Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
الحديث الحسن
القسم الثاني : ((أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير
: أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح؛ لكونه يَقْصُر عنهم في الحفظ والإتقان،
وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يُعَدُّ ما ينفرد به من حديثه منكرًا، ويعتبر
في كل هذا - مع سلامة الحديث من أن يكون شاذًّا ومنكرًا - سلامته من
أن يكون معللًا)) قال: ((وعلى هذا القسم يتنزل كلام الخطابي)).
قال : ((فهذا الذي ذكرناه جامع لما تفرق من كلام من بلغنا كلامه في
ذلك، وكأن الترمذي ذكر أحد نوعي الحسن، وذكر الخطابي النوع
الآخر))(١). اهـ
وبهذا الكلام السابق يتضح للناظر أن ابن الصلاح تَُّهُ عرَّف نوعي
الحديث الحسن، فتعريفه الأول خاص بالحديث الحسن لغيره، وعليه نَزَّل
كلام الإمام الترمذي.
وأما تعريفه الثاني فخاص بالحسن لذاته، وعليه نَزَّل كلام الإمام
الخطابي.
وقوله في تعريف الحسن لغيره : ((لم تتحقق أهليته)) أي من جهة
الضبط، أما من جهة العدالة فقد نص على أن الراوي مستور، ولما كان
عدم تحقق أهلية الضبط يدخل فيه من كان ضعفه شديدًا - وهو ليس مرادًا
هنا - أخرجه بقوله ((غير أنه ليس مغفلًا كثير الخطأ ... )) الخ.
هذا، وقد يقال: قوله: ((لم تتحقق أهليته)) تفسير لقوله: ((مستور)) لأنه
تكلم بعد ذلك عن العدالة بقوله ((ولاهو متهم بالكذب في الحديث .... ))
الخ.
واعلم أن ما سبق من كلام ابن الصلاح عليه بعض الإيرادات، وهي
(١) (علوم الحديث)) مع ((التقييد)) (ص ٤٦ - ٤٧).

=
٨٢
الجواهر السليمانية
قسمان :
أ- ما يَرِدُ عليه في تعريفه الحسن لذاته : وإن كان ابن الصلاح قد بدأ
بتعريف الحسن لغيره، فإن الحسن لذاته أعلى رتبة، والإيرادات الواردة
عليه في هذا القسم كالتالي :
١- قوله: ((أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة)) صريح في
اشتراطه الشهرة في العدالة، وليس ذلك شرطًا في راوي الحديث
الصحيح فضلًا عن راوي الحديث الحسن، وإنما يُشْتَرط فيهما أن
يكون راويهما عدلًا، وليس كل من كان عدلًا عند أحد من الأئمة؛
كان عدلًا عند غيره، فضلًا عن أن يكون كذلك عند الكل أو الجل،
ويستبعد أن ابن الصلاح يريد هذا الشرط؛ فإنَّ واقعه وواقع غيره من
العلماء ليس كذلك، وإنما مراده مطلق العدل، وليس العدل المطلق،
وإلا فعبارة ابن الصلاح دالة على هذا الشرط، ولذا لزم التنبيه، والله
أعلم.
٢- قوله: ((وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يُعَدَّ ما ينفرد به من حديثه
منكرًا)) .
فالمنكر عند ابن الصلاح نوعان :
١ - مخالفة الراوي - فيدخل الثقة والضعيف - لمن هو أولى منه.
٢- تفرد الضعيف، وكلاهما بمعنى الشاذ - أيضًا - عنده.
فقوله : ((يرتفع عن حال من يُعَدُّ ما ينفرد به من حديثه منكرًا) احتراز
من الضعيف، الذي تفرده يُعدُّ منكرًا، ثم اشترط بعد ذلك السلامة من
الشذوذ والنكارة، وهو احتراز من النوع الثاني من الشاذ والمنكر، والناتج
عن المخالفة.
٠

٨٣
الحديث الحسن
ومع ذلك : ففي كلامه شيء من الإيهام والغموض الذي يجعل الواقف
على كلامه غير مُدرك لمراده بجلاء ؛ فإن مراده : أن يكون رجال الحسن
دون رجال الصحيح في الضبط، وفوق درجة الضعف في الحفظ، فلو عبر
بذلك، أو قال: من خف ضبطه؛ لكان أولى، وأوضح، وأخْصَر، والله
أعلم.
٣- أنه لم يشترط الاتصال، وهو شرط لابد منه في الحسن لذاته.
٤- اشتراطه سلامة الحديث من النكارة - في قوله : ((ويعتبر في كل هذا
مع سلامة الحديث من أن يكون شاذًّا، أو منكرًا)) حَشْو لا حاجة له،
فيغني عنه اشتراطه سلامته من الشذوذ، لاسيما على مذهبه في عدم
التفريق بين المنكر والشاذ، وعلى مذهب من يفرق بين الشاذ
والمنكر ؛ فقد خرج المنكر بقيد ألا يكون راويه ضعيفًا، وأيضًا فنفي
الشذوذ يستلزم نفي النكارة من باب أولى(١).
ب- ما يرد عليه في تعريفه الحديث الحسن لغيره:
يرد عليه ما أُورِد على تعريف الترمذي فيما سبق، إلا أنه يستثني من
ذلك ما أُورِد على الترمذي في قوله: ((وألا يكون فيه من يتهم بالكذب))
ففي كلام ابن الصلاح ما يدل على السلامة - في الجملة - من الإيراد
عليه في هذا الموضع، ومع هذا ؛ فإن ابن الصلاح ترد عليه أمور لم ترد
على الترمذي، وهي :
١- أنه لم يشترط نفي الشذوذ الناتج عن المخالفة للأوْلى لامجرد تفرد
الضعيف، وهو شرط قد نَصَّ عليه الترمذي، إلا أن ابن الصلاح قد
(١) وانظر: ((النكت)) للحافظ (١ / ٢٣٧) و ((شرح النزهة)) لملا علي القاري
(ص ٢٤٤).

