Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
الحديث المنقطع
وبهذا التعريف يتميز المنقطع من المرسل وغيره، وتمييز المنقطع عن
المرسل: هو الذي عليه غالب استعمال المحدثين، كذا ذكره ابن الصلاح،
فقد قال: ((إلا أن ما يُوصَف بالإرسال من حيث الاستعمال : ما رواه
التابعي عن النبي ®، وأكثر ما يُوصَفِ بالانقطاع: ما رواه مَنْ دون
التابعين عن الصحابة، مثل مالك عن ابن عمر، ونحو ذلك)) أهـ (١).
وما ذكره ابن الصلاح في غلبة الاستعمال يخالف ما قاله الحاكم، فقد
قال: ((النوع التاسع: معرفة المنقطع من الحديث، وهو غير المرسل، وقَلَّ
ما يوجد في الحفاظ مَنْ يُميز بينهما))(٢).
مثال للمنقطع في موضع واحد.
قال أبو داوود في ((سننه)) : حدثنا سليمان بن داود المهري، أنبأنا ابن
وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أن عمر بن الخطاب قال -
وهو على المنبر -: ((يا أيها الناس إن الرأي إنما كان من رسول الله
مصيبًا ؛ لأن الله كان يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف)).
قال المنذري : ((وهذا منقطع: الزهري - وهو ابن شهاب - لم يدرك
عمر، فلم یتصل السند)». اهـ
مثال المنقطع في موضعين:
D
قال الترمذي في ((العلل الكبير))(٣): حدثنا علي بن حُجر، حدثنا معمر
بن سليمان الرقي، عن الحجاج بن أرطأة، عن عبدالجبار بن وائل عن أبيه
®، فدرأ عنها الحد، وأقامه
قال : ((استكرهت امرأة على عهد رسول الله
(١) انظر ((المقدمة)) (ص ٨٠) مع ((التقييد)) وقد سبق إلى ذلك الخطيب في ((الكفاية))
(ص ٥٨).
(٢) انظر ((المعرفة)) (ص ٢٧).
(٣) (٢ / ٦١٨) برقم (٦٥٠).

٢٤٢
الجواهر السليمانية
على الذي أصابها ..... )) الحديث.
قال البخاري: ((الحجاج بن أرطأة لم يسمع من عبدالجبار بن وائل،
وعبدالجبار لم يسمع من أبيه، ولد بعد موت أبيه)».
المسألة الثانية: استعمالات أخرى للمنقطع عند أهل العلم :
الأول : إطلاق المنقطع على المبهم، قال الحاكم في ((معرفة علوم
الحديث))(١): ((والمنقطع على أنواع ثلاثة، منها: ما حدثنا أبو عمر عثمان
بن أحمد السماك .... )) وذكر حديثًا في سنده مبهمان.
ثم قال بعد ذلك: ((هذا الإسناد مَثَلٌ لنوع من المنقطع؛ لجهالة
الرجلين)). اهـ
يعني أنهما مبهمان، وأطلقه على ذلك ابن المديني، والبيهقي، وأبو
منصور البغدادي(٢)، وغيرهم.
الثاني : إطلاقه على الإسناد الذي فيه راوٍ مجهول لا يُعْرف بعدالة،
سواء سُمِّي أم لا، وسواء ذكر اسمه أم أَسْقط، جاء هذا في كلام أبي
منصور البغدادي كما في ((النكت)) للزركشي(٣).
الثالث : إطلاقه بمعنى ((المرسل)) وقد جاء هذا في كلام الشافعي،
حيث قال في ((الرسالة))(٤) - في كلامه على المرسل -: ((والمنقطع
مختلف: فمن شاهد أصحاب رسول الله (® من التابعين، فحدَّث حديثًا
؛ اعتُبِر عليه بأمور ... )) الخ. اهـ
منقطعًا عن النبي
(١) (ص ٢٧).
(٢) انظر كلام ابن المديني في آخر ((العلل)) له، وكلام البيهقي في ((الكبرى)) (٧ /
١٣٤) وكلام أبي منصور البغدادي في ((النكت)) للزركشي (٢ / ٦).
(٣) (٢ / ٦).
(٤) (ص ٤٦١).

