Indexed OCR Text
Pages 401-420
ثم بين حكمه فقال : « فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل ، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به » (230) وبالمقارنة بين الحدود الثلاثة يظهر أن الشاذ عند الشافعي يقيد بقيدين ثقة راويه ومخالفته لغيره . وعند الحاكم بتفرد الثقة وانعدام المتابع ، وحصره الخليلي فيما له اسناد واحد ، فراعى مجرد التفرد في الاسناد ، وجعله من رواية الثقة وغير الثقة ، ويعترض على ما ذهب إليه الحاكم والخليلي بالاحاديث التي انفرد بها العدول الحفاظ وأثبتها أصحاب الصحاح ، وبقول مسلم بن الحجاج : « للزهري نحو من تسعين حديثا يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشاركه فيها أحد بأسانيد جياد » (231) ، فتفرد الثقة ليس كافيا في تعريف الشاذ ، والصواب التفصيل فإذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه ، فان كان المروي مخالفا لما رواه من هو أحفظ منه لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا وان انفرد به تماما بحيث لم يروه غيره فان كان عدلا ضابطا قبل ما انفرد به ، ولم يقدح الانفراد فيه وان لم يوثق بحفظه واتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده منزلا له عن حيز الصحيح ، ثم أن لم يكن بعيدا من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسن حديثه ولم يتدل إلى درجة الضعيف ، وان قل ضبطه رد ما انفرد به (232) . والملاحظ أن تفرد الضعيف منكر وليس شاذا وان الشاذ هو انفراد ثقة بما يخالف رواية الثقات لا انفراده مطلقا ، وهو ما ذهب إليه الشافعي كما سبق ، وان قدح المحدثين في الحديث بالشذوذ والنكارة مشكل وأكثره ضعيف الا ما بين فيه سببه (233) . (230) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 69 ... (231) صحيح مسلم تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي 3 : 1268 كتاب الايمان : 5 (232) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 70 - 71 (233) الصنعاني ، توضيح الافكار 1 : 385 403 الاختلاط هو ضعف عقل الراوي أو فقدانه في آخر عمره لخرف أو مرض أو لاثر بعض · الأحداث الكبرى فيحدث بما لا يعقل ، وعلامته تلفظه بعبارات أو صدور أفعال عنه تدل على عدم تفكيره أو تصريحه بما يدل على فقدانه ذاكرته (234) وذكرت بعض كتب المصطلح (235) أسماء المختلطين الثقات ، ونقتصر على ذكر بعضهم ، فمنهم : سعيد بن أبي سعيد المقبري المدني (125) اختلط قبل موته بأربع سنين واشتد اختلاطه وطالت مدته وعطاء بن السائب الثقفي الكوفي أحد التابعين (136) وصفه ابن معين بالاختلاط الشديد بينما قال ابن حبان انه اختلط بآخره ولم يفحش . ومنهم سعيد بن اياس البصري الجريري (144) اختلط قبل موته بثلاث سنين وكان اختلاطه خفيفا . وسعيد بن أبي عروبة العدوي البصري (156) أحد الأئمة الكبار وعبد الوهاب. الثقفي البصري (194) اختلط قبل موته بثلاث أو أربع سنين وما ضره اختلاطه لانه حجب عن الناس . وسفيان بن عيينه (198) اختلط وسط سنة (197) ويلحق بالمختلطين من عمي فلقن كعبد الرزاق بن همام الصنعاني (211) ومن ضاعت كتبه وكان يحدث منها . ولم يخالف أحد من النقاد في اعتبار الاختلاط جارحا وبداية كف الراوي عن التحديث ، فسجلوا أسماء المختلطين ، وحددوا تاريخ اصابتهم بالاختلاط ومدته ، وضبطوا تلاميذهم وفرقوا بين من سمعوا منهم قبل الاختلاط فأخذوا عنهم ، ومن سمعوا بعده فردوا رواياتهم . (234) ابن حبان ، كتاب المجروحين 1: 68 الخطيب البغدادي ، الكفاية: 216 - 219 .. (235) ابن الصلاح، علوم الحديث: 352 - 357 . السخاوي ، فتح المغيث 350 -331 : 3 404 وحدث وكيع بن الجراح بما سمعه من سعيد بن أبي عروبة حال اختلاطه وثبتت عنه صحته (236) . خاتمة الفصل إن أسباب الجرح من أكثر المباحث تشعبا لاختلاف وجهات النظر فيها وقد حاولت الالمام بما يعد منها جارحا مؤثرا في رد الحديث أو التوقف فيه عند أغلب النقاد وان اختلفت مواقفهم ، وأرجأت بحث المختلف فيه منها إلى الفصل الموالي ان شاء الله تعالى للاختلاف أساسا في اعتبار بعضها جارحا . (236) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 354 405 الفصل الثاني التساهل والتشدد قبل ضبط مفهومهما وبيان ما يتعلق بهما