٨٤
=
الجواهر السليمانية
جعل السلامة من الشذوذ ثمرة رواية الحديث من وجهين فأكثر، ولا
يلزم من ذلك نفي الشذوذ فقد يروي الحديث ضعيفان، مخالفين للثقة .
الحافظ أو أكثر، فيكون القول قول الثقة الحافظ، وتكون رواية
الضعيف - مع المتابعة - منكرة، وظاهر كلام ابن الصلاح أن مطلق
المتابعة يدفع الشذوذ والنكارة بقسمیهما ، وليس كذلك.
فالترمذي جعل إنتفاء الشذوذ في التعريف شرطًا مستقلًا مع اشتراطه
أيضًا رواية الحديث من غير وجه؛ وابن الصلاح جعل انتفاء الشذوذ
ثمرة تعدد الطرق، وليس ذلك بلازم.
علما بأن ابن الصلاح يرى أن الشذوذ الذي بمعنى المخالفة ضعف
لا ينجبر(١).
٢- قوله: ((لايخلو رجال إسناده من مستور)) يقال: لايُشْتَرط في الحديث
الحسن لغيره أن يكون كذلك، فقد لا يكون في الإسناد مستور أصلًا،
ومع ذلك يكون حسنًا لغيره، فعلى سبيل المثال كون أحد رجاله
مشهورًا من جهة العدالة، لكنه ضعيف من جهة الضبط - ومن كان
كذلك فلا يسمى مستورًا- فإذا جاء له عاضد مثله صار به حسنًا، هذا
إذا فسرنا قوله: ((مستور)) من جهة العدالة لا الضبط (٢).
٣- الإسهاب في التعريف، مع أن الاختصار كان أليق بالمقام.
وعلى كل حال: فيمكن الاعتذار عن ابن الصلاح كثّفُ بأنه أراد أن
يضع للحديث الحسن لغيره قاعدة تجمع جميع أفراده، ولما كان ذلك فيه
(١) انظر ((علوم الحديث مع التقييد)) (ص ٥٠).
(٢) وانظر: نحو هذا الإيراد من الحافظ على ابن جماعة في ((النكت))
(١/ ٤٠٧).

٨٥
الحديث الحسن
عسر ومشقة(١)؛ لم يكن تعريفه دقيقًا، ولذلك قال الإمام الذهبي تَّهُ في
((الموقظة))(٢): ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان
فيها، فأنا على إياس من ذلك)). اهـ
رابعًا : تعريف الحافظ ابن حجر تظلّفة :
عرف الحافظ تَذَفُ الحديث الحسن لذاته بتعريف أدق من تعريف غيره،
فقد عرف الحديث الصحيح أولًا بقوله: ((وخبر الآحاد، بنقل عدل تام
الضبط، متصل السند، غير معلل ولاشاذ، هو الصحيح لذاته)) .
ثم قال: ((فإن خَفَّ الضبط ؛ فالحسن لذاته))(٣).
فهو تخلّفُ يرى أن شروط الحديث الحسن هي شروط الحديث
الصحيح، إلا شرطًا واحدًا: وهو تمام الضبط، فإنه يُشْتَرط في الصحيح،
أما الحسن فَيُشْتَرَط خفة الضبط، وهذا أدق مما سبق من تعاريف.
ومع ذلك فحوله بعض المناقشات، أذكرها، وأذكر الجواب عنها ما
أمكن - إن شاء الله تعالى -
(١) كيف نعرف أن هذا الراوي تام الضبط، وهذا خفيف الضبط، وما
هو الضابط في ذلك(٤)؟
الجواب : أن علماء الجرح والتعديل لهم عبارات، تدل على أن من
قيلت فيه هذه العبارات؛ فهو من رجال الحديث الصحيح، فيعبرون بها عن
(١) انظر ((مختصر علوم الحديث)) للحافظ ابن كثير (١ / ١٢٩) مع ((الباعث)).
(٢) انظر (ص ٢٨).
(٣) انظر: ((النزهة)) (ص ٩١).
(٤) انظر اعتراض الصنعاني بذلك في ((توضيح الأفكار)) (١ / ١٥٥) وقد سبق إلى
أصل هذا الاعتراض قاسم بن قطلوبغا - تلميذ الحافظ ابن حجر - في حاشيته على
((النزهة)) (ص ٥٨).

