Indexed OCR Text

Pages 321-340

في المحفوظ أكثر من الشك في المكتوب ، والمهم هو أن لا يروي الراوي حديثا شك فيه
لئلا يشمله الوعيد الذي وجه لمن كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم» اذا لم
يكن ما أداه صحيحا ، وأثبتنا من قبل مواقف الصحابة الذين تهيبوا الرواية . ومما نقل
عن غيرهم ما جاء عن أحمد بن حنبل وهو قوله : « الحديث شديد يحتاج الى ضبط
وذهن لا سيما اذا حدث » وعنه عن علي بن المديني : « من لم يهب الحديث وقع
فيه» .. وعن خلف بن سالم : «سماع الحديث هين والخروج منه صعب » .
أما عبد الرحمان بن مهدي فحرم على الرجل أن يروي حديثا في أمر الدين ما لم
يتقنه ويحفظه كالآية من القرآن وكاسم الرجل (86) .
ويرى ابن معين أنه على المحدث اذا شك في حديثه أن يتركه (87) وعن الشافعي
أن مالکا کان اذا شك في شيء من الحدیث ترکه کله (88) ولا فرق بین أن یکون ما
شك فيه من حفظه أو في كتابه . فالمتعين طرحه .
الرواية من الكتاب
رأينا أن المذهب المعتدل هو القائل بالرواية من الكتاب اذا ثبت السماع ، وقوبل
الكتاب ، وممن ألزم المحدث بالكتابة مروان بن محمد (89) ففي رأيه أنه لا بد له من
الصدق والحفظ وصحة الكتب فإذا أخطأه الحفظ رجع الى كتابه ، لا يضره ذلك
(86) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 258
(87) نفس المرجع : 345
(88) نفس المرجع : 346
(89) مروان بن محمد الاسدي الصاطري الدمشقي ، روى عن سعيد بن عبد العزيز والليث وعنه
بقية بن الوليد ، أثنى عليه أحمد ، ووثقه أبو حاتم الرازي 764/147. ت 825/210 . ابن حجر
تهذيب التهذيب 10 : 95 - 96
323

وهو بهذا لا يستعين بالحفظ فقد اشترطه ولكنه يرى الكتابة مكملة له ، فاذا نسي
الراوي ما حفظه رجع الى كتابه .
وقيد أبو بكر الحميدي الرواية من الكتاب بصيانة المحدث لكتابه من الزيادة
والنقصان ، والوقوف عما خولف فيه من المتن ، أو الاسناد دون تغيير ، ورفضه
التلقين ، فمن كانت هذه حاله واقتصر على كتابه قبل حديثه ، ولو لم يشتهر
بالحفظ: ومعرفة الحديث ، وهو وان اعتبره في درجة أقل من الحافظ لكتابه فانه
قبله (90) واعتبر ابن معين الصدق ازارا للمحدث والكتاب رداء له (91) .
وكان الامام أحمد بن حنبل لا يحدث الا من كتاب ، قال ابنه عبد الله : « ما
رأيت أبي حدث من حفظه من غير كتاب الا بأقل من مائة حديث » (92) وليس
ذلك لضعف حافظته فهو من مشاهير الحفاظ ولكن لحذره ، وحرصه على سلامة
الحديث قال ابن المديني: ((ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل إنه
لا يحدث الا من كتابه ولنا فيه أسوة » (93) ومما عرف عنه اعتباره أن كل من لا
يكتب لا يؤمن عليه الغلط لان الحفظ كما يقال خوان إن لم تدعمه الكتابة، والذین
امتنعوا عن الرواية من الكتاب كان غرضهم الابقاء على ظاهرة الحفظ ودعوة الناس
الى عدم الاتكال على الكتابة حتى لا يكون من بين المحدثين من لا يحفظ فيخشى
عليه الخطأ ولو مع الكتابة .
وهذا ما يعنيه الأوزاعي رغم أنه من أوائل المصنفين بقوله : « كان هذا العلم كريما.
تتلقاه الرجال ، فلما دخل في الكتب دخل فيه غير أهله » (94) وكان جماعة من
المحدثين يكتبون فاذا حفظوا محوا ماكتبوا . قال مالك : « لم يكن القوم يكتبون وانما
كانوا يخفظون ، فمن كتب منهم الشيء فانما كان ليحفظه فاذا حفظه محاه » (95)
(90) الخطيب البغدادي الكفاية : 341
(91) نفس المرجع : 342
(92) و(93) الأصبهاني ، حلية الأولياء 9 : 165
(94) و(95) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 145
324

ولما كان المقصود هو تبليغ الحديث سالما من التحريف . استحبت الكتابة وربما
وجبت لمن خشي النسيان . ويرى الذهبي انها تعينت في المائة الثالثة (96) وعندها تم
تدوين الاحاديث أو كاد فحصلت بدهيا .
ولما كانت كتابة الحديث نفسها في بداية الامر محل خلاف فإنه يمكن تلخيص
مسألة جوازها وامتناعها في النقاط الآتية :
كانت في المائة الأولى مسألة شخصية عند الصحابة والتابعين ، منهم من كتب
لنفسه ، ومنهم من لم يكتب وكل من الكاتب والممتنع مستندا الى ما ورد من أحاديث
آمرة بها أو ناهية عنها ، ويكاد يقع الاجماع على أن سبب النهي خوف اختلاط
الحديث بالقرآن ثم من بعد تدوين القرآن كان المانع الخوف من اختلاطه بالرأي زمن
التابعين . ثم وقع الامر بالتدوين الرسمي في نهاية المائة الاولى ، وحدث بعدها عامل
احتياطي وهو خوف المحدثين من الاتكال عليها وإهمال الحفظ مما قد يجعل الخطأ
يتسرب الى الحديث فكان من المحدثين الاوائل من صنفوا كمالك والاوزاعي مع أنهم
تهيبوا الرواية من الكتاب للغاية المذكورة . فحذرهم لم يمنعهم من ممارستها ، ولكنهم
دعّموها بالحفظ .
نكتفي بهذه الملاحظة في الكتابة لأن مسألة تدوين الحديث بحثت كثيرا في أكثر
من مؤلف فلا فائدة في اعادتها فلا نذكر منها الا ما ارتبط بموضوعنا ونلاحظ أنه لو تم
تدوين الحديث مبكرا كتدوين القرآن لندر التجريح والتعديل لانه عندئذ لا يشمل الا
من بدلوا ما كتب .
مقابلة الكتاب :
ولتتمة ما قيل في الرواية من الكتاب نقول إنه لا بد من تصحيح الكتاب المعتمد
في الرواية ، بمقابلته بأصل السماع ، بعد كتابته بكيفية تنفي عنه اللبس ، ويعتبر
(96) نفس المرجع 2 : 144
325