ألاحظ أن الرواة على الاجمال صنفان راو ناقد ، حديثه حجة ، وكلامه في الرجال هو المرجع في التعديل والتجريح ، وراو فقط ، وله مراتب ذكرناها من قبل (1) . فالصنفان يشتركان في الرواية ، وينفرد الاول بالكلام في الرجال ، والتساهل أو التشدد في النقد ينبني على التساهل أو التشدد في الرواية فاذا كان الراوي ثقة معروفا بالطلب والاخذ عن الثقات عدله الناقد وقبل روايته وان لم يعرف بالطلب أو تساهل في الأخذ أو الأداء أو في غيرهما تشدد معه ، فالتساهل والتشدد يكونان من الراوي بانتقائه شيوخه أو روايته عن الضعفاء، ومن الناقد بتقييمه للراوي بالنظر إلى العدالة والضبط والمعرفة بفن الرواية، وبما أن كل ناقد راو ولا عكس فان لموقف الناقد مظهرين : النقل عن الراوي أو تركه، والكلام فيه بيد أن للراوي غير الناقد جانبا من النقد الخفي يتمثل في اختيار شيوخه دون أن يشتهر بالكلام في الرجال والذي يظهر من هذا أن التساهل ينتج عنه قبول الرواية فأغلب ما يكون في التعديل، والتشدد ينتج عنه ردها فأغلب ما يكون في التجريح ويكون أيضا في التعديل. فما المراد بهما وهل يمكن أن يوجد ناقد متساهل مطلقا أو متشدد مطلقاً ؟ (1) انظر ما سبق ص 179 406 مفهوم التساهل والتشدد : . التساهل لغة : التسامح وكل شيء الى اللين وقلة الخشونة ، وأسمحت الدابة بعد استصعاب لانت وانقادت وضده التشدد وهو نقيض اللين (2) والتساهل في عرف المحدثين كما يستنتج من بعض أقوالهم وأحوالهم لانهم لم يجعلوا له حدا هو : تجاوز الاصطلاح في قواعد وشروط تلقي الحديث وأدائه بالاستغناء عن بعضها . والتشدد : الافراط في الالتزام بتلك الشروط وعدم التغاضي عن القوادح الخفيفة ، وقد يبالغ فيه فيقع الجرح بما لا يجرح. ولئن كنا عرضنا من قبل في أغلب قضايا البحث ما فيها من مواقف مختلفة فإننا نضيف هنا عينات أخرى من التساهل والتشدد لزيادة التوضيح ، وتتعلق بطريقتي تلقي الحديث وأدائه ، وبأسباب الجرح الناتجة عن ظاهرة التشدد فاذا ما انتهينا منها نكون وضحنا هذه الظاهرة في الرواية والنقد فتحاول أن نتعرف بعد على المفهوم الصحيح لقول بعض أصحاب الحديث فلان متساهل وفلان متشدد . التساهل والتشدد في تلقي الحديث : يكون التساهل في التحمل بقبول رواية من لم تتوفر فيه كل الشروط المطلوبة في راوي الحديث الصحيح فيما يتعلق بعدالته وضبطه كالرواية عمن كان سيء الحفظ ، وقد يكون بالرواية عمن لم تختبر حاله . قال الشافعي: « كان عطاء بن أبي رباح يسأل عن الشيء فيروبه عمن قبله ويقول سمعته وما سمعه من ثبت » (3) ، وقال ابن نمير في أحد الرواة : « كان يلتقط الشيوخ من السكك» (4) وشهرة بعض الرواة لم تمنع النقاد من ملاحظة جوانب تساهلهم فنهى يحي القطان عن الكتابة عن معمر بن (2) ابن منظور لسان العرب مادة (سهل) 2: 229، ومادة شدد، 2 : 282 . (3) البيهقي ، معرفة السنن والاثار 1 : 54 (4) الرازي ابن أبي حاتم ، تقدمة المعرفة : 324 407 راشد اذ روی عمن لا يعرف لانه لا يبالي عمن روی (5) ووصف الشعبي قتادة بأنه حاطب ليل (6) . ويكون بالنقل من الكتب دون السماع ولم يشتهر بهذا رواة كثيرون ووصف به علي ابن المديني عبد الله بن وهب المصري لانه طلب منه كتاب عمرو بن الحارث ليقرأه (7) والظاهر أن ابن وهب لم يشأ أن يعتمد على الكتاب ويروي منه بل طلبه ليقرأه على علي بن المديني فيكون أخذه عنه لا من الكتاب ، ولكنه اتهمه بالتساهل لان عليا يفضل أحسن وجوه الاخذ وهو السماع أولا ثم القراءة ثانيا ، وشهرة ابن وهب بالتساهل في السماع حملت البعض على تفسيره باعتماده الاجازة (8) . ووصف ابن معين قرة بن عبد الرحمن المصري (147) بالتساهل في السماع ولم يبين نوع تساهله ولا أراه يقصد غير تحمله بالاجازة ، لانه مصري والمصريون يعتمدونها ويجوز أيضا أن يتمثل تساهله في الاخذ عن الضعفاء لوصف حديثه بالمناكير (9) وإن كان الجرح بها لا يسلم ما لم يوضح . ومن التساهل اعتماد طرق التحمل المختلف فيها كالمناولة المجردة والاعلام والوصية وغيرها ، واستعمال ألفاظ الأداء في غير الطرق الخاصة بها ، قال الخطيب البغدادي في أبي نعيم الأصبهاني : « رأيت له أشياء يتساهل فيها منها أنه يطلق في الاجازة أخبرنا ولا يبين » (10) . ويقابل هذا التساهل تشدد يكون باضافة شروط أخرى غير متعارفة عند