٨٦
الجواهر السليمانية
تمام الضبط، كقولهم مثلًا: (ثقة حافظ)) و((ثقة ثبت)) و(ثقة متقن)) و(ثقة))
و((مستقيم الحديث)) .... الخ.
ولكثير منهم عبارات - أيضًا - تدل على أن من قيلت فيه، فهو من
رجال الحديث الحسن، فيعبرون بها عن خفة الضبط، كقولهم مثلًا :
((صدوق، لا بأس به، مأمون، خيار ... )) إلى غير ذلك.
وهذا كله فَرْعٌ عن سبرهم روايات الراوي، ومقابلتها بروايات غيره من
الثقات، ثم النظر في مقدار موافقته، أومخالفته، أوتفرده، ومن ثَمَّ
يحكمون عليه بما يستحق مدحًا أو قدحًا - على تفاصيل في ذلك، ليس
هذا موضعها -.
فلا إشكال حول عبارة الحافظ : ((فإن خف الضبط ... )) لأن معرفة ذلك
تكون بالرجوع إلى سُلَّم الجرح والتعديل ؛ لمعرفة ألفاظ هذه المرتبة، والله
أعلم.
وقول الصنعاني : ((لاعُرْف في مقدار خفة الضبط)) قول غير مقبول ؛
لأن التفاوت بين مراتب الجرح والتعديل، ومعرفة منزلة كل مرتبة، وما
تحويه من عبارات ؛ كل هذا معروف مشهور، وهم وإن لم يقولوا : فلان
خفيف الضبط ؛ فقد عبّروا بما يدل على ذلك، والناظر في كتب الرجال،
وأحكام الأئمة على الرواة ؛ وترجيحهم راويًا على آخر لقوة الضبط
وخفته؛ لايكاد يتردد في رد كلام الصنعاني تغذفه، أما من كان له اصطلاح
خاص في عبارة من العبارات ؛ فإن ذلك لايؤثر على العرف العام، والله
أعلم.
(٢) فإن قيل: إن قوله ((فإن خف الضبط)) غير مانع؛ لأنه يُدْخِل
الحديث الضعيف، فراويه خفيف الضبط أيضًا ؟
فالجواب : أن خفة الضبط لاتُطلق في الاصطلاح على من ضَعْفُه

٨٧
الحديث الحسن
واضح - وإن كان يقوى بالانجبار - بل معناها: أن الرجل عنده أصل
الضبط، لكن فيه خفة، وهذا لايقال في الضعيف فضلاً عن الضعيف جدًا.
(٣) أن الحافظ اشترط في الحسن ما اشترط في الصحيح -دون تمام
الضبط- ومن شروط الصحيح ((أن يتصل سنده بنقل عدل تام الضبط)) فيفهم
منه أن الحسن يشترط فيه ((أن يتصل سنده بنقل عدل خفيف الضبط)) أي أن
خفة الضبط شرط في جميع طبقات الحديث الحسن، كما أن تمام الضبط
شرط في جميع طبقات الحديث الصحيح؟!
والجواب : أن هذا ليس مرادًا للحافظ تَّهُ وصنيعه أكبر شاهد على
هذا، وإن كانت عبارته قد توهم ذلك، بل الحديث يكون حسنًا بمجرد
وجود خفة الضبط ولو في طبقة واحدة.
ولو أن الحافظ تقذفُ قال بعد تعريف الحديث الصحيح ((فإن خف
الضبط في أحد رواته أو أكثر؛ فهو الحسن لذاته)) لكان بعيدًا عن الإيهام
والاعتراض، والله أعلم.
ومما يدل على أن كلام الحافظ يوهم اشتراط خفة الضبط في جميع
السند للحديث الحسن لذاته :
ما جاء في ((الأجوبة اللائقة على الأسئلة الفائقة))(١) فقد قال الحافظ:
((هو الحديث المتصل السند، برواةٍ معروفين بالصدق، في ضبطهم قصور
عن ضبط رواة الصحيح، ولا يكون الحديث معلولًا ولا شاذًّا)) ثم قال:
((ومحصَّله : أنه هو والصحيح سواء؛ إلا في تفاوت الضبط، فراوي
الصحيح يُشْترط أن يكون موصوفًا بالضبط الكامل، وراوي الحسن لا
يُشْترط أن يبلغ تلك الدرجة، وإن كان ليس عَريًّا عن الضبط في الجملة ؛
(١) ضمن كتاب ((الجواهر والدرر)) للسخاوي (٢ / ٩١٣ - ٩١٤).

٨٨
)=
الجواهر السليمانية
ليخرج عن كونه مغفَّلًا، وعن كونه كثير الخطأ، وما عدا ذلك من
الأوصاف المشترطة في الصحيح : كالصدق، والاتصال، وعدم كونه
شاذًّا، ولا معلولًا؛ فلا بد من اشتراط ذلك كله في النوعين)). اهـ.
وقد سبق الجواب عن الحافظ في ذلك، وستأتي كيفية التخلص من
هذا الإيراد بعد قليل - إن شاء الله تعالى -.
فإذا أردنا تعريف الحديث الحسن لذاته دون تعلق بالحديث الصحيح،
فيقال: ((هو ما اتصل سنده، بنقل مقبول، خَفَّ الضبط في أحد رواته أو
أكثر، ولا يكون شاذًّا ولا معلَّلًا)).
فقولي: ((بنقل مقبول)) يشمل خفيف الضبط، وتام الضبط، ويخرج
الضعيف فما دونه، وعلى هذا فالحديث الحسن قد يكون في إسناده رجل
واحد خفيف الضبط، وبقية رجاله ممن وصفوا بتمام الضبط، وقد يكون فيه
أكثر من واحد ممن خف ضبطهم، وبقية الإسناد ممن تَمَّ ضبطهم، وقد
يكون مسلسلًا بمن خف ضبطهم، والله أعلم.
خاتمة المسألة الثالثة:
وبناءً على ما سبق : يظهر لنا أن الحديث الحسن ينقسم إلى قسمين :
حديث حسن لذاته، وقد مر معنا تعريفه، وحديث حسن لغيره، ويمكن أن
نعرفه. بأنه: ((ما فيه ضَعْفٌ خفيف يُجْبَر بنحوه)) .
فقولي: ((ما فيه ضعف خفيف)) شامل لصور الضعف الخفيف: عدالةً،
وضبطًا، واتصالًا.
وقولي: ((يُجْبر بنحوه)) أي يحصل بنحوه في الضعف الانجبار والارتقاء
من حيز الضعف إلى الحُسْن، وذلك لايكون إلا بالعاضد الآخر الصالح
لذلك، وهذا ينفي الشذوذ والعلة، لأنه لا انجبار للحديث مع
وجودهما، كما ينفي العاضد الذي ضعفه شديد؛ لأنه لا يجبر غيره.

