Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ = الحديث المرفوع ٢- وأما المرفوع حكمًا: فهو في الأصل ليس منسوبًا إلى النبي صراحةً، لكن يُفهم بقرينة خارجية أن هذا الحكم لا يكون إلا عنه المسألة الرابعة: صور المرفوع حكمًا : للمرفوع حكمًا صور كثيرة، منها : ١- قول الصحابي: ((أُمِرْنا بكذا)) أو: ((نُهينا عن كذا)) أو: «أُمِرَ فلان بكذا)) أو ((أُوجب علينا كذا)) أو: ((حُظر أو حُرِّم علينا كذا)) أو: ((أُبيح أو رُخّص لنا في كذا)». (أ) فقول الصحابي: ((أمرنا بكذا)) أو ((نهينا عن كذا)) المتبادر منه أن ®، هذا هو الأصل، لاسيما إذا الآمر والناهي لهم هو النبي كان ذلك في مسألة شرعية، أو ساقه الصحابي مساق الاحتجاج به على حكم شرعي(١)، خلافا لمن قال : إنه يحتمل أن يكون الآمر أو الناهي له في ذلك: أمر القرآن، أو الأمة - أي الإجماع - أو بعض الأئمة والخلفاء، أو القياس، أو الاستنباط(٢). وقد حكى أبوالسعادات ابن الأثير عن بعضهم تفصيلًا في ذلك، فقال : ((وقال بعضهم : في هذا تفصيل : وذلك إن كان الراوي أبا بكر الصديق رضيُبه فيُحمل على أن الأمر هو النبي ﴾؛ لأن غير النبي لا يأمره، ولا التزم أمر غيره، ولا تأمَّر عليه أحد من الصحابة، فأما غير أبي بكر : (١) انظر كلام ابن الصلاح بنحو ذلك في ((المقدمة)) مع ((التقييد)) (ص ٦٩) وقد عزا القول بذلك لأصحاب الحديث، وأكثر أهل العلم. (٢) وهذا كلام أبي الحسن الكرخي من الحنفية، انظر ((النكت)) (٢ / ٥٢٠) و ((النزهة)) (ص ١٤٦). ١٢٢ الجواهر السليمانية ﴿ أو غيره ؛ لأن أبا فإذا قال: ((أُمِرْنا)) فإنه يجوز أن يكون الأمر النبي بكر تأمَّر على الصحابة، ووجب عليهم امتثال أمره، وقد كان غير أبي بكر وبعده، فلا يجوز أن يُضاف الأمر إليهم)»(١). رَُّّه أميرًا في زمن النبي والظاهر أن هذا التخصيص لا يلزم، حتى قال الزركشي : ((وهذا المذهب غريب جدًّا))(٢). ومن أمثلة هذه الصورة: ما جاء عن أنس ◌َُّه أنه قال: ((أُمِرَ بلالٌ أن يشفع الأذان، ويُوتِرَ الإقامة)). فمن ذا الذي أَمَره بهذا الأمر؟ هل هو أبو بكر أو عمر ﴿يَا؟ لا يظن بذلك، وأما بعد بهما أن يتقدما على النبي ® فيأمرا بلالاً في عهده ، ولو أَذَّن بلال فقد ذكر بعضهم أن بلالا لم يؤذن بعد موته عهده بعد النبي فلن يأمراه إلا بما ثبت عندهما عنه ، ثم كيف يأمرانه بما هو قائم به من قبل ؟! وزاد السخاوي فقال: ((ويتأيَّد بالرواية المصرحة بذلك))(٣) اهـ. ومحصَّل اعتراض من لم يعد قول الصحابي: ((أُمِرْنا بكذا)» - وما في معناه من عبارات - من قبيل المرفوع : أمور، وهي : أ- أنه يحتمل أن يكون الآمر غير رسول الله ﴿، وأمْر غيره ليس بمرفوع. والجواب عن ذلك : أن هذا خلاف المتبادر، والأصل أن الآمر هو ﴿ وما عداه محتمل، لكنه بالنسبة إلى الأول مرجوح، وأيضًا رسول الله (١) انظر مقدمة ((جامع الأصول)) (١ / ٩٤). (٢) انظر ((النكت)) للزركشي (١ / ٤٢٧). (٣) انظر ((فتح المغيث)) (١ / ١٣٠). ١٢٣ سيد الحديث المرفوع فمن كان في طاعة رئيس، إذا قال أُمِرْتُ؛ فلا يُفْهَم عنه أن آمره إلا (١) رئيسه(١). وقد تعقب السخاوي تظنه كلام أبي الحسن الكرخي، فقال: ((وكذا ما أبداه الكرخي من الاحتمالات في المنع أيضًا بعيد، كما قاله شيخنا ؛ فإن أمْر الكتاب ظاهر للكل، فلا يختص بمعرفة الواحد دون غيره، وعلى تقدير (٢). التنزّل فهو مرفوع ؛ لأن الصحابي وغيره إنما تلقوه من النبي . وأمْر الأمة لايمكن الحمل عليه ؛ لأن الصحابي من الأمة، وهو لا يأمر نفسه. وأمْر بعض الأئمة : إن أراد من الصحابة مطلقًا فبعيد، لأن قوله ليس حجة على غيرهم منهم، وإن أراد من الخلفاء فكذلك ؛ لأن الصحابي في مقام تعريف الشرع في هذا الكلام والفتوى، فيجب حمله