Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١ _
الحديث الصحيح
العلماء هو السماع أو الاتصال، إلا أن يَرِدَ خلافه، فتراهم في كتب
التراجم يقولون : ((روى فلان عن فلان، وفلان، وفلان، وعن فلان
مرسلًا، أو لم يدركه)) فلو كان الجميع كذلك ؛ لما خص الإمام منهم رواية
الراوي عن أحدهم بالإرسال دون البقية، والله تعالى أعلم.
(تنبيه آخر) قد يُطلق الأئمة الانقطاع في الرواية بين الراوي وشيخه،
فيقولون : ((فلان عن فلان غير متصل، أو منقطع، أو ليس بسماع)) ويعنون
بذلك أنه لم يسمع منه، وإن كان قد أخذ عنه بصورة أخرى من صور
التحمل المقبولة بشروطها، فلزم التنبيه للبحث والتأمل قبل الحكم بالضعف
على الرواية، والله أعلم .
الشرط الثاني في تعريف الحديث الصحيح - حسب ترتيب
الناظم -: السلامة من الشذوذ، وهو مأخوذ من قول الناظم كلُّ ((ولم
◌ُشَذَّ)) وفيه مباحث:
المبحث الأول : تعريف الحديث الشاذ، وفيه أقوال :
القول الأول - وهو الراجح -: أن الشاذ: ((هو مخالفة المقبول لمن هو
أولى منه)) كما عَرَّفَه الحافظ ابن حجر في ((النزهة))(١).
والمخالفة : هي أي زيادة في المبنى - سواء كانت في السند، أو في
المتن - تدل على زيادة في المعنى، سواء أمكن الجمع بين الزيادة والأصل
على طريقة الفقهاء، أم لا، خلافا لمن خصها بالتنافي أو التضاد الذي لا
يمكن معهما الجمع بين المطلق والمقيد، والعام والخاص ؛ لأنه يلزم من
ذلك ألا يكون هناك شذوذ في الدنيا، ولأن هذا مخالف لصنيع الأئمة،
وعلى مدَّعي وجود الشاذ بالأوصاف السابقة الإتيان بمثال واحد تنطبق عليه
(١) (ص ٩٨).

٤٢
=
الجواهر السليمانية
الشروط المذكورة، ويجيب بجواب مقبول على ما يخالف هذه القيود من
استعمالات الأئمة للشاذ !! والله أعلم.
وقوله : ((المقبول)) يشمل رجال الحديث الصحيح، والحديث الحسن،
ويُخرج الضعيف.
وقوله: ((لمن هو أولى منه)) إما وصفًا أو عددًا.
فمثال العدد: مالو خالف ثقةٌ ثقتين فأكثر، فإن رواية الثقة تكون
شاذة ؛ لمخالفته من هو أولى منه عددًا، وتكون رواية الثقتين فأكثر هي
المحفوظة، فإن توهيم الثقة أولى من توهيم الثقتين.
ومثال المخالفة في الوصف: ما لو خالف ثقةً ثقةٌ حافظٌ، فإن رواية
الثقة تكون شاذة أيضًا؛ لمخالفته من هو أولى منه وصفًا، وتكون رواية
الثقة الحافظ هي المحفوظة، وبمثل ذلك ما إذا خالف ثقة من قيل فيه :
(صدوق)) أو ((لا بأس به))، فالحكم للثقة، هذا هو الأصل، إلا أن تظهر
قرينة أخرى ؛ فيُعمل بكل شئ في موضعه، وبحسبه، والله أعلم.
القول الثاني: أن الشاذ: ((مخالفة الثقة للثقات)) وهذا التعريف غير
جامع، وذاك في موضعين :
١ - أن قوله: ((ثقة)) أخرج الصدوق، ومن كان حديثه في مرتبة الحسن،
مع أن مخالفته لمن هو أولى منه تعد شاذة أيضًا، ولأنه قد يقال: إننا
إذا حكمنا بالشذوذ على رواية الثقة - وهو أعلى من الصدوق -
فكذلك الصدوق إذا خالف من هو أولى منه ؛ نحكم بالشذوذ على
روايته من باب أولى، والله أعلم.
٢- إن قوله: (الثقات)) يُخْرج مالو كان المخالَف - بفتح اللام - واحدًا
أو اثنين، إذ قوله: ((للثقات)) جَمْع، ويَصْدُق على الثلاثة فأكثر - على