الجميع مـ (5) الرامهرمزي ، المحدث الفاصل : 418 (6) ابن حجر ، تهذيب التهذيب 8 : 453 (7) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 238 (8) ابن حجر ، تهذيب التهذيب 6 : 72 (9) ابن حجر ، تهذيب التهذيب 8 : 373 - 374 (10) العراقي ، طرح التثريب في شرح التقريب 1 : 30 (11) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 152 408 كأن لا يأخذ الراوي الا عمن أدى من حفظه وكأن يشترط كثرة الطلب والارتحال وغيرها مما ذكرناه من قبل ، ويتشدد في التعديل فيقل في نظره الثقات ، قال شعبة : « لو لم أحدثكم الا عن ثقة لم أحدثكم عن ثلاثين» (11) ، فهذا القول دليل على تساهله في نظره لانه تنازل عن المفهوم الصحيح للثقة ووثق من لم تتوفر فيهم الشروط الكافية عنده. وهو في الواقع دليل على تشدده لانه طلب صفات يصعب تحققها فقل عنده الثقات ، وكأن يلتزم الراوي تكرار سماع الحديث كان شعبة يسمع الحديث الواحد مرات ، ورغم تشدده فإنه وجد من هو أشد منه في هذه المسألة فقد أقام عفان ابن مسلم الصفار أحد الأثبات مرارا من مجلسه لكثرة ما يكرر عليه وكان عفان اذا شك في حرف ضرب على خمسة أسطر كما قال ابن المديني (12) وكان ابن معين يكرر كتابة الحديث مرات عديدة وعلى افتراض المبالغة في ذلك فما من شك أن حرص ابن معين على التثبت في الاخذ ثابت ، وأكد عبد الرحمن بن مهدي على الحفظ فقال : يحرم على الرجل أن يروي حديثا في أمر الدين حتى يتقنه ويحفظه كالآية من القرآن وكاسم الرجل (13) ورفض بعض المتشددين طرق التحمل التي أجازها المتساهلون وقد استوفينا بحثها سابقا . التساهل والتشدد في الأداء : تحدثنا من قبل عن أحكام الأداء بتفصيل في الفصل الخاص بها فلتراجع هناك ونضيف هنا ملاحظات قليلة هي أن التساهل في الأخذ تساهل في الأداء فمن تكلم النقاد في تحمله تكلموا قطعا في أدائه وقد يصح الاخذ ويحدث ما يؤثر في الأداء كاختلال الحفظ أو فقدان الكتب مع الاستمرار في التحديث فالترابط بين الاخذ والاداء وثيق جدا فمن سمع من المستملي مثلا وحدث عن المملي بلا واسطة فقد تساهل فيهما وان كان حديثه صحيحا ، والأصل في التحديث أن يكون من حفظ جيد أو من كتاب صحيح مقابل ، أومنهما معا وهو الافضل فاذا ساء الحفظ أو لم (12) ابن حجر ، هدي الساري : 425 : (13) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 258 409 يكن الكتاب مقابلا، أو حرف ، وحدث سيء الحفظ أو صاحب الكتاب من كتابه الذي لم يقابل أو لم يصن عن التحريف عد متساهلا في الأداء لاعتماده على أصل غير موثوق به اذا كان حفظا سيئا ، وأصل غير صحيح اذا كان كتابا غير مقابل وقد تكون الكتب صحيحة ويحدث ما يكون سببا في التساهل كان يعمى الراوي أو تفقد كتبه فاذا عمي ولم يكن حافظا فمن المحتمل أن يستعين في القراءة بمن لا يوثق به ، كف بصر يزيد بن هارون الواسطي أحد الثقات الاثبات المشاهير فكان إذا سئل عن الحديث لا يعرفه أمر جاريته أن تحفظه له من كتابه وكان ذلك يعاب عليه ، قال ابن حجر (14) : « كان المتقدمون يتحرزون عن الشيء اليسير من التساهل لان هذا يلزم منه اعتماده على جاريته وليس عندها من الاتقان ما يميز بعض الاجزاء من بعض ثم قال : « ولا يلزم من هذا الضعف ولا التليين وقد احتج به الجماعة ». واذا فقدت الكتب بالحرق وغيره فالتساهل يكون في صورتين : الأولى أن يحدث الراوي من حفظه وهو غير حافظ ، والثانية أن يقبل التلقين وهو أن يؤتى الراوي بالكتاب يقال له هذا من حديثك فحدثنا به فيحدثهم فهو في الآن نفسه يتساهل في التلقي وفي التحديث بتحديثه بما لم يسمعه . قال الخطيب البغدادي: « كان عبد الله بن لهيعة سيء الحفظ واحترقت كتبه فكان يتساهل في الأخذ وأي كتاب جاءوا به حدث منه فمن هنا كثرت المناكير في حديثه » (15) وتتبع هشام بن حسان (148) أحاديث له عند جماعة فوجدها لغيره فأعلمه فأجابه ماذا أصنع يجيئون بكتاب ويقولون هذا من حديثك فأحدثهم به (16) . التساهل والتشدد في مجالس القراءة : من مظاهر التساهل في التحمل والأداء السماح بحدوث ما يؤثر في يقظة الشيخ أو الطالب عند القراءة ، ومن مظاهر التشدد فيها اعتبار غير المؤثر مؤثرا أو طرح (14) هدي الساري : 453 (15 و16) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 238 410 أحاديث