على من صدر منه الشرع، وبالجملة : فهم من حيث أنهم مجتهدون ؛ لا يحتجون بأمر مجتهد آخر، إلا أن يكون القائل ليس من مجتهدي الصحابة، فيحتمل أنه يريد بالآمر أحد المجتهدين منهم. وحَمْلُهُ على القياس والاستنباط بعيد أيضًا؛ لأن قوله: ((أُمِرْنا بكذا)) يُفْهَم من حقيقة الأمر والنهي، لاخصوص الأمر باتباع القياس)) (٣). اهـ. وزاد الصنعاني في رده حمل الأمر على القياس: (( .... وحمْله على القياس فبعيد، كحمله على الاستنباط ؛ فإنه لا يتبادر ذلك لسامع)) (٤). (١) انظر ((النزهة)) (ص ١٤٦). (٢) وجواب السخاوي بشقيه عن أمر القرآن فيه تأمل ونظر. (٣) انظر («فتح المغيث)) (١ / ١٣١ - ١٣٢) وقد أخذه السخاوي من شيخه؛ فإنه يكاد يكون هذا بلفظه في ((النكت)) (٢ / ٥٢٠ - ٥٢١). (٤) انظر ((توضيح الأفكار)) (١ / ٢٧٠). ١٢٤ الجواهر السليمانية ب- ومما اعتُرِض به أيضًا: أن قول الصحابي: ((أُمِرْنا بكذا)) يحتمل أن الصحابي أخطأ في اجتهاده، وظَنَّ ما ليس بأمْر أمرًا. وأُجيب : بأنه احتمال ضعيف؛ لأن الصحابي عدل عارف باللسان، ولا يُطلق ذلك إلا بعد التحقق. اهـ (١). جـ- ومما اعترض به أيضًا : أن هذه الصيغة وردت في أمْر من غير (٢) . النبي ويجاب : بأن هذا خلاف الأصل لما سبق، والعمل بالأصل حتى يظهر خلافه : هو الأصل، والله أعلم. ٢- وأما قول الصحابي: ((كُنا نَفْعل كذا)) فله حالان: كقول جابر رَاته: «كُنَّا نَعْزِلُ أ- أن يُضَاف إلى زمن النبي فهذا على الأرجح من قبيل والقرآن يَنْزِل)) يعني في حياته المرفوع ؛ فإن قوله: ((كنا)) يدل - في الأصل - على التكثير والتكرار، ويُسْتَبْعَد أن يُقَرُّوا على منكر مع كثرة إتيانهم إياه في بآحاد أفعال بعض الصحابة. زمن الوحي، الذي يخبر النبي ب- أن تأتي هذه العبارة مجردة عن الإضافة: ((كنا نفعل كذا)) فالخلاف في هذه الصورة مشهور بين العلماء ؛ فمنهم من يقول: إن هذا من قبيل الموقوف، ومنهم من يقول : هو من قبيل المرفوع، وهو الأرجح، وذلك لأن قول الصحابي : ((كنا نفعل كذا)) يدل - في الأصل - على التكرار والتكثير، فالظن أنهم لا يعملون الشئ، ویکثرون منه إلا إذا بالصحابة (١) انظر ((النزهة)) (ص ١٤٧) وانظر أيضًا مقدمة ((جامع الأصول)) لابن الأثير (١ / ٩٢)، بل انظر ((الكفاية)) (ص ٥٩١). (٢) انظر ((التدريب)) (١ / ١٨٩). ١٢٥ الحديث المرفوع أو کان عندهم في ذلك مستند عنه استشاروا النبي فهل يُعْقل أنهم يفعلون هذا الشئ بهذه الكثرة من عند أنفسهم، ؟ هذا أمر مستبعد، لاسيما إذا دون أن يرجعوا إلى النبي كان ذلك من الصحابي في معرض الاستدلال به على شرعية أمر ما، والله أعلم (١). وللعلماء مذاهب في قول الصحابي : ((كنا نفعل كذا)) بدون إضافة : فذهب بعضهم إلى إطلاق القبول، سواء أضافه إلى زمن النبي ﴿ أم لا ، وهذا صنيع الشيخين، وأكثر منه البخاري، ومنهم من فضَّل من جهة احتمال خفاء هذا الفعل؛ فلا يُقبل، أو ظهوره فيقبل، ومنهم من فضَّل بين كون القائل من المجتهدين، أم لا، وإذا كان الصحابي أورده في معرض الحجة، أم لا، وانظر ((النكت)) للحافظ(٢). ٣- وكذا قول الصحابي: ((كنا لا نرى بأسًا بكذا)) فهو أيضًا من قبيل المرفوع - على الراجح - إلا أن يأتي دليل يمنع من ذلك، فيقدم الدليل النصي على المرفوع الحكمي، أو تظهر قرينة تدل على أنه لا يراد بذلك عموم الصحابة، ومما يشهد لهذين الأمرين : ما جاء في (صحيح مسلم))(٣) عن ابن عمر قال: ((كنا لا نرى بالخَّبْر - أي كراء الأرض - بأسا؛ حتى كان عام أول؛ فزعم رافع أن نبيَّ الله نهى عنه)) . وفي رواية : أن ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد رسول الله وفي إمارة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وصدرًا من