٤٣
الحديث الصحيح
المشهور - مع أنه لو خالف الثقةُ ثقةً حافظًا، أو ثقتين ؛ لكانت
روايته شاذة أيضًا، وإن لم يصدق إطلاق ((الثقات)) - بصيغة الجمع -
على الثقة الحافظ، أو الثقتين، والله أعلم.
القول الثالث : أن الشاذ: ((مخالفة الثقة لمن هو أولى منه)) ويرد عليه
ما ورد في الموضع الأول من الاعتراض على التعريف الثاني.
وهناك تعاريف أخرى تُنظر في باب الشاذ - إن شاء الله تعالى -.
(تنبيه): قول الناظم - كَذَفُ تعالى - ((ولم يشذ)) ضبط بعدة وجوه :
أ - أنه على البناء للمجهول: ((يُشَذَّ)) بضم المثناة التحتية، وفتح
الشين المعجمة، وتشديد الذال المعجمة، وهو الأشهر.
ب - على أنه للبناء للمعلوم، بفتح المثناة التحتية، وكسر الشين
المعجمة، وتشديد الذال المعجمة («يَشِذَّ».
جـ- أنه بتسكين الذال، مع البناء للمجهول ((يُشَذْ)) مع إبدال ((أو)) في
البيت بـ ((لم)) فيكون عجز البيت هكذا : ((ولم يُشَذّ ولم يُعَل))
المبحث الثاني من مباحث اشتراط السلامة من الشذوذ :
معلوم أن الشذوذ من جملة العلل الخفية، ولا يمكن الوصول إليه إلا
بعد جمع الطرق، فلماذا أفرده مَنْ أفرده مِنَ المحدثين في تعريف الحديث
الصحيح أو الحسن بقيد مستقل، وخصوه بالذكر من جملة العلل الخفية،
مع أن الاضطراب، والقلب، والإدراج كل ذلك من العلل الخفية أيضًا،
ولا تُعرف إلا بجمع الطرق، ومع ذلك فلم يُذْكَر في الاحتراز منها على
وجه التعيين في التعريف ؟
والجواب : أنهم أرادوا بذلك أن ينصُّوا على مخالفة جمهور الفقهاء
والأصوليين الذين لا يَعُدُّون الشذوذ علة، مع تسليمهم بكون الاضطراب،

٤٤
الجواهر السليمانية
والإدراج، والقلب عللاً، فهم يقبلون حديث زيادة الثقة وإن خالف
الجماعة، إلا أنْ يتعذر الجمع بين هذا وذاك على طريقتهم، لا على طريقة
المحدثين.
ونحن وإن سلَّمنا لهم جدلًا بأنه قد يتعذر الجمع في المتن بين الزيادة
والأصل ؛ فكيف يتعذر الجمع في الإسناد، على طريقة الجمع بين العموم
والخصوص، والمطلق والمقيد، ونحو ذلك، والشذوذ ويقع في الإسناد وقع
في المتن ؟ !!
وقد أجاب الحافظ تَقَُّ في ((النكت)) (٢ / ٦٥٤) على بعض الإيرادات
على ابن الصلاح، وفي جوابه ما يشير إلى ما سبق الجواب به من اشتراط
المحدثين نفي الشذوذ في تعريفهم الصحيح، حيث قال : ((ويمكن أن
يُجاب عنه بأن اشتراط نفي الشذوذ في شرط الصحة : إنما يقوله
المحدِّثون، وهم القائلون بترجيح رواية الأحفظ إذا تعارض الوصل
والإرسال، والفقهاء وأهل الأصول لا يقولون بذلك))(١).
ويُضاف إلى ذلك : أن هذا تعريف المحدثين على أصولهم
وقواعدهم، فلا يرد عليهم كونهم خالفوا قواعد وأصول الفقهاء
والأصوليين، والله أعلم.
المبحث الثالث من مباحث اشتراط نفي الشذوذ :
فإن قيل : إن اشتراط وجود الضبط يُغني عن اشتراط انتفاء الشذوذ،
لأن الشذوذ دليل على خلل في الضبط !!
فالجواب : معلوم أن الرجل وإن كان غاية في الضبط فقد يهم
ويخالف في بعض الروايات، ولا يزحزحه ذلك عن مرتبة الضبط والإتقان
(١) وانظر كتابي ((إتحاف النبيل)) (١ / ١٠٧) السؤال (١٧).

٤٥
الحديث الصحيح
في الجملة، فاشتراط الضبط اشتراط لشرط عام، ولا يلزم من وجود
الضبط في الجملة نفي الشذوذ في هذا الحديث بعينه.
وعلى ذلك فهما شرطان : أحدهما : عام في الراوي، وهو الضبط.
والثاني : خاص بالرواية التي يُراد الحكم عليها بالصحة، وهو نفي
الشذوذ.
فيثبت بذلك أنهما شرطان أصليّان في التعريف، وهذا بخلاف من
ذهب إلى أن المراد بشرط نفي الشذوذ مجرد البيان أو التصريح
بالمنطوق(١)، والله أعلم.
فإن قيل : إن نفي الشذوذ يلزم منه وجود الضبط، فإن الراوي إذا شذَّ
اختل ضبطه !!
فالجواب : قد سبق في الجواب على الإشكال السابق ما يغني عن
إعادة هنا.
فإن قيل : الأصل في الراوي الذي حكموا عليه بأنه ضابط : أن
مخالفاته قليلة بالنسبة لموافقاته للثقات، فلماذا لا نعمل بالغالب، ونحكم
عليه بأنه قد ضبط هذا الحديث، ولا نتوقف فيه حتى ننظر : هل سلم من
الشذوذ والعلة أم لا ؟!
فالجواب : أن الأئمة وضعوا شروط الصحة صيانة للحديث النبوي من
أن يدخل فيه شيء ليس منه - مع الشك أو الاحتمال -، وهذا يقتضي
التأكد من سلامة الحديث من الشذوذ والعلة.
ثم إننا لو أطلقنا القول بصحة حديث الضابط مطلقًا، باعتبار أن
الغالب عليه الضبط، مع علمنا بوجود مخالفات في الجملة عند أهل
(١) انظر ((النكت)) للزركشي (١٠٢/١) و((التدريب)) (٦٤/١).