ملغى اذا اختل أحد هذين الشرطين ، ولا سيما المقابلة لانها الطريق للتأكد من لفظ
الحديث وإصلاح ما اعتراه من خطإ أو تحريف أثناء الكتابة . قال عروة بن الزبير لابنه
هشام : « كتبت»؟ قال: « نعم» قال: «عرضت كتابك»؟ قال: « لا»
قال: « لم تكتب » (97). وأفضل المقابلة أن يعارض الطالب بنفسه كتابه بكتاب
الشيخ معه في حال تحديثه اياه من كتابه لما يجمع ذلك من الاحتياط من الجانبين ،
ويستحب أن ينظر معه في نسخته من حضر من السامعين ممن ليس عنده نسخة
وتشدد ابن معين فمنع من لم ينظر في الكتاب حال تحديث الشيخ من الرواية عنه .
ويمكن أن تتم المقابلة بأصل الراوي ، في غير مجلس الاملاء ، كما تكون بفرع قوبل
مقابلة دقيقة بأصل الشيخ لان الغرض مطابقة كتاب الطالب لأصل سماعه وكتاب
شيخه (98) .
فروع وأحكام الرواية من الكتاب
من وجد في كتابه مالا يحفظ :
من وجد في كتابه المتقن المصون عنده ، خلاف حفظه فكيف يكون موقفه ؟ من
المحدثين من يمنعه من التحديث بما وجده وهم الذين لا يجيزون الرواية من غير الحفظ ،
ومنهم من يسمحون له به ، وهم القائلون بصحتها من الكتاب ، وسئل ابن معين عن
الرجل يجد الحديث بخطه لا يحفظه ؟ فقال : « كان أبو حنيفة يقول لا يحدث الا بما
يعرف ويحفظ وأما نحن فنقول إنه يحدث بكل شيء يجده في كتابه بخطه عرفه أو
لم يعرفه)) قال الخطيب: ((قوله أو لم يعرفه يعني به أو لم يحفظه بعينه، لأنه إذا صح عنده
سماع ما تضمن كتابه في الجملة جاز له التحديث منه فلا يحتاج إلى أن يعتبر.
(97) المحدث الفاصل : 544
(98) ابن الصلاح، علوم الحديث: 168 - 171، الخطيب البغدادي ، الكفاية : 350 -
3.53
326

سماعه لكل حديث بانفراده على التفصيل والتعيين » (99) وفصل آخرون فقالوا : أن
كان مصدر حفظه كتابه اعتمده ، وان كان حفظه من فم المحدث أو القراءة عليه
اعتمد حفظه دون ما في كتابه اذا لم يكن شاكا ، وعليه أن ينبه على ذلك عند الأداء
بالجمع بين الأمرين فيقول : « حفظي کذا ، وفي کتابي کذا » روى شعبة حديثا
فقال : « في حفظي كذا وفي كتابي كذا » (100) . واذا خالفه غيره من الحفاظ
فليقل « حفظي كذا » وقال فيه فلان : « كذا» كما فعل سفيان الثوري (101) .
من وجد سماعه في كتابه ولم يتذكره :
اذا وجد الراوي سماعه في كتابه ولم يتذكره ولم ينفه لا تصح له روايته ، ونقل عن
عبد الرحمن بن مهدي ، وشعبة ما يدعم هذا الرأي ، فعن ابن مهدي أنه قال :
« وجدت في كتبي بخطي عن شعبة ما لم أعرفه فطرحته » (102). وعن شعبة
قال : « وجدت بخطي في كتاب عندي عن منصور عن مجاهد وذكر الحديث ،
وقال « ما أدري كيف كتبته ؟ ولا أذكر كيف سمعته ولم يصرح بطرحه ولكنه المفهوم
عنه وهو مقتضى ما ذهب اليه أبو حنيفة وبعض الشافعية وذهب البعض الى جواز
رواية ما وجده الراوي في كتابه ولم يتذكره بشرط أن يكون السماع بخطه أو خط من
يثق به ، والكتاب مصون يغلب على الظن سلامته من التغيير وتسكن إليه
نفسه (103) .
من وجد سماعه في كتاب غيره :
اذا وجد الراوي سماعه في كتاب غيره ، وكان الكتاب مقابلا صحيحا ، وعرف
الخط فله أن يحدث به ، سئل أحمد بن حنبل عن الرجل يكون له السماع مع الرجل
(99) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 342
(100) نفس المرجع : 328
(101) الطيبي ، الخلاصة : 115 - 116
(102) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 204
(103) السيوطي ، تدريب الراوي : 2 : 97 - 98
327