كثيرة للشك في حديث واحد ومما بحث في هذه المسألة سهو السامع أو المسمع أو اشتغال أحدهما بغير ما يقرأ أو خفوت صوت المحدث والسماع من المستملى . اشتغال السامع أو المسمع عند القراءة : الاشتغال بالنسخ : اذا اشتغل السامع أو الشيخ وقت القراءة بالنسخ فربما يختل السماع فالشيخ قد يغفل عما قرئ والسامع قد لا ينتبه لما يقرأ واحتياطا من كل هذا نفى صحة السماع في مثل هذه الحالة بعض المحدثين كإبراهيم الحربي وابن عدي وغيرهما لاحتمال أن يكون السامع الناسخ يتعذر عليه استعادة واستحضار ما سمعه فهو جليس وليس بسامع . · ومنع أحمد بن اسحاق الصبغي (17) من تحمل بهذه الكيفية من الأداء بصيغتي التحديث أو الاخبار ، وأجاز له أن يقول حضرت كمن أدى ما تحمله في حالة الصغر قبل التمييز (18) . ومن الذين نسخوا عند القراءة عبد الله بن المبارك كتب في حال تحديثه شيئا اخر غير ما يقرأ عليه ، وأبو حاتم الرازي نسخ في بعض تحمله ولم ينصا على التعبير في الأداء بالحضور فاقتضى صنيعهما الجواز وهو ما رآه الحافظ موسى بن هارون الجمال (19) والرأي المعتدل ما ذكره ابن الصلاح قال : « وخير من هذا الاطلاق التفصيل فنقول لا يصح السماع اذا كان النسخ بحيث يمتنع معه فهم الناسخ لما يقرأ حتى يكون الواصل الى سمعه كأنه صوت غفل ، ويصح اذا كان بحيث لا يمتنع معه (17) من الفقهاء المحدثين الشافعيين. 872/258 . ت 953/342. ابن العماد ، شذرات الذهب 2 : 360 (18) الانصاري ، فتح الباقي 2 : 46 (19) سمع أباه وعلي بن الجعد وأحمد بن حنبل وعنه الصبغي ، والطبراني وخلق 820/214 . ت 906/294 . الذهبي ، تذكرة الحفاظ 2 669 411 الفهم ، واستشهد لمن نسح وهو فاهم بالدارقطني في مجلس اسماعيل بن محمد . الصفار (341) حيث كان ينسخ جزءا معه ، واسماعيل يلي فقال له بعض الحاضرين لا يصح سماعك وأنت تنسخ ، فقال فهمي خلاف فهمك ثم قال للمنكر عليه تحفظ كم أملى الشيخ من حديث الى الآن ؟ فقال: لا ، فقال الدارقطني : « أملى ثمانية عشر حديثا » فعدت الأحاديث فوجدت كما قال : «ثم سردها كلها على ظهر قلب بأسانيدها ومتونها فتعجب الناس منه)﴾ (20) . ورأى ابن الصلاح في غاية الاعتدال ، وازداد المتأخرون تساهلا فكان منهم من اشتغل بالفتوى حين القراءة (21) ومن قرأ القرآن وهو يكتب ، ومن أذن لقارئين بالقراءة في وقت واحد (22) وكلها صور لا داعي لها فلا تقبل ، وتعتبر حالات خاصة بأصحابها المتقدمين والمتأخرين على السواء ، وفي حالة التحمل أو الاداء ولم يرض يحي بن معين بأقل منها فمنع الرواية عمن لا ينظر في الكتاب حين القراءة عليه ، وصرح بأنه يمنعها ، وعامة الشيوخ يجيزونها ، ووصف ابن الصلاح صنيعه بأنه من مذاهب التشديد في الرواية (23) . الكلام حين القراة أو إسراع الصوت بها أو تخفيضه : ما قيل من التفصيل في النسخ حين القراءة يجري مثله في صورة ما اذا صدر من السامع أو المسمع كلام أو أسرع القارىء في القراءة أو خفض صوته حتى خفي بعض الكلام ، أو بعد السامع عن القارىء فلم يعد يسمع بوضوح أو كأن يكون في سمعه بعض ثقل أو حدث نعاس خفيف ، وبالتالي عرض ما يفوت وضوح ما يسمع وللمتقدمين موقفان متقابلان في هذا . سئل أحمد بن حنبل من ابنه صالح عن اللفظ اليسير يدغمه الشيخ فلا يفهم عنه مع معرفته بأنه كذا وكذا أيرويه عنه ؟ فأجاب أرجو أن لا تضيق روايته عنه يعني أنه سمح بذلك (24) . (20) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 129 (21) الانصاري ، فتح الباقي 2 : 48 (22) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 44 (23) علوم الحديث : 169 (24 و25) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 131 = 412 وحدث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار فلم ينطق بكلمة « حدثنا » كاملة واقتصر على قوله « نا » عمرو بن دينار يريد حدثنا لانه لم يسمع منه الحروف الثلاثة الأولى من حدثنا وقيل له قل حدثنا فامتنع ، وقال: « لكثرة الزحام لم أسمع من قوله « حدثنا » ثلاثة حروف هي (ح، د، ث)﴾(25) حكى هذا عنه خلف بن سالم واتبعه مقتصرا على ما نطق به من حروف (26) وهذا المثال صورة ناطقة لدقة الرواة في الأداء . النوم أثناء القراءة : من دقة نقاد الحديث تعرفهم على كل صفات الراوي وملاحظتهم درجة انتباهه عند السماع