٤٦
الجواهر السليمانية
الضبط؛ فإن هذا القول فيه قبول الحديث مع الاحتمال.
فلو فرضنا أن الضابط يحفظ مائة حديث، وقد أخطأ في سبعة منها،
ونحن لا ندري: أهذا الحديث بعينه مما أخطأ فيه أم لا ؟ فتصحيح
الحديث لمجرد كون الراوي ضابطًا - مع ورود هذا الاحتمال - دون النظر
في كلام الأئمة في هذه الراوية ؛ تصحيح مع الشك أو الاحتمال.
وَوِزان ذلك مسألة الاتصال : فلو فرضنا أن راويًا سمع من شيخه مائة
حديث إلا سبعة لم يسمعها منه، إنما أخذها بواسطة ضعيفة عنه، ثم وقفنا
على رواية هذا الراوي عن ذلك الشيخ، ولو نذرٍ أهذا الحديث من تلكم
السبعة أم لا؟ فهل نحكم بالاتصال لمجرد كون الراوي سمع الأكثر من
شيخه؟ أم لا بد من البحث في هذه الرواية بعينها : أهي من السبع أم لا ؟
وجوابكم على هذا، هو جوابنا على ما تقدم، والله أعلم.
الشرط الثالث - حسب كلام الناظم - السلامة من العلة : وهذا
مأخوذ من قول الناظم كَُّ: ((ولم يُعَل)) وفيه مباحث :
البحث الأول: تعريف العلة (هي سبب خفي يقدح في صحة الحديث،
مع أن الظاهر السلامة منه) والمراد بذلك العلة التي لا يقف المحدث عليها
إلا بعد جمع طرق الحديث، أو الباب.
وخرج بقولهم: ((سبب خفي)» الأسبابُ الظاهرة في الجرح : مثل
ضعف الراوي، وجهالته، وانقطاع السند، ونحو ذلك، فإن هذه الأمور
وإن كان الحديث يُعَلُّ بها؛ إلا إنها ليست هي المرادة بالعلة اصطلاحًا،
وبقية الكلام : ((مع أن الظاهر السلامة منه)) تدل على أن ظاهر السند
السلامة من هذه العلة الظاهرة.
وخرج بقولهم: ((يقدح في صحة الحديث)) العلل غير القادحة
كالاختلاف الذي يمكن معه الترجيح أو الجمع.

٤٧
الحديث الصحيح
المبحث الثاني: ظهر مما سبق من تعريف العلة أنها تنقسم إلى
قسمين :
١ - علة قادحة: وهي المرادة بقول الناظم: ((ولم يُعَلْ)) أي بعلة
قادحة.
٢ - علة غير قادحة، وقد سبق ذكر بعض أمثلتها، كالاختلاف الذي
يمكن معه الجمع على طريقة المحدثين.
المبحث الثالث : ذهب بعض أهل العلم من المحدثين والفقهاء إلى أن
الأصل في الحديث الذي يتصل إسناده برواية العدل الضابط : الصحة؛ إلا
أن يظهر أنه شاذ أو معلل، والراجح: أن الحديث لا يكون صحيحًا إلا
بتوافر ما يجب توافره، وانتفاء مايجب انتفاؤه، ولو كان انتفاء الشذوذ
والعلة ليس شرطًا في الحديث الصحيح؛ لما ذُكِر هذا في تعريفه.
نعم، قد يقال فيما جمع الشروط الإيجابية الثبوتية، وهي الاتصال،
والعدالة، والضبط: ((إسناده صحيح)) أما إطلاق الصحة على مجرد ذلك،
ثم يُنْشَر ذلك الحديث في الناس، وتُستنبط منه أحكامٌ يُستحل بها الدم،
والمال، والعرض، دون النظر في سلامته من العلل؛ ففي هذا استرواح
وتوسع غير مرضي، والله أعلم (١).
لكن إذا أطلق الإمام الناقد منهم قوله في الحديث : ((إسناد صحيح))
فالأصل أنه لا يُطلق ذلك لمجرد وجود الشروط الثبوتية الثلاثة : الاتصال،
والعدالة، والضبط فقط ؛ لأن الإمام منهم يحفظ معظم السنة، ويحفظ كلام
الأئمة في الأحاديث، هذا هو الأصل في حال الإمام منهم، فإذا سئل
أحدهم عن الحديث : فإنه يجول بفكره في كل مايعلم عن هذا الحديث:
(١) انظر («فتح المغيث)) (١٧/١ - ١٨).

