Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
الحديث الصحيح
الأصل أنه يشترط في حالة الأداء، فإن جمع مع ذلك الضبط حال
التحمل وما بعده ؛ فهو أفضل، وقد يوجد من الناس من يتحمل ولا يؤدي
ما تحمل، كمن اشتغل بالعبادة والزهد، وأعرض عن التحديث، فهذا في
الغالب يختل ضبطه، ولايحتج به، وقد يوجد من يتحمل وهو صغير لا يضبط،
ثم يحفظ ماکتب أو گُتِبَ له، ويتقن حفظه، ثم يؤديه من حفظه، فإن أدی حال
اختلال ضبطه؛ لم يُقبل، وإن أدى حال ضبطه بأخرة ؛ قُبل منه.
الثالث : كيف يتم معرفة ضبط الصدر؟ يعرف العلماء ذلك بأمور :
١- استفاضة ضبط الراوي بين الأئمة، وهذه الصورة هي أعلى الصور في
هذا الباب.
٢- تزكية بعض أئمة الجرح والتعديل للراوي بأنه يحفظ حديثه ويتقنه.
٣- سَبْر روايات الراوي، ومقارنتها بروايات غيره من الثقات؛ لينظر هل
یوافقهم أم یخالفهم ؟ ویُحگم علی حدیثه بعد ذلك بما يستحق، كما قال
ابن معين : قال لي إسماعيل بن علية يومًا : كيف حديثي ؟ قلت : أنت
مستقيم الحديث، فقال لي : وكيف علمتم ذاك؟ قلت له عارَضْنا بها
أحاديث الناس، فرأيناها مستقيمة، فقال: الحمد لله ... اهـ(١).
(١) انظر ((سؤالات ابن محرز)) (٢ / ٣٩) اهـ نقلًا عن ((الإرشادات)) (ص ٢١) للشيخ
طارق عوض الله - حفظه الله .
واعلم أن هذه الطريقة في معرفة ضبط الراوي ليست ميسرة لنا اليوم، وإن وجدت
أجهزة حديثة، وبرامج موسوعية في الحاسب الآلي، لأنه ليس كل حديث الراوي في
الحاسب الآلي، بل ليس كل حديثه المطبوع - فضلًا عن المخطوط، فضلًا عن الضائع
من ذلك - في الجهاز، ثم إننا لو فتحنا هذا الباب؛ لانقلبت الأحكام السابقة للأئمة،
فيصير المجهول معلومًا، والثقة ضعيفًا، والضعيف ثقة، إذ الحكم ضرب من الاجتهاد،
والمعاصر قد يخالف المتقدمين في الحكم، وبذلك تفقد أحكام الأئمة قيمتها نظرًا
للبحث الجديد في حال الراوي وفي هذا من الفساد ما لا يخفى، فتأمل، واحذر.

٦٢
الجواهر السليمانية
٤- إذا نصُوا على أن الراوي ثقة، وليس له كتاب، فهذا يدل على أنه
یحفظ حدیثه في صدره.
٥- ومن ذلك قول الراوي عن نفسه : ((ما كتبت سوداء في بيضاء)) أو ((ما
يضُرُّني أن تُحْرَق كتبي)) ونحو ذلك مما يدل على إتقانه لحديثه.
٦- باختبار الراوي، وللاختبار صور، منها :
أ - أن يأتي إليه أحد أئمة الجرح والتعديل، فيسأله عن بعض
الأحادیث، فیحدثه بها على وجه ما، ثم يأتي إليه بعد زمن،
فيسأله عن الأحاديث نفسها، فإن أتى بها كما سمعها منه في
المرة الأولى ؛ علم أن الرجل ضابط لحديثه، ومتقن له، أما إذا
خَلَّط فيها، وقَدَّم وأَخَّر؛ عَرَفَ أنه ليس كذلك، وتكلم فيه على
قدر خطئه ونوعه، فإن كانت هذه الأخطاء يسيرة عددًا ونوعًا؛
احتملوها له إذا كان مكثرًا، وإلا طُعِن فيه.
ومسألة كثرة الخطأ وقلته مسألة نسبية، ترجع إلى كثرة حديث
الراوي وقلته، فمن كان مكثرًا من أحاديثه الصحيحة، وأخطأ في
أحاديث قليلة ؛ احْتُمِل له ذلك الخطأ، كمن كان عنده عشرة
آلافٍ حديث - مثلًا - وأخطأ في عشرين حديثًا منها، وهذا
بخلاف من لم يكن عنده إلا حديث واحد - مثلا - وأخطأ فيه،
فمثل هذا يكون متروكًا، أو كمن عنده عشرة أحاديث، وأخطأ
في خمسة منها ؛ فهذا يطعن فيه مع أن الخطأ في عشرين
حديثًا، أو خمسين حديثًا، لا يضر من كان مكثرًا، واسع العلم
والحصيلة.
إلا أن النظر لا يقتصر على مسألة القلة والكثرة فقط، بل يُراعَى
في ذلك أيضًا نوع الخطأ: فقد يكون الخطأ قليلًا، إلا أنه