وممن لوحظ نومه عند القراءة عبد الله بن وهب فقد شاهده عثمان بن أبي شيبة (239) ينام نوما غير خفيف وصاحبه يقرأ له على ابن عيينة فتعجب عثمان وترك الكتابة عنه هو وأخوه أبو بكر رغم اتصاله المستمر به ورغم تفوق سماع ابن وهب من ابن عينية على بقية سماعاته (27) ويقابل هذا الموقف المتسامح عند ابن وهب، المعتدل عند ابن أبي شيبة تشدد مفرط عند علي بن الحسين بن شقيق المروزي (215) فقد طرح التحديث بكتاب كله سمعه لاشتباه حديث عليه فيه بسبب نهيق حمار عند سماعه فلم يدر أي حديث هو (28) . ويماثله ما عرفناه عند مالك وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهما من وجوب احترام مجالس الحديث فقد كانوا يرفضون أن يحدث فيها مالا يؤثر في نص الحديث فما بالك بحدوث ما يتسبب في تغييره كالنوم . الاستملاء ان الحديث عن خفوت صوت المحدث وعدم وضوحه للسامعین يستدرجنا للكلام (26) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 49 (27) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 237 - 238 (28) ابن حجر ، تهذيب التهذيب 7 : 299 413 على الاستملاء فقد تسبب تكاثر الطلاب عند مشاهير المحدثين في عدم تمكن بعضهم من السماع فاضطروا لاتخاذ المستملي فوجدت قضية هي هل يجوز لمن يسمع منه وحده دون المحدث أن يروي ما سمعه منه عن المحدث مباشرة أولا ومن خلال عرض مواقف المحدثين في المستملين يمكن الاجابة عن هذا السؤال . فمن الذين اتخذوا مستمليا التابعي ابراهيم النخعي حكى عنه الاعمش ذلك فذكر أنه لاتساع حلقته كان البعيد من طلابه يسأل من سمع من رفقائه ما لم يسمعه ويحدث به عن ابراهيم بلا واسطة ، ويظهر أن النخعي لم يتخذ مستمليا معينا بل سمح لمن لم يسمع من الطلاب أن يأخذ عمن سمع (29) ، كما هو واضح من الحكاية عنه . وكذلك كان الامر عند حماد بن زيد فقد سمح لمن استفهمه أن يأخذ عمن يليه قال أحد الحاضرين في مجلسه : « يا أبا اسماعيل كيف قلت » ؟ فقال: « استفهم من يليك » . وعين سفيان بن عيينة مستمليا ، وكان يتخذ مكانا وسطا بينه وبين من بعد عنه ليتمكن من السماع والاستماع وليشعره بكثرة الناس ان كان فيهم من لا يسمع ؟ قال له يوما : « إن الناس كثير لا يسمعون، قال: « أتسمع أنت»؟ قال: « نعم» قال : « فأسمعهم » (30) وأبى جمع من المتلقين للحديث أن يرووا عن المحدث ما استفهموه من الحاضرين في المجلس ومنهم الحافظ الفضل بن دكين (31) فكان يروي ما شرد عنه من الالفاظ حال سماعه من الاعمش والثوري عمن أفهمه اياها ممن في المجلبس ولا يرويها عن الشيخ مباشرة . (29) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 130 (30) نفس المرجع ، 131، والانصاري فتح الباقي 2 : 55 (31) هو الفضل بن دكين واسمه عمرو بن حماد بن زهير التيمي (أبو نعيم) الكوفي عن الأعمش. وزكرياء بن أبي زائدة وعنه البخاري وأحمد وإسحاق بن راهوية من الحفاظ المتقنين . ت 834/219 . الخزرجى ، الخلاصة 308 414 ٠٤ وتحمل خلف بن تميم (206) وقيل (213) عن الثوري عشرة الاف حديث أو نحوها كان ابان سماعها يستفهم جليسه، ثم سأل زائدة. (32) عنها فقال له: ((لا تحدث منها إلّا بما تحفظ بقلبك، وتسمع بأذنك فألقاها)). وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي أحد الحفاظ المكثرين (242) « ما كتبت قط من في المستملي ولا التفت اليه ولا أدري أي شيء يقول ، انما كنت أكتب : ما أكتب من في المحدث » (33) . ووصف ابن الصلاح عمل الجماعة الأولى بالتساهل البعيد ورد على الذين استندوا الى قول عبد الرحمن بن مهدي « يكفيك من الحديث شمه » بأن مراده ليس التساهل بالسماع وإنما عني به أن المحدث اذا سئل عن طرف حديث عرفه ، واكتفى به عن ذكر باقيه (34) وإلى رأيه ذهب أبو زكرياء الانصاري أحد تلاميذ ابن حجر في التعليق على هذا القول ، فقال : « قد كان السلف يكتبون أطراف الحديث ليذاكروا الشيوخ فيحدثونهم بها وما عنوا به (35) تساهلا لا في التحمل ولا في الاداء » (36)، وصوب النووي قول المانعين من رواية ما سمع من المستملي عن المملي . واعتبر العراقي المستملي كالقارئ على الشيخ لكن بشرط أن يسمع الشيخ لفظه، قال: « والاحوط أن يبين - أعني الراوي - حال الأداء أن سماعه لذلك أو لبعض الالفاظ كان من المستملي ، كما فعله البخاري وابن