٢٤٣
الحديث المنقطع
وكذا أطلق غيره يريد به المرسل(١).
الرابع: إطلاقه على ما أضيف إلى التابعين أو من دونهم، وقد نقله
الخطيب عن بعض أهل العلم (٢)، وذكر الحافظ ابن حجر أن هذا البعض:
هو أحمد بن هارون البرديجي(٣).
الخامس : إطلاقه على ما يقول فيه الشخص : ((قال رسول الله
من غير إسناد أصلًا.
((
وبهذا عرفه الكيا الهراسي الطبري، ونسبه إلى اصطلاح المحدثين(٤)
وقد تعقبه ابن الصلاح في ذلك، فقال ابن الصلاح في ((فوائد رحلته)):
((هذا لا يُعْرف عن أحد من المحدثين، ولا عن غيرهم، إنما هو من كيسه،
والله أعلم)). انظر ((النكت)) على ابن الصلاح للحافظ(٥).
وقد تقدم القول المختار في تعريف المنقطع، مراعاةً للأغلب الأشهر،
وإلا فكثير من هذه الأقوال لها شواهد من بعض كلام أهل العلم، والله أعلم.
المسألة الثالثة : حكم الحديث المنقطع.
قال الذهلي : ((ولا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث الموصل غير
المنقطع ... ))(٦) الخ.
وقال مسلم في ((مقدمة صحيحه))(٧): ((والمرسل في أصل قولنا وقول
(١) انظر ((النكت)) للزركشي (٢ / ٦).
(٢) انظر ((الكفاية)) (ص ٥٩).
(٣) انظر ((النكت)) (٢ / ٥٧٣) وقد سبق إليه الزركشي في ((النكت)) (٢ / ١٠).
(٤) انظر ((النكت)) للزركشي (٢ / ١٢ - ١٣).
(٥) (٢ / ٥٧٣).
(٦) انظر ((الكفاية)) (ص ٥٦).
(٧) (١ / ٩٣).

٢٤٤
الجواهر السليمانية
أهل العلم بالأخبار ليس بحجة)) ومراده بالمرسل هاهنا: ما فيه سقط في
إسناده، لأن سياق كلامه في الإسناد المعنعن، لا على خصوص ما أضافه
التابعي إلى النبي
قال ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) (١) - وموضوعه ذكر الأسانيد
المنقطعة، كما هو معلوم - : ((باب ما ذُكِر في الأسانيد المرسلة : أنها لا
تثبت بها الحجة)) ... ثم قال في آخر الباب: ((سمعت أبي وأبا زرعة
يقولان: ((لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح
المتصلة)). اهـ
وقال البيهقي: ((والحديث المنقطع لا حجة فيه)). اهـ. من ((السنن
الكبرى»(٢).
وبهذا يظهر أن المنقطع لا يحتج به، وذلك للجهل بحال المحذوف،
والله أعلم.
المسألة الرابعة : ما الفرق بين المرسل والمنقطع؟
سبق أن بعضهم يسوي بينهما، والمختار: أنهما يشتركان في عدم
الاتصال.
ويفترقان في أن المرسل - في غالب الاستعمال - يكون السقوط في
آخر السند، كما سبق في موضعه، والمنقطع يكون السقوط في أثناء السند،
لا في أوله، ولا في آخره، وقد قال الخطيب: ((إلا أن أكثر ما يُوصَف
، وأكثر ما
بالإرسال من حيث الاستعمال: ما رواه التابعي عن النبي
يوصف بالانقطاع: ما رواه من دون التابعي عن الصحابي .... )) اهـ(٣) وإن
(١) (ص ٣ - ٧).
(٢) (٨ / ٩٨).
(٣) انظر (الكفاية)) (ص ٥٨ - ٥٩).

٢٤٥
الحديث المنقطع
كان الحاكم قد قال في ((المعرفة)) (١): ((وهو - يعني المنقطع - غير
المرسل، وقلَّ ما يوجد في الحفاظ من غاير بينهما)). اهـ
وفائدة التفريق بينهما بهذا تظهر في وجوه :
١- أن بعض من أجاز العمل بالمرسل منع ذلك في المنقطع، قاله
العلائي في ((جامع التحصيل))(٢).
٢- ليس كل منقطع يُستشهد به حيث يستشهد بالمرسل .
٣- أن إرسال الحديث من أئمة التابعيين كان متعارفًا بينهم - أي: وإن
كان الساقط ثقة - وأما انقطاع السند في أثنائه، بإسقاط رجل أو
أكثر، ثم يذكر باقيه ؛ فإنه يدل على ضعف الساقط دلالة قوية،
وتَقْوَى الريبة حينئذٍ به. اهـ قاله ابن السمعاني، كما في ((جامع
التحصيل))(٣).
٣- أن المنقطع أشد ضعفًا من المرسل، كما سيأتي.
المسألة الخامسة : أيهما أشد ضعفًا المرسل أم المنقطع ؟
قال الجوزقاني : ((والمنقطع أسوأ حالاً من المرسل، والمرسل لا تقوم
به حجة)) اهـ (٤).
فالمنقطع أشد ضعفًا ؛ لأن احتمال أن يكون الساقط فيه كذابًا أكثر من
احتمال ذلك فيه المرسل - في الجملة - لِفُشُوِّ الكذب في الطبقات النازلة
أكثر منه في موضع المرسل، فإن انتشار العدالة، وفيوض التحرز كان أكثر
(١) (ص ٢٧).
(٢) (ص ١٠٨).
(٣) المصدر السابق.
(٤) انظر ((الأباطيل)) (١ / ١٢).