« أله أن يأخذه بعد سنين » ؟ قال : « لا بأس إن عرف الخط » وأضاف ابو
الطيب الطبري قيدا آخر هو أن يعرف الشيخ (104).
التحديث من الكتاب بعد إعارته :
على صاحب الكتاب أن يحتفظ بکتابه الذي سمع فیه فان خرج من يده وعاد اليه
فهل يحدث منه ؟ هناك موقفان : الأول المنع ، وهو مقتضى صنيع ابن مهدي حيث
جلس مع من رام استعارة كتابه حتى نسخ منه ، وقال : « خصلتان لا يستقيم فيهما
حسن الظن الحكم والحديث » ، وصنيع ابن المبارك الذي روى الحديث نازلا عن
الذي أخذ منه الكتاب من رفقائه عن الشيخ فقال: « سمعت أنا وغندر حديثا من
شعبة فباتت الرقعة عند غندر فحدثت به عن غندر عن شعبة » وهو شبيه بمن كان
يروي عن تلميذه عن نفسه ما نسي أنه حدث التلميذ به في آخرين (105) .
الثاني ، والاصح الجواز غاب الكتاب كثيرا أو قليلا بشرط غلبة الظن في سلامته
من الزيادة والنقصان والتبديل ، ولا سيما ان كان المحدث ممن لا يخفى عليه ما يحصل
في الكتاب من ذلك ، وممن ذهب الى هذا يحي بن سعيد القطان ,الخطيب (106).
رواية الضرير من الكتاب :
أجازها البعض في صورة ما اذا لم يحفظ ما سمع من فم المحدث وكتب له ثقة ،
وصان كتابه عن التغيير ، واستعان حين الأداء بثقة في القراءة منه علیه بحیث یغلب
على الظن سلامة الكتاب من حين التحمل الى الأداء ، وامتنع آخرون كابن معين
وأحمد بن حنبل من السماح له بالرواية خوفا من أن يُدخل عليه في كتابه ما ليس من
سماعه (107) . وما قيل في روايته يقال في رواية البصير الأمي ، وكلا الرأيين وجيه
(104) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 349 - 350
(105) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 206
(106) الكفاية : 348
(107) العراقي، التبصرة والتذكرة 2 : 164
328

فالأول حرص على سماع الحديث بشروط رآها كافية والثاني دفعته شدة التحري الى
عدم اعتماد هذه الرواية .
رواية الحديث بالمعنى
راوي الحديث لا يخلو حاله من أمرين : إما أن يكون عالما بمدلول الألفاظ في اللغة
ومقاصدها ، وما يغير معناها ، ومقدار الفرق بينها، وما يرادفها ، ومالا يرادفها فاذا
أبدل اللفظ الذي بلغه بلفظ آخر طابقه ، وإما أن لا يكون كذلك .
فاذا كان من الصنف الثاني وجب عليه باتفاق أداء الحديث بلفظه الذي سمعه من
الشيخ دون تقديم ولا تأخير ولا نقص لحرف فأكثر ولا إبداله بغيره ، ولا ابدال حركة
بأخرى لان تغييره يمكن أن يتسبب في خلل في المعنى لجهله بمدلول الألفاظ
وخصائص التراكيب .
ومن كان من الصنف الأول اختلف فيه المحدثون والفقهاء والأصوليون فمنعه
بعضهم من الرواية بالمعني ، وجوزها له آخرون دون تفريق بين الحديث المرفوع
والموقوف ، وكان الراوي من الصحابة أو التابعين أو ممن بعدهم ، حفظ اللفظ الاصلي
أم لا ، غمض معنى الحديث أو ظهر ، حيث لم يحتمل اللفظ غير ذاك المعنى وغلب
على ظنه ارادة الشارع بهذا اللفظ ما هو موضوع له دون التجوز فيه
والاستعارة (108) .
وبالوقوف على آراء المجيزين للرواية بالمعنى يتبين أن لهم فيها شروطا أخرى بعضها
توضيح للشرط الرئيسي الأول وبعضها مضاف اليه ، منها : تساوي اللفط الثاني للاول
في الوضوح حتى لا يتغير المعني ، ومعرفة الراوي بمواقع الخطاب ودقائق الالفاظ
والتفريق بين المحتمل وغيره ، وبين الظاهر والاظهر ، والعام والاعم ، ومنهم من شرط أن
لا يكون الحديث مما يتعبد بلفظه، كالتكبير والتشهد (109) وأن لا يكون من قبيل
(108) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 190 - 191، الطيبى، الخلاصة : 117
(109) الغزالي ، المستصفى 1 : 169
329

المتشابه كأحاديث الصفات ، ورأى البعض أن لا يكون من جوامع الكلم .
وجواز الرواية بالمعنى هو الذي عليه العمل وتشهد به أحوال الصحابة والسلف
الاولين ، فكثيرا ، ما كانوا ينقلون معنى واحدا في أمر واحد بألفاظ مختلفة لان معولهم
على المعنى دون اللفظ (110) .
أدلة القائلین بالجواز
اعتمد المجيزون للرواية بالمعني حججا منها : أن في ضبط الألفاظ والاقتصار عليها
حرجا يؤدي الى تعطيل الانتفاع بكثير من الأحاديث . قال الحسن البصري : « لولا
المعنى ما حدثنا » وعنه « إذا أصبت معنى الحديث أجزأك » وقال الثوري : « لو
أردنا أن نحدثكم بالحديث كما سمعناه ما حدثناكم بحرف واحد » وقال : « انما نحدثكم
بالمعاني » (111) وقال وكيع : « إن لم يكن المعني واسعا فقد هلك الناس ».
وقاس جماعة كالزهري والشافعي ، ويخي بن سعيد القطان رواية الحديث بالمعنى
على اختلاف القراءات في القرآن فأباحوها لأن القرآن أعظم من الحديث ورخص في
قراءته على سبعة أحرف واشترطوا أن لا يغير الراوي معنى الحديث فلا يحل الحرام ،
ولا يحرم الحلال (112) واحتج حماد بن سلمة (113) بورود قصص الأنبياء
في القرآن. باللسان العربي وقد جرت بألسنة مختلفة (114)، ومن
الحجج اتفاق الأمة على جواز شرح الشريعة للعجم بلسانهم لمن حذقه فاذا جاز.
الابدال بلغة أخرى فجوازه بالعربية أولى (115) . ومنها حديث: «نصر الله أمراً
(110) البلقيني ، محاسن الاصطلاح : مخ 50
(111) الرامهرمزي ، المحدث الفاصل : 533
(112) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 216
(113) حماد بن سلمة بن دينار البصري النحوي المحدث ت 783/167 سمع من ثابت البناني ،
وسماك بن حرب ، وقتادة ، وعنه ابن المبارك وابن مهدي والقعنبي . كان من أوائل المصنفين شهد له
بالثقة والعبادة . الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 : 202 - 203
(114) و(115) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 217
330