٨٩
الحديث الحسن
وقولي: ((يُجبر بنحوه)) أولى من التعبير بـ ((يجبر بغيره)) لأن القول
الثاني يدخل فيه الضعيف والمقبول لذاته، وما جُبر بالمقبول لذاته - وهو
صحيح أو حسن - لا يقال فيه : حسن لغيره، والله أعلم.
■ المسألة الرابعة: ما معنى قول الترمذي: ((حسن غريب)) أو ((حسن لا
نعرفه إلا من هذا الوجه)»؟ وهل هو كقوله: ((حديث حسن))؟
والجواب: أن الإمام الترمذي كثّفُ له عبارات في حكمه على
الأحاديث، فتارة يقول : ((حديث صحيح)) وهذا لم أعلم له فيه اصطلاحًا
خاصًّا دون غيره من العلماء، أو استقراءً تامًا لذلك يوضح معناه عنده، بل
لم أقف على تعريف له للحديث الصحيح(١)؛ لذا فإنا نحمله على ما عليه
الأئمة في تعريف الحديث الصحيح.
وتارة يقول: ((حديث حسن)) ولا يُرْدِفه بوصف آخر من صِحَّة أو
غرابة، وهذا هو الحسن لغيره، وهو الذي عرفه الترمذي في كتابه(٢).
وتارة يقول : ((حديث حسن غريب)) أو ((حديث حسن لا نعرفه إلا من
هذا الوجه)) فهذا معناه عند الترمذي - فيما يظهر - الحسن لذاته، إلا أن
يظهر أنه يطلق ذلك مع ذكره علة ظاهرة في السند؛ فذاك أمر آخر(٣).
(١) وانظر ((شرح العلل)) لابن رجب (١ / ٣٤٤)، ولعله ترك تعريف ذلك استغناءً
بشهرته عند أهل الفن، قاله الحافظ في ((النزهة)) (ص ٩٤ - ٩٥) وكذا قاله المناوي في
((اليواقيت والدرر)) (١ / ٤٠٧).
(٢) وانظر ((النزهة)) (ص ٩٤) وقد سبق إليه ابن سيد الناس، انظر ((النفح الشذي في
شرح سنن الترمذي (((١ / ٢٩٥) و((فتح المغيث)) (١ / ٧٦).
(٣) انظر ((تعجيل المنفعة)) (١ / ٧٥٠) ترجمة عبدالله بن عبيد الديلي، وكلام البقاعي
عند نور الدين عتر في ((الإمام الترمذي)) (ص ١٧١) وانظر: ((الضعيفة)) للألباني (٢ /
١٨٥ / ٧٦٤) و((الرد على البوطي)) (ص ٦٥ - ٦٦) وحمله شيخ الإسلام ابن تيمية على
الغرابة النسبية، وانظر ((مجموع الفتاوى)) (١٨ / ٢٣ - ٢٤، ٣٩ - ٤٠) وبنحوه الحافظ
في أجوبته على أحاديث ((المصابيح)) الحديث التاسع.

٩٠
=
الجواهر السليمانية
فلا تَعَارُض بين وَصْفِهِ الحديثَ بالحُسْن والغرابة، وبين اشتراطه في
الحديث الحسن أن يُرْوَى من غير وجه؛ لاختلاف المحل : فالأول يتنزل
على الحسن لذاته - في الغالب - والثاني يتنزل على الحسن لغيره، والله
أعلم.
وتارة يقول: ((حديث غريب)) فقط، وقد قال الشيخ الألباني تَخَّهُ: (أنه
يعني أن إسناده ضعيف))(١) والله أعلم.
(تنبيه) : قدمت الكلام في هذه المسألة على المسألة الآتية لصلتها
بشروط الترمذي في الحديث الحسن وكونها تخالف - في الظاهر -
اشتراط الترمذي أن يروي الحديث من غير وجه.
■ المسألة الخامسة: معنى قول الترمذي: ((حديث حسن صحيح)).
استشكل بعض العلماء هذا القول، وقالوا: هذا جَمْعٌ بين المتغايرين؛
لأن راوي الحسن قاصر عن رتبة راوي الصحيح في الضبط، فكيف يجتمع
إثبات القصور ونفيه في حديث واحد؟
وقد أجاب العلماء عن هذا الإشكال بأجوبة، محصّلُها فيما يلي :
١- أن تردد أئمة الحديث في حال روايه : جعل المجتهد يتردد في
وصفه الحديث بأحد الوصفين، هل يصف الحديث بالصحة لقول من وثق
راويه، أو يصفه بالحسن لقول من وصفه بما يدل على خفة الضبط ؟ فيقال
فيه : ((حسن)) باعتبار وَصْفِهِ عند قوم، و((صحيح)) باعتبار وَصْفِهِ عند
آخرين، وذلك عند التفرد، وغاية ما فيه: أنه حذف حرف التردد، وتقدير
الكلام : ((حسن أو صحيح))(٢).
(١) انظر ((الضعيفة)) (٢ / ١٨٥ / ٧٦٤) و((الرد على جهالات البوطي)) (٦٥ - ٦٦).
(٢) انظر ((النزهة)) (٩٣).