٤٨
الجواهر السليمانية
من طرق، وأقوال للأئمة فيه، ونحو ذلك، فلو كان يعلم أن فيه علة خفية
تقدح في صحته ؛ لما استجاز إطلاق القول بصحة السند، لأنه - والحالة
هذه - يكون مُلبِّسًا على الناس، إذ أنهم يغترون بقوله ((إسناد صحيح))
ويعملون بالحديث، والإمام يعلم أن فيه علة، ولا يُبَيِّنها لهم، وحاشا
الإمام منهم أن يسلك هذا المسلك.
ولا شك أن إمعان الإمام النظر في الحديث وما يتعلق به، من خلال
ما يحفظه ؛ فإنه أقوى في النفس من مجرد بَحثٍ باحث في الكتب، ولم
يجد للحديث علة، فإذا كنا سنعمل ببحث الباحث ؛ فمن باب أولى أن
نعمل بنقد الناقد البصير.
نعم، إذا عُلم أن الإمام منهم يعْدل عمدًا عن قوله: ((حديث صحيح))
إلى قوله : ((إسناد صحيح)) فإن ذلك يورث ريبة في نسبة تصحيح الحديث
إلى ذلك الإمام.
وكذا إذا عُلِمَ من صنيع إمام منهم أنه يُفرِّق بين العبارتين في الحكم
على الحديث ؛ فيؤخذ بما عُلِمٍ من صنيعه، وإلا فالأصل ما قدمته في حقه
وحق أمثاله، وقد أشار إلى ذلك ملخصًا ابن الصلاح، حيث قال :
(( ...... غير أن المصنّف المعتمد منهم ؛ إذا اقتصر على قوله: إنه صحيح
الإسناد، ولم يذكر علة، ولم يقدح فيه؛ فالظاهر منه : الحكم له بأنه
صحيح في نفسه، لأن عدم العلة والقادح هو الأصل والظاهر، والله
(١)
أعلم)). اهـ (١).
وقد فهم بعضهم كلام ابن الصلاح على غير وجهه؛ فانتقدوه، مع أن
كلام ابن الصلاح فيه عدة قيود، وهي :
(١) انظر ((المقدمة)) مع ((التقييد والإيضاح)) (ص ٥٨).

٤٩
الحديث الصحيح
أ- أنه لم يطلق أن الأصل عدم العلة والقادح في حق كل أحد، إنما
قيَّد ذلك بالمصنِّف المعتمَد، والمصنّف هو الذي يؤلف في
الأبواب، فيذكر حديثًا تحت باب، في مقام الاحتجاج به على
الباب، ويصرح بأن إسناده صحيح، وهو رجل معتمد في هذا
الفن، فيستبعد أن يجازف في هذا الحكم، إلا بعد أن يجول
بفكره في كل معلوماته عن هذا الحديث، كما سبق.
ب- لم يجزم ابن الصلاح بأن الإمام يصحح الحديث بهذا القول،
وإنما استظهر ذلك.
جـ - لم يجعل ابن الصلاح الحكم بالصحة عامًّا عند المحدثين ؛ بل
جعله مقصورًا على القائل: ((إسناده صحيح)) والعالم لا يلزمه أن
يقلِّد العالم الآخر، لكن العامي أو العاجز عن الاجتهاد مطلقًا،
أو في بعض الحالات ؛ له أن يأخذ بقول العدل بهذه الضوابط،
والله أعلم.
فان قيل: فإذا ثبتت عدالة الراوي وضبطه ؛ كان الأصل : أن يحفظ ما
روی، حتى يتبين خلافه(١).
فالجواب: قد سبق الرد على ذلك في الكلام على الضبط، وردُّ قول
من قال : إن اشتراط الضبط يغني عن اشتراط نفي الشذوذ، وخلاصة
ذلك: أن شرط الضبط شرط عام في حال الراوي في مجموع مروياته،
وشرط نفي الشذوذ شرط خاص برواية معينة، ولا يلزم من ثبوت الشرط
العام ومدح الراوي في الجملة ؛ تحقق الشرط الخاص، وهو نفي الشذوذ
عن هذه الرواية بعينها، ولا شك أن الشذوذ والمخالفة قد وقعت في
أحاديث الأئمة الكبار - فضلًا عمن دونهم - فإذا اكتفينا بمجرد الضبط ؛
(١) قاله السيوطي في ((التدريب)) (١ / ٦٦).

٥٠
الجواهر السليمانية
فهذا تصحيح للحديث مع الشك، وفيه ما فيه، والله أعلم.
(إشكال) ذكر بعضهم أن كتب العلل إنما تبحث في أحاديث الثقات
الذين يوجد في رواياتهم علل خفية، ومع ذلك فقد يقف الباحث فيها على
أحاديث بعض الضعفاء، بل المتروكين، وغير ذلك من العلل الظاهرة !!
والجواب عن هذا الإشكال من وجهين :
أ - أن هذا نادر، ولا يُخِلُّ بمقصود مُصَنِّفي كُتب العلل، فإن العبرة
بالأشهر الأكثر، لا بالأقل الأندر.
ب- أن من جملة هذا النادر أحاديث رواها بعض الثقات، فَظُنَّ أنها
صحيحة لذلك، فلما فُتِّش فيها؛ ظهر أنها ترجع إلى أحاديث
الضعفاء والمتروكين، فما كان من هذا القبيل؛ فهو موافق لقصد
من أَلَّفَ في العلل الخفية، والله أعلم.
(إشكال آخر) اعتُرِض على الناظم بأنه لم يجمع الشروط التي تختص
بالإسناد - وهي الاتصال، والعدالة، والضبط - على حِدَةٍ، والشروط التي
يشترك فيها الإسناد والمتن - وهي السلامة من الشذوذ والعلة - على
حِدَةٍ، إذ لو فعل ذلك لكان أولى.
والجواب: مع كون هذا الاعتراض له وجه؛ إلا أنه قد يعتذر عن
الناظم تقذفُ بأن النظم اضطره إلى ذلك، وإن كان غيره من النُّظَّام قد
تخلص من هذا الإشكال بسهولة ویُسْر.
الشرط الرابع: مما اشترطه الناظم تث في الحديث الصحيح :
العدالة: وهو مأخوذ من قوله : ((يرويه عَدْلٌ)) وهذه جملة حالية، والمعنى:
أن الإسناد يكون متصلاً سالمًا من الشذوذ والعلة حال كون راويه عدلا.