٦٣
الحديث الصحيح
فاحش، فيذهب بحديث الراوي، كما جاء عن الدارقطني أنه قال
في الربيع بن يحيى بن مقسم: ((حَدَّث عن الثوري عن ابن
* بين الصلاتين، ثم
المنكدر عن جابر، قال: جَمَع النبي
قال : وهذا حديث ليس لابن المنكدر فيه ناقة ولاجمل، وهذا
يُسقط مائة ألف حديث)) وقال أبو حاتم في ((العلل)): ((هذا
باطل عن الثوري)) اهـ (١).
ب - وهناك صورة أخرى لاختبار الرواة لمعرفة ضبطهم، وهي أن
يُدْخِل الإمام منهم في حديث الراوي ما ليس منه، ثم يقرأ عليه
ذلك كله، موهمًا أن الجمیع حديثه، فإن أقره وقبله، مع ما
أُدخل فيه؛ طعن في ضبطه، وإن ميز حديثه من غيره؛ علم أن
الرجل ضابط، ومثال ذلك : ما حصل من يحيى بن معين مع
أبي نعيم الفضل بن دكين الكوفي(٢)، ولعل لذلك صلة بالتلقين
الآتي في الصورة الثالثة.
ج - ومن صور الاختبار - أيضًا - أن يلقن الإمام منهم الراوي بقصد
اختباره شيئًا في السند أو في المتن، لينظر هل سيعرف ويميِّزُ؛
فيرد ما لُقِّنَه، أو لا يميز؛ فيقبل ما أُدخل عليه، فإن ميز؛ فهو
ضابط، وإلا فغير ضابط.
ومن قبول التلقين : أن يسأل الإمامُ أحدَ الرواة عن مجموعة من
الأحاديث، أي: هل حدثك فلان بكذا وكذا، وليس ذلك من
حديثه، أو فيها ما ليس من حديثه، فإن أجابه بنعَم ؛ عَرف
ضعفه وغفلته، ويُعبِّر علماء الجرح والتعديل عن الراوي الضعيف
(١) انظر ((تهذيب التهذيب)) (٢ / ٢٢٧).
(٢) انظر «تاريخ بغداد)» (٣ / ٣٥٣) ترجمة أبي نعيم.

٦٤
الجواهر السليمانية
في مثل ذلك بقولهم : ((فلان يُجيب عن كل ما يُسْأل عنه)) والله
أعلم.
د - إغراب إمام من الأئمة على الراوي بالحديث، فيقلب سنده، أو
متنه، أو یرکب سند حدیث على متن حديث آخر، أو العكس،
ليعرف ضبط الراوي من عدمه أو قلته، ويحكم عليه بما يستحق
حسب حِذْقه، وفطنته، وضبطه، أو غفلته، وعدم فهمه، وهذا
يفعله الشيوخ مع تلاميذهم لمعرفة نباهتهم وتيقظهم، والعكس،
كما جرى من حماد بن سلمة مع ثابت البناني(١).
٧، ٨، ٩- لقد سبق في كيفية معرفة عدالة الراوي برقم (٩، ١٠، ١١)
طرق أخرى لمعرفة الضبط أيضًا، فيُرجع إليها هناك، والله أعلم.
١٠- وكذلك يُعرف الضبط بالمذاكرة، كما قال أبوزرعة : كان أحمد ابن
حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له : وما يدريك؟ قال : ذاكرتُه،
فأخذت عليه الأبواب)) اهـ(٢).
١١- بالنظر في كتاب الراوي : فيُعرف اختلاطه - مثلًا - وذلك إذا كانت
رواية القدماء عنه مستقيمة، ورواية الأحداث عنه مضطربة، فَيُعْلَم من
ذلك اختلاطه بأخرة.
بل يُعلم من خلال النظر في الكتاب: هل هو مدلِّس أم لا ؟ فإن كانت
رواياته التي صرح فيها بالسماع عن الثقات مستقيمة، والتي يعنعن فيها
مضطربة، وكذا التي قد يُظهر فيها واسطة ضعيفة، عُلم بذلك تدليسه، فمن
خلال النظر في الكتاب يُعلم ضبط الراوي وعدمه، والله أعلم.
(١) انظر ((الجرح والتعديل)) (٢ / ٤٤٩).
(٢) انظر ((مناقب أحمد)» لابن الجوزي (ص ٨٥).