خزيمة وغيرهما من الأئمة ممن كان يقول « ... وثبتني فيه بعض أصحابنا أو وأفهمني فلان بعضه » (37) .. (32) هو زائدة بن قدامه الثقفي الكوفي أحد الحفاظ المتقنين ت 160 أو 777/161 ابن حجر ، تهذيب التهذيب 3 : 306 . (33) الانصاري ، فتح الباقي 2 : 56 والسخاوي ، فتح المغيث 2 : 50 (34) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 132 (35) أي قول عبد الرحمن بن مهدي السابق : « يكفيك من الحديث شمه » (36) فتح الباقي 2 : 77 (37) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 50 415 فالجميع كما رأينا لم يعارضوا اتخاذ المستملي اذ لو قالوا بذلك لجرموا جمعا من الحاضرين من التلقي ، وإنما اختلفوا فيما بلغه من الحديث هل يسنده الراوي الى المحدث مباشرة أو اليه بواسطة من بلغ املاءه والذين ذهبوا الى النقل بواسطة هم أهل الاعتدال المتحرون الذين راعوا ظروف السماع وبلغوا بكل دقة بيد أن الذين أباحوا حذف الواسطة ورواية ما سمع من المستملي عن المملي مباشرة لهم ما يبرر موقفهم عند تعيين المستملي اذ يبعد أن يعيد ما يخالف ما تلفظ به المحدث ولا يعارض منه وممن سمع لفظه من الحاضرين فاذا كان الاستفهام من الحاضرين دون تخصيص فأولى أن يسند المستفهم ما يرويه الى المبلغ . سماع من حدث من وراء ستار : ان كثرة عدد الحاضرين في مجالس الاملاء والاخذ عن بعض النسوة المحدثات دفعت المحدثين الى اثارة قضية السماع ممن لا يرى فقالوا فيها يصح السماع اذا احتجب المحدثَ بجدار أو ستار ، وعرفه الطالب بصوته فيما اذا حدث بلفظه أو علم حضوره بخبر عدل ضابط إذا قرئ عليه ، وكمالا يشترط رؤيته لا يشترط تمييزه له من بين الحاضرين ، ولا يمكن للشاهد أن يشهد من وراء حجاب لان باب الرواية أوسع من الشهادة ، والدليل من الشرع على صحة هذا السماع اعتمادا على الصوت : الأحاديث المنقولة عن أمهات المؤمنين عائشة وغيرها فقد أخذت عنهم دون رؤيتهن ، ووقع الاحتجاج بها في الصحيح . وعن شعبة : « لا ترو عمن يحدثك ولم تر وجهه» (38) وهذا القول يقابل الرأي السابق ولكنه خاص بالمحدث الرجل . (38) الانصاري ، فتح الباقي 2 : 77 416 ١ الجرح بسبب التساهل في الأخذ والأداء ان أسباب الجرح كثيرة وأهمها ما يقدح في عدالة الراوي وضبطه وقد بينتها في الفصل السابق . والتساهل نفسه جرح سواء كان في الأخد أو في الأداء لكنه متفاوت فان كان بالأخذ عن الضعفاء أوجب التوقف في خبر الراوي وان كان بالأخذ عن المتروكين أوجب رد خبره وإن كان باعتماد طرق التحمل المتفق عليها كالاجازة وغيرها أو بأشياء أخرى تلابس الاخذ فقد يجرح وقد لا يجرح . قال أحمد بن حنبل في الليث ابن سعد (175) « ثقة ولكن في أخذه سهولة »، وكان الليث ممن يعتمد على المناولة قال عن نفسه « لم أسمع من عبيد الله بن أبي جعفر وانما هي مناولة » (39). وقال فيه ابن معين « كان يساهل في السماع وفي الشيوخ » ، ونقل عنه توثيقه (40) وقال أحمد أيضا في عبد الله بن وهب وقد ذكرناه قريبا « رأيت ابن وهب وكان يبلغني تسهيله - يعني في السماع - فلم أكتب عنه شيئا وحديثه حديث مقارب الحق » (41) . وهو نفسه تركه ابن المديني لكونه ردىء الأخذ (42). وأما ما يلابس الاخذ مما يحدث في مجلس التحديث فان اقتصار المؤلفين في علوم الحديث على استعراض الحالات السابقة يدل على قلتها وبالنظر فيمن وقعت منهم نستنتج أنها حالات استثنائية ، أما اعتبارها جارحة أو غير جارحة فقد تقدم أن بعضها كالاشتغال أثناء السماع بغيره وقع من بعض النقاد أنفسهم وعقبت على ذلك بأنه أمر عارض لا يعمم . (39) ابن حجر ، تهذيب التهذيب 8 : 462 (40) ابن حجر ، تهذيب التهذيب 8 : 465 (41) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 237 (42) نفس المرجع : 238 417 ولولا دقة عمل النقاد ما دونت تلك الحالات ولو كثرت لوقع الجرح بها . وأما التحديث من الكتاب غير المقابل أو المحرف أو الذي لم يسمع فجرح بلا خلاف ، وقد أدرج الحاكم بين المجروحين من سمعوا كتبا ولم ينسخوا عند السماع وتهاونوا فلما طعنوا في السن وسئلوا الحديث حدثوا بتلك الكتب من كتب مشتراة ليس لهم فيها سماع ولا بلاغ وهم يتوهمون أنهم في رواياتهم صادقون (43) . وأما قبول التلقين فجرح لمن تعمده وتعوده ولو ادعى أنه حمل عليه لان أقل ما فيه