٢٤٦
الجواهر السليمانية
منه بعد ذلك.
المسألة السادسة : بم يعرف الانقطاع ؟
يُعْرَف الانقطاع بين الرواة بأمور :
١- نصُّ إمام على ذلك، أو نص الراوي نفسه بأنه لم يسمع منه.
٢- تعذُّر إمكان اللقاء، لبُعد البلدین، لاسيما عند عدم اشتهار الراوي
بالرحلة، وعلو الهمة في الطلب.
٣- تعذُّر اللقاء ؛ لدلالة التاريخ بين میلاد الراوي، وموت من روی عنه.
٤- عدم ورود رواية تدل على سماع أو لقاء الراوي لشيخه، ويزداد الأمر
وضوحًا إذا شك إمام في سماع الراوي ممن فوقه.
٥- ورود الروايات بذكر واسطة فأكثر بين الراوي ومن روى عنه، مع
عدم التصريح بالسماع في أي رواية أخرى.
٦- التصريح بأن الراوي من التابعين، ثم نقف على روايته عن رسول الله
، وهكذا في أتباع التابعين مع الصحابة ... الخ، وبعبارة أخرى :
معرفة طبقات الرواة.
وهذا راجع إلى نص الأئمة، إلا أنني ذكرته لمزيد التوضيح والتيسير.
٧- وبنحو ذلك : يُعرف الانقطاع في السند الذي ظاهره الاتصال بجمع
الطرق.
٨- اشتهار الأمر عند المحدثين، وإن ورد التصريح بالسماع بين الراوي
وشيخه ؛ فإنهم يقولون فيمن روى ذلك : ((لم يصنع شيئًا)) أو («جوَّده
فلان)) أي رواه جيدًا سالمًا من العلة،، والصواب أنه مُعَلٌّ.
٩- كون الراوي لم يسمع من الصغير ؛ فاستبعاد سماعه من الكبير، أو

٢٤٧
الحديث المنقطع
متقدم الوفاة من باب أولى، وهذا راجع إلى التاريخ، أو نص إمام،
وإنما ذكرته للتوضيح والتيسير على طالب العلم، الباحث عن ذلك،
والله أعلم.
١٠- ألا يسمع من هو أكبر من هذا الراوي من ذلك الشيخ، فيكون استبعاد
سماع هذا الراوي من ذلك الشيخ من باب أولى.
■ المسألة السابعة: لا يلزم من الانقطاع ضعف الرواية: لما هو معروف من
الكلام على الحديث الحسن لغيره.
بل لا يلزم من الانقطاع في ظاهر السند ؛ الانقطاع الحقيقي : إما
لورود التصريح بواسطة من سند آخر، أو لحمل العلماء هذه الرواية على
الاتصال والصحة، كما فعلوا في حديث أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود
عن أبيه له، أو يقوم دليل على أن المراد بالانقطاع عدم السماع، وإن
ثبت أَخْذُ الحديث عن الشيخ بطريقة أخرى من طرق التحمل المعتمدة،
والله تعالى أعلم.

٢٤٨
الجواهر السليمانية
الحديث المُفضّل
قال الناظم كثف :
١٨- والمُعْضَلُ الساقط منه اثنانِ
تكلم الناظم تخلفهُ في صدر هذا البيت على الحديث المعضل - بفتح
الضاد المعجمة -
وتحت هذا الجزء من البيت مسائل :
المسألة الأولى : تعريف الحديث المعضل:
تعريفه لغة : اسم مفعول من أعضله بمعنى أعياه، وأهل الحديث
يقولون: أعضله فهو معضل، قال ابن الصلاح في ((المقدمة)): ((وهو
اصطلاح مشكل من حيث اللغة، وبحثْتُ فوجدت له قولهم: أمر عضيل،
أي مستغلق شديد))(١). اهـ
قال السخاوي : «فکان المحدث الذي حدَّث به أعضله، حیث ضيق
المجال على من يؤديه إليه، وحال بينه وبين معرفة رواته بالتعديل أو
الجرح، وشدَّد عليه الحال، ويكون ذاك الحديث معضلًا له؛ لإعضال
الراوي له، هذا تحقيقه لغة، وبيان استعارته)). أهـ (٢).
أما تعريفه في الاصطلاح :
فقد عرفه الناظم : ((بأنه الحديث الساقط منه اثنان)) وقد سبق إلى نحو
هذا التعريف ابنُ الصلاح، فقد قال في ((مقدمته)): ((هو عبارة عما سقط
(١) (ص ٨١) مع ((التقييد)).
(٢) ((فتح المغيث)) (١ / ١٨٥).