٦٥
الحديث الصحيح
وأما ضبط الكتاب، ففيه مباحث أيضًا :
الأول : تعريفه : وهو صيانة الراوي لكتابه منذ أدخل الحديث فيه،
وصححه، أو قابله على أصل شيخه، ونحو ذلك؛ إلى أن يؤدي منه(١)
وذلك لأن الراوي قد يُبتلى برجل سوء: سواء كان ابنًا، أو جارًا، أو
صديقًا، أو ورَّاقًا، أو نحو ذلك، فَيُدْخِلون في كتابه ما ليس منه، فعند
ذلك يُطْعَن في ضبط الراوي، ويَسْقُط حديثه.
الثاني: الطعن في الراوي بسبب عدم ضبط الكتاب: إنما يكون فيمن
لم يكن عنده إلا ضبط الكتاب فقط، أما من كان عنده ضبط صدر ؛ فلا
يضره عدم ضبط الكتاب، إذا حدث من صدره، وإن كان الأفضل أن يجمع
بينهما، لأن الحفظ خَوَّان، وذلك الحال فيما إذا لم يكن عند الراوي ضبط
صدر، لكن عنده ضبط كتاب؛ فلا يضره ضعف حفظه إذا حدث من كتابه،
كما أخذ البخاري من أصول ابن أبي أويس (٢).
الثالث: كيف يتم معرفة ضبط الكتاب ؟
يُعرف ذلك بعدة أمور :
١- التنصيص من إمام على أن فلانًا صحيح الكتاب، أو أن كتابه هو
الحَكَم بين المحدثين، أو أن كتابه كثير العجم والتنقيط، ونحو ذلك
مما يدل على ضبطه لكتابه.
٢- أن يُصرح الراوي الثقة بضبطه كتابه، كأن يقول: إذا كان كتابي معي؛
فلا أبالي أن يكون فلان من الأئمة عن يميني، والآخر عن شمالي.
٣- التنصيص على أن أصل الراوي الذي يُحدِّث منه مُقَابلٌ على أصل
(١) انظر ((النزهة)) (ص ٨٣).
(٢) انظر ((هدي الساري)) ص (٤١٠).

٦٦
=
الجواهر السليمانية
شيخه، أو على نسخة معتمدة منه.
٤- أن يوافق حديثُهُ الذي يرويه من كتابه حديثَ الثقات، فإن هذا يدل
على ضبطه لكتابه، وقد يكون عنده ضبط صدر، وقد لا يكون.
٥- التنصيص على أنه لم يكن يُعير كتابه، ولا يُخْرِج أصله من عنده؛ لأن
فاعل ذلك قد ينسى المعار إليه، وقد يعيره للمأمون وغير المأمون؛
فيؤدي ذلك إلى إدخال شيء في كتابه مما ليس من حديثه، وقد لا
يميز ذلك، لاسيما إذا لم يكن عنده حفظ وإتقان لحديثه، فيسقط
حديثه .
(إشكال) لو قيل: لماذا لم يشترط الناظم كثّفُ في الحديث الصحيح
تمام الضبط، وإنما اكتفى بقوله ((يرويه عدل ضابط ... ))؟
والجواب : أن الضبط إذا أُظْلِقٍ فإنما ينصرف الذهن إلى تمامه، لا
إلى أصله، فيكون المراد من قوله: ((ضابط)) أي تام الضبط.
(فائدة) : هل هناك فرق بين قولهم في حديث ما : ((حديث صحيح))
و((إسناده صحيح)) و((رجاله ثقات)) و((رجاله رجال الصحيح)) ؟
الجواب : إن بين هذه العبارات فرقًا، والعلماء - في الأصل -
لايغايرون بينها إلا لمعنى، وإن كان بعضهم قد لايراعي هذا الأمر في
مواضع، فَيَسْتَخْدِم هذا القول في موضع ذاك، والله أعلم.
والفرق بينها يكمن في كون بعضها أعلى من بعض، وذلك راجع إلى
توافر شروط الصحة الخمسة، أو النقص منها، وترتيبها من الأعلى إلى
الأدنى كالتالي :
١- فأعلاها قولهم: ((حديث صحيح)) إذْ أنه - في الأصل - يعني توافر
جميع شروط الصحة التي قد سبق ذكرها.

٦٧
الحديث الصحيح
٢- ويليه قولهم: ((إسناده صحيح)) لكونه لم تتوافر فيه إلا ثلاثة شروط
من شروط الصحة، وهي: العدالة، والضبط، والاتصال، دون التأكد
من السلامة من الشذوذ والعلة.
وهذه اللفظة إنما تفيد صحة الإسناد ظاهرًا لا حقيقة، وهناك تفاصيل
أخرى في ذلك، قد سبق ذكرها.
٣- ويليه قولهم: ((رجاله ثقات)) فإنه يعني توافر شرطين فقط، هما:
العدالة، والضبط، دون تعرض لبقية شروط الصحة من الاتصال،
والسلامة من الشذوذ والعلة، أضف إلى ذلك أن بعضهم قد يقول:
((رجاله ثقات)) ولا يعني التوثيق الاصطلاحي، وإنما يعني من يُحتج
به؛ وإن كان دون الثقة، وهذا القول أعلى من قولهم: ((رجاله
مُؤَثَّقون))(١).
٤- ويليه قولهم: ((رجاله رجال الصحيح)) لكونه لم يتوافر فيه إلا شرط
متيقن، وهو العدالة، وشرط غير متيقن وجوده : وهو الضبط التام؛
لأن من رجال الصحيح من هو ثقة، ومنهم من هو صدوق، ومنهم من
في حفظه لين، وقد يخرِّج له صاحب الصحيح في الشواهد، وقد
يخرج له احتجاجًا مُعْتَمِدًا على قرائن غير مطردة في جميع روايات
الراوي.
وأيضًا فليس في هذه العبارة ما يدل على السلامة من الشذوذ والعلة،
ولا ما يدل على ثبوت الاتصال، والله أعلم.
على أن هذا القول قد يتوسع فيه بعضهم - كالهيثمي - ويطلق ذلك
على شيوخ الطبراني، وليسوا من رجال الصحيح.
(١) انظر ((تمام المنة)) (ص ٢٦).