٩١
الحديث الحسن
وعلى هذا فما قيل فيه ذلك فهو دون الصحيح وفوق الحسن ؛ للتردد،
والجزم أقوى من التردد، بلا تردد، والله أعلم.
وقريب من هذا الجواب من جهة المعنى : قول من أجاب عن ذلك
بأن الجمع بين الصحة والحسن درجة متوسطة بين الصحيح والحسن، فما
قيل فيه ((حسن صحيح)) أعلى رتبة من الحسن ودون الصحيح، فلم يُتَّفَق
على الحكم بصحته الاصطلاحية(١)، وعد بعضهم هذا تحكمًا لا دليل
عليه(٢).
٢- أن ذلك باعتبار إسنادين، أحدهما صحيح، والآخر حسن.
وهو على ذلك يكون أعلى مما قيل فيه صحيح، وهو فرد(٣).
فإن قيل : إن الترمذي قد يجمع بينهما في حديث واحد مع قوله :
((غريب لانعرفه إلا من هذا الوجه)) وهذا يدل على أنه ليس له إلا إسناد
واحد.
فالجواب : بأن هذا خارج عن موضع النزاع، إذْ الكلام فيما قال
فيه: ((حسن صحيح)) فقط، لا ما قال فيه: ((حسن صحيح غريب)) أو ما
قال فيه : ((حسن صحيح لانعرفه إلا من هذا الوجه))، والله أعلم.
٣ - ومنهم من جمع بين القول الأول والثاني، فقال: إن كان للحديث
إسناد واحد؛ فَيُفَسَّر كلام الترمذي بالقول الأول، وإن كان له إسنادان؛
فَيُفَسَّر بالقول الثاني(٤).
(١) انظر ((مختصر علوم الحديث)) لابن كثير، مع ((الباعث الحثيث)) (١ / ١٤١).
(٢) انظر ((التقييد والإيضاح)) (ص ٦٢) وعدَّ هذا الفهم ابن رجب بعيدًا جدًّا، وانظر
((شرح علل الترمذي)) (٣٩٣/١).
(٣) انظر («النزهة)) (ص ٩٣).
(٤) انظر ((النزهة)) (ص ٩٣).

٩٢
الجواهر السليمانية
وقد يقال : هل يلزم من كون الحديث عندنا له إسناد واحد، أو له
إسنادان؛ أن يكون الأمر كذلك عند الترمذي، مع أنه لم ينص على أحد
الأمرين ؟ فقد يكون الأمر عنده على خلاف ما عندنا، فكيف نفسِّر مراده
في كل حديث باعتبار حصيلتنا العلمية، لا باعتبار ما عنده؟ هذا، مع أننا
لم نقف على نص للترمذي بذلك التفسير الذي حملوا كلامه عليه ؟ !!.
وقد يُجاب عن ذلك، فيقال: إن قوله: ((لا نعرفه إلا من هذا الوجه))
يدل على أنه ليس له - عنده - إلا طريق واحد، وما لم يذكر فيه ذلك؛
فهذا يدل على أن الحديث له أكثر من طريق عنده، وإلا فما فائدة
التنصيص على الغرابة في بعض المواضع دون بعض؟ إلا أن هذا لا يلزم
اطراده، والله أعلم.
والمقصود : أن هذا القول الثالث - الذي قاله الحافظ - أقوى من
غيره، على ما فيه من تأمل.
فإن كان هناك من يستقرئ هذه المسألة، وينظر هل الترمذي يسير على
ما ذكره الحافظ أم لا؟ ثم يُفْصَل في هذه المسألة بعد ذلك وإن كان قد
يعكر على ذلك في الجملة اختلاف نسخ الترمذي، ومالم يكن ذلك
الاستقراء؛ فنحن نأخذ بقول الحافظ ابن حجر؛ لأنه إمام في هذا الشأن،
وهو صاحب استقراء وفَهْم، والأصل أنه إذا وضع قاعدة في هذا الفن
قُبِلَتْ منه، ما لم نجد ما يردها، والله أعلم.
فإن قيل : لماذا لا تُستقرأ هذه المسألة، ويُفْصَل فيها ؟
فالجواب : أنني لا أرى كبير فائدة في ذلك، مع ما يحتاج الأمر من
جهد كبير في سبيل الوصول إلى هذه الفائدة.
أضف إلى ذلك أن اختلاف النسخ في الأحكام لا بد أن يُؤثر على

