Indexed OCR Text

Pages 301-320

كاف لوجوب العمل بالوجادة بيد أنه لا بد أن تخلو من التدليس ، وعندها لا تقل
عن الاجازة لأنه لا ينقصها عنها الا الاذن بالرواية ، فالاجازة وجادة . معها اذن ،
والكتاب جمعه مؤلفه لينتفع به من بعده فكان عمله شبيها بالأذن غير الصريح لكن
مع ثبوت الأحاديث فيه لزم على الناقل منه أن يكون ثقة لهذا حرص المؤلفون على أن
يوصوا بكتبهم للثقات خوفا مما قد يعتريها واليوم صارت هذه المدونات متواترة ، فلا
خوف عليها من التغيير ، وكل ما يمكن أن يلاحظ في النقل منها هو انقطاع السند بين
الناقل والشيخ ، والانقطاع انما خيف منه للجهل بمن لم يذكر من الرواة ممن يشك في
عدالته وفي الوجادة لا جهل لأن الناقل يعتمد على الكتاب فالمعتمد هو سند المؤلف
وهو معروف .
ويعضد هذا الواقع العملي دليل نقلي ذكره ابن كثير هو ما ورد في الحديث عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أي الخلق أعجب إيمانا ؟ » قالوا: الملائكة،
قال : « وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم وذكروا الانبياء » فقال: « وكيف لا يؤمنون
والوحي ينزل عليهم ؟ » قالوا: « فنحن ، قال : وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم ؟
قالوا: « فمن يا رسول الله » ؟ قال: « قوم يأتون من بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما
فيها » (185) .
وروى ما يشبه معناه في التفسير ، وقال : « وهذا الحديث فيه دلالة على العمل
بالوجادة التي اختلف فيها أهل الحديث لأنه مدحهم على ذلك وذكر أنهم أكثر أجرا
من هذه الحيثية لا مطلقا » (186) .
(185) الباعث الحثيث: 128-129، وقال أحمد محمد شاكرا (ص: 130) في تخريج الحديث رواه الحسن بن
عرفة في جزئه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وله طرق كثيرة، وفي بعض ألفاظه ((بل قوم من بمدكم
يأتيهم كتاب بين لوحين ويؤمنون به ويعطون بما فيه أولئك أعظم منكم أجراه. أخرجه أحمد والدارمي والحاكم من
حديث أبي جمعة الأنصاري وفي لفظ للحاكم من حديث عمر «يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه فهؤلاء أفضل
أهل الإيمان إيمانا». ونقل شاكر هذا عن السيوطي، تدريب الراوي 2: 64 والملاحظ أن ابن حجركما أشار في تعليقه
على التفسير ، ذكر في الاصابة 4 : 32 - 33 عند ترجمة أبي جمعة الأنصاري أن حديثه أخرجه
أحمد والدارمي وصححه الحاكم .
(186) تفسير ابن كثير 1: 41 - 42 (ط 2 الاستقامة القاهرة 1954/1373) والباعث
=
303

وقال أحمد محمد شاكر : « وهذا الاستدلال الذي ذهب اليه ابن کثیر هنا ، وفي
تفسيره وارتضاه البلقيني والسيوطي فيه نظر ، ووجوب العمل بالوجادة لا يتوقف عليه
لأن مناط وجوبه ، انما هو البلاغ ، وثقة المكلف بأن ما وصل إلى علمه صحت نسبته
الى رسول الله صلى الله عليه وسلم » ..
ولم ير الوجادة الجيدة دون الاجازة (187) .
الحثيث : 129
(187) شاكر أحمد محمد ، الباعث الحثيث : 131
304
٠