٥١
الحديث الصحيح
وتحت هذا الشرط مسائل :
المسألة الأولى: تعريف العدل.
وقد عُرِّف بعدة تعاريف؛ منها :
١- هو: من أتى بالواجبات، وتَرَكَ المحرمات.
٢- هو: من كانت له مَلَكَةٌ تحمله على ملازمة التقوى والمروءة(١).
هو: الذي لايجاهر بكبيرة، ولا يُصر على صغيرة.
٣-
٤- هو: من قارب وسدّد، وغلب خيرُهُ شرَّه(٢).
هو: من ترك الكبائر، وكانت محاسنه أكثر من مساوئه(٣).
٥۔
٦- هو: من كان الأغلب في حقه الطاعة، أو من كان أكثر أحواله
٠
طاعة لله(٤).
٧- هو: المسلم، البالغ، العاقل، السالم من أسباب الفسق، وخوارم
المروءة(٥).
وهذه الأقوال قريبة من بعضها في الجملة.
فاشتراط الإسلام في التعريف الأخير : أخرج الكافر، وهذا الشرط
إنما يُشْتَرط في الأداء لا في التحمل، أي قد يسمع الكافر شيئًا من الرسول
حال كفره، ويؤديه بعد إسلامه، ويُقْبَل هذا منه لعدالته حال الأداء، لا
حال التحمل، والله أعلم.
(١) قاله الحافظ في ((النزهة)) (ص ٨٣).
(٢) قاله الصنعاني، انظر ((ثمرات النظر في علم الأثر)) (ص ٥٨).
(٣) قاله الشافعي، انظر ((ثمرات النظر)) (ص ٧٢ - ٧٣).
(٤) قاله ابن حبان، انظر ((صحيح ابن حبان)) (١ / ٢٥٠).
(٥) قاله ابن الصلاح، انظر ((المقدمة)) و((التقييد والإيضاح)) (ص ١٣٦).

٥٢
الجواهر السليمانية
قال الحافظ الذهبي في ((الموقظة))(١): ((لا تُشترط العدالة حالة
التحمل، بل حال الأداء، فيصح سماعه كافرًا، وفاجرًا، وصبيًّا، فقد روى
يقرأ في المغرب بـ ((الطور)) فسمع ذلك حال
جبير نظره أنه سمع النبي
شِرْكه، ورواه مؤمنًا))(٢) اهـ
واشتراط البلوغ: أخرج الصغير الذي لم يَبْلُغ، وهذا أيضًا إنما يُشْترط
في حالة الأداء؛ لأن الصغير قد يتحمل قبل البلوغ، إلا أنه لا يُقْبل منه إلا
إذا بلغ؛ لأن البالغ الذي أصبح مكلفا، ويعرف الحساب والجزاء، ونحو
ذلك؛ يكون عنده خوف من أن يجازف في القول على رسول الله
بخلاف الصغير: فإنه لا يُؤْمَن عليه أن يقول على النبي ® مالم يقل؛
لأنه ليس عنده الإدراك الواسع، أو العقل الكامل، الذي يجعله يخاف
ویرتدع.
هذا أَمْرٌ، وأَمْرٌ آخر: أنه قد لايكون عنده ضبط يستطيع به أن يأتي
بالحديث على وجهه، واشتراط البلوغ حد منضبط قد عُلِّقَتْ به أمور كثيرة
في الشريعة، فاعتماده أولى، وإن كان في النفس شيئ من رد رواية من
قارب البلوغ ولم يبلغ بعد، مع توافر ضبطه، وخوفه من المجازفة في
القول على النبي ﴿ فيُنظر: هل هناك من حدَّث قبل البلوغ بالشرط
السابق، ومع ذلك لم يقبلوا منه ؟!
وأما ما يذكر بعض أهل العلم (٣) منتقدين هذا الشرط بحجة قبول
الصحابة رواية صغار الصحابة : كابن عباس، وابن الزبير، والنعمان بن
بشير؛ فليس ذلك ظاهرًا في أنهم حدَّثوا بما حدَّثوا به قبل البلوغ، أما
(١) (ص: ٦١).
(٢) الحديث متفق عليه.
(٣) انظر كلام شيخنا الألباني - تخلفهُ - في تعليقه على)) الباعث الحثيث)) (١ / ٢٨٠)
وبنحوه كلام السخاوي في ((فتح المغيث)) (٢ / ٧).

٥٣
الحديث الصحيح
التحمل في الصغر : فلا إشكال فيه، والله أعلم.
واشتراط العقل: أخرج المجنون، نسأل الله العافية، والجنون قسمان :
مُطَبَّق ومتقطع :
فالأول: هو الذي يكون ملازما للرجل في كل حال، ويُرَدُّ حديثه.
مطلقا.
أما الثاني: فهو الذي يعتري الإنسان في حال دون حال، فمثله تُقْبَل
روايته حال إفاقته، إذا توافرت فيه الشروط الأخرى، وتُرَدُّ حال جنونه.
واشتراط العقل : معتبر في حالتي التحمل والأداء، إذ غير العاقل لا
يُتَصَوَّر منه تحمل ولا أداء.
واشتراط السلامة من أسباب الفسق: أخرج من وقع في شئ منها،
وأصر على ذلك، أما مجرد الوقوع في الكبيرة فالمسلم غير معصوم من
ذلك، ولو ردذنا رواية كل من وقع في معصية - دون إصرار عليها - ما
سَلِم لنا أحد، والله المستعان.
ولا يُؤْمَن في حق من أصر على الكبيرة الكذب على رسول الله
وإذ
الإصرار دليل على التهاون، ولا يُؤمن من كان كذلك أن يجازف بلا
مبالاة، فلا يتحرى ضبط تحمل، أو يكذب على رسول الله
وأخرج هذا الشرط أيضًا المجهول الذي لم تتحقق عدالته وسلامته من
أسباب الفسق، والمراد بذلك فسق الشهوات، أما فسق الشبهات والتأويل
الذي يقع فيه أهل الأهواء والبدع ؛ ففي رواية أهله تفصيل.
واشتراط السلامة من خوارم المروءة: أخرج من انخرمت مروءته،
وفي هذا الشرط مباحث :
الأول: تعريف المروءة : قال بعضهم: هي: ((أن تَفْعل من المباحات ما