٦٨
الجواهر السليمانية
(تنبيه) : هذه الفروق المذكورة بين العبارات: يُعمل بها مالم يذكر
الإمام أن الإسناد صحيح، ويكون ذلك منه في مقام الاحتجاج - كما سبق
- أو يُعلم أن الإمام لايراعي هذه الفروق، بل يُطلق الجميع ويريد
الصحة، والله أعلم.
وبهذا ينتهي ما يسر الله به من الكلام على ما ذكره الناظم - تَخَّهُ- من
تعريف الحديث الصحيح، وبيان شروطه.
وتلخيص هذه الشروط على النحو التالي :
إن للحديث الصحيح خمسة شروط، ثلاثة منها لابد من ثبوتها، وهي
الاتصال والعدالة والضبط، وشرطان منها لابد من انتفائهما، وهما الشذوذ
والعلة.
وقد يقال : شروط الصحيح منها ما هو عام في الراوي - لا في مجرد
حديث بعينه - ومنها ما هو خاص برواية بعينها، وهاك التفصيل :
(أ) الاتصال شرط خاص بالرواية.
(ب) نفي الشذوذ والعلة شرط خاص بالرواية، أي أن الراوي الضابط
قد يوجد في أحاديثه الأخرى شذوذ وعلل، لكن الرواية السالمة
من ذلك لا تتضرر بالأخطاء الأخرى مالم تكثر، أو تفحش.
(ج) العدالة والضبط شرطان لابد من توافرهما في الراوي، فإذا لم
يكن عدلًا؛ سقط كل حديثه، وإذا لم يكن ضابطًا ؛ لم يُحتج
بحديثه أصلًا، وقد يسقط كله، والله أعلم.
(فائدة أخرى) : سبق تعريف الحديث الصحيح، وبيان شروطه، إلا أن
العلماء قد يطلقون القول بذلك في بعض الرواة أو الأحاديث، ولا يريدون
بذلك المعنى الاصطلاحي السابق.

٦٩
الحديث الصحيح
فقد يريدون بذلك مجرد صحة سماع الراوي من شيخه، وإن كان
متروكًا، أو يقصدون مطلق الأحاديث التي يُحتج بها، فيدخل في ذلك
الحسن، أو یریدون أن الحدیث لیس بمنکر، وإن کان راویه لا يحتج به، أو
يريدون حديثًا مختلفًا فيه؛ والصحيح فيه حديث فلان إلى فلان؛ لا إلى
رسول الله
﴾، أو ما اعتضد بطرق أخرى، أو بالتلقي بالقبول، أو صحيح
المعنى لا السند، وغير ذلك(١).
(١) انظر ((شفاء العليل)) (١ / ٤٢٣ - ٤٢٤) و((الصحيحة)) برقم (٥٢٠) و((التدريب))
(١ / ٦٧).

٧٠
الجواهر السليمانية
الحديث الحسن
قال الناظم تخلفه :
٥- والحسَنُ المعروفُ طُرْقًا وغَدَتْ رِجَالُهُ لا كالصحيحِ اشْتَهَرَتْ
تكلم الناظم تقذفهُ في هذا البيت على حدِّ الحديث الحسن لذاته، وذلك
بعد أن فرغ من الكلام على الحديث الصحيح، وقدَّم الصحيح على الحسن
لعلو قدر الصحيح، وعِظَم شأنه.
وقوله : (طُرْقا)) بسكون الراء عند الأكثر، وبعضهم يحركها ((طُرُفًا)).
وتحت هذا البيت عدة مسائل :
المسألة الأولى: تعريف الحديث الحسن عند الناظم تذفه :
عَرّف الناظم الحديث الحسن بأنه: المعروف طرقه، والمشهور رجاله
شهرةً دون شهرة رجال الصحيح.
ويظهر من كلام البيقوني تّفُ أنه يشترط في الحديث الحسن شرطين:
١- أن تكون طرقه معروفة، وهذا الشرط مأخوذ - فيما يظهر لي - من
تعريف الخطابي تذله كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
٢- اشتهار رجاله شهرة لا تبلغ شهرةً رجال الصحيح، وذلك - فيما يظهر
- من جهة الضبط، وأما العدالة فلا يشترط أن يكون رجال الحسن
دون رجال الصحيح فيها أيضًا، فقد يكون بعض رجال الحديث
الحسن أَعْبَدَ وأتقى لله من بعض رجال الحديث الصحيح، علمًا بأن
هذه العبارة مقتبسة - فيما يظهر - من عبارة الخطابي : ((واشتهر