الفصل الثالث
قوانين الأداء
صيغ التحديث :
استعمل الرواة في أداء الحديث عبارات تدل في الغالب على طريقة التحمل من
أشهرها: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت. فهل لها دلالة لغوية واحدة أم
مختلفة؟ وهل غيرها الاصطلاح أم أبقاها؟ .
قال ابن حجر: ((لا خلاف بين أهل العلم في أن التحديث والاخبار والإنباء
سواء بالنسبة إلى اللغة))(1) ولم يذكر السماع لأن له معنى يميزه، واستدل على
هذا الرأي بورود لفظ الحديث، والخبر، والنبا بمعنى واحد في القرآن، والحديث،
ففي القرآن قال الله تعالى: ((يومئذ تحدث أخبارها))(2) وقال: ((قد نبأنا الله من
أخباركم)) (3) وقال: ((ولا ينبئك مثل خبير))(4). فسوى بين الألفاظ الثلاثة (5).
وفي الحديث استعملت دون تفريق بينها يدل على ذلك حديث عبد الله بن
عمر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من الشجر شجرة لا يسقط
(1) فتح الباري1 : 144.
(2) سورة الزلزلة: 4.
(3) سورة التوبة: 94.
(4) سورة فاطر: 14.
(5) عياض، الالماع: 124، وابن عبد البر، جامع بيان العلم2: 176-
305

ورقها، وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟)) (6) فقد ورد بصيغة: فحدثوني في
إحدى الروايات، وفي ثانية أخبروني وفي ثالثة أنبئوني.
وأما في الاصطلاح ففيها خلاف، فمن العلماء من استمر على أصل اللغة ولم
يفرق بين الإخبار والتحديث وهم المغاربة(7) ومنهم من خص التحديث بما يلفظ
به الشيخ، والإخبار بما يقرأ عليه، ثم وقع تخصيص الإنباء بالإجازة التي يشافه
بها الشيخ من يجيزه(8)، ورغم اتحاد المعنى اللغوي وتكلف التفریق بینه فإنه لما
تقرر الاصطلاح صار حقيقة عرفية وتقدم على الحقيقة اللغوية(9)، ولم يتعرض
النقاد الأوائل كثيرا إلى الأنباء، واهتموا أكثر بالتحديث والإخبار، ونزيد المسألة
توضيحا ببيان ألفاظ الأداء لكل وجه من وجوه التحمل.
العبارة عن التحمل بالسماع من لفظ الشيخ
ذكرنا من قبل تفاوت وجوه التحمل في بيان علاقة الراوي بشيخه، وكيفية
الأخذ عنه وتبعا لذلك خص كل وجه بألفاظ وحرص المحدثون في أدائهم على
الالتزام بها لتتميز كل طريقة من طرق التحمل عن سواها، ويدرك السامع درجة
ما بلغه من الحديث. وعبارات الأداء عن السماع من لفظ الشيخ هي: حدثنا،
وأخبرنا، وأنبأنا، وخبرنا، وسمعته يقول، وقال لنا، وذكر لنا، وحكى لنا (10).
وكلها معبرة عنه لكن من الأفضل أن لا يستعمل فيه ما شاع استعماله في وجه
آخر دفعا للايهام والالتباس، مثل: أنبأنا، التي اشتهرت في الاجازة (11) عند
المتأخرين.
(6) صحيح البخاري كتاب العلم: 4.
(7) ابن حجر، نخبة الفكرة وشرحها: 55.
(8) ابن حجر، فتح الباري 1: 144 - 145.
(9) ابن حجر، نخبة الفكر وشرحها: 55.
(10) عياض، الالماع : 122.
(11) ابن الصلاح، علوم الحديث: 118.
306