٢٤٩
الحديث المُحْصّل
من إسناده إثنان فصاعدًا)). اهـ (١).
قال العراقي في ((شرح الألفية)): ((لكن بشرط أن يكون سقوطهما من
موضع واحد، أما إذا سقط واحد من بين رجلين، ثم سقط من موضع آخر
من الإسناد واحد آخر؛ فهو منقطع في موضعين، ولم أجد في كلامهم
إطلاق المعضل عليه، وإن كان ابن الصلاح أطلق عليه سقوط اثنين
فصاعدًا؛ فهو محمول على هذا)). اهـ(٢).
قلت : وكلام الناظم يُحمل على ما حمل عليه العراقي كلام غيره، فقد
فصل بين المنقطع والمعضل، فدل على أنهما نوعان عنده، والله أعلم.
وقال الحافظ في النكت: ((فإن قيل: فمن سلف المصنف - يعني ابن
الصلاح - في نقله أن هذا النوع يختص بما سقط من إسناده اثنان
فصاعدًا ؟
قلنا: سلفه في ذلك علي بن المديني، ومن تبعه، وقد حكاه الحاكم
في ((علوم الحديث)) عنهم))(٣). اهـ.
ولا يخفى عليك أن ما ذكره ابن المديني أضيق مما اشتهر في
التعريف، حيث قال ابن المديني : ((المعضل من الروايات : أن يكون بين
أکثر من رجل». اهـ
المرسلِ إلى رسول الله
وعلى كل حال، فالخلاصة مما تقدم: أن حدَّ الحديث المعضل: ((ما
سقط من إسناده راويان فأكثر على التوالي)) والله أعلم.
(١) (ص ٨١).
(٢) (ص ٧١) وانظره بنحوه في ((التقييد)) (ص ٨١) وفيه: (( ... وهذا مراد المصنّف،
ويوضح مرادَهُ، المثالُ الذي مَثَّل به بعدُ، وهو قوله: ومثاله ما يرويه تابع التابعي، قائلًا
فيه: قال رسول الله مثلر ... الخ.
(٣) ((النكت)) (٢ / ٥٧٩) وانظر ((معرفة علوم الحديث)) (ص ٣٦).

-
٢٥٠
الجواهر السليمانية
فقولهم: ((ما سقط من إسناده راويان فأكثر)) يشمل ما إذا كان الساقطان
في أول السند، أو في أثنائه، أو في آخره.
فإن قيل: إذا كان الساقطان فأكثر من أوله فهو معلق.
فالجواب: هو معلق ومعضل، فبينهما عموم وخصوص وجهي، وهذه
الصورة التي يلتقيان فيها، أما إذا كان الساقط واحدًا فقط في أول السند؛
فمعلق، وليس بمعضل، وإذا كان الساقط اثنين فصاعدًا على التوالي، ليس
من تصرف المصنّف؛ فمعضل، وليس بمعلق.
وقولهم : ((على التوالي)) أخرج المنقطع، وبعض صور المعلق، التي
لم يسقط فيها إلا شيخ المصنف.
قلت : كذا لم يشترط من سبق ذكرهم في المعضل ألا يكون السقط من
أول الإسناد، واعتبره بعضهم، فقد حكاه الشُّمُنِّي عن التبريزي(١)، وهو قَيْد
مهم ليخرج المعلق، ولتمييز الأنواع، لكن العبرة بصنيع الأئمة، فإن
كانوا قد استعملوا المعضل في موضع المعلق، واشتهر ذلك ؛ فالأمر
كما قال الحافظ، وإلا فاعتبار هذا القيد أولى من إهماله.
مثال للحديث المعضل : ما رواه الحارث بن أبي أسامة ، عن
شيخه معاوية بن عمر، ثنا أبو إسحاق، عن الأوزاعي، عن هارون بن
(١) انظر ((التدريب)) (١ / ٢١٤) وذهب إليه المناوي في ((اليواقيت والدرر)) (٢ / ٣)
فقد قال: ((والقسم الثالث من أقسام السقط من الإسناد: إن كان باثنين فصاعدًا، أي
حُذِف من بين طرفي إسناده راويان فأكثر على التوالي؛ فهو المعضل)) وظاهر عبارة
الحافظ في ((النزهة)) (ص ١٠٨ - ١١٢) يشير إلى أنه يرى أن المعضل سقوط اثنين على
التوالي ليس في أول السند ولا آخره، إلا أن كلامه السابق أصرح في موضع النزاع.
وظاهر عبارة الملا علي القاري انتقاد صاحب ((الخلاصة)) في تعريف المعضل، ولم
يعتبر فيه التوالي ولاعدم كونه من المبدأ، ولا ألا يكون من المصنف، انظر ((شرح
النزهة)) (ص ٤١١).