٧١
الحديث الحسن
رجاله)) كما لا يخفى، إلا أنها أدق من إطلاق الخطابي، كما سيأتي
- إن شاء الله تعالى -.
المسألة الثانية: الاعتراضات الواردة على تعريف البيقوني كثّفة :
اعلم أن الشرطين السابق ذكرهما لم يفيا بتعريف الحديث الحسن،
وذلك من وجوه:
(أ) أن الشرط الأول - وهو المعروف طرقه - غير مانع: إذْ أنه
يدخل فيه الحديث الصحيح، والضعيف، والموضوع، إذ كل منها
طرقه معروفة، فالصحيح طريقه معروفة بعدالة الرواة وضبطهم،
والضعيف طريقه معروفة بضعف راويه، وهكذا الموضوع طريقه
معروفة بكذب راويه، ونحو ذلك، وإن كان ينازع في إدخال
الضعيف والموضوع؛ لبقية كلام الناظم.
(ب) أن ظاهر عبارته اشتراط العدد في طرق الحديث الحسن، لقوله
((طرقا))، ومعلوم أن كلامه هذا إنما يتأتى إذا كنا بصدد تعريف
الحسن لغيره، لا الحسن لذاته، وهو المراد في تعريف الناظم
لقوله ((لا كالصحيح اشتهرت))، ولأن الحسن لذاته أولى في البدء
بالتعريف من الحسن لغيره؛ فإنه في الأصل من جنس الضعيف،
والناظم لم يُعَرِّف قسما آخر للحسن غير هذا، وتعريفه فيه
اقتباس من تعريف الخطابي للحسن لذاته ؛ فترجح أن مراده بهذا
التعريف الحسن لذاته، وعليه، فالإيراد وارد عليه.
إلا أن يقال: مراده تعريف الأحاديث الحسان التي طرقها معروفة
.... الخ، وهو وإن كان خلاف الظاهر ؛ إلا أنه مما يُعتذر به
عن الناظم، وقد يقال : المراد بالطرق الرواة، وفيه بُعْد، لأنه لا
يطلق على رواة السند الواحد طرق، والله أعلم.

٧٢
الجواهر السليمانية
(ج) اشتراطه شهرة الرواة شهرة لا كشهرة رجال الصحيح: قد يقال
فيه : إنه غير كافٍ ؛ لأنه قد يرد على ذلك رجال الضعيف، فإنهم
قد اشتهروا - أيضًا- بالضعف، ويصدق عليهم أنهم دون رجال
الصحيح في الضبط، ومعلوم أن الناظم لم يُرِذ هذا، لكن لفظه
لم يغلق الباب بالكلية أمام مالم يُرِدْ تعريفه.
وقد يجاب عن الناظم بأن سياق كلامه في منظومته يدفع هذا
الإيراد أصلًا؛ لأنه عَرَّف الضعيف بعد ذلك، فلا يكون مرادًا
هنا، وعلى كل حال فالدقة في التعاريف أولى، والله أعلم.
(د) لم يصرح الناظم باشتراط الاتصال والعدالة، كما لم يشترط
سلامة الحديث الحسن من أن يكون شاذًّا أو معلَّلا.
وقد فُسِّر تعريف الخطابي - الذي اقتبس منه الناظم تعريفه
للحسن فيما يظهر لي - بأن معرفة الطرق تتضمن الاتصال،
والعدالة، ونفي الشذوذ والعلة، وهذا كله يستفاد من تمثيلهم
لذلك برواية الراوي عن أهل بلده، كقتادة في البصريين، وعطاء
في المكيين، وهكذا.
وعندي في هذا نظر : لأن هذا المثال مثال الحديث الصحيح لا
مجرد الحسن، وأيضًا فالحسن لايقتصر على رواية الرجل عن
أهل بلده، وهذا النوع من الروايات قليل بالنسبة لغيره من
الروايات التي يرويها العدل عن مثله، دون النظر إلى اتحاد
البلد، وإذا كان هذا قليلًا؛ فيرده قول الخطابي في بقية التعريف
((وعليه مدار أكثر الحديث)) .
وعلى كل حال: فالتعاريف ينبغي أن تكون صريحة في العبارة،
غير موهمة، أو محتملة، وهذا ما لم يكن هنا، وسيأتي - إن

٧٣
الحديث الحسن
شاء الله تعالى - قريبًا كلام حول تعريف الخطابي، له صلة بهذه
المسألة، والله أعلم.
(هـ) وقوله: ((رجاله لا كالصحيح اشتهرت)) ظاهره أنه يشترط في
جميع رجال السند أن يكونوا دون شهرة رجال الصحيح، وليس
كذلك، بل أستبعد أن يكون هذا مرادًا عند الناظم، إنما يكفي أن
يوجد رجل واحد كذلك في السند، إلا أن عبارته لا تقوى على
دفع الإيراد السابق، إلا أن يجاب عن الناظم في هذا وفي بعض
ما سبق: بأنه أراد تعريف الأحاديث الحسان لا الحديث الحسن
الواحد، ومع ذلك فهو خلاف ظاهر قوله: ((والحسن ... رجاله
.. )) فالكلام على جنس الحسن، لا على الحسان، والله أعلم.
المسألة الثالثة : تعريفات أخرى للحديث الحسن:
عَرَّفَ جماعةٌ من العلماء الحديث الحسن بتعاريف عدة، فمن ذلك :
أولاً : تعريف الإمام الخطابي:
عَرَّفه بقوله: «هو ما ◌ُرِف مخرجه، واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر
الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء))(١).
وقوله : ((ما عُرِف مخرجه)) للعلماء في تفسيره قولان:
١- أن المراد بذلك: ما اتصل سنده، فخرج بذلك كل ما كان فيه
انقطاع(٢) .
٢- أن المراد بذلك: أن يكون راويه معروفًا بأخذ الحديث عن أهل
(١) انظر: ((معالم السنن)) (١ /١١).
(٢) انظر: ((التقييد والإيضاح)) (ص ٤٤٠) و((النكت)) للزركشي (١ / ٣٠٤) و
((التدريب)) (١ / ١٥٣).