٥٤
الجواهر السليمانية
يَزِينُكَ، وتترك منها ما يَشِينُكَ)).
وقال بعضهم: هي: ((الصيانة من الأدناس، والترقّع عما يَشِينُكَ عند .
الناس)).
وقال بعضهم: هي: «ترك المذموم عُرْفًا)).
وهذه أقوال متقاربة في المعنى، وتدل على المراد، وانظرها وغيرها
في كتاب ((المروءة وخوارمها))(١).
الثاني : ضابط المروءة: ليس للمروءة ضابط شرعي معين غير ما
سبق، ولا أعمال معروفة في كل عصرٍ ومصر، بل المعتبر في ذلك العرف،
وهو يختلف باختلاف البلدان، والأزمان، والأشخاص، فَرُبَّ شئ يكون
مستنكرًا في زمن دون آخر، وفي بلدة دون أخرى، ومن شخص دون آخر
.... وهكذا.
الثالث : لماذا اشترطوا في العدل السلامة من خوارم المروءة؟
المقصود من ذلك: أن يكون الراوي صاحب صيانة وتَحَرُّزٍ من الأمور
التي عُرِفتْ عمن ليس من أهل هذا الشأن: أهل التحرز، والتوقِّي،
والسمت الحسن، لأن الراوي إذا لم يكن كذلك؛ فَيُخْشَى منه أن يكون
صاحب مجازفة، وتوسُّع غير مرضيٍّ، ويُلْقي الكلام دون مبالاة، فيقول
! مالم يَقُلِّ، أو لا يتورع إذا شك في الوجه الذي تَحَمَّل به
على النبي
الحديث ؛ فيرويه على الوجه المخالف للاحتياط والورع، بخلاف صاحب
المروءة والتحرز: فإنه إذا ترفّع عن النقائص العرفية - وإن كانت مباحة
؟ بل سيكون أكثر ترفعا
شرعًا - فلن يتجرأ على حديث رسول الله
وتحرُّزًا، والله أعلم.
(١) (ص ١٥) وما بعدها لأخينا الشيخ مشهور بن حسن - حفظه الله تعالى -.

٥٥
الحديث الصحيح
=(
الرابع : هل اشتراط السلامة من خوارم المروءة في العدل شرط نظري
وعملي، أم هو شرط نظري فقط ؟
الذي يظهر لي أن الطعن في الرواة بسبب الوقوع في شئ من خوارم
المروءة أمر قليل جدًّا، ومع كونه كذلك : فالإعلال به أقل من القليل،
فإني لا أعرف رجلًا جمع شروط العدالة: من الإسلام، والعقل، والبلوغ،
والسلامة من أسباب الفسق؛ ومع ذلك ضُعِفَ، ورُدَّتْ روايته بسبب خوارم
المروءة، نعم قد يُتَكَلِّم في الرجل بسبب خوارم المروءة؛ دون أن يفضي
هذا الكلام إلى رَدِّ حديثه عند الأئمة، كما جاء عن شعبة أنه قال : قلت
للحكم : مالك لم تَحْمِل عن زاذان - يعني زاذان الكندي-؟ قال : كان
كثير الكلام اهـ (١) ومع ذلك فقد وثقه غير واحد.
وكذا ترك شعبة حديث رجل بسبب أنه رآه يركض على
برذون(٢)، باعتبار أن هذا الفعل يخدش في مروءته، ولكن هذا الطعن لم
يؤثر في الرجل، فقد وثقه غير شعبة مع علمهم بطعن شعبة فيه، والله أعلم.
· المسألة الثانية في شرط العدالة: كيف تُعْرَف عدالة الراوي عند
المحدثين ؟
يُعْرَف ذلك عندهم بطرق، منها المقبول، ومنها المردود، وهي :
١- استفاضة الثناء على الراوي وشُيُوعه بين الأئمة والمحدثين، وهذه
الطريق أقوى في إثبات العدالة من مجرد تزكية شخص أو شخصين
يجوز عليهما الخطأ في اجتهادهما، وبهذا ثبت تعديل المشاهير من
حفاظ الحديث وأئمته.
(١) ((تهذيب التهذيب)) (٣ / ٢٦٩).
(٢) («الكفاية)) (ص ١٨٢).