٩٣
الحديث الحسن
=
ذلك، هذا بالإضافة إلى ما عند الترمذي تخلُ من تساهل في الأحكام، والله
أعلم.
ولعل العلماء الذين أجابوا عن هذا الإشكال قد وقف كل منهم على
أمثلة تدل على ما أجاب به، وأما جعل ذلك قاعدة مطردة فأمر آخر، والله
أعلم.
٤- أن المراد بذلك: أن متنه حسنٌ لغةً، أي من جهة فصاحة اللفظ
وجزالة المعنى، وصحيح من جهة الإسناد.
ويلزم على هذا الجواب أن توصف جل الأحاديث النبوية بالحُسن؛
لوجود هذا الوصف في متونها، إلا ما ظهر أن الراوي أخطأ في روايته
بالمعنى، أو رواه بلفظ فيه ركة(١).
٥ - أنه حسن من جهة الفضل والبشارة والتيسير، والأمور التي تميل
إليها النفس، ولا يأباها القلب ؛ فمن هذه الجهة هو حديث حسن،
وصحيح من جهة إسناده، قاله ابن الصلاح(٢).
ويرد على ذلك أن الترمذي يطلق الحسن على أحاديث في وصف
جهنم، أو إقامة الحدود، والعقوبات، ونحو ذلك(٣).
٦ - أن الحسن في كلام الترمذي ليس قسمًا من أقسام الصحيح، بل
هو أعم من الصحيح، والصحيح جزء منه، وأن المراد بالحسن هنا : أنه
(١) انظر ((الموقظة)) (ص ٣٠) وكذا ((التدريب)) (١ / ١٦٢ - ١٦٤) بل ألزم ابن دقيق
العيد القائل بهذا أن يحكم بالحُسن على الموضوع كما في ((الاقتراح)) (ص ١٩٩) ورده
الحافظ ردًّا شديدًا، لأن الكلام فيما قال فيه الترمذي ((حسن صحيح)) فكيف يكون
موضوعًا، انظر ((النكت)) (١ / ٤٧٥).
(٢) وانظر ((فتح المغيث)) (١ / ١٨٠).
(٣) انظر ((المختصر)) لابن كثير - مع الباعث (١ / ١٤٠).

٩٤
الجواهر السليمانية
معمول به، وأنه كقول مالك: ((وعليه العمل ببلدنا))، وأن الترمذي أراد
بهذا أن يبين الصحيح المعمول به، من الصحيح الذي لايُعمل به، وهو
قوله : ((صحيح)) فقط، ويدفع هذا أن الترمذي يقول في كثير من الأحاديث
((صحيح))، وعليه العمل، أو هو قول فلان وفلان، بل يدفع هذا من
أساسه قول الترمذي في أول ((العلل الصغير)) الذي في آخر جامعه (١):
((جميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمول به، وقد أخذ به بعض
أهل العلم، ما خلا حديثين ... )) الخ كلامه، فكيف يؤخذ بذاك القول مع
هذا التصريح(٢)؟ !!
المسألة السادسة: هل يُحتج بالحديث الحسن لغيره، مع أن كل طريق فيه
لا يَسْلم من ضَعْف خفيف؟
الجواب: نعم، يُحتج بما هذا وصفه، والعمدة في ذلك صنيع عدد من
الأئمة، فمن ذلك:
١- الإمام الشافعي تَخَذّتُهُ :
فقد قال تخلّفُ : ((المنقطع مُختلف فيه: فمن شاهد أصحاب رسول الله
من التابعين، فحدَّث حديثًا منقطعًا عن النبي ﴿ اعتُبر عليه بأمور:
منها: أن يُنْظر إلى ما أَرْسَل من الحديث، فإن شَرِكَه فيه الحفاظ
-
المأمونون، فأسندوه إلى رسول الله ® بمثل معنى ما روى؛ كانت
هذه دلالة على صحة مَنْ قَبِلَ عنه، وحَفِظَه.
وإن انفرد بإرسال حديث، لم يَشْرَكُه فيه مَن يُسنده؛ قُبِل ما ينفرد به
-
٠
(١) (٥ / ٣٩٢).
(٢) وقد قال بهذا الوجه من الجمع بين كلام الترمذي الشيخ محمد عبدالرزاق حمزة
دَّلُ ونقله العلامة أحمد شاكر في ((الباعث)) (١ / ١٤٠ - ١٤١) وتعقبه شيخنا محدث
الزمان الشيخ الألباني ثلثه .

٩٥
الحديث الحسن
=(
من ذلك.
ويُعتبر عليه بأن يُنْظر: هل يوافقه مرسِل غيره، ممن قُبل العلم عنه من
۔
غير رجاله الذين قُبل عنهم؟ فإن وُجِدَ ذلك؛ كانت دلالة تُقوِّى له -
أي للمرسِل الأول- مرسَله، وهي أضعف من الأولى.
وإن لم يُوجَد ذلك: نُظِر إلى بعض ما يُرْوى عن بعض أصحاب
-
؛ قولا له، فإن ◌ُچِدَ یوافِق ما روى عن رسول الله
رسول الله
كانت في هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسَله إلا عن أصل صحيح -
إن شاء الله -.
۔
وكذلك إن وُجد عوام من أهل العلم يُفْتُون بمثل معنى ما روى عن
النبي .... )) إلى أن قال تخلّفُ: ((وإذا وُجدت الدلائل بصحة حديثه
بما وصفت؛ أحببْنا أن نقبل مرسَله، ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة
تثبت به ثبوتها بالموتصل))(١). اهـ.
فهذا الإمام الشافعي - وهو من أئمة الدين المتقدمين - يُقوِّي المرسَل
بمرسَل آخر، وكلاهما ضعيف، ويقويه بالموقوف، وليس هو - في ذاته -
بحجة، فثبت ما قلْته، والله أعلم.
فإن قيل: إن الشافعي تَّفُ يرى العمل بما هذا وصفه من المراسيل، لا
أنه حجة يحتج به.
فالجواب: كيف يقال هذا، والشافعي يقول فيما إذا تابع المرسل
مرسَل آخر:
(كانت دلالة تقوِّي له مرسَله، وهي أضعف من الأولى)). اهـ ..
فهذا نص صريح بأن المرسَل يتقوى بالمرسَل، وإن لم تكن في درجة
(١) انظر: ((الرسالة)) ص (٤٦١) برقم (١٢٦٣ -١٢٧٠).