سمع منا شيئا فبلغه كما سمع فرب مبلغ أوعى من سامع » (116) فقد نقل بألفاظ
مختلفة والمعنى واحد ويفهم من نصه أن مالا يختلف فيه الناس من الألفاظ المترادفة لا
مانع منه (117) ولا خلاف أنه لا يجوز لمن ينقل عن الكتاب المدون أن يغير لفظه
اذ الترخيص خاص بما لم يدون والراوي إن ملك حق تغيير اللفظ فليس يملك -حق
تغيير تصنيف غيره (118) .
المانعون :
ومنع البعض من الرواية بالمعني وتشددوا فيها ولم يجيزوا تقديم كلمة على كلمة ولا
حرف على آخر ولا ابداله به ، ولا زيادة ، ولا حذف ، ولا تخفيف ثقيل ولا تثقيل
خفيف ، ولا تغيير حركة ، ولو لم يتغير المعنى في ذلك كله بل اقتصر بعضهم على
اللفظ . ولو خالف اللغة الفصيحة وكذا لو كان لحنا . وسمح البعض بابدال اللفظ
فقط بما يساويه في المعنى كالجلوس بالقعود (119) ودوافع المانعين الخوف من اضافة
لفظ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقله فيدخل المحدث في الوعيد المخصص
لمن كذب في الحديث ولأنه صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم فمن الصعب على
غيره الاتيان بمثل لفظه الى جانب ورود نصوص أوجب الشرع المحافظة على لفظها
كالشهادة والتكبير ، والتشهد وقد حرص صلى الله عليه وسلم على أداء الحديث
بلفظه فورد عنه الحديث السابق (120) . وعن عمر بن الخطاب « من سمع حديثا
فحدث به كما سمع فقد سلم» (121). وكان عبد الله بن عمر اذا سمع الحديث لم
(116) الحديث بهذا اللفظ في جامع الترمذي باب العلم : 7 : عارضه الأحوذي بشرح ابن العربي
10 : 125 وورد بصيغ مختلفة في سنن أبي داود وابن ماجة والدارمي ويسنك المعجم المفهرس لالفاظ
الحديث 6 : 472
(117) الغزالي ، المستصفى 1 : 167
(118) البلقيني ، محاسن الاصطلاح: مخ 50 ظ
(119) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 300
(120) انظر التعليق 116
(121) الرامهرمزي ، المحدث الفاصل : 538
331

يزد فيه ولم ينقص منه ، ولم يجاوزه ولم يقصر عنه (122). ومنع من تقديم عبارة صوم
رمضان على عبارة حج البيت في نص حديث (123) وكان القاسم بن محمد (124)
ومحمد بن سيرين ورجاء بن حيوه ، يعيدون الحديث على حروفه (125) وعن الأعمش
قال : «كان هذا العلم عند أقوام كان أحدهم لأن يخر من السماء أحب إليه من أن
يزيد فيه واوا، أو ألفا ، أو دالا). (126) ونقل عن الامام مالك أنه كان يتحفظ من
الباء والتاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (127) ومن الذين اتبعوا
هذا المذهب أحمد بن حنبل ومسلم بن الحجاج فميز في صحيحه اختلاف الرواة
حتی في حرف من المتن ، وكذا صنع أبو داود وأحمد بن حنبل ، ومن أمثلته عنده :
عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم : « ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة.
فيذكرها وان طال عهدها - قال عباد: قدم عهدها - فيحدث لذلك استرجاعا الا
جدد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب بها» (128) .
وخص جماعة المنع والجواز بأنواع من الحديث دون بعض ، وبرواة دون آخرين ،
وبمواضيع دون مواضيع ، نقل عن مالك كراهة الرواية بالمعنى في حديث الرسول.
المرفوع اليه دون الموقوف على الصحابة (129) وخص جماعة الجواز بالصحابة: دون .
من بعدهم لفصاحتهم ومعرفتهم بالحديث ، وتسرب الخلل في اللسان بعد عصرهم ،
(122) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 265
(123) انظر ما سبق ص 35
(124) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق عن أبيه وعمته عائشة ، وعنه الشعبي ونافع ، والزهري
مات بعد المائة بقليل ، كان عالما ثقة ورعا كثير الحديث . ابن حجر، تهذيب التهذيب 8: 333:
335 -
(125) الرامهرمزي ، المحدث الفاصل : 535
(126) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 274
(127) نفس المرجع : 275
(128) احمد بن حنبل ، المسند 1 : 201 (دار صادر).
(129) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 288 ، عياض ، الالماع: 178 - 180 ..
332