٢٥١
الحديث المُحْضَل
﴿ بعثًا .... )) الحديث.
رئاب - رفعه - قال: «بعث رسول الله
قال البوصيري خلفه : ((هذا إسناد رجاله ثقات، وهو معضل؛ فإن
هارون بن رئاب الأسيدي البصري العابد إنما روى عن التابعين عن الحسن
وابن المسيب وأشباههما))(١). اهـ
المسألة الثانية: حُكْم الحديث المعضل :
جعل أهل الحديث المعضل من أقسام الحديث الضعيف، والسبب
الحامل لهم على ذلك: هو الجهل بحال المحذوف من الإسناد.
قال ابن جماعة: ((والمعضل من قسم الضعيف))(٢). اهـ
المسألة الثالثة: أيهما أسوأ حالًا: المعضل أو المنقطع ؟
1
قال الجوزقاني في ((الأباطيل))(٣): ((والمعضل عندنا أسوأ حالًا من
المنقطع)) .
قال الزركشي : ((يؤخذ من ترتيب المصنّف - أي ابن الصلاح - حيث
ذكر بعد المرسل المنقطع، والمعضل، تفاوتهما في الرتبة، وبه صرح
الجوزقاني)»(٤). اهـ
والذي جعل المعضل أسوأ حالاً من المنقطع - في الجملة - أن
المعضل سقوط اثنين فصاعدًا على التوالي، والمنقطع سقوط واحد فقط.
لكن هل هذا الكلام يُسَلَّم بإطلاقه للجوزقاني ومن تبعه، أم لا ؟
أقول : هذا من حيث الجملة له وجه، ولا نطلق ذلك، فقد يسقط في
(١) انظر («إتحاف الخيرة المهرة)) (١/ ١٤٨ - ١٤٩).
(٢) في ((المنهل الروي)) (ص ٤٧).
(٣) (١ / ١٢).
(٤) انظر ((النكت)) (٢ / ٢٠).

=
٢٥٢
الجواهر السليمانية
المنقطع كذاب، ويسقط في المعضل ثقات، ولاشك أن المعضل في هذه
الحالة - وما شابهها - أولى، والله أعلم.
قال الحافظ ابن حجر : ((إنما يكون المعضل أسوأ حالاً من المنقطع،
إذا كان الانقطاع في موضع واحد من الإسناد، فأما إذا كان في موضعين
أو أكثر؛ فإنه يساوي المعضل في سوء الحال، والله أعلم (١)).
قلت: لا تلزم المساواة، فقد يكون الانقطاع في موضعين، لكن
الساقط في المعضل أكثر من اثنين، فهنا يكون المعضل أسوأ حالاً أيضًا،
هذا من جهة عدد المحذوف، أما من جهة حال المحذوف: فهذا أمر آخر،
ولا يلزم من قلة السقط الترجيح؛ لاحتمال أن يكون الساقط كذابًا ،نعم،
هذا صحيح من حيث الجملة إذا خلا المقام عن قرائن أخرى، والله أعلم.
فكلام الجوزقاني صحيح في الجملة، وهو أمر تقريبي، وقد تشذ عنه
حالات تؤخذ بقرائتها ودلائلها الخاصة بها، والله أعلم.
المسألة الرابعة : حكم الاستشهاد بالمعضل :
قد استشهد به البيهقي في ((السنن الكبرى))، وكذا شيخنا الألباني في
((الصحيحة))، وصرَّح بالاستشهاد به الشيخ بكر أبوزيد.
ولعل دليل من استشهد به: جواز الاستشهاد بالمنقطع، ووجهه: أننا
إذا استشهدنا بالمنقطع في موضع واحد، فكذلك يلزمنا الاستشهاد بالمنقطع
في موضعين، لأننا نستشهد بالحديث الذي فيه ضعيف أو ضعيفان، أو فيه
أكثر من علة ليست بالشديدة - ما لم يكن منكرًا، أو يَقُم دليل على وهائه
- والمنقطع في موضعين يساوي في الجملة المعضل، كما سبق من كلام
الحافظ في اعتراضه على الجوزقاني.
(١) ((النكت)» (٢ / ٥٨٢). ٥)

٢٥٣
=
الحديث المُحْضَّل
وإذا كان المعضل يساوي المنقطع في موضعين، ونحن نستشهد
بالمنقطع في موضعين ؛ لزمنا الاستشهاد بالمعضل، فلعل هذا هو وجه من
استشهد بالمعضل، والله أعلم.
وعندي: أن في ذلك توسعًا غير مرضي، فأصل الاستشهاد بالمنقطع
هو الاستشهاد بالمرسل، ولاشك أن المرسل أحسن حالًا من المنقطع،
لأن المرسل في طبقة عالية، وقد كان الكذب فيها أخف مما بعدها من
الطبقات.
وقد قال ابن السمعاني عندما تحدث عن حكم الحديث المنقطع : ((من
مَنَعَ قبول المرسل؛ فهو أشد منعًا لقبول المنقطعات، ومن قَبِل المراسيل
اختلفوا)). اهـ
والاستشهاد بالمرسل فيه خلاف قد سبق بيانه، والمنقطع أسوأ حالًا
من المرسل، فمع هذا كله: هل يليق بنا أن نقيس المعضل على المنقطع ؟
فيكون قياسًا على قياس قائم على أصل فيه نزاع؟ حيث قسنا المعضل على
المنقطع مع الفارق، والمنقطع على المرسل مع الفارق، وفي الاستشهاد
بالمرسل نزاع وقيود قد سبق بيانها.
ثم لو سلمنا بذلك ؛ فقد يقول قائل: إذا أجزتم الاستشهاد بمنقطع في
موضعين؛ فكذلك يلزم الاستشهاد بمنقطع في ثلاثة مواضع أو أكثر، فإن
سلمنا بذلك، واستشهدنا بالمعضلات؛ سقط معنى تشديد العلماء في
الرواية بالأسانيد، ولزمنا أن نقبل في الشواهد قول أحد المصنّفين: ((قال
رسول الله
كذا وكذا)) وإذا كان ذلك كذلك - ولاسيما إذا كان الشاهد
والمشهود له من هذا الصنف - فعلى الأسانيد السلام، وانقطع الكلام،
ومن شاء أن يقول قولًا فليقله !!!
وإذا رفضنا الاستشهاد بمنقطع في ثلاثة مواضع فأكثر ؛ لزم التحكم بلا