٩٦
=
الجواهر السليمانية
القوة المستفادة من متابعة حديث مسند لحديث مرسل، فكيف يقال:
المرسَل بعد المتابعة بمرسَل آخر، ليس قويًا، وهو باقٍ على الضعف؟!
وكذا قال الشافعي فيما إذا تابع المرسِلَ قولُ صحابي: ((كانت في هذه
دلالة على أنه لم يأخذ مرسَله إلا عن أصل يصح إن شاء الله)) . اهـ.
وقال أيضًا: ((وإذا وُجِدَتْ الدلائل بصحة حديثه بما وَصَفْتُ؛ أحببْنا
أن نقبل مرسله، ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها
بالمتصل)». اهـ.
فكيف يحكم الشافعي بأن المرسِل ما أخذ مرسَله إلا عن أصل يصح
- بعد متابعته بالموقوف - وأن هذه الدلائل تدل على صحة حديث
المرسل، ثم يُقال بعد ذلك: إنه ضعيف لا يُحتج به، وإن عُمِل به، أو أنه
لا يلزم من العمل بالحديث صحته؟!
نعم، لا يلزم من العمل بالحديث صحة مَبْنَاه؛ لكن هذا ليس في هذا
الموضع، لهذه الأدلة من كلام الشافعي نفسه.
وأيضًا: فإن الشافعي فرَّق بين مراتب الحجية بين ما هذا سبيله وبين
المتصل، لكن لم يقُل إن المرسل الذي يتقوى بمثله ليس بحجة أصلًا،
والله أعلم.
وتفصيل الرد على من استدل ببعض كلام الشافعي على رد رواية
الضعيف إذا توبع بمثله أو نحوه مطلقًا، في موضع آخر، في أشرطة
((شرحي للنزهة)) فالله تعالى أعلم.
٢، ٣- يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل -رحمهما الله تعالى -:
جاء في ((شرح علل الترمذي)) (١) لابن رجب كثّفُ: ((قال إسحاق ابن
(١) (١ / ٤٥٣ -٥٤٤).

٩٧
الحديث الحسن
هانيء: قال لي أبو عبد الله - يعني أحمد -: قال لي يحيى بن سعيد: ((لا
أعلم عبيد الله - يعني ابن عمر - أخطأ إلا في حديث واحد لنافع عن ابن
قال: ((لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام ... )) الحديث.
عمر: أن النبي
قال أبو عبد الله: فأنكره يحيى بن سعيد عليه.
قال أبو عبد الله: قال لي يحيى بن سعيد: ((فوجدته قد حَدَّث به
العمري الصغير عن ابن عمر مثله.
قال أبو عبد الله: لم يسمعه إلا من عبيد الله، فلما بلغه عن العمري
صحَّحه)). اهـ
فتأمل كيف ارتاب في حديث عبيد الله العمري - وهو ثقة - ثم
صححه بحديث العمري الصغير، وهو عبد الله بن عمر العمري، وهو
ضعيف عند القطان وأحمد.
فإن قيل: إن القطان صحح الحديث لأنها متابعة ضعيف للثقة، ونحن
لا ننازع في ذلك، إنما ننازع في تقوية الضعيف بمثله أو نحوه.
فالجواب: سبق من كلام الشافعي تقوية المرسَل بمثله، وهما ضعيفان.
وأيضًا: فالثقة حجة بنفسه، ولا يحتاج - في الأصل - إلى متابعة
غيره له، إنما ارتاب القطان في رواية الثقة، واستنكر روايته، فلما تابعه
الضعيفُ عليها؛ صححها القطان، فرواية الثقة عند ارتياب القطان منها
نُنَزَّل منزلة رواية الضعيف، لأنه لولا متابعة الضعيف للثقة؛ لضعَّفَ القطانُ
روايته، فلما نُزِّلت رواية الثقة هنا منزلة رواية الضعيف التي يُرتاب منها،
ويُتوقف فيها، وصححها القطان بمتابعة الضعيف؛ دل ذلك على صحة ما
أجبْتُ به، والله أعلم.
فإن قيل: إن القطان حكم بالنكارة، والمنكر لا يَعتضد بغيره.

=
٩٨
الجواهر السليمانية
فالجواب: أن الحكم بالنكارة إذا كان فرعًا عن جمع الطرق، وكان
الراوي مخالفًا لمن هو أوثق منه؛ فلا يُستشهد بما هذا سبيله، لكن إذا كان
الإمام يظن أن الراوي تفرد بهذا الحديث، ورأى أن مثله لا يقبل تفرده
بهذا الأصل، فحكم بالنكارة، ثم وَجَدَ متابعًا؛ زالت علة هذا الحكم،
والحكم يزول بزوال علته، وهي هنا: ظَنُّ التفرد، ولذلك فقد صحح
القطان هذا الحديث لما وقف على متابعة العمري الصغير، وإلا فالمنكر
أبدًا منكر، كما قال أحمد(١)، والله أعلم.
فإن قيل: لماذا ذكرت أحمد مع القطان، والمتكلّم بما سبق هو
القطان؟
قلت: لقد أقرّه أحمد على ما قال، ولم يتعقّبْه، ولو كان كلام القطان
قولًا محدثًا مخترعًا -كما يقول بعض طلاب العلم فيمن يرى الاحتجاج
بما هذا سبيله - لأنكره أحمد، فهل يسكُت أحمد ويصرخ بعض طلاب
العلم في هذه الأيام برد هذا القول؟ ألا يسَعهم ما وسع أحمد؟!
(تنبيه): صرح أحمد بتصحيح القطان لرواية عبيدالله بمتابعة عبدالله
الضعيف، فقد قال: ((فلما بلغه عن العمري صححه)) وفي هذا ردٌّ على من
قال بالعمل بما هذا سبيله دون الحكم بقوته، فتأمل.
٤، ٥- محمد بن يحيى الذهلي، والعقيلي -رحمهما الله تعالى -:
جاء في ((الضعفاء)) للعقيلي (٢) في ترجمة محمد بن عبد الله بن مسلم
ابن أخي الزهري:
((وأما محمد بن يحيى النيسابوري: فجعله في الطبقة الثانية من
(١) في ((سؤالات ابن هاني)) (٢/ ١٦٧).
(٢) (٨٨/٤).