تحديث الراوي بما لم يسمعه وقد يصل الامر فيه الى تحريف النصوص فيكون تزويرا وكذبا صريحا ، سمع الاعمش شيخا بالكوفة يحدث عن على بن أبي طالب كرم الله وجهه : « اذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس واحد ترد اليه » والناس يحملون عنه فقدم اليه الأعمش في بيته فسأله عن سماعه من على فأكدّه ثم أخرج له كتابه فاذا فيه « بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما سمعت من علي بن أبي طالب يقول : « إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس واحد فقد بانت عنه ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره » فحذره الأعمش قائلا هذا غير الذي تقول؟ قال الشيخ : « الصحيح هو هذا لكن هؤلاء أرادوني على ذلك » (44) ومثله من يلقن نصوصا كاملة فيقبلها ويحدث بها. فلا هي من الحديث ولا هو سمعها قال الواقدي : « خرجت في فتية الى العقيق أتنزه فرأينا قلة على جدار ، فقال بعضنا لبعض « نتحاذفها ، وللناضل سبق « قال فتحاذفناها ، قال : فقلت لهم هذا الكلام يشبه الحديث ، فمروا بنا حتى ندخل على ابراهيم بن أبي يحي ، قال فدخلنا عليه قال : فقلت له أحدثك صدقة بن يسار عن ابن عمر أن فتية خرجوا الى العقيق ، فرأوا قلة على جدار فتحاذفوها وللناضل سبق ؟ قال فقال : حدثني صدقة بن يسار عن ابن عمر (45) فهذا الصنف من الملقنين لا فرق بينه وبين من يضع بنفسه فكلاهما كاذب، وكل من قبل التلقين بهذا الشكل في (43) الحاكم ، المدخل : 30 (44) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 235 - 236 (45) نفس المرجع : 236 - 237 418 الاسناد أو في المتن وحدث به ولو مرة يكون قد كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتسقط الثقة به ، قال حماد بن زيد : « ان سرك أن تكذب أخاك فلقنه » (46) وكلمة التلقين وحدها موحية بشدة الجرح فقد فاضل يحي بن سعيد بين راويين فقدم أحدهما على الثاني فسأله علي بن المديني : « ما رأيت من المفضول ؟ قال لو شئت أن ألقنه لفعلت؟ قال علي : « كان يلقن ، قال يحي : نعم» (47). والترجيح في المفاضلة بناء على توقع قبول التلقين دليل على خطره بيد أن منه ما يثير التوقف في قبول الرواية دون الجرح وهو ما يحدث بسبب العمى ولا يكون كذبا ، قال الحميدي « من لقن فتلقن التلقين يرد حديثه الذي لقن فيه ، وأخذ عنه ما أتقن حفظه اذا علم ذلك التلقين حادثا في حفظه لا يعرف به قديما وأما من عرف به قدیما في جميع حديثه فلا يقبل حديثه ولا يؤمن أن يكون ما حفظه ممن لقن» (48) . أسباب الجرح الناشئة عن حالات خاصة من التشدد التساهل في التعديل يؤدي الى قبول رواية غير الثقات وحتى لا يقع ذلك حصر أئمة النقد حالات التساهل وقيموا تأثيرها في الراوي فعرف منها الجارح وما ليس بجارح الا عند بعض من تشددوا وكما ذكرت في أول الفصل فإن تساهل الرواة ينتج عنه تساهل أو تشدد النقاد فمن سكت عمن تساهل وروى عنه فهو متساهل ان كان تساهل الراوي جارحا ومن عدل ضغيفا فهو متساهل في خصوصه ، وهذه حالات نادرة فقل أن ينفرد ناقد بتوثيق من اشتهر ضعفه لهذا يكاد لا يخلو كتاب من كتب التراجم أو مصطلح الحديث من ذكر انفراد الشافعي بتوثيق ابراهيم بن أبي يحي ، نعم روى قلة من أئمة النقد عن بعض الضعفاء ولكن الرواية عنهم لا تقتضي تعديلهم الا اذا صرحوا بأنهم لا يروون الا عن ثقة أما عند عدم الالتزام فلا، لأنهم قد (46) نفس المرجع : 235 (47) الترمذي ، العلل بآخر الجامع 13 : 315 (48) الرازي ابن أبي حاتم ، كتاب الجرح والتعديل ق 1 ج 1 : 34 419 ينقلون عنهم لاغراض يقصدونها ، ومن تكلم في غيره لا يخلو الحال إما أن يعتدل أو يفرط فحصل من جانب النقاد اعتدال وإفراط لكن الافراط ليس مطلقا بالنسبة للاشخاص فلم يتخذ منهجا لازما ولم يعم بين الكثيرين منهم بل نسب الى أفراد وخص بمسائل محدودة ، وحرصا من النقاد على سلامة منهجهم من الشطط وتجاوز الحد المعقول في الجرح مما قد يؤدي الى ترك الأخذ عن الثقات فتضيع جملة من الأحاديث احصوا حالات الافراط هذه واعتبروا قسما من الجرح محل توقف لما لابس القائلين به من دوافع ظرفية مؤقتة أو مذهبية او راجعة الى ورع الناقد ونظرته الخاصة الى بعض القضايا أو بسبب ميله الى التشدد كحرصه على نقاوة الحديث فيجرح بما لا يعتبره