٧٤
الجواهر السليمانية
بلده، كقتادة في البصريين، وعمرو بن دينار في المكيين، والزهري في
المدنيين، وابن وهب والليث في المصريين، وهكذا.
فكل من هؤلاء معروف بأخذ حديث أهل بلده، والمقصود من هذا أن
الراوي إذا عُرف بأخذ الحديث عن أهل بلد ما، فإنه لا يكون كذابًا - حيث
أنه صار المرجع في حديث ذاك البلد - ويكون قد ضبط حديثهم، وأتقنه.
إلا أن تعريف الخطابي هذا لا يخلو من انتقادات، وهي :
(١) أن عبارته هذه ليس فيها كبير تلخيص، ولاهي جارية على صناعة
الحدود والتعريفات، كما ذكر ذلك ابن دقيق العيد والذهبي -
رحمهما الله(١) - ولما فيها أيضًا من التكرار والتداخل، إذْ فُسِّر قوله
((عرف مخرجه)) ببعض ما فُسِّر به قوله ((واشتهر رجاله)).
وذهب بعضهم(٢) إلى أن تعريف الخطابي مقتصر على قوله: ((هو ما
عُرِف مخرجه، واشتهر رجاله)) وأما بقية كلامه فتوضيح لا تعریف،
ولو سلمنا بهذا؛ فهو مع ذلك لم يَسْلَم من الإيراد - كما سيأتي -
والله أعلم.
(٢) كون التعريف غير مانع : لأنه لم يَجْمع أوصاف الحديث الحسن،
ليحترز بها عن غيره، فلم يشترط انتفاء الشذوذ والعلة عنه، هذا إن
سلمنا بأن قوله ((ما عرف مخرجه، واشتهر رجاله)) يتضمن الاتصال
والعدالة، والضبط.
وظاهر قوله: ((اشتهر رجاله)) يُدْخِل رجال الصحيح والضعيف(٣)، كما
سبق في نقد تعريف الناظم، وإن كان كلام الناظم في هذا الموضع أدق من
(١) انظر: ((الاقتراح)) ص (١٩١) و((الموقظة)) (ص ٢٦).
(٢) انظر: ((النكت)) للزركشي (١ / ٣٠٥) و((التدريب)) (١ / ١٥٤).
(٣) انظر ((مختصر علوم الحديث)) لابن كثير (١ / ١٢٩) مع ((الباعث)).

٧٥
= (
الحديث الحسن
كلام الخطابي : لقوله ((لا كالصحيح اشتهرت)) فقيد الشهرة ولم يطلقها،
كما فعل الخطابي تَظّهُ .
إلا أن قوله ((ويقبله أكثر العلماء)) يَرُدُّ الاعتراض عليه بدخول رجال
الصحيح والضعيف، حيث إن الصحيح يقبله كل العلماء، والضعيف لا
يقبله أكثرهم، وإن قبله بعضهم؛ فذلك في مواضع معينة، فترجح أنه أراد
ما لا يبلغ الصحة أو الضعف، وإن كانت عبارته فيها ما فيها، والله أعلم.
(٣) قوله: ((وعليه مدار أكثر الحديث)) فيه بحث، فهل يُسَلَّم للخطابي بأن
أكثر الأحاديث من قبيل الحسان؟! هذا يحتاج إلى بحث ونظر.
ويظهر من كلام الخطابي كظّثهُ أنه يريد أن يعرف الحسن لذاته، لا
الحسن لغيره، والله أعلم.
ثانيًا : تعريف الإمام الترمذي تغذفه :
فقد ذكر في ((سننه)) أن الحديث الحسن هو ((كل حديث يُرْوَى : لا
يكون في إسناده من يُتَّهَم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًّا، ويُرْوَى من
غير وجه نحو ذلك)) .
قال: ((فهو عندنا حديث حسن))(١).
فيظهر من كلامه أنه أراد أن يُعَرِّف الحسن لغيره، وأنه يشترط فيه ثلاثة
شروط :
١- ألا يكون في إسناده من يُتَّهَم بالكذب.
٢- ألا يكون شاذًّا .
٣- أن يروى من غير وجه بنحوه.
(١) انظر ((جامع الترمذي)) (٥ / ٧٥٨).