ورخص فيه البعض للتابعين ومنعه جماعة على من يحفظ اللفظ لأنه لا علة له وأباحه
لغير الحافظ لانه تحمل باللفظ والمعنى فلما عجز عن أداء اللفظ لزمه تبليغ المعنى
حتى لا يكتم الأحكام وخص البعض المنع بالرواية ، وأجازه في الافتاء والمناظرة
فقط (130) .
والمتتبع للاحاديث الصحاح يجد قسما منها مرويا بالمعنى ، وبالتأمل في شروط
الرواية بالمعنى يتبين دقتها ، فمنها ما يتعلق بالراوي فيمنعه منها إن لم يكن أهلا لها
ومنها ما يعود الى الحديث فيمنع روايته بالمعنى إن كان مما يتعبد بلفظه وهذه الدقة
تبطل الشبه التي أثيرت بسببها للقدح في صحة الحديث (131) .
والرواية بالمعنى رخصة أوجبتها الضرورة أحيانا حرصا على تبليغ الحديث ولزيادة
التدقيق أوجب النقاد على الراوي بها التنبيه عليها بقوله في آخر الحديث « أو كما قال
أو نحو هذا» (132) وقد فعل ذلك بعض الصحابة رضي الله عنهم وما هذه الاضافة
. الا إخبار من الراوي بأنه لم يبلغ النص على حروفه وتلك نهاية في الأمانة .
فروع الرواية بالمعنى
اختصار الحديث الواحد :
اختلف في جواز اختصار الحديث الواحد بمعنى الاقتصار في الرواية على بعضه،
فمنعه البعض سواء تقدمت للراوي روايته تاما أم لا ، وكان عارفا بما يحصل به الخلل أم
لا ، واستند أصحاب هذا الرأي الى ما احتج به المانعون للرواية بالمعنى ، وأجاز
جماعة التنقيص من الحديث دون الزيادة فيه ، قال مجاهد : « انقص من الحديث ما
شئت ولا تزد فيه » .
(130) الجزائري طاهر ، توجيه النظر : 306 وما بعدها وفي الكتاب تفصيل كثير .
(131) أبو رية ، أضواء على السنة المحمدية : 97 وما بعدها (دار المعارف مصر)
(132) العراقي، التبصرة والتذكرة 1 : 270
333

وعن ابن معين : « إذا خفت أن تخطو في الحديث فانقص منه ، ولا تزد » .
وعن عبد الله بن المبارك ، «علمنا سفيان اختصار الحديث» (133) . والرأي
المعتدل التفصيل فيجوز الاختصار للعالم العارف سواء نقله أولا تاما ثم ناقصا أو
العكس اذا كان ما تركه من الحديث غير متعلق بما ذكره تعلقا یغیر معناه وليس فيما
حذف معرفة حكم أو شرط أو أمر لا يتم المراد بالخبر الا بروايته على وجهه ، وكان
المعنى واضحا بحيث يكون ما ذكر وما ترك كالخبرين المنفصلين ، قال عياض : « هذا
ان ارتفعت منزلة الراوي عن التهمة فأما من رواه تاما ثم خاف إن رواه ثانيا ناقصا أن يتهم
بزيادة أولا أو نسيان لغفلة أو قلة ضبط فلا يجوز له النقصان » (134) . وإلى هذا
ذهب مسلم في مقدمة صحيحه فقال : « ... أو يفصل ذلك المعنى من جملة
الحديث على اختصاره اذا أمكن ولكن تفصيله ربما عسر من جملته فاعادته بهيئته اذا
ضاق ذلك أسلم » (135) .
تقطيع الحديث الواحد على الأبواب :
ما تقدم يتعلق بالاقتصار على بعض الحديث الواحد في الرواية ويشبهه تقطيع المتن .
الواحد المشتمل على عدة أحكام إلا أن اعتبار كل قطعة منه كالحديث المنفصل جعل
تفريقه على الأبواب جائزا (136) فتورد كل قطعة منه في الباب الخاص بها وعلى ذلك
صنيع البخاري في جامعه (137) ومن بعده أبو داود والنسائي ، وكرهه من المتأخرين
ابن الصلاح ورد عليه النووي قائلا ما أظن غيره يوافقه » (138).
(133) الرامهرمزي ، المحدث الفاصل : 543
(134) الابي ، اكمال اكمال المعلم 1 : 9
(135) صحيح مسلم ، تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي 1 : 5 ، المقدمة
(136) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 294
(137) ابن حجر ، هدي الساري : 15
(138) السخاوي، فتح المغيث 2 : 225 - 226
334

اللحن في الحديث :
وقع اللحن بقلة في الحديث لوجود رواة من أصل غير عربي لم يتعلموا صناعة
النحو فلحنوا دون علمهم فنقلوا غير الفصيح من الحديث ، والرسول أفصح العرب
(139) ولتجنت اللحن اتخذ المحدثون موقفين :
1 - الوقاية منه .
2 - اصلاحه
الوقاية منه :
احتاط المحدثون من أن يقرأ على الشيخ طالب لحان في ألفاظ الحديث ، أو
مصحف فيها أو في أسماء الرواة لئلا يصل إلى الأسماع تحريف فيكون الناقل كاذبا عليه
صلى الله عليه وسلم. قال الأصمعي: « إن أخوف ما أخاف على طالب العلم اذا لم
يعرف النحو أن يدخل في جملة قوله صلى الله عليه وسلم : « من كذب علي فليتبوأ
: مقعده من النار » لأنه لم يكن يلحن ، فمهما رويت عنه ولحنت فيه ففذ كذبت
عليه » (140). وقال حماد بن زيد : « إن لحنت في حديثي فقد كذبت علي فإني
لا ألحن» (141) وأوجبوا على الراوي تعلم النحو وضبطوا أسماء من لحن من الرواة
كاسماعيل بن أبي خالد (142)، وعوف بن أبي جميلة (143) وأبي داود
(139) الجزائري طاهر ، توجيه النظر : 313
(140) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 184
(141) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 228
(142) اسماعيل بن أبي خالد الاحمسي مولاهم ت 763/146 . سمع من بعض الصحابة وبعض
كبار التابعين كالشعبي وابن شهاب، وعنه شعبة وابن المبارك وهشيم وصف بالثقة والحافظ والميدان
وبكونه أصح الناس حديثا ، وبالامي ورمي باللحن،ابن حجر ، تهذيب التهذيب 1 : 291 -
. . 292
(143) هو عوف بن أبي جميلة العبدي البصري المعروف بالاعرابي 678/59 ت 763/146 وقيل
147. روى عن كبار التابعين وعنه الثوري وشعبة ورمى بالتشيع والقدر ، ولم ينقل ابن حجر ما قيل
في لجنة تهذيب التهذيب 8 : 166 - 167
335

