك صون الشريعة والتخفيف عن الأمة ولو كان الوحى كله من قبيل القرآن الكريم فى التزام أدائه بلفظه لشق الأمر وعظم الخطب ولما استطاع الناس أن يقوموا بحمل هذه الأمانة الالهية . ولو كان الوحى كله من قبيل السنة فى جواز الرواية بالمعنى لكان فيه مجال للريب ومثار المشك ومغمز للطاعنين ومنفذ للملحدين اذ يقولون لا نأمن خطأ الرواة فى أداء الشريعة ولا نثق بقول نقلة العقائد والأحكام والآداب ولكن الله جلت حكمته صان الشريعة بالقرآن ورفع الاصر عن الأمة بتجويز رواية السنة فى الحدود السابقة لئلا يكون للناس على الله حجة . ٢٠ المبحث الثالث منزلة السنة النبوية فى الدين ١ - وجوب اتباعها والتحذير عن مخالفتها . السنة النبوية وحى من الله الى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهى أصل من أصول الدين وركن فى بنائه القويم يجب اتباعها وتحرم مخالفتها على ذلك أجمع المسلمون وتضافرت الآيات على وجه لا يدع مجالا للشك . فمن أنكر ذلك فقد نابذ الأدلة القطعية واتبع غير سبيل المؤمنين. ومن الآيات فى ذلك : - ١ - قوله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). ب - قوله تعالى ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) . جـ - قوله تعالى ( لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة). د - قوله تعالى ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) . هـ - قوله تعالى ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) . و - قوله تعالى ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) . ز - قوله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)