٧٦
الجواهر السليمانية
وفي هذا التعريف عدة مناقشات:
(١) قوله: ((ألّا يكون في إسناده مَنْ يُتَّهَم بالكذب)) ظاهره: إدخال من
ليس بمتهم، وإن كان متروكًا لشئ آخر غير التهمة، أو واهيًا ضعيفًا،
وكذا يدخل فيه الثقة، والصدوق، والذي يظهر أن هذا غير مراد، إلا
أن العبارة غير دقيقة، والذي يظهر أنه أراد من لم يكن شديد الجرح،
وذكر نفي التهمة بالكذب مثالاً لذلك، والله أعلم.
ولما كُنا نَعْلَم أن الإمام الترمذي ماکان لیترك روایة راوٍ شديد
الضعف لتهمته بالكذب، ويَقْبل رواية من هو شديد الضعف لفحش
غلطه - مثلًا- فيفرق بين أمرين يشتركان في الضعف الشديد، فلما
كان ذلك كذلك؛ فيمكن أن يقال : إن الترمذي تخلفهُ أشار بقوله هذا
إلى الاحتراز من رواية من اشتد ضعفه من جميع الأصناف، ومثَّل
لذلك بالمتهم، لا أنه حصر الضعف في التهمة(١).
أقول هذا دفاعًا عن أبي عيسى كثّفُ، وإلا فعبارته غير مانعة، والله
أعلم.
(٢) قوله: ((ألا يكون في إسناده من يتهم بالكذب)): إن نظرنا إليه من
جهة الضبط ؛ فقد سبق في الإيراد الأول أنه ليس بمانع، وإن نظرنا
إليه من جهة العدالة في الدين ؛ فقد أخرج الوضاع، والكذاب،
والمتهم بالكذب في الحديث النبوي، وبقي غير هؤلاء، ومنهم :
الغلاة الرؤوس في البدعة، وأهل الفجور والفسوق، وهؤلاء قد رد
الأئمة روايتهم - على تفاصيل في أهل البدع - وليسوا بعدول في
الرواية، لكن هل يطلق عليهم - اصطلاحًا- أنهم متهمون بالكذب ؟
(١) وقد أشار إلى ذلك الحافظ ابن رجب الحنبلي تَذُّ انظر ((شرح علل الترمذي))
(٣٨٧/١).

٧٧
الحديث الحسن
الظاهر: لا، وإن كانت النفس - مع ذلك - لا تطمئن على الحديث
النبوي من جهتهم، والله أعلم.
(٣) اقتصار الترمذي على قوله: ((ألا يكون شاذًا)) دون اشتراطه السلامة
من بقية العلل.
ويجاب عنه فيقال: هل يُفْهَم من كلام الترمذي : أنه لا يشترط في
الحديث الحسن انتفاء العلة ؟
والجواب : مع أن عبارته قد تدل على ذلك؛ إلا أننا لانستطيع أن
ننسب هذا الرأي للترمذي؛ لأنه إمام من أئمة هذا الشأن، ولا يمكن أن
يُحَسِّن حديثًا فيه علة يعلمها، لأن العلة الخفية إذا كانت تقدح في رواية
راوي الحديث الصحيح؛ فلأن تقدح في رواية راوي الحديث الحسن لغيره
- والأصل فيه الضعف - من باب أولى.
فملخّص ذلك : أنه قد يقال - من باب الاعتذار عن الترمذي -: أنه
تتّثُ أشار إلى اشتراط نفي جميع العلل الخفية القادحة بقوله : ((ولا يكون
شاذًّا)) ومعلوم أن الشذوذ، والقلب، والاضطراب، والإدراج: علة خفية
تقدح في صحة الحديث، فما كان الترمذي ليحترز من علة ويرضى
بالأخرى؛ لأن التفريق بين المتماثلات - دون دليل - معيب عند العقلاء -
فضلًا عن كبار العلماء - ومع ذلك فلو اشترط انتفاء العلة ليدخل في ذلك
الشذوذ، لكان أولى من العكس؛ إذ كل شذوذ علة بلا عكس، والله أعلم.
فإن قيل : لقد أجاب الحافظ عن الترمذي في هذا الموضع في
((النكت))(١) بما حاصله : أن الترمذي لم يشترط انتفاء العلة ؛ لأن الانقطاع
علة، وضعف الراوي علة، وعنعنة المدلس علة، والترمذي لم يُرد الاحتراز
(١) (١ / ٤٠٧)

٧٨
الجواهر السليمانية
من ذلك.
فالجواب : أن ما ذكره الحافظ خاص بالعلل الظاهرة، والكلام هنا
عن العلل الخفية التي تدل على وهم الراوي وخطئه في الرواية.
فإن قيل : لقد احترز الترمذي من وقوع هذا الخطأ بقوله: ((ولا يكون
شاذًّا ... )).
فالجواب : أن الشذوذ نوع من العلة، وبقيت أنواع أخرى كالقلب،
والإدراج، فالرواية المقلوبة أو المدرجة لا يستشهد بها.
فإن قيل : إن جميع العلل ترجع إلى مخالفة المقبول لمن هو أوثق
منه، وهذا معنى الشذوذ الناتج عن المخالفة، فاشتراط الترمذي انتفاء
الشذوذ كافٍ عن التنصيص على اشتراط انتفاء بقية العلل ؟
فالجواب من وجهين :
الأول: أننا لا نسلم بأن جميع العلل هي من باب مخالفة المقبول لمن
هو أوثق منه في شيخهما، فقد تعرف العلة بمخالفة المنصوص عليه في
الشرع، أو مخالفة المشهور عند أهل العلم، وإن لم يتحد المخرج.
الثاني : أن العلماء ذكروا أن الأحاديث التي فيها علة خفية لا تُعْرَف
إلا بجمع الطرق، ولم يجعلوها نوعًا واحدًا مقتصرًا على الشذوذ، بل
ذكروا الحديث الشاذ، والمدرج، والمضطرب، والمقلوب، وفرَّقوا بين
هذه الأنواع، وإن كانت - في الجملة - ترجع إلى المخالفة.
(٤) يفهم من عدم اشتراط الترمذي الاتصال أن جميع صور الانقطاع
تصلح في الشواهد، والصحيح أن الذي يصلح للشواهد ما كان من
قسم المنقطع الاصطلاحي، لا المعضل ولا المعلق إذا كان الساقط
فيه أكثر من واحد، والله أعلم.