٢٥٤
الجواهر السليمانية
دلیل ولا برهان.
فإن قيل: إن الأمر راجع إلى غلبة الظن.
قلت : وغلبة الظن أنه لا فائدة في المعضلات، والمنقطعات المتكررة
في السند الواحد، ولا أعرف ذلك عن السلف إلا من كلام البيهقي، وإن
وُجِدَ فنادر جِدًّا، لا يُقعَّد عليه، لاحتمال أنهم قبلوه لقرائن أخرى لا تطَّرد
في بقية الأحاديث، والله أعلم.
نعم، إذا كان هناك من الأسانيد ما يعتمد عليه لذاته أو لغيره، وانضم
إليه شئ من ذلك، فإن نفعه وإلا ما ضره، والله أعلم (١).
المسألة الخامسة : استعمالات أخرى للمعضل :
أطلق بعض أهل العلم المعضل على عدة معانٍ، منها :
١- على قول الراوي : بلغني عن فلان، قاله السجزي، ونسبه إلى أهل
الحديث(٢)، وهذا على طريقة من يسمي الإسناد الذي فيه مبهم
منقطعًا، قاله الحافظ(٣).
٢- ما قاله ابن الصلاح من أن: قول المصنفين من الفقهاء وغيرهم:
كذا وكذا)) ونحو ذلك، كله من قبيل المعضل(٤).
«قال رسول الله
٣- وكذا يطلقونه على مالم يسقط منه شئ البتة، ويعنون به المُسْتَغْلَق
الشديد، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن هذا التعبير وجد في كلام
٨
(١) وقد فصلت الكلام في ذلك في كتابي: ((إتحاف النبيل)) (٢ / ٢٣٥ - ٢٣٧)
السؤال (٢٢٦).
(٢) انظر ((المقدمة)) لابن الصلاح (ص ٨٢) مع ((التقييد)).
(٣) ((النكت)) (٢ / ٥٨٢).
(٤) انظر ((المقدمة)) (ص ٨٢ - ٨٣) مع ((التقييد)).

٢٥٥
الحديث المُحْرَضَّل
جماعة من أهل الحديث كمحمد بن يحيى الذهلي، وغيره، فهذا
إعضال من جهة المعنى لامن جهة الإسناد(١).
٤- وأطلقه الحاكم على الحديث الذي يرويه تابع التابعين موقوفًا على
التابعي، لا يرفعه إلى رسول الله
*، ولا يذكر الصحابي، ولا
(٢).
رسول الله
(١) انظر ((النكت)) (٢ / ٥٧٥).
(٢) نقله ابن الصلاح في ((المقدمة)) (ص ٨٢) مع ((التقييد)) وهو محمول على أن مثله
لا يقال بالرأي، لكن الذي عند الحاكم في ((المعرفة)) (ص ٣٧) يغاير ما نقله عنه ابن
الصلاح؛ إذ قال الحاكم: ((والنوع الثاني من المعضل، أن يُعْضِله الراوي من أتباع
التابعين، فلا يرويه عن أحد، ويوقفه، فلا يذكره عن النبي ◌ّر معضلًا، ثم يوجد ذلك
الكلام عن رسول الله وَ ط# متصلًا)». اهـ

٢٥٦
الجواهر السليمانية
الحدیث المدلّس
قال الناظم تكلفة :
وما أَتَى مُدَلَّسًا نوعان
١٨-
يَنْقُلَ عَمَّنْ فوقَه بِعَنْ وأَنْ
١٩- الأولُ الإسقاطُ للشيخ وأنْ
٢٠- والثاني لا يُسْقِطُهُ لكنْ يَصِفْ أوصافَه بما بِهِ لا يَنْعَرِفْ
شرع الناظم في الكلام على الحديث المدلَّس، وذَكَر أنه نوعان،
وعَرَّف كلَّا من النوعين.
وتوضيح ذلك في عدة مسائل، وهي :
المسألة الأولى: تعريف التدليس لغةً واصطلاحًا :
أما في اللغة: ((فهو مشتق من الدَّلَس، وهو الظلام، وكأنه أظلم وجْهُهُ
على الناظر لتغطية وجه الصواب فيه)). اهـ قاله الحافظ في ((النكت))(١).
أما تعريفه في الاصطلاح : فهو يختلف باختلاف أقسامه، كما سيأتي
بيانه - إن شاء الله تعالى -
المسألة الثانية: أقسام التدليس :
اختلف أهل العلم في تقسيم التدليس، فذهب جماعة منهم إلى أنه
ينقسم إلى قسمين فقط :
١- تدلیس الإسناد.
(١) (٢ / ٦١٤) .