وهذه الألفاظ متفاوتة وأرفعها عند الخطيب البغدادي سمعت لصراحة لفظها في
السماع من لفظ الشيخ، فلا يكاد أحد يستعملها في الاجازة وفي المكاتبة، ولا في
تدليس ما لم يسمعه (12) بينما ((حدثنا)) قد يؤدي بها من لم يسمع، ويتأول أن
الشيخ حدث أهل المدينة وهو فيهم، وبعضهم كان يستعملها في الاجازة (13).
وفي المرتبة الثانية ((حدثنا، وحدثني)) للفرق المذكور بينهما وبين سمعت. ثم
تليها: ((أخبرنا وأخبرني)) وربما سبقت صيغة ((حدثنا)) فمن المحدثين من اقتصر
على ((أخبرنا)) في السماع لفظا، وهم جمع من جهل القرنين الثاني والثالث(14)
وكان ذلك قبل أن يشيع تخصيص ((أخبرنا)) بالقراءة على الشيخ (15) وإذا كانت
(سمعت)) لها ميزة تفضلها عن ((حدثنا)) و((أخبرنا)) فإنهما يمتازان عليها بخاصية
هي دلالتهما على أن الشيخ خاطب الراوي عنه بالحديث وقصده بخلاف
(سمعت) فإن مستعملها قد يكون ممن لا يرغب الشيخ في تحديثه فاستمع خفية ،
ولقد كان البعض يجلسون بحيث لا يراهم الشيخ لأمر فيستعملون في النقل عنه
((سمعت)) دون حدثنا وأخبرنا (16).
ورأى البعض أن ((حدثنا)) أرفع إن حدثه على العموم و(سمعت)) إن حدثه على
الخصوص(17) وتمتاز ((سمعت)) دائما بالأمن من التدليس.
وفي الرتبة الموالية: ((نبأنا وأنبأنا)) وهي قليلة الاستعمال ثم اشتهرت في الاجازة
وسبق أن لاحظنا أنها في الدلالة اللغوية كأخبرنا وحدثنا. وعن سفيان بن عيينة
((حدثنا)) و((أخبرنا)) و((أنبأنا)) و(سمعت)) واحد، وما يعنيه غير ما في
الاصطلاح (18).
(12) لكفاية 412 - 413.
(13) السيوطي، تدريب الراوي 2: 9.
·(14) الرامهرمزي، المحدث الفاصل: 518.
(15) ابن الصلاح، علوم الحديث: 120.
(16) الخطيب البغدادي، الكفاية 416 - 417.
(17) السيوطي، تدريب الراوي: 10:2.
(18) ابن حجر، فتح الباري1: 144 -
307

وعن أحمد بن صالح المصري: ((حدثنا أحسن شيء وأخبرنا دون حدثنا،
وأنبأنا مثل أخبرنا)) (19).
وفي الرتبة الموالية: قال لنا، أو قال لي، أو ذكر لنا أو ذكر لي، فهذه العبارات
دالة على اتصال السند ومشعرة بالسماع من لفظ الشيخ لكنها أكثر ما تستعمل في
المذاكرة(20).
ويليها في مرتبة دونها: قال، وذكر بغير حرف جر، وهي أوضع العبارات فلا
تحمل على السماع، من لفظ الشيخ الا إذا ثبت اللقاء بينه وبين الراوي عنه،
وسلم قائلها من التدليس، وأحرى أن يعرف بتخصيصه تلك العبارة لما سمعه من
لفظ شيخه كعجاج بن محمد الأعور راوي كتب ابن جريج فانه استعمل ((قال)» في
السماع فحملها الناس عنه، واحتجوا بها، ولكن حملها على السماع لا يعمم مع
غيره، ويبقى رهين توفر الشروط المذكورة (21).
العبارة عن التحمل بالقراءة
أجود العبارات في أداء ما تحمل قراءة أن يقول الراوي: ((قرأت على فلان)) إن
كان العرض بقراءته بنفسه، ((وقرىء على فلان وأنا أسمع)) إن كان بقراءة غيره،
ثم عبارات السماع من لفظ الشيخ مقيدة بالقراءة فيقول: ((حدثنا فلان بقراءتي
عليه، أو قراءة عليه وأنا أسمع)). أو أخبرنا فلان بقراءتي عليه أو قراءة عليه وأنا
أسمع، أو أنبأنا، أو نبأنا فلان بقراءتي عليه أو قراءة عليه وأنا أسمع، أو قال لنا
فلان بقراءتي عليه أو قراءة عليه وأنا أسمع.
ولا تستعمل ((سمعت)) في القراءة لصراحتها في السماع من لفظ الشيخ،
(19) الخطيب البغدادي، الكفاية: 416.
(20) ابن الصلاح، علوم الحديث: 63 و121.
(21) العراقي، التبصرة والتذكرة2: 28-29 -
308