٧٩
الحديث الحسن
والخلاصة : فمع أن عبارة الترمذي غير سالمة من الإيرادات - إذا
نظرنا إليها من جهة صناعة الحدود - إلا أنه قد يقال من باب الدفاع عن
الترمذي :
١- أراد الترمذي اشتراط العدالة في الحديث الحسن بقوله: ((ألا يكون
في إسناده من يُتهم بالكذب)) وفي ذلك إشارة إلى اشتراط العدالة،
والتحرز من كل ما يُجَرِّئ الراوي على القول على رسول الله
بالمجازفة وعدم التحرز.
فيدخل في ذلك كل من لم يُجَرَّح من قِبَل عدالته، كالمجهول،
والمستور، وأما الفساق بسبب الشهوات ؛ فيُلْحقون - حُكْمًا -
بالمتهمين، لاحتمال تجرئهم على الكذب، وأما فساق التأويل ؛ فمن
رُدَّ منهم فيُلحق بالمتهمين - حكمًا - للعلة السابقة.
٢- وأيضًا فقد أراد الترمذي اشتراط الضبط - في الجملة - باشتراطه تعدد
الطرق، والسلامة من الشذوذ، فإن تعدد الطرق يجبر الضعف
الخفيف لا الشديد، ولعل في هذا إشارة إلى إخراج من اشتد ضعفهم
من جهة الضبط(١).
كما أن اشتراط تعدد الطرق يُبْعد احتمال أن يكون الثقة والصدوق
مراديْن - عند الترمذي - في التعريف كما فهمه بعضهم (٢)، فإنه لا
(١) وذهب ابن رجب إلى أن كلام الترمذي ليس فيه ما يدل على إخراج المغفَّل
الذي هو كثير الخطأ، إلا أنه قد يُؤخذ مما ذكره الترمذي قبل هذا: أن من كان مغفلًا
كثير الخطأ؛ لا يُحتج بحديثه، ولايُشتغل بالرواية عنه عند الأكثرين اهـ من ((شرح العلل))
(١ / ٣٨٧) قلت: طالما أننا في مقام الدفاع عن الترمذي، وعلمنا أن كلامه قبل ذلك
يدل على هذا؛ فحمل الكلام على الاتفاق أولى من حمله على التناقض، وعلى ذلك:
فلعل في كلامه هذا إشارة إلى إخراج من اشتد ضعفهم، والله أعلم.
(٢) انظر ((شرح العلل)) لابن رجب (١ / ٣٨٤).

٨٠
=
الجواهر السليمانية
يشترط في رواية الثقة والصدوق لتكون حسنة تعدد الطرق !! ولو كان
ذلك مرادًا ؛ لكان الحسن عند الترمذي أعلى من الصحيح، وهو
بعيد، والله أعلم.
٣- أشار الترمذي بقوله: ((ولا يكون شاذًّا)) إلى نفي جميع العلل عن
الحديث الحسن، فإن التفريق بين المتماثلات معيب عند العقلاء -
فضلًا عن كبار أهل العلم -
٤- ظاهر صنيع الترمذي ◌ّفُ عدم اشتراط الاتصال، لأن الانقطاع من
العلل التي تنجبر بجمع الطرق - في الجملة - .
وعلى ذلك : فتعريف الترمذي وإن خولف في بعض عباراته ؛ إلا أن
النتيجة واحدة، والعبرة بالمعاني لا بالمباني، والله أعلم.
ثالثًا : تعريف الإمام ابن الصلاح :
قال رَّهُ بعد ذكره لتعريف الخطابي والترمذي : وكل ذلك مستبهم لا
يشفي العليل، وليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن عن
الصحيح، وقد أمعنت النظر في ذلك والبحث، جامعًا بين أطراف كلامهم،
ملاحظًا مواقع استعمالهم، واتضح أن الحديث الحسن قسمان:
أحدهما : ((الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق
أهليته، غير أنه ليس مغفلًا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذب
في الحديث، أي لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث، ولا سبب آخر
مفسِّق، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عُرف بأنه رُوِىَ مثله أو نحوه من
وجه آخر أو أكثر، حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله، أو بما له
من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذًّا
ومنكرًا)) قال: ((وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل)).