٢٥٧
الحديث المدلس
٢- تدليس الشيوخ.
وهذا ما فعله الخطيب(١) وابن الصلاح(٢) والنووي(٣) وابن كثير(٤)
وابن الملقِّن(٥) وغيرهم، وارتضاه الحافظ ابن حجر(٦) وعليه مشى الناظم.
وأدخل كثير منهم بقية أقسامه في هذين القسمين؛ ولعل ذلك لنُذْرة
الأقسام الأخرى بالنسبة لهذين القسمين، أو لوجود شيء من التشابه بين
هذه الأقسام من جهة إيهام الاتصال، لكن من تأمل تعريف القسمين
المذكورين، وتعاريف الأقسام الأخرى؛ وجد فارقًا بينهما وبين بقية
الأقسام، والله أعلم.
ومنهم من جعل القسمة ثلاثية: كالعراقي (٧) حيث جعل القسم الثالث:
تدليس التسوية، وتوضيح هذه الأقسام كالآتي :
القسم الأول : تدليس الإسناد: والكلام عليه في مباحث.
المبحث الأول: تعريفه: للعلماء في حَدِّه أقوال، وهي :
القول الأول : ((هو أن يحدث الرجل عن الرجل الذي لم يَلْقَ بما لم
يسمعه منه)) قالوا: وهذا تدليس ؛ لأنه لوشاء لسمَّى من حدَّثه.
وهذا توسع غير مرضي، وقد حكاه ابن عبد البر عن فرقة، ثم قال :
(١) انظر ((الكفاية)) (ص ٥١٠ - ٥٢٠).
(٢) انظر ((المقدمة)) (ص ٩٥ - ٩٦) مع ((التقييد)).
(٣) انظر ((التقريب)) للنووي (ص ٢٢٣ - ٢٢٨) مع ((التدريب)).
(٤) انظر ((المختصر (((١ / ١٧٢ - ١٧٦) مع ((الباعث)).
(٥) انظر («المقنع)) (١ / ١٥٤ - ١٥٥).
(٦) انظر ((النكت)) (٢ / ٦١٤ - ٦١٥).
(٧) انظر ((التقييد)) (ص ٩٥).

١
=
٢٥٨
الجواهر السليمانية
(«فإن كان هذا تدليسًا ؛ فما أعلم أحدًا من العلماء سَلم منه، اللهم إلا شعبة
بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان ... )) انظر ((التمهيد))(١).
وهذا القول مهجور ؛ لأن التدليس يُشترط فيه الإيهام، فأين الإيهام في
كون الراوي يحدث عمن لم يعاصِرْه أصلًا، أو عاصره؛ ومعلوم عند
السامع أنه لم يسمع منه ؟!
القول الثاني : ((وهو رواية الراوي عمن سمع ما لم يسمع منه، موهمًا
أنه سمع منه)) أو ((روايته عمن عاصره، ولم يلقه، موهمًا أنه سمع منه)) وهو
قول الخطيب(٢) وابن الصلاح(٣) والنووي(٤) وابن كثير(٥)، وابن
الملقِّن(٦)، والعراقي(٧) وغيرهم، وإن كان بعض هؤلاء ذكر اللقاء، ولم
يذكر السماع، إلا أنه عند الإطلاق محمول عليه، والله أعلم.
وقد يَرِدُ على ذلك: النوعُ المسَمَّى بـ ((المرسل الخفي)) فمن قصد
التمييز، وعَدَمَ التداخل؛ ذهب إلى أن التدليس لا بد فيه من قيد السماع أو
(١) (١ / ١٥) وقال الذهبي بنحو هذا القول الذي حكاه ابن عبد البر عن فرقة،
فقال: في ((الموقظة)) (ص ٤٧): ((المدلَّس: ما رواه الرجل عن آخر، ولم يسمعه منه،
أو لم يدركه ((إلا أنه عند شرحه لهذا التعريف؛ ظهر أن الذهبي يشترط في التدليس
اللقاء، وتردد في مجرد المعاصرة، ومالم يكن كذلك عذَّه منقطعًا.
(٢) انظر ((الكفاية)) (ص ٥٩) ب / معرفة الخبر المتصل الموجب للقبول والعمل،
وقد عَرَّف الخطيب التدليس في (ص ٥١٠) في باب التدليس وأحكامه، مقتصرًا على
الجزء الثاني من هذا التعريف، ولم يذكر قيد السماع أو اللقاء، فلزم التنبيه.
(٣) انظر ((المقدمة)) (ص ٩٥) مع ((التقييد)).
(٤) في ((الإرشاد)) (١ / ٢٠٥) وإن كان قد اقتصر في (التقريب)) على الجزء الثاني
من التعريف، انظر ((التدريب)) (١ / ٢٢٣ - ٢٢٤).
(٥) انظر (المختصر)) (١ / ١٧٢) مع ((الباعث)).
(٦) انظر ((المقنع (((١ / ١٥٤).
(٧) انظر ((شرح الألفية)) (١ / ١٨٠)