٤.
وأجازها نفر من المحدثين (22) ويمكن حمله على ما إذا قال: ((سمعت على
فلان)) فيكون الخلاف لفظيا (23).
ومن صيغ القراءة المختلف فيها اطلاق التحديث والإخبار، فمنع جماعة كعبد
الله ابن المبارك، وأحمد بن حنبل، ويحي بن يحي التميمي، والنسائي استعمال
((حدثنا)) ((وأخبرنا فلان)) دون تقييد بالقراءة والنص على السماع عند قراءة
الغير (24).
وجوز ذلك معظم الحجازيين والكوفيين ونسب أيضا إلى الحسن البصري،
ويحي ابن سعيد القطان، والبخاري(25). وفرق جماعة بين الصيغتين فسمحوا
باستعمال «أخبرنا» دون ((حدثنا)» كالأوزاعي والشافعي ومسلم بن الحجاج، وأكثر
أهل المشرق(26). وشاع هذا الاصطلاح وجعلت ((أخبرنا)) علما يقوم مقام ((أنا
قرأته عليه لا لفظ به لي)) ولا مستند له من حيث الدلالة اللغوية لتساوي معنى
((حدثنا))، و((أخبرنا» وغاية القائلين به التمييز بين نوعي التحمل: السماع من لفظ
الشيخ والقراءة عليه، وتخصيص الأول بحدثنا لقوة إشعارها بالنطق والمشافهة
والثاني ب ((أخبرنا)) (27).
وممن فرق بين اللفظتين: ابن جريج، والأوزاعي، وعبد الله بن وهب ومن
الذين تشددوا في هذا من المتأخرين: أبو حاتم محمد بن يعقوب الهروي(28)
أحد رؤساء الحديث بخراسان، قرأ صحيح البخاري على أحد
(22) عياض الالماع: 124.
(23) الانصاري، فتح الباقي2: 33-34.
(24) عياض الالماع: 125.
(25) الخطيب البغدادي، الكفاية: 438، عياض، الالماع: 122-123.
(26) الانصاري، فتح الباقي 2: 34-35.
(27) ابن الصلاح، علوم الحديث: 124.
(28) لم أعثر له على ترجمة وليس هو عبد الله بن أحمد الهروي المكني بأبي ذر ناقل رواية صحيح
البخاري عن الفربري بواسطة ابراهيم بن أحمد المستملي.
309

الشيوخ عن الفربري(29) قائلا في كل حديث: ((حدثكم الفربري)) ظنا منه أنه
سمعه من لفظه فلما فرغ من الكتاب سمع الشيخ يذكر أنه تحمله عن الفربري
قراءة(30)، والهروي لا يسمح باستعمال ((حدث)) في القراءة فقال: ((تسمعني
أقول حدثكم الفربري ولا تنكر علي، وأنت سمعته قراءة عليه)) فأعاد قراءة
الكتاب كله. وقال في جميعه: ((أخبركم الفربري (31)). وقد غالى في اعادة
السند في كل حديث لأنه يكفيه قوله: أخبركم الفربري بجميع صحيح البخاري))
دون إعادة قراءة جميع الكتاب، ولا تكرير الصيغ في كل حديث، لاتحاد
السند(32).
العبارة عما تحمل بالاجازة والمناولة :
أجاز بعض الأئمة من المتقدمين استعمال ((حدثنا)) و((أخبرنا)) في المناولة دون
تقييد، وهم الذين يعتبرون عرض المناولة المقرونة بالاجازة سماعا، وأباحه
بعضهم في الاجازة ونسبه إلى جريج (33) والى أهل المدينة وعامة حفاظ
الاندلس، وعيسى ابن مسكين القائل: (الاجازة رأس مال كبير)) وجدير أن يقول
فيها: ((حدثني وأخبرني)).
وحجة من اختار هذا من المتأخرين أن الاجازة إخبار وتحديث فتجوز فيها
الصيغة المؤدية لذلك والمقتضية لاتصال السند.
(29) محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري أحد رواة كتاب البخاري ت932/320 ابن حجر
فتح الباري: 5.
(30) العراقي، التبصرة والتذكرة 2: 36.
(31) الخطيب البغدادي، الكفاية: 336.
(32) العراقي، التبصرة والتذكرة 2: 36-37.
(33) عياض، الالماع: 128-
310