٥٦
الجواهر السليمانية
وعلى هذا فلا يُقْبَل التجريح فيمن كان كذلك إلا إذا كان مفسَّرًا،
ومن المعلوم أن من استفاضت عدالته في الرواية، وحُمِد عند
الأئمة، وكان له قَدَمُ صِدْق في نصرة الدين؛ فالجرح المجمل فيه
يكون مردودًا، وكثيرًا مايكون من باب كلام الأقران في بعضهم، أو
بسبب كلام لا يصح عن المتكلّم فيه، أو له فيه تأويل صحيح، أو
نحو ذلك مما يُدَافَعُ به عن العلماء .
٢- التزكية: وذلك أن ينص إمام - أو أكثر - من أئمة الجرح والتعديل
على أن فلانًا عَدْل، أو ما يقوم مقام هذا القول من العبارات، فيُقْبَل
هذا التعديل: سواء كانت التزكية من تلميذ المزَكَّى أو من غيره،
شريطة أن يكون التلميذ أهلًا لذلك، ولم تقع منه محاباة في التعديل
لشيخه، وهذا هو الأصل؛ لكونه عدلًا، خلافًا لمن رد تزكية التلميذ
بناء على احتمال المحاباة للشيخ، وهذا قول مردود؛ إذ لو أن التلميذ
حابى شيخه، وعَدَّله - وهو يعلم عنه خلاف ذلك - لسقطت عدالة
التلميذ في هذا الموضع، والفرض أنه عَدْلٌ رضيٍّ .
٣- اختبار الأحوال، وتتبع الأفعال التي يحصل معها العلم من ناحية
غلبة الظن بالعدالة. قاله الخطيب(١).
-.
٤- ومنهم من يُطلق القول بأن الأصل في المسلم العدالة، فمن لم
يُجَرَّحِ؛ فهو عدل عنده، وهذا مذهب فيه اتساع غير مَرْضِي، إذ أن
الحكم بالإسلام والعدالة الظاهرة شيء، والحكم بالعدالة في الرواية
شيء آخر، فهذا خاص، والأول عام، ولا يلزم من ثبوت العام ثبوت
الخاص.
٥- ومنهم من يرى أن مستوري التابعين حجة، والتحقيق على خلافه.
(١) ((الكفاية)) ص (١٤١).

٥٧
الحديث الصحيح
٦- ومنهم من يرى أن الراوي إذا روى عنه جماعة؛ فإنه يكون ثقة، وفيه
نظر، إنما تُرفع عن الراوي بذلك جهالة العين، إلا إذا كان مشهورًا،
وروى عنه الأكابر، وأهل الانتقاء، وأخرج حديثه من ينتقي في
أحاديث كتابه، فإن هذا يرفعه إلى الاحتجاج مالم يُجرح، والله أعلم .
٧- ومنهم من يرى أن الراوي إذا روى عنه من ينتقي في شيوخه، ولا
يروي إلا عمن كان ثقة عنده ؛ فإنه يكون ثقة عنده بذلك، ومن ثَمَّ
يكون ثقة عند غيره؛ لقبول خبر العدل، وفي هذا المقام تفصيل يردُّ
هذا الإطلاق، وليس هذا موضعه(١).
٨- ومنهم من يرى أن الراوي إذا أخرج له صاحبا ((الصحيحين)) أو
أحدهما؛ فإنه يكون عدلًا في الرواية، وهو إطلاق غير مقبول ؛
لاحتمال أنهما ما أخرجا له إلا ما علما صحة حديثه، أو أخرجا له
في الشواهد، ونحو ذلك(٢).
٠
٩- وتعرف عدالة الراوي - أيضًا - من خلال النظر في كتابه، فإن كان
ممن يشك في حديث؛ يضرب على أحاديث بجواره، أو ممن يشك
في كلمة ؛ يضرب على الحدیث کله ؛ دل ذلك على عدالته وورعه،
لأن العادة: أن المحدِّث يحب كثرة الحديث لا قلته، وربما يضرب
الورِعُ على أحاديث يتنافس المحدثون في أخذها عنه، والرحلة إليه
بسببها، فضَرْبُهُ عليها لأدنى شك: يدل على مزيد من الدين والورع،
وقد حصل هذا ليحيى بن يحيى، ومسعر، ومالك، وغيرهم، انظر
كتابي : ((شفاء العليل))(٣).
(١) انظر: ((اتحاف النبيل)) (٢/ ٨١-٨٤) السؤال (٢٠٧).
(٢) وانظر ((الموقظة)) (ص ٧٩) وتفصيل الرد على ذلك في كتابي: ((شفاء العليل))
(٣٦٦/١ - ٣٦٧).
(٣) ص (٣٧٩ - ٣٨٠).
٠٠٠