٢٥٩
الحديث المدلس
اللقاء لا مجرد المعاصرة، فإن روى عن معاصره بصيغة محتملة؛ فهو
((الإرسال الخفي)) قاله الحافظ في مقدمة ((طبقات المدلسين)).
القول الثالث : ((أن يروي عمن سمع منه، مالم يسمع منه موهمًا أنه
سمع منه)) وقد أخرج هذا القيدُ روايةَ المعاصر، والفرق بينه وبين القول
الثاني: أن الثاني يُدْخِل في التدليس مجرد الاكتفاء بالمعاصرة بين الراوي
ومن روى عنه، مع أنه لم يسمع منه أصلًا، وهذا القول الثالث قد ذهب
إليه جماعة، منهم البزار(١) وابن عبدالبر(٢) وابن القطان(٣) والحافظ ابن
حجر (٤) والسخاوي(٥) وغيرهم.
فظهر مما سبق : أن القول الثاني عام في التدليس، إذْ قد جعله شاملًا
لرواية المعاصر عمن عاصره، مالم يسمعه منه، ولروايته عمن لقي أو سمع
- في الجملة - لما لم يسمعه من شيخه، واشترط قَيْد الإيهام في
الصورتين.
أما القول الثالث : فإنه خاص برواية من سمع - في الجملة - لما لم
يسمعه من شيخه، مع قصْد الإيهام، فهو مقتصر على صورة من إحدى
(١) انظر ((النكت)) (٢ / ٦١٤ - ٦١٥).
(٢) انظر ((التمهيد)) (١ / ١٥) وقال: ((هذا هو التدليس عند جماعتهم، لا اختلاف
بينهم في ذلك)) اهـ
قلت: لا إشكال في دخول هذا القول في التدليس، لكن الخلاف في دخول غيره من
الأقوال، والعمدة على صنيع المتقدمين في استعمال التدليس، وإطلاقهم ذلك على
الروايات، والله اعلم.
(٣) انظر ((النكت)) (٢ / ٦١٤ - ٦١٥).
(٤) انظر ((النكت)) (٢ / ٦١٤ - ٦١٥).
(٥) انظر ((فتح المغيث)) (١ / ٢٠٨) وعبارته في ((الغاية)) (١ / ٢٩٤) في ذلك
أصرح .
٠

٢٦٠
=
الجواهر السليمانية
الصورتين اللتين اشتمل عليهما القول الثاني.
والترجيح بين القول الثاني والثالث راجع إلى قَضْد الإيهام من الراوي
الذي وُصِفَ بالتدليس، واحتمال وقوع السامع في الوهم، فإذا حصل
للسامع من رواية المتعاصريْن؛ فهو تدليس، وإلا فلا، وإن كان كلام
الحافظ في ((مقدمة طبقات المدلسين)) في إخراج رواية المعاصر - الذي لم
يسمع - من التدليس، وإدخالها في المرسل الخفي؛ كلام له حظ في
الوجاهة، إلا أن النفس تميل إلى ما رجحته - إذا كان العلماء قد أطلقوا
التدليس على رواية المعاصر الذي لم يسمع، وصنيعهم هو العمدة - والله
تعالى أعلم.
وقد قال الخطيب في ((الكفاية)) (١) مؤكّدًا على اشتراط قصد الإيهام في
التدليس : ((وإنما يفارق حاله حالَ المرسِل بإيهامه السماع ممن لم يسمع
منه فقط، وهو الموهِن لأمره، فوجَبَ كون هذا التدليس متضمِّنًا
للإرسال، والإرسال لا يتضمن التدليس ؛ لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم
يسمع منه ... )). أهـ
قلت : المبالغة في الخوض في هذا الأمر: لم تَعُدْ كبيرة الفائدة؛ بعد
عَدّ العلماء للمدلسين، وإن كان من الممكن الوقوف على بعض الأحوال
التي تدل على التدليس من الراوي، وإن لم يذكروه في جملة المدلسين
ولعلهم لم يذكروه فيهم لقلة تدليسه، والمرجع في ذلك - في الجملة - إلى
نصوص العلماء في وصفهم الرواة بالتدليس، والله أعلم.
(١) (ص٥١٠).