وأطلق محمد المرزباني (34) وأبو نعيم الأصبهاني (35) في الاجازة « أخبرنا » دون
بيان ، ولم يرو الأول إلا بها ، ولم يبين اصطلاحه وهو ما عيب عليه ، بالاضافة الى
قوادح أخرى فيه . وأما الثاني فذكر أن ما ذهب إليه اصطلاح اختاره فقال: « اذا
قلت أخبرنا على الاطلاق من غير أن أذكر فيه اجازة أو كتابة ، أو كتب لي ، أو
أذن لي فهو اجازة ، أو حدثنا ، فهو سماع » ومع بيانَه لاصطلاحه فلم يكثر
منه (36) . ومذهب الجمهور منع اطلاق « حدثنا وأخبرنا » ونحوهما في المناولة
والاجازة وتقييد اللفظ المستعمل بما يوضح كيفية التحمل باستعمال مثل العبارات
التالية : أخبرنا أو حدثنا فلان اجازة وأخبرنا أو حدثنا مناولة ، أو اجازة ومناولة او
اذنا ، أو فيما أذن لي فيه، أو فيما اطلق لي روايته عنه، أو فيما أجازني ، أو أجاز لي
أو فيما ناولني أو شبه ذلك كسوغ لي أن أروي عنه، وأباح لي . وعن الأوزاعي
تخصيص الإجازة بخبرنا بالتشديد ، واصطلح بعض المتأخرين على استعمال أنبأنا ،
واختاره أبو العباس الوليد بن بكر العمري ورجح جماعة أخبرنا مشافهة ، أو كتابة ،
أو فيما كتب الي، وهي عبارات لا تخلو من لبس ولبعضهم عبارات أخرى (37) .
العبارة عن التحمل بالمكاتبة :
سمح الليث بن سعد ومنصور بن المعتمر باطلاق « حدثناً وأخبرنا » في الرواية
بالمكاتبة ، ومذهب أهل التحري استعمال : « كتب الي فلان : قال حدثنا فلان»
« أخبرني به مكاتبة ، أو كتابة » وما يشبهها من العبارات (38).
(34) محمد بن عمر بن موسى الاخباري المعتزلي ، صنف في أخبار المعتزلة وفي أخبار الشعراء ،
وصف بالثقة والميل إلى التشييع. 909/297 ت 994/384 وقيل 378 . ابن العماد شذرات
الذهب 3 : 111
(35) احمد بن عبد الله بن أحمد الاصبهاني (أبو نعيم) 948/336. ت 1038/430 جمع بين
الحديث والتاريخ والتصوف . من مؤلفاته المستخرج على الصحيحين ، كحاله ، معجم المؤلفين 2 :
282
(36) السخاوي ، فتح المغيث 2: 113 - 115
(37) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 151 - 152
(38) الخطيب البغدادي ، الكفاية 488 وما بعدها . ابن الصلاح ، علوم الحديث 154 - 155
311