خلافة معاوية، حتى بلغه (١) وانظر نحو ذلك في ((الكفاية)) للخطيب (ص ٥٩٤ - ٥٩٥). (٢) (٢ / ٥١٥ - ٥١٦). (٣) ك / البيوع / ب / كراء الأرض، برقم (١٥٤٧). )= ١٢٦ الجواهر السليمانية من آخر خلافة معاوية: أن رافع بن خَديج يُحدِّث فيها بنهْي عن رسول الله فدخل عليه وأنا معه، فسأله، فقال : ((كان رسول الله و ينهى عن كراء المزارع)) فتركها ابن عمر بعدُ، وكان إذا سُئل عنها بعدُ قال : زعم نھی عنها. رافع ابن خديج أن رسول الله وفي رواية: قال ابن عمر : لقد منعنا رافعٌ نَفْعَ أرضينا(١). قال الخطيب مستدلًا بذلك على أن الأصل جَعْلُ هذه الصيغة من قبيل المرفوع : ((أفلا ترى أن ابن عمر لم يستجز أن يذكر ما كانوا يفعلونه من في النھي استكراء الأرض إلا بالجمع بينه وبين حديث رافع عن النبي عنه)) اهـ(٢). قلت : فإذا وقفنا على هذه العبارة عن الصحابي، ولم نجد خلاف ذلك في السنة ؛ فالأصل أنها تقرير، وأنها من قبيل المرفوع، والله أعلم. (تنبيه) : ومع أن قول الصحابي : ((كنا نرى كذا)) له حكم الرفع، فقد قال الحافظ : ((ينقدح فيه من الاحتمال أكثر مما ينقدح في قوله : ((كنا نقول، أو نفعل)) لأنها من الرأي، ومستنده قد يكون تنصيصًا أو استنباطًا)) اهـ(٣). فإن هذا يدل على أن ابن عمر كان يفعل ذلك، لاعموم الصحابة، ولما بلغه الدليل ترك ما كان يفعل، والله أعلم. (تنبيه آخر): الأصل في قول الصحابي: ((كنا نفعل كذا)) أو ((لا نرى بأسّا بكذا)) تكرار هذا الفعل وتكثيره، إلا إذا ظهرت قرينة تدل على أن فاعل ذلك عدد قليل؛ فيُعمل بذلك في موضعه، كما قال ابن عمر: ((كنا لا (١) وانظر الحديث في ((صحيح البخاري)) أيضًا برقم (٢٢٨٥، ٢٣٤٣). (٢) انظر ((الكفاية)) (ص ٥٩٥) .. (٣) انظر ((النكت)) (٢ / ٥١٧). = ( ١٢٧ الحديث المرفوع نرى بالخبر بأسًا)» ثم ظهر أنه الذي كان يكري أرضه، وليس جُلُّ الصحابة كذلك. ٤ - قول الصحابي : ((من السنة كذا))؛ الصحيح أن هذا له حكم الرفع؛ ، خلافًا لمن قال : لأن المتبادر من هذه العبارة : أنها سنة النبي إنه من المحتمل أن تكون سنة الخلفاء الراشدين؛ لأن هذا ليس هو ﴿، والحمل على الأصل أولى من الأصل، فإن سنتهم تبعٌ لسنته الحمل على الفرع، والظاهر من مقصود الصحابي بذلك إنما هو بيان الشريعة ونقلها، فكان إسناد ما قصد بيانه إلى الأصل ؛ أولى من إسناده إلى التابع، والله أعلم (١). ٥ - قول التابعي عن الصحابي: ((يرْفَعُه)) أو ((مرفوعًا)) أو ((يسنده)) أو ((يبْلُغ به)) أو (يَنْمِيه)) أو يَرْويه)) أو ((رواه)) أو ((رواية)) أو ((قال: قال)) دون : فإن ذلك من قبيل المرفوع حُكْمًا(٢). ذكر النبي واعلم أن القائل لهذه العبارات هو التابعي الراوي عن الصحابي، والضمائر في قوله: (يرفعه)) أو (ينميه)) ... الخ، راجعة إلى الصحابي، أي أن الصحابي ضه هو الذي يرفع الحديث، أو ينميه إلى النبي قلت هذا حتى لا يلتبس الأمر على من وجد مثل هذه العبارات فيتوهم أن القائل لها هو الصحابي، وقد بوب الخطيب في ((الكفاية)) بقوله: باب (١) انظر ((النكت)) (٢ / ٥٢٥). (٢) قال الخطيب في ((الكفاية)) (ص ٥٧٨) ((كل هذه الألفاظ كناية عن رفع الصحابي الحديث، وروايته إياه عن رسول الله ﴿ ولا يختلف أهل العلم أن الحكم في هذه الأخبار، وفيما صرح برفعه سواء في وجوب القبول، والتزام العمل)) اهـ وقال ابن الصلاح: ((وحُكم ذلك عند أهل العلم حكم المرفوع صريحًا» اهـ من ((المقدمة)) مع ((التقييد)» (ص ٧٠). = ١٢٨ الجواهر السليمانية في قول التابعي عن الصحابي: ((يرفع الحديث)) و((ينميه)) و((يبلغ به))(١). (تنبيه): إذا قال الراوي عن التابعي: ((يرفعه)) أو ((يبلغ به)) فذلك أيضًا مرفوع، ولكنه مرفوع مرسل، قاله ابن الصلاح(٢). (تنبيه آخر): قول التابعي: (يرفعه)) أبلغ في الرفع من قوله: ((من السنة)) قاله الزركشي(٣). وكذا يقال في: ((قال: قال))، فمثلًا لو فرضنا أن عندنا إسنادًا من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: قال : (قال : ... الحديث)) دون )) فالقائل: ((قال: قال)» هو سعيد بن أن يقول : ((قال : قال رسول الله المسيب، وفاعل ((قال)) الأولى هو أبوهريرة ظّله وفاعل ((قال)) الثانية هو رسول الله ﴾(1). يرفعه» ويُعَدُّ ويُلْحَق بذلك ما إذا قال الصحابي: ((قال رسول الله ذلك من الأحاديث القدسية حُكْمًا (٥). وجعل العلماء هذه العبارة. من قبيل المرفوع حُكْمًا؛ لأنها قد دخلها الاحتمال، أي أنها محتملة أن يكون القائل في ((قال)) الثانية أبا بكر أو عمر ضًا فهذا الاحتمال - وإن كان بعيدًا - إلا أنه قد حمل العلماء أن يجعلوا هذه العبارة وأمثالها من قبيل المرفوع حُكْمًا لا تصريحًا. (١) (ص ٥٨٥). (٢) انظر ((المقدمة)) مع ((التقييد)) (ص ٧٠) وصرح الزركشي بأنه ينبغي أن يكون فيه خلاف، كقول التابعي: ((من السنة كذا)) انظر ((النكت)) للزركشي (١ / ٤٣٧) وإن كان السخاوي قال في ((فتح المغيث)) مرسل مرفوع بلا خلاف)) اهـ (١ / ١٤٦) وانظر ((إتحاف النبيل)) (٢ / ٢٦٥) السؤال (٢٣١). (٣) انظر ((النكت)) للزركشي (١/ ٤٣٧). (٤) انظر ((شرح النزهة)) لملا علي القاري (ص ٥٥٩ - ٥٦٠). (٥) انظر ((النكت)) (٢ / ٥٣٨ - ٥٣٩) و((فتح المغيث)) (١ / ١٤٥). ١٢٩ الحديث المرفوع فإن قيل : لماذا عَدَل التابعي إلى مثل هذه العبارات، ولم يأت بالعبارات الصريحة، فيقول عن الصحابي: ((سمعت رسول الله )) أو نحو ذلك. فالجواب : أن هذا راجع إلى ورع التابعي، وذلك أنه قد ينسى الصيغة التي حدثه بها الصحابي - مع ثقته بصحة نسبة الحديث إلى النبي فخاف أن يأتي بصيغة من صيغ التحمل - مع شكِّه فيها - ويكون الأمر على خلاف ذلك، فأتى بصيغة محتملة تحتمل هذا وذاك. ويحتمل أن يكون ذلك طلبًا منه للتخفيف والاختصار. أو قد يكون التابعي شاكًّا في نسبة ذلك إلى النبي®(١)، وعندي في ذلك تأمل؛ إذْ كيف يليق بالتابعي العدل أن يجزم بما هو شاك في ثبوته ؟! إلا أن يقال : باب الرواية فيه توسُّع، بخلاف باب الاحتجاج والعمل؛ فذاك أمر آخر - على ما في هذا الاحتمال - والله أعلم. ٦ - إخبار الصحابي بما لا يقال بالرأي والاجتهاد، أَوْلَه تعلُّق باللغة، أو شرح غريب: كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق، وأخبار الأنبياء - عليهم السلام - أو الآتية كالملاحم، والفتن، وأحوال يوم القيامة، وكذا الأخبار عما يحصل بفعل ثواب مخصوص، أو عقاب مخصوص، بشرط ألا يكون الصحابي ممن يأخذ عن بني إسرائيل (٢). وواضح من هذا أن إدخال هذا القسم فيما له حكم الرفع ؛ له عدة شروط : أ - أن يكون القائل صحابيًّا، فإن كان تابعيًّا اختلف الحكم. (١) انظر ((النكت)) (٢ / ٥٣٧) و((فتح المغيث)) (١ / ١٤٤ - ١٤٥). (٢) انظر ((النزهة)) (ص ١٤١). ١٣٠ الجواهر السليمانية ب - ألا يكون الصحابي ممن يأخذ عن بني إسرائيل، فإن كان كذلك؛ فليس لروايته التي تحتمل أن تكون عن بني إسرائيل حكم الرفع، لأنه - والحالة هذه - يحتمل أن يكون أخذه عنهم، وكلامهم لیس حجة في ديننا. (تنبيه) : الصحابي - وإن كان ممن يأخذ عن بني إسرائيل - إن ذكر شيئًا ليس لأخبار بني إسرائيل فيه احتمال أو مدخل ؛ فإن له حكم الرفع، وذلك كأن يروي شيئًا له صلة بالأحكام الشرعية، أو يتصل بنبينا محمد ، وما أعدَّ الله له من جزاء وثواب، ونحو ذلك، فهذا يكون مرفوعًا، لا من أخبار بني إسرائيل. وقد ذكر الحافظ ابن كثير تغذّثُ في تفسير ((سورة الضحى)) عند قوله [الضّحى: ٥] قول ابن عباس: ۵ تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ ((عُرِض على رسول الله ـي ما هو مفتوح على أمته من بعده كنزًا كنزًا، فسُرَّ بذلك، فأنزل الله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ فأعطاه في الجنة ألف قَصْر، في كل قَصْر ما ينبغي له من الأزواج والخدم. قال الحافظ ابن كثير : ((رواه ابن جرير من طريقه، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ومثل هذا ما يقال إلا عن توقيف)) اهــ هذا مع نص الحافظ ابن كثير أن ابن عباس ممن يروي في بعض الأحيان عن بني إسرائيل(١). ـ، ولا يحكون وذلك لأن كفار بني إسرائيل لا يؤمنون برسول الله عما له ولأمته من الثواب عند الله ێ. ج - أن يكون هذا الأمر المخبر عنه لايقال بالرأي ونحوه، كالإخبار (١) انظر مقدمة ((تفسير ابن كثير)) (١ / ٨) ط / دار طيبة. ١٣١ الحديث المرفوع عن حال أهل الجنة، أو أهل النار، أو عما يكون في القبر، ونحو ذلك من الأمور التي ليس للاجتهاد فيها مجال. ووجه إدخال هذه الصورة في قسم المرفوع حُكْمًا: أن الصحابة مطوّه أشد الناس حذرًا من القول على الله بغير علم، وما كان الواحد منهم يذكر أمرًا غيبيًّا، ويجزم بأن الله قد يقول لمن فعل كذا : كذا وكذا، أو أنه يكرمه أو يعاقبه بكذا، ونحو ذلك دون أن يكون له في ذلك حجة، فمن المستبعد أن يهجم الصحابي على هذا الأمر دون مستند عن رسول الله _؛١ لأن هذا الأمر - بهذا التفصيل - لا يؤخذ من قواعد الشريعة فقط، إنما يؤخذ عن رسول الله ﴾، أو من أخبار أهل الكتاب، فلما اشترط العلماء ألا يكون الصحابي ممن يأخذ عن أهل الكتاب؛ ترجَّح الأمر الآخر، وهو الأخذ عن رسول الله ®، وانظر نحو ذلك ملخصًا في ((النزهة))(١) والله تعالى أعلم. (تنبيه): قال السخاوي: ((إذا عُلم هذا؛ فقد ألحق ابن العربي بالصحابة في ذلك ما يجئ عن التابعين أيضًا، مما لامجال فيه، فنصَّ أن يكون في حكم المرفوع، وادعى أنه مذهب مالك))، قال : - والظاهر أن القائل ابن العربي - : ((ولهذا أدخل - يعني مالكًا - عن سعيد بن المسيب صلاة الملائكة خلف المصلي)) اهـ(٢). ولعل المراد بذلك : أن له حُكم المرفوع المرسل، والله أعلم. ومن ذلك أيضًا: حُكْم الصحابي على الشيء بأنه معصية، أو نسبة الصحابي فاعله إلى الكفر والعصيان، ما لم يكن ذلك من قبيل الاجتهاد، (١) (ص ١٤٢). (٢) ((فتح المغيث)) (١ / ١٥٢ - ١٥٣). ١٣٢ الجواهر السليمانية لأن الصحابي قد يحكم على الشئ بأنه معصية - إذا لم ينسب ذلك إلى - اجتهادًا منه، إما أَخْذًا بظاهر آية، أو بنصِّ عام، أو بالنظر إلى النبي كليات الشريعة، ونحو ذلك. وإذا كان كذلك ؛ فقد يرى الصحابيُّ الدليل الدال على التحريم صحيحًا، وغيره لايراه كذلك، أو يوافقه غيره على صحة الدليل؛ لكن يعارضه عنده ما هو أقوى منه، وأنهض في الدلالة من هذا الدليل. أما إذا صرح الصحابي بأن هذا الشيء معصية أو كفر، ولم يكن ذلك من قبيل الرأي والاجتهاد، وكذا لا يكون الصحابي ممن يروي عن أهل الكتاب ؛ فالظاهر أن عنده نصًا بذلك عنه ، والله أعلم. وقد ذكر الحافظ في ((النكت))(١) أن ابن عبد البر حكى الإجماع على أن هذا الحكم من الصحابي مسند. قال : وبذلك جزم الحاكم في ((علوم الحديث)) اهـ قال السخاوي مستظهرًا القول برفع ما هذا سبيله: ((ومن الأدلة للأظهر: أن أبا هريرة عظ ته حدَّث كعب الأحبار بحديث: ((فُقِدَتْ أمَّةٌ من بني إسرائيل، لايُذْرَى ما فَعَلَت)) قال كعب : أأنت سمعتَ النبي يقوله؟ فقال له أبوهريرة : نعم، وتكرر ذلك مرارًا، فقال له أبو هريرة : أفأقرأ التوراة؟ !! أخرجه البخاري. قال: ((قال شيخنا : فيه أن أبا هريرة لم يكن يأخذ عن أهل الكتاب، وأن الصحابي الذي يكون كذلك، إذا أخبر بما لا مجال للرأي والاجتهاد فیه؛ یکون للحديث حكم الرفع». اهـ (١) (٢ / ٥٢٩ - ٥٣٠). =( ١٣٣ الحديث المرفوع قال السخاوي : ((وهذا يقتضي تقييد الحكم بالرفع لصدوره عمن لم يأخذ عن أهل الكتاب))(١). فإن قيل : يُحتمل أن الصحابي الذي لا يأخذ عن أهل الكتاب، يأخذ عن صحابي آخر يأخذ عنهم، فيعود الكلام - وإن كان لامجال للرأي فيه، وراويه لايروي عن الإسرائيليات - إلى أهل الكتاب. فالجواب : أن هذا خلاف الأصل، وما كان كذلك ؛ فلا يُعَوَّل عليه إلا بدليل يدل عليه، ولو طردنا مثل هذه الاحتمالات؛ لأسقطنا أشياء كثيرة يُحتج بها عند أهل العلم، والله أعلم. هذا، وقد مثَّل جماعة من أهل العلم لهذه القاعدة بعدد من الأحاديث ؛ وعندي أنها لا تسلم من احتمال استدلال الصحابي بالقواعد العامة، أو نصِّ آخر، ونحو ذلك، فينظر المثال السالم من الاحتمال، والله أعلم. ٧ - حكاية الصحابي لسبب النزول: وهو إخبار الصحابي عن نزول آية من آيات الكتاب العزيز، فهذا من قبيل المرفوع حُكْمًا، وذلك لأن الصحابي قد شهد الوحي والتنزيل، فهو يعلم عن سبب نزول هذه الآية ما لا يعلمه غيره(٢). فمن ذلك قول جابر: كانت اليهود تقول : ((من أتى امرأة في دبرها (١) ((فتح المغيث)) (١ / ١٥٠) وانظر كلام الحافظ في ((الفتح)) (٦ / ٤٠٧) الحديث (٣٣٠٥). (٢) وقد ذهب إلى هذا الخطيب في ((الجامع)) (٢ / ٢٩١ - ٢٩٢)، وابن الصلاح في ((المقدمة)) مع ((التقييد)) (ص ٧٠)، والنووي في ((التقريب)) (١ / ١٩٢ - ١٩٣) مع ((التدريب)) و((الإرشاد)) (١ / ١٦٤ - ١٦٥) بل ذكر شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) (١٣ / ٣٤٠) أنه طريقة أصحاب المسانيد كلهم جَعْل هذا من قبيل المسند، والله أعلم. ١٣٤ = الجواهر السليمانية جاء الولد أحول، فأنزل الله وَك: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البَفَرَة: ٢٢٣] الآية، أخرجه البخاري ومسلم. وأطلق بعضهم أن تفسير الصحابي له حكم الرفع(١)، وهذا الإطلاق غير صحيح؛ إذ أن الصحابة قد يختلفون في تفسر آية ما، وليس من الممكن أن نأخذ بتفسير الجميع، ولا يستقيم - أيضًا - أن نجمع بين تفاسيرهم كما نجمع بين الأحاديث المرفوعة. وقسم ابن عباس ﴿يا التفسير إلى أربعة أوجه : ١- تفسير يعرفه كل الناس، أو لا يُعْذر أحد بجهالته. ٢- تفسير يعرفه العلماء. ٣- تفسير يُعْرف من لغة العرب . ٤- تفسير استأثر الله تعالى بعلمه(٢). (١) وقد ذهب إلى ذلك الحاكم في ((المستدرك)) (١ / ٥٤٢) وعدَّه من صنيع الشيخين، وكذا في (١ / ١٢٣) وقد ذكر العراقي في ((شرح الألفية)) (١ / ١٣٢) أن هذا مذهب الحاكم، ونقل عنه أنه قال: ((ليعْلم طالب العلم أن تفسير الصحابي، الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديث مسند)) اهـ. وكذا ذكره ابن الملقِّن في ((المقنع)) (١ / ١٢٧ - ١٢٨). وكلام الحاكم في ((المستدرك)) وإن كان عامًّا؛ إلا أن له كلامًا آخر في ((علوم الحديث)) (ص ٢٠) يدل على أنه يذهب إلى التفرقة بين مطلق التفسير، وذكر سبب النزول، فقد قال: ((فأما ما نقول في تفسير الصحابي مسند؛ فإنما نقوله في غير هذا النوع ... )) ثم ذكر حديث جابر السابق، ثم قال: ((فإن الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل، فأخبر عن آية من القرآن، أنها نزلت في كذا وكذا؛ فإنه حديث مسند)) اهـ وقد تنبه السيوطي لذلك، فقال: ((فالحاكم أطلق في ((المستدرك)) وخصص في ((علوم الحديث))، فاعتمد الناس تخصيصه .... )) اهـ من ((التدريب)) (١ / ١٩٣). . (٢) انظر ((تفسر الطبري)) (١ / ٧٥) ومقدمة)) تفسير ابن كثير)) (١ / ١٤). ١٣٥ الحديث المرفوع فالأول والثالث والرابع : لا يستقيم أبدًا أن نقول : إن لهذه الأقسام حكم الرفع، أما القسم الثاني فذهب من قَسَّم هذا التقسم إلى أن له حكم الرفع. وعندي أن إطلاق هذا