٥٨
الجواهر السليمانية
وهذه الطريقة كانت متيسرة للأئمة الأوائل، الذين كانوا ينظرون في
كتب وأصول الرواة، بخلاف من بعدهم، والله أعلم.
١٠- وتُعرف عدالة الراوي - أيضًا - بروايته عن أبيه، أو عن شيخ قد
اشتهر الرواي بالأخذ عنه، ومع ذلك يروي عنه مرة بواسطة، ومرة
يقول : وجَدْتُ في كتاب أبي كذا، ومرة يروي عنه بلا واسطة، فما
الذي يحمله على النزول في الإسناد عن شيخه، مع إمكان العلو،
مع أنه لو علا في الإسناد، وروى عنه مباشرة ؛ لم يتعقبه أحد؛
لاشتهاره بالأخذ عنه؟ ولكن الدين هو الذي يجعله ينزل مع إمكان
العلو، والنزول غير مرغوب فيه عند المحدثين - في الجملة -.
وهذه الطريقة تُعْرَف بها العدالة - لما سبق - ويُعرف بها الضبط أيضًا،
لأن تمييز الراوي بين ما كان عنده عن شيخه بواسطة مما كان بدون
واسطة ؛ يدل على الضبط.
جاء في ((النبلاء))(١): قال الجرجاني: فسألت يحيى بن معين عن
سماع أبي بكر بن أبي شيبة من شريك؟ فقال: أبوبكر عندنا صدوق، وما
يَحْمله أن يقول : وجَدْتُ في كتاب أبي بخطه ؟
وقال : وحُدِّثتُ عن روح بن عبادة بحديث الدجال، وكنا نظنه سمعه
من أبي هشام الرفاعي. اهـ
فتأمل كيف عرف أن أبا بكر ابن أبي شيبة صدوق، وأن ذلك بسبب
نزوله مع أنه لو علا ما أنكر عليه أحد، ولكنها الأمانة العلمية، والأمانة
في البلاغ، والأمر دین.
وحُدِّثْتُ عن روح بن عبادة بحديث الدجال، وكنا نظنه سمعه من أبي
(١) (١١ / ١٢٤) ترجمة ابن أبي شيبة عبدالله بن محمد بن أبي بكر.

٥٩
الحديث الصحيح
هشام الرفاعي)). اهـ
١١- اشتهار الراوي بالعلم والعناية به، واتساع رحلته، مالم يُجرَّح، فمثل
هذا يحتج به عدالة وضبطًا ؛ إذ لو كان فيه ما ينقض ذلك ؛ لما سَلِمَ
من كلام الأئمة، فإن الهمم متوافرة للكلام في المشاهير الذين يوجد
منهم ما يقتضي الجرح(١).
١٢- ومنهم من يرى أن تعديل المبهم كافٍ، بقول أحدهم : حدثني الثقة،
أن هذا كافٍ في التعديل، وهذا غير سديد : فقد يكون ثقة
عنده، وليس كذلك عند غيره، فلا بد من تسمية من حدثه، والله
أعلم(٢).
١٤- ومنهم من يرى ثبوت العدالة بعدم إدخال البخاري للرجل في ((التاريخ
الكبير)) وكذا ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) قاله التهانوي(٣)
وزاد بعضهم كتبًا أخرى في المجروحين، وهو قول مردود، وانظر
(اتحاف النبيل)) (٤).
١٥- ومما يرفع الجهالة عن الشيخ كثرة رواية الراوي المشهور أو المصنف
عن هذا الشيخ، أو وصفه بغير الحديث : كالقضاء، والغزو،
والقراءة، وغير ذلك، أو تحديد مكان وزمان أخذ الراوي عنه، فكل
هذا يساعد في رفع الجهالة، لكن الاحتجاج بحديث من كان كذلك
(١) انظر ((فتح المغيث)) (٢٠/٢ - ٢١) و((إتحاف النبيل)) (١٧٣/١ - ١٧٥) السؤال
(٥٢) و ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (٤٩٥/١ - ٤٩٦) ط / دار ابن عفان،
و((توضيح الأفكار)) (٢ / ١٣١).
(٢) انظر («فتح المغيث)) (٢ / ٣٧).
(٣) في ((قواعد في علوم الحديث)).
(٤) (١ / ٢٨٥ - ٢٨٦) السؤال (١٣٦) و((تهذيب الكمال)) ترجمة عبدالكريم ابن
أبي مخارق (١٨ / ٦٥).

٦٠
=
الجواهر السليمانية
فيه تفصيل، والله أعلم .
وهناك مذاهب أخرى لبعض أهل العلم، والمعتمد ماسبق اعتماده مما
ذُكر، والعلم عند الله تعالی.
الشرط الخامس من شروط الصحيح - حسب ترتيب الناظم - :
الضبط: وهو مأخوذ من قوله: ((يرويه ... ضابط)) والضبط: هو الإتقان،
والتثبت، وتحت هذا الشرط مسائل :
المسألة الأولى: أقسام الضبط : الضبط قسمان :
ضبط صدر، وضبط كتاب، وقد قال يحيى بن معين : ((هما ثبتان :
ثبت حفظ، وثبْت كتاب))(١). اهـ
● أما ضبط الصدر؛ ففيه مباحث :
الأول : تعريفه: هو أن يُثْبت ما سمعه، بحيث يتمكن من استحضاره
متى شاء(٢).
وقول من قال: ((متى شاء)) أولى من قول من يقول: (( ... متى طُلِبَ
منه)) وذلك للاحتراز من الطعن فيمن عُرِف بأنه عسر في الرواية، فإذا طُلِب
منه الحديث، وأبى أن يحدث به، فلا يقال: ليس بضابط، لأنه طُلب منه
الحديث، فلم يأت به، لأن عدم إتيانه بالحديث في هذه الحالة ليس عن
قلة ضبط، أو عجز، بل لأمر آخر، وهو التعسر في التحديث، ولا يلزم من
ذلك اختلال في الضبط، هذا ما ظهر لي من فرق بين الكلمتين، والأمر في
ذلك سهل، والله أعلم.
الثاني : متى يُشْتَرط ضبط الصدر ؟
(١) انظر ((تهذيب التهذيب)) (٥ /٢٣١) ترجمة عبدالله بن صالح الجهني مولاهم
كاتب الليث.
(٢) انظر ((النزهة)) (ص ٨٣).