العبارة عن التحمل بالاعلام :
هذا الوجه لم يستعمل إلا بقلة ، أما عبارة الأداء عنه فينبغي أن تشعر به كقول
الراوي ، أعلمني شيخي أن فلانا حدثه أو نحو ذلك .
العبارة عن التحمل بالوصية :
: لم يحدث المتقدمون بالوصية وعبارة الأداء بها عند من جوزها أن يقول : « أوصى
.إلى فلان أو أخبرني فلان بالوصية أو وجدت فيما أوصَى إليّ فلان أن فلانا حدثه)).
العبارة عن التحمل بالوجادة :
جمهور المحدثین على وجوب بیان هذا الوجه للتحمل عند الأداء فيقول من تحمل به.
« وجدت بخط فلان ، أو قرأت بخط فلان ، أو في كتاب فلان بخطه : « أخبرنا
فلان » ، أو يقول : « وجدت أو قرأت بخط فلان عن فلان .... » أو « وجدت في
كتاب ظننت أنه بخط فلان ، أو في كتاب ذكر كاتبه أنه فلان بن فلان ، أو في
كتاب قيل إنه بخط فلان » (39) .
هذه اصطلاحات المحدثين في التعبير عن وجوه التحمل جمعناها لدلالتها على
مستند الرواية ولأثرها في بيان درجة الحديث وأمانة الراوي باستعماله اللفظ المخصص
لما تحمل به وتجنبه التدليس ، أحد أسباب الجرح .
وبعد عرض المعنى اللغوي لهذه العبارات والاستعمال الاصطلاحي وتنوعه بحسب
طريقة التحمل بحث أئمة الحديث بايجاز دلالتها على عدد السامعين فكان البحث
الآتي :
دلالة الصيغ على عدد السامعين :
رأى بعض المحدثين أن يحترزوا في التعبير عن كيفية السماع فاختاروا الصيغ الدالة
على الانفراد لمن سمع وحده ، والدالة على الاشتراك فيه لمن سمع مع جماعة ، قال
(39) ابن الصلاح، علوم الحديث : 158 - 159
312

عبد الله بن وهب: « اذ قلت « حدثني » فهو ما سمعته من العالم وحدي ، واذا
قلت « حدثنا » فهو ما سمعته مع الجماعة ، وإذا قلت « أخبرني » فهو ما قرأت
على المحدث ، وإذا قلت « أخبرنا » فهو ما قرىء على المحدث وأنا أسمع» (40).
وما يشبه هذا في الافراد والجمع منقول عن الأوزاعي (41)، وعن الحاكم يحكيه عن
"مشائخ عصره مع الاشارة الى بعض صيغ الاجازة (42) .
ونقل التفريق بين صبيع الافراد والجمع عن أكثر من محدث ، وتكرار استعمالها في
كثير من الأسانيد ، وهو تحر دال على الأمانة والدقة في التعبير بيد أنه مستحب ،
وليس بواجب ، فيمكن لمن تفرد بالسماع أن يقول : « حدثنا» لجواز ذلك في اللغة
ويتسنى لمن سمع في جماعة أن يقول « حدثني » لأن الشيخ حدثه وحدث غيره .
سئل أحمد بن صالح المصري عن الرجل يحدث عن الرجل وحده يقول : « حدثنا» ،
قال : « نعم جائز هذا في كلام العرب »، قيل له : « فسأله عن شيء وهو مع
جماعة فحدثه به يقول : « حدثني » ؟ قال : « نعم جائز» (43) . وقال عبد الله
ابن المبارك في الرجل يسمع من المحدث في جماعة : « لا بأس أن يقول : أخبرني.
وحدثني لأن المحدث قد أراده فيمن أراده » (44) .
وذهب جماعة إلى لزوم الصيغة المعبرة عن عدد السامعين فمن سمع في جماعة لا
يجوز له استعمال صيغة الأفراد « حدثني» ووصف رأيهم بالتشدد (45). والتفريق
بين صيغ الأفراد والجمع مستحب عند تأكد الراوي من سماعه منفردا أو مع جماعة
فان شك استعمل ما يقتضي الوحدة لأنها الأصل اذ أنه لم يشك في السماع وانما
(40) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 425
(41) عياض ، الالماع : 127
(42) نفس المرجع : 126
(43) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 425
(44) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 426
"(45) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 40
313