الطيالسي (144) وهشيم (145)، ووكيع. واتخذوا منهم موقفين: موقف المتساهلين
: كالنسائي القائل لا يعاب اللحن على المحدثين (146) وأحمد بن حنبل الذي ترخص
في اللحن ان لم يغير المعنى (147)، وموقف المتشددين الذين ذموا كثيرا من طلب
الحديث دون أن يعرف العربية وبمن نقل عنهم الذم شعبة وحماد بن سلمه وأكدوا على
الأخذ من أفواه الشيوخ الضابطين وتجنب الرواية من الكتب وقاية من التصحيف .
اصلاح اللحن والخطأ :
اذا كان في أصل الشيخ أو ما يقوم مقامه لحن في الاعراب أو خطأ من تحريف
وتصحیف فهل يروى كذلك أو يصلح ؟ في ذلك مذاهب : الاول روايته كما سمع دون
تصويب وهو مذهب القائلين برواية الحديث على اللفظ حتى مع اللحن (148) .
الثاني : اصلاحه وقراءة الحديث على الصواب من أول وهلة ، قال الشعبي : « لا بأس
أن يقوم اللحن في الحديث»، وقال الاوزاعي: « اعربوا الحديث فان القوم كانوا
عربا » وعنه أيضا: « لا بأس باصلاح اللحن. في الحديث» (149). وقال
الأعمش : « ان كان ابن سيرين يلحن فان النبي صلى الله عليه وسلم لا يلحز
(144) سليمان بن داود بن الجارود ابو داود الطيالسي 751/133. ت 819/204 وقيل 203 .
أحد الحفاظ الكبار لم يشتهر باللحن بل وصف بالخطإ الخفيف وأكثر من رفع بعض الاحاديث ويبدو
أن الخطأ في متن الاحاديث يعود الى كثرة حفظه ، سمع من شعبة والثوري ، وعنه علي بن المديني
وأحمد بن حنبل واسحاق الكوسج . ومن تصانيفه المسند كحاله ، معجم المؤلفين 4 : 262 . ابن
حجر ، تهذيب التهذيب 4 : 182
(145) هشيم بن بشير السلمي الواسطي 722/104 . ت 799/183 نزيل بغداد وأصله من
بخاري سمع من الأعمش ويحي بن سعيد الانصاري ، وعنه مالك وشعبة والثوري . كان حافظ ثقة
ورمي بالتدليس . الذهبي ميزان الاعتدال 4 : 306 . الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد 14 : 85
(146) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 286
(147) نفس المرجع : 286 - 287
(148) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 195
(149) الرامهرمزي ، المحدث الفاصل : 524
336

فقوموا » (150) وممن نقل عنه هذا عبد الله بن المبارك وعلي بن المديني واسحاق بن
راهوية ، وجمع من الأئمة ، قال ابن المديني : « كان وكيع يلحن ولو حدثت عنه
بألفاظه لكان عجبا » (151) ومن حجج أصحاب هذا الرأي قوله صلى الله عليه
وسلم « فرب حامل فقه الى من هو أفقه منه » لما فيه من الاشارة الى عدم تقليد
الراوي في كل ما يجىء به واستدل بعضهم بنفس الحديث بقوله صلى الله عليه
وسلم : « فبلغه كما سمع» (152) ليكون المراد كما سمع من صحة المعنى واستقامته من
غير زيادة ولا نقصان . فمن اللحن ما يحيل المعنى لان من الرواة من لا يحسنون
الاعراب وربما حرفوا الكلام عن وجهه ، وليس من اللازم على من أخذ عنهم أن يحكي
ألفاظهم إن عرف وجه الصواب اذا كان الحديث معروفا ولفظ العرب به معلوما
فاشيا (153) . وهذا مذهب الاكثرين من المجوزين الرواية بالمعنى حرصا منهم على
الوفاء بمقصود الحديث . ومال البعض إلى البحث في طبيعة اللحن فان كان فاحشا
غيره وإن كان سهلا تركه ، ومن نقل عنه ذلك أحمد بن حنيمل (154) ولوسع اللغة
ينبغي التروي والبحث الشديد في الحكم على الرواية بالخطإ حتى لا يتوهم الضواب
خطأ فيغير
وعن هذا الحذر نشأ ما يمكن أن يعتبر مذهبا ثالثا في كيفية الاصلاح وهو الابقاء
على الخطإ في الكتاب مع تضبيب اللفظ المختل وذكر الصواب بجانبه في هامش
الكتاب (155) .
وهو من أعدل المذاهب لابقائه ما سمع مما قد يكون صوابا في بعض لغات
(150) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 295
(151) نفس المرجع : 299
(152) انظر ما سبق ص : 322
(153) الرامهرمزي ، المحدث الفاصل : 527
(154) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 286 - 287
(155) و(156) السيوطي، تدريب الراوي 2 : 108
337