٩٩
الحديث الحسن
أصحاب الزهري، مع أسامة بن زيد، ومحمد بن إسحاق، وأبي أويس،
وفليح، وعبد الرحمن بن إسحاق، وهؤلاء كلهم في رجال الضعف
والاضطراب)) وقال محمد بن يحيى: ((إذا اختلف أصحاب الطبقة الثانية؛
كان المفزع إلى الطبقة الأولى في اختلافهم، وإن لم يوجد عندهم بيان؛
فيما روى هؤلاء - يعني الطبقة الثانية - وفيما روى هؤلاء - يعني أصحاب
الطبقة الثالثة - يُعرف بالشواهد والدلائل، وقد روى ابن أخي الزهري
ثلاثة أحاديث، لم نجد لها أصلًا عند الطبقة الأولى، ولا الثانية، ولا
الثالثة)) . اهـ.
فهذا الذهلي - وهو أعرف الناس بأحاديث الزهري، حتى لُقِّب بمحمد
بن يحيى الزهري - قسّم أصحاب الزهري إلى ثلاث طبقات، الأولى:
يحتج بها؛ لأنهم أعرف الناس بالزهري وحديثه، وإذا اختلف من دونهم
من تلاميذ الزهري في حديثه؛ سُبر هذا بحديث الطبقة الأولى، والحكم
لمن وافقهم، فهذا بحث عن شاهد من الثقات أولًا، فإن لم يوجد؛ نزلنا
إلى الطبقة الثانية - وهي طبقة رجال الضعف والاضطراب - كما صرح
العقيلي أخذًا من صنيع الذهلي - فإن وجدنا ما يشهد لقول أحد المختلفين
الضعفاء، وإن كان من رواية ضعيف، فضعيف مع ضعيف، أولى من
ضعيف وحده، فإذا قُبل ضعيف مع ضعيف، مع أن هناك ضعيفًا آخر
يخالفهما؛ فمن باب أولى يقبل ضعيف مع ضعيف دون مخالف لهما،
وهذا ظاهر، فإن لم يوجد متابع في الطبقة الثانية؛ كان المفزع إلى الثالثة،
وهي دون الثانية في الضبط، إلا أنها ليست طبقة المُهْدَرين المتروكين،
ومع ذلك فرواية صاحب الطبقة الثالثة تشد من أزر صاحب الثانية الذي
خالفه غيره، ولم يتابع على قوله، فإذا كان ذلك كذلك مع وجود
المخالفة؛ فما ظنك بالحال عند السلامة من المخالف أصلًا؟ !.
إن هذا النص من أعلم الناس بالزهريات؛ ومن أخبر الناس بمراتب

١٠٠
الجواهر السليمانية
أحاديث الزهري؛ لنص ظاهر على صحة ما أجبْتُ به، والله أعلم.
فإن قيل : لم يصرح الذهلي في هذا النص بأن رواية الضعيف إذا
توبعت ؛ احتُجَّ بها !!
فالجواب : هذا الإيراد من زُخرف القول البعيد عن روح النص ولُبِّه،
كيف لا؟ والذهلي قال في أول كلامه : ((إذا اختلف أصحاب الطبقة
الثانية ؛ كان المفزع إلى الطبقة الأولى في اختلافهم، فإن لم يوجد عندهم
بیان ؛ ففيما روی هؤلاء ... )). اهـ
فما فائدة المفزع إلى الطبقة الأولى، إذا كان من وافق ما عندهم
روايته مردودة أيضًا ؟
أليست الطبقة الأولى هي التي يُسْتبرأ بها أحاديث الزهري، وهي التي
يُسْبر بها حديث تلامذة الزهري ؟
أليس حديثهم غاية في الصحة عنه؟ فكيف يكون من وافقهم مردود
الرواية ؟!
فما فائدة قول الذهلي : ((فإن لم يوجد عندهم بيان))؟ بيان ماذا ؟ أليس
البيان الذي يوضح أن راوي الطبقة الثانية قد ضبط روايته عن الزهري ؟
وإذا كان ذلك كذلك ؛ فکیف تُردُ رواية من ضبط حديث شيخه ؟!
فإن قيل: نحن لاننازع في الضعيف إذا وافقه ثقة، ولكن ننازع في
ضعيف لم يتابعه إلا مثله أو نحوه.
فالجواب : مع أنكم تنازعون في ذلك ؛ فالذهلي لم ينازع، بل ساق
الكلام مساقًا واحدًا، وذكر أنه يفزع لرواية الطبقة الأولى، وإلا فالثانية،
وإلا فالثالثة، أما أنتم فلا ترون المفزع إلا إلى الأولى فقط، وهم الثقات،
وفي هذا فارق بينكم وبين الذهلي.