شك في وجود غيره معه فيعتبر نفسه منفردا (46) .
وجوب أتباع لفظ المحدث :
يرى الامام أحمد وجوب اتباع الراوي لفظ الشيخ الذي أدى له به من « حدثنا »
وحدثني ، وسمعت وأخبرنا »، ونحوها ، ولا يبدل أي لفظ بغيره ، وطبق هذا في
تصانيفه فقال مثلا : « فلان وفلان كلاهما عن فلان ، قال أولهما : حدثنا وقال
ثانيهما : أنبأنا»، وكذلك كان عمل مسلم في صحيحه، وعلة المنع احتمال أن يكون
الشيخ لا يسوي بين الصيغتين ، فيكون من غير لفظه كأنه قوّله ما لم يقل ، فإن كان
من يسوي بينهما ففي تغيير صيغته خلاف فأجاز الإبدال من يقول بالرواية بالمعنى
ومنعه من يمنعها . وأكد ابن الصلاح على منعه في الكتب (47) .
وكما يحافظ الراوي على اللفظ يبين كيفية السماع . قال يحي بن سعيد : «ينبغي
للرجل أن يحدث الرجل كما سمع فإن سمع يقول («حدثنا»، وان عرض يقول: «عرضت»
وان كان اجازة يقول « أجاز لي » (48)
ونص على هذا أكثر من واحد من نقاد الحديث (49) .
دلالة ألفاظ الأداء على اتصال السند أو انقطاعه :
تختم هذا المبحث بالكلام عن صيغة استعملت في أكثر من وجه من وجوه التحمل
هي « عن » .
إن كل عبارات السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه ، والمناولة ، والكتابة ،
بشروطها الصحيحة والاجازة المقترنة بالمناولة دالة على اتصال السند ، ومن الألفاظ ما
لم يختص بطريقة من طرق التحمل ، وكثر استعمالها في الأسانيد الصحيحة ، ووقع
(46) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 40
(47) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 128
(48) و(49) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 430 وما بعدها
314

البحث في دلالتها على الاتصال أو الانقطاع وهي « عن » ويعبر عن السلسلة
المشتملة عليها بالسند المعنعن ، وأورد ابن رشيد (50) فيه خمسة مذاهب
للمحدثين. قال: «ان أربعة منقولة عن المتقدمين والخامس، مصطلح
للمتأخرين» (51) وبعد التمعن فيها رأيت أن اثنين فقط للمتقدمين وهما مذهب
البخاري وشيخه ابن المديني وعده الثالث ، مذهب مسلم وجاء في ترتيبه الرابع ،
أما الأول عنده فقد نقل ما نفى نسبته إلى المتقدمين (52) وإن كان أقرب الى القدم
مسن الثاني الذي نسبه إلى أبي المظفر السمعاني (53) وهو متأخر ، وهذا عرض
مجمل للمذاهب الخمسة لتتضح لنا قيمة « عن » الاسنادية .
المذهب الأول :
نسبه الرامهرمزي (54) الى بعض الفقهاء المتأخرين، وأورده ابن الصلاح (55)
دون: أن يسمي القائلين به ، ونعته من بعده ابن رشيد بمذهب أهل التشديد (56)
لاعتبارهم المتصل من الحديث ما نص فيه على السماع . أو حصل به العلم من طريق
آخر . وأما ما قيل فيه « فلان عن فلان » فهو من قبيل المرسل ، والمنقطع حتى
يتبين اتصاله بغيره (57) « فعن » عند أصحاب هذا المذهب لا تقتضي اتصالا لا
لغة ولا عرفا ولا اشعار لها بشيء من أنواع التحمل (58) لكن كان عليهم التوقف في
(50) انظر ما سبق ص 218
(51) السنن الابين : 21
(52) ص : 30
(53) عبد الرحيم (أبو المظفر) بن سعد بن محمد السمعاني التميمي المروزي الفقيه المحدث مسند
خراسان 1142/537 ت 1280/617. كحاله ، معجم المؤلفين 5 : 206
(54) المحدث الفاصل : 450 - 451
(55) علوم الحديث : 56
(56) السنن الابين : 24
(57) ابن رشيد، السنن الابين: 21 - 22