العرب واثباته الصحيح ان كان الأول خطأ فينتفي معه كل احتمال للخطإ . وأفضل
الاصلاح ما كان مصدره نصا ثانيا لمتن الحديث ورد من طريق آخر ، وعند الأداء يقرأ
الراوي الصواب أولا ثم ينبه على ما في الرواية من الخطإ فيقول مثلا وقع عند شيخنا أو
في روايتنا أو من طريق فلان كذا ، وله أن بة أ ا في الاصل أولا ثم يذكر
الصواب (156) .
هذا اذا كان الخطأ ناشئا عن اللحن والتصحيف ، فان نشأ عن سقط خفيف
كلفظ (ابن) في النسب، وكحرف لا يغير اسقاطه المعنى فإنّه يؤتى به من غير تنبيه
عليه ، أجاز ذلك عدد من الأئمة ، وسئل عنه أحمد بن حنبل فأجاب : « أرجو أن
يكون هذا لا بأس به » وكان اذا مر بسقط في كتابه أصلحه (157) ، وإن كان
الاصلاح بالزيادة يشتمل على معنى مغاير لما وقع في الأصل تأكد ذكر ما في الأصل
مقرونا بالتنبيه على ما سقط ليسلم من الخطإ ومن أن يقول على شيخه ما لم
يقل (158) .
...
الحاق الاسم المتيقن سقوطه في الاسناد :
اذا كان في الأصل حديث محفوظ معروف وقد أسقط الراوي أحد أفراد اسناده ،
وعلم أن من فوقه أثبته جاز أن يلحق في موضعه مع كلمة « يعني » مثاله : عن عروة
ابن الزبير عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت : « كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يدني الى رأسه فأرجله » ، أسقط الراوي « عائشة » ولا بد من ذکرها لثبوتها
في رواية أخرى فيقال عن عروة - يعني - عن عائشة أنها قالت ... (159) .
تصحيح ما درس في الكتاب من بعض المتن أو الاسناد
· اذا انطمست كلمة أو أكثر من متن الحديث أو اسناده لتقطيع الكتاب ، أو بلله
(157) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 270
(158) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 198
(159) الطيبي ، الخلاصة : 120
338

فيجوز استدراك ما محي من كتاب آخر ، اذا أثبتت ثقة صاحبه ، واشترط الخطيب
اتحاد الطريق في المروي ، وفعل هذا نعيم بن حماد (160) وهو بمثابة استثبات الراوي ما
شك فيه من كتاب غيره أو حفظه ، عن يزيد بن هارون قال: « أنبأنا عاصم وثبتني
فيه شعبة » (161) .
من وجد في أصل كتابه كلمة من غريب اللغة :
يمكن لمن استشكل في الحديث كلمة من غريب اللغة وجدها غير مشكولة أن
يسأل عنها علماء العربية ويرويها عنهم ، عن ابن المبارك : « إذا سمعتهم مني الحديث
فاعرضوه على أصحاب العربية ثم أحكموه » وكان المحدثون يرجعون الى اللغويين
والنحاة (162) .
اختلاف ألفاظ الشيوخ
"أباح جمهور المحدثين المجيزين للرواية بالمعنى للراوي اذا سمع الحديث من شيخين
فأكثر ولم يتفقا على لفظ واحد ، واتجد المعنى أن يجمع بينهما في الاسناد ، ويورد النص
بلفظ أحدهما ويقول : « أخبرنا فلان وفلان ، واللفظ لفلان أو وهذا لفظ فلان قال
أخبرنا فلان» (163) ولمسلم طريقة خاصة هي أن يذكر الاشخاص ثم يعيد ذكر
أحدهم متبوعا بالسند ومتن الحديث ، فاعادة ذكره إشعار بان اللفظ له .
قال : « حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب ، واسحاق بن ابراهيم جميعا عن
وكيع قال أبو بكر : « حدثنا وكيع ... » (164) .
(160) نعيم بن حماد بن معاوية الخزاعي المروزي ت 843/228 . أقام مدة في العراق والحجاز
يطلب الحديث ثم سكن مصر ومنها حمل الى العراق في فتنة خلق القرآن فمات مسجونا اشتهر برده
على الجهمية . الزركلي الاعلام 9 : 14 الذهبي ، تذكرة الحفاظ 2 : 418 - 420 .
(161) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 200
(162) الخطيب البغدادي الكفاية : 274
(163) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 200
(164) صحيح مسلم بشرح النووي 1 : 195 - 196 كتاب الايمان: 29
339