غيره جارحا وقد نبه ابن حجر الي وجوب التوقف في هذه الضروب من الطعن والى رد بعضها (49). وبين أن الاسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة منها ما يقدح ومنها مالا يقدح (50) . وبالنظر في تراجم من نقد من الثقات كرجال الشيخين وغيرهم يتبين أن الأسباب الرئيسية للجرح هي القادحة في عدالة الراوي أو ضبطه أو المخلة بطريقتي الأخد والأداء كما بيناه وما عداها من القوادح إما مردودة أو متوقف فيها أو قادحة في بعض أحاديث الراوي لا في جميعها وأغلب ما ينشأ هذا عن التدليس والارسال ورواية بعض الأحاديث المعلة فما سنذكره من الأسباب هنا لم يعتد بها الا من تشدد لأنها اما صادرة عن متشدد في مسألة ما لعوامل خاصة ، واما عمن حفت به مؤثرات جعلته يتكلم في الثقة بما لا يجرح ويمكن حصر هذه الاسباب فيما يلي : 1 - المعاصرة والتحامل. 2 - الاختلاف في المذهب . 3 - الاختلاف في مسائل العقيدة . 4 - النظرة الى الحكم والعلاقة بالسلطان . ----- (49) هدي الساري : 460 (50) نفس المرجع : 384 420 5 - أخذ العوض عن التحديث . 6 - الارسال . 7 - التدليس . 8 - التشدد في مفهوم العدالة . الثلاثة الأولى والأخير تعتبر من العوامل الدافعة للجرح وليست من الأسباب ، وهذا ما يجعلها غير جارحة ان كان الدافع اليها ما في نفس المجرح لا ما ارتكبه المجروح .ولكي تتضح جميعا نحللها واحدا واحدا . الجرح بسبب المنافسة والتحامل تكلم قلة من أئمة الحديث في بعضهم بسبب معاصرتهم ، ونتيجة لحالات نفسية اعترتهم ، ولم يكن ذلك بكثرة بل كان بينهم تعاون وثيق وتحابب متين ، وقد أثبتنا في الفصل الخاص بهم شهاداتهم لبعضهم بالتفوق في الحفظ أو معرفة الرجال أو فيهما معا أو في الحفظ ومعرفة العلل : فالكلام الذي صدر من بعضهم في بعض جرح مردود لحدوثه بسبب أزمات نفسية عارضة ، وقد جمعه ابن عبد البر (51) وعلق عليه فكان مرجع الباحثين من بعده . ومنه ما وقع بين ابراهيم النخعي وعامر الشعبي (52) وبين عبد الله بن ذكوان وربيعة الرأي شيخ مالك ، قال ربيعة في عبد الله « انه ليس بثقة » قال ابن حجر : « لم يلتفت الناس الى قول ربيعة للعداوة التي كانت بينهما بل وثقوه » قال النووي : « هو أمير المؤمنين في الحديث واحتج به الجماعة » (53) . وبين مالك بن أنس (51) جامع بيان العلم وفضله 2 : 150 - 163 (52) نفس المرجع 2 : 154 (53) هدي الساري : 413 421 ومحمد بن اسحاق فقد زعم ابن اسحاق أن مالكا من الموالي وكان مالك ينكر ذلك ، قال ابن عبد البر: « وهو أعلم بنفسه » ولما ألف مالك الموطأ قال ابن اسحاق: « هاتوا علم مالك فأنا بيطاره » فسمع مالك فقال فيه : « ذلك دجال من ألد الدجاجلة)). وتوقع ابن عبد البر أن يكون لتكذيب مالك لابن اسحاق أسبابا أخرى وشهد بصدق ابن اسحاق وحفظه وذكر من أثنى عليه ووثقه كالزهري وشعبة والثوري وابن عينية (54) ونقل ابن سيد الناس عن ابن حبان أن هذا التكذيب صدر عن مالك مرة واحدة وانهما تصالحا (55) . وتكلم محمد بن أبي ذئب في مالك بسبب رفضه العمل بحديث « البيعين بالخيار ... » فقال : « هذا خبر موطأ في المدينة يستتاب مالك فان تاب والا ضربت عنقه » (56) والحديث عند مالك في الموطإِ (57). ولم يعمل به لتعارضه مع عمل أهل المدينة وهو عنده اجماع أقوى من خبر الواحد ، وهذا نقد فقهي وتكرر مثله من فقهاء آخرين . وقال يحي بن معين في الشافعي : « انه ليس بثقة » وهو قول لم يرتضه منه أي أحد ولم يذكر ناقلوه له أسبابا بيد أن في موقف أحمد بن حنبل من المسألة ما يعطي تفسيراً ، ولكنه غير مقنع بالنسبة لامام كابن معين فقد رماه بالجهل بالشافعي ، وبالفقه واستشهد بالقولة المتعارفة « من جهل شيئا عاداه » وأورد ابن عبد البر شواهد على جهل يحي بالفقه وأكد صحة ما نقل عنه من كلامه في الشافعي . حتى نهاه أحمد بن حنبل وقال له لم تر عيناك قط مثل الشافعي (58) . وتكلم ابن منده وأبو نعيم الأصبهاني كل منهما في الآخر وأسرفا في الذم ، واعتبر (54) جامع بيان العلم وفضله 2 : 156 (55) عيون الأثر 1: 16 - 17 (ط 2 دار الجبل بيروت 1974) (56) أحمد بن حنبل العلل ومعرفة الرجال 1 : 193 (57) الموطأ تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي 2 : 671 . كتاب البيوع : 38 (58) جامع البيان العلم وفضله 2 : 160 422