ليس بلازم - أيضًا - فإن التفسير الذي يعرفه و، وقد تكون العلماء : قد تكون معرفتهم به مأخوذة عن رسول الله ناشئة عن فقههم في كليات الشريعة وأحكامها، وهذا أمر اجتهادي راجع إلى فهم العالم في كتاب الله ، وهذا هو الأغلب، ولو كان عند فالأصل أنه یعزوہ إلیه. الصحابي تفسير عن النبي وعلى هذا : فلا يلزم من ذلك أن يكون التفسير مرفوعًا، فلم يبق معنا إلا حكاية الصحابي سبب النزول، فهو الذي له حكم الرفع دون ما سواه، والله أعلم. (تنبيه) : ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية تَلَهُ أن هناك فرْقًا بين قول الصحابي: ((نزلت هذه الآية في كذا)) وبين قوله: ((سبب نزول الآية كذا)). فجعل القول الثاني من قبيل المسند عند جميع أصحاب المسانيد. وأما القول الأول : ففيه نزاع بين العلماء، فالبخاري يدخله في المسند، فيكون من باب الرواية، وأحمد لا يدخله، فيكون من باب التفسير، والله أعلم (١). (تنبيه) : فإن قيل : إن الصور السابقة في المرفوع الحكمي من جملة السنة التقريرية؟ فالجواب : أن في هذا الإطلاق نظرًا؛ فإن أكثر الصور السابقة لا تدخل في صور التقرير كقول الصحابي: ((من فعل كذا؛ فقد عصى أبا (١) انظر ((مجموع الفتاوى)) (١٣ / ٣٤٠) و((المسوّدة)) (ص ٢٩٩). ١٣٦ الجواهر السليمانية (*)) فإن ذلك لا يدخل في التقرير ؛ لأن مستند الصحابي الذي القاسم يحمله على هذه الفتوى قد يكون قوليًّا، أو فعليًّا، أو تقريريًّا، وكذا قوله : (أُمِرْنا، ونُهينا)) فإن مستنده في ذلك سنة قولية. وكذلك سبب النزول، والإخبار بأمر غيبي، وقول التابعي : ((يرفعه)) وما في معناه لا يلزم في هذا كله أن يكون تقريرًا. نعم قول الصحابي: ((كنا نفعل كذا)) أو ((كنا لانرى بأسًا بكذا)) عُدَّ من لهم على ذلك. قبيل المرفوع من قِبَل إقرار النبي ومن المعلوم أن منزلة التقرير المنصوص على كونه في حضرة النبي أعلى منزلة من التقرير المستنبط من قول الصحابي ((كنا نفعل كذا)) وما في معناه، والله أعلم. ■ المسألة الخامسة : نجد في بعض كتب العلل أن بعض العلماء يقول في بعض الأحاديث: ((رفعه فلان، وأرسله فلان .. )) وقد اعترض بعضهم - وأظنه ابن حبان - على هذا بأن المرسل من جملة المرفوع، فيكون المعنى واحدًا، وإنما صواب العبارة أن يقال: ((أرسله فلان، وأسنده فلان ... )) وأجاب بعضهم عن هذا الإشكال بأن مقصود من أطلق العبارة السابقة بالرفع الاتصال، فيكون معنى العبارة: ((أرسله فلان، ووصله فلان))(١). إلا أن هذا الجواب ليس دقيقًا، وذلك لأن الرفع في اصطلاحهم هو (١) انظر كلام العراقي في ((الألفية)) مع ((فتح المغيث)) للسخاوي (١ /١١٨) فقد قال العراقي : ومَنْ يُقَابلهُ بذي الإرسال فقدْ عَنَى بذاك ذا اتصالٍ وقد سبق إلى ذلك ابن الصلاح أيضًا في ((المقدمة)) مع ((التقييد)) (ص ٦٦) والله أعلم. ١٣٧ الحديث المرفوع وإن لم يكن متصلًا، فكيف يفسر الرفع بالاتصال ما أضيف إلى النبي مع أنه لاتلازم بينهما؟ والأمر في ذلك سهل، والله أعلم. وعلى كل حال : فالتنبيه على هذا لايخلو من فائدة، وإن كان لا يغير من الواقع شيئًا؛ لأن كلام العلماء قد دُوِّن عنهم، فما بقي إلا محاولة فهمه على ما أرادوه، أما المحققون للأحاديث فيما بعد عصور العلماء؛ فالأولى أن يراعوا ماسبق، والله أعلم. ١٣٨ الجواهر السليمانية الحديث المقطوع قال الناظم تخلفهُ : وَمَا لِتَابِعٍ هُوَ الْمَقْطُوعُ ٧ - . بعد أن ذكر الناظم تَقَُّ الحديث المرفوع؛ ثَنَّى بالكلام على المقطوع، مع ذكره لحده. فقوله: ((وما)) معطوف على قوله - فيما سبق -: ((وما أُضيفَ للنبي المرفوع)) فمعنى البيت: ما أُضيفَ لتابع هو المقطوع، وعلى هذا فيكون تعريف المقطوع عند الناظم، هو: ((ما أضيف إلى التابعي من قول أو فعل)) ، وهل يدخل في ذلك التقرير عند المصنف؟ محتمل، والله أعلم. وتحت هذا العَجُز من البيت مسائل : المسألة الأولى : I قد يُعترض على الناظم تَقْلَفُ ذِكْره المقطوع عقيب المرفوع وقبل الموقوف، وكان الأولى به تقديم الكلام على الموقوف؛ لأنه أشرف من المقطوع، لأن الموقوف منسوب إلى الصحابة المسألة الثانية : تعريف التابعي : للعلماء في تعريف التابعي قولان مشهوران : ١- فمنهم من يقول: ((هو مَنْ لَقِيَ الصحابيَّ وإن لم يصحبه))، وهو الذي عليه عمل الأكثرين من أئمة الحديث(١). (١) انظر كلام العراقي في ((التقييد)) (٣١٧ - ٣١٨) و((شرح الألفية)) (٣ / ٤٥). ١٣٩ الحديث المقطوع ٢- ومنهم من يقول: ((هو من صحب صحابيًّا))(١) ولا يكتفى فيه بمجرد اللُّقِي . (تنبيه) : لا يُشترط في التابعي أن يكون مؤمنًا حال لقائه الصحابي، فقد يراه وهو كافر، ثم يُسْلم بعد ذلك (٢)، وكذلك لايُشترط أن يسمع منه(٣). واختار الحافظ في ((النزهة))(٤) والسخاوي في ((فتح المغيث))(٥) أنه لا يُشترط أن يكون التابعي حال لقاء الصحابي مميزًا، وعندي في ذلك وقفة ؛ إِذْ كيف يُعَدَّ ذلك لقاءً أو رؤية، والتابعي طفل ابن يوم أو يومين ؟! فإن قيل: يُعَدُّ تابعيًّا، كما عُدَّ صغار الصحابة في الصحابة، وإن كانت روايتهم مرسلة. فالجواب : إنما عُدَّ هؤلاء في الصحابة لشرف الرؤية، وليست رؤية (١) قاله الخطيب في ((الكفاية)) (ص ٥٩). إلا أن العراقي ذكر كلامًا للخطيب في جزء جَمَع فيه رواية الستة من التابعين بعضهم عن بعض، وذكر منصور بن المعتمر في التابعين، مع تصريحه بأنه لم يسمع من ابن أبي أوفى؛ إنما له رؤية فقط، وقال العراقي: ((ويُحمل قوله في ((الكفاية)): ((من صَحِبَ الصحابي)) على أن المراد اللُّقِي؛ جمْعًا بين كلاميْه، والله أعلم. اهـ. من ((التقييد)) (ص ٣١٩). (٢) انظر ((فتح المغيث)) (١ / ١٤٧) وحاشية الكمال بن أبي شريف (ص ١١٧) وفي (التقييد)) (ص ٣٢٠) قال العراقي: ((وأهل الحديث وإن أطلقوا: أن التابعي: من لقي أحدًا من الصحابة، فمرادهم مع الإسلام)) اهـ وعندي: أنه لايلزم من ذلك وجود الإسلام حال اللقاء، بل قد يُحمل كلام العراقي على وجود الإسلام ولو بعد اللقاء، فإن من لم يُسْلِم أصلًا ليس تابعيًّا وإن لقي الصحابي، والله أعلم. (٣) انظر («فتح المغيث)) (١ / ١٤٥). (٤) (ص ١٥٢). (٥) (٤ / ١٤٥) ويستفاد من كلامه أن الإطلاق قول الأكثر، لأنه لم يذكر عن أحد أنه قيّد ذلك إلا ابن حبان. = ١٤٠ الجواهر السليمانية كرؤية غيره، فهذا قياس مع الفارق. النبي ولعله لذلك اشترط ابن حبان أن يكون التابعي في حال لقائه الصحابي في سن البالغ الذي يحفظ (١). وعندي أنه لا يشترط البلوغ، والتمييز كافٍ، ولكن الأكثر أطلقوا، فالله أعلم. ■ المسألة الثالثة : التابعون طبقات : أ - فمنهم طبقة كبار التابعين. ب - ومنهم طبقة متوسطيهم. ج - ومنهم طبقة صغارهم. وللعلماء أقوال في الضابط الذي يُعْرَف به كون التابعي كبيرًا أم صغيرًا : ١- فمنهم من يقول : إذا لقي جماعة من الصحابة؛ فهو كبير بخلاف من لقي الواحد والاثنين، ونحو ذلك. ٢- ومنهم من يقول: إذا لقي كبار الصحابة فهو كبير، بخلاف ما إذا لقي صغارهم. ٣ - ومنهم من يقول : هو من كانت أكثر رواياته عن الصحابة، بخلاف من كانت أكثر رواياته عن التابعين (٢). وهذه الأقوال قد تكون في حق بعض الرواة قولًا واحدًا، فقد يلقى أحدهم كبار الصحابة، ويتضمن ذلك روايته عن جماعة منهم، بل تكون (١) انظر ((فتح المغيث)) (١ / ١٤٦) وانظر كلام ابن حبان في ((الثقات)) (٦ / ٢٧٠). (٢) وانظر هذه الأقوال مفرَّقة في: ((المقدمة)) لابن الصلاح مع ((التقييد)) (ص ٧٠،٧٢) و((النكت)) (٢ / ٥٥٨) و((فتح المغيث)) (١ / ١٧٨).