وأما اذا خلط الراوي بين اللفظين أو الالفاظ فقال : « أخبرنا فلان وفلان ، وتقاربا
في اللفظ قالا : أخبرنا فلان » فهو جائز ومثاله عند أبي داود في سننه : « حدثنا
عثمان بن أبي شيبة ، ومحمد بن سليمان الانباري المعنى قالا حدثنا وكيع ... (165)
يحتمل أن يكون اللفظ لعثمان ويوافقه محمد في المعنى ، ويحتمل أن لا يكون أورد
لفظ أحدهما خاصة بل رواه بالمعنى عن كليهما .
سماع بعض الحديث من شيخ وبعضه من آخر :
اذا سمع الراوي بعض الحديث من شيخ وبعضه من شيخ آخر فخلطه وعزاه جملة
اليهما مبينا أن بعضه عن أحدهما ، وبعضه عن آخر من غير تمييز لما سمعه من كل
شيخ جاز ذلك ، ومثاله حديث الافك (166) في رواية الزهري عن عروة وسعيد بن
المسيب ، وعلقمة بن وقاص ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة ، قال:
« كل حدثني طائفة من حديثها وبعضهم أوعى من بعض وقد وعيت عن كل واحد
منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة . وبعض حديثهم يصدق بعضا « ثم ساق
الحديث . وهذا الحديث في الحكم كأنه رواه عن أحد الرأويين أو الرواة على الابهام فلو
كان أحدهما مجروحا لم يجز الاحتجاج به ولا يجوز أيضا اسقاط راو منه (167).
الزيادة على الراوي في نسب الشيخ
إذا أتى الشيخ في أحاديثه ببعض نسب شيخه ، أو من فوقه كأن يقتصر على
الاسم ، فقط أو الاسم واسم الأب ونحوه : مما لا تتم به المعرفة فليس الراوي عنه أن
يدرج في السند زيادة في نسب من لم يذكر نسبه كاملا من رجاله ، الا اذا فصل
(165) عون المعبود شرح سنن أبي داود 1 : 324، كتاب الطهارة: 75
(166) صحيح البخاري كتاب الشهادات 15 (ج 3 : 227) وصحيح مسلم بشرح النووي
كتاب التوبة 17 : 102 - 103
(167) الطيبي ، الخلاصة 123 : الجزائري طاهر، توجيه النظر : 318
340

ادراجه بما يميزه كأن يقول : « هو ابن فلان الفلاني أو يعني ابن فلان » ونحوه .
أجاز ذلك علي بن المديني فقال: « اذا حدثك الرجل ، فقال : حدثنا فلان ولم
ينسبه وأحببت أن تنسبه فقل حدثنا فلان أن فلان بن فلان حدثه » ونقل عن أحمد
ابن حنبل أنه كان اذا جاء بالرجل غير منسوب قال: « يعني ابن فلان» (168).
ولا يجيز مسلم الزيادة الا بعد « هو » أو « يعني » لكونه بدونهما إخباراً عن
شيخه بما لم يخبر به (169) .
فالصيغ الممكنة بها الزيادة في نسب أحد رجال الاسناد هي أن يقول : « هو ابن
فلان ، أو يعني ابن فلان » وهما أولى من « أن فلان بن فلان » لأنهما أوضح .
الرواية من أثناء النسخ التي أسنادها واحد :
لبعض المحدثين صحائف جمعوا فيها أحاديث باسناد واحد ، يذكر الراوي اسناد
النسخة في المتن الأول منها ثم يقول فيما بعده ، وباسناده إلى آخرها ، كصحيفة همام
ابن منبه عن أبي هريرة رواية عبد الرزاق عن معمر عنه ونحوها من النسخ (170).
فكيف تكون الرواية من مثل هذه الصحف ، هل يذكر الراوي الاسناد مرة واحدة
وتقرأ الأحاديث كلها به أم لا بد من ذكره مع كل حديث ؟ وهل تجوز رواية حديث
واحد منها بسندها ؟ من الرواة من اكتفى بذكر الاسناد في أولها عند روايته أول
حديث منها أو في أول كل مجلس من مجالس سماعها ، وقال في كل حديث من البـ
« وبالاسناد » أو (وبه) وهذا الاكثر ، ومنهم من جدد ذكر الاسناد في أول كل
حدیث منها .
ولا أرى لزوما لتكرار الاسناد مع كل حديث ما دامت جميعها ثبتت به وسمح
(168) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 323
(169) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 249
(170) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 321
341

البعض بتفريق أحاديث الصحيفة ورواية كل واحد منها بالاسناد الثابت في أولها لأنها
معطوفة على الأول فالاسناد لجميعها ، ومن القائلين بهذا وكيع بن الجراح ، ويجي بن
معين قال يحى: « أحاديث همام بن منبه لا بأس أن يقطعها»(171) .
ومن المتأخرين ابن الصلاح ، ويعتبره بمثابة تقطيع المتن الواحد في أبواب وأراه أهون
منه ، وأقرب للجواز ، لما بين الأحاديث من استقلال . ومنع البعض من تجديد
الاسناد لكل حديث واعتبروه تدليساً لا يهامه بأن الراوي سمع بتكرار السند وأنه
مکرر حقيقة وسمحوا به اذا بين الراوي كيفية عمله (172) وأخرج مالك في باب
العتمة والصبح أحاديث باسناد واحد (173) وقدم البخاري مرات أول حديث من
صحيفة همام ثم عطف عليه الحديث الذي يريده وغرضه منها الحديث الاخير لكنه
أداها على الوجه الذي سمعه (174) فتسبب له أحيانا في عدم مطابقة الحديث الأول
للترجمة مما دفعه الى عدم اطراد عمله فأورد أحاديث من الصحيفة نفسها دون ذكر
الحديث الأول كما في باب الطهارة (175) فيبدو أنه أراد بيان جواز الصورتين.
تقديم المتن على السند
في امكان المحدث ذكر المتن أولا والاسناد ثانيا أو ذكر المتن وبعض الاسناد جاء
في صحيح البخاري آخر كتاب العلم قال علي (176) « حدثوا الناس بما يعرفون
أتحبون أن یکذب الله ورسوله » حدثنا عبيد الله بن موسى عن معروف ابن خربوذ عن
أبي الطفيل عن علي بذلك . ويمكن ذكر بعض السند وتأخير البعض كقول أحمد
سمعت سفيان يقول : « اذا كفى الخادم أحدكم طعامه فليجلسه فليأكل معه ... ».
(171) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 322
(172) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 253
(173) الموطأ 1 : 131 ، كتاب صلاة الجماعة.
(174) ابن حجر ، فتح الباري 1 : 346
(175) نفس المرجع 1 : 344
(176) الجامع الصحيح 1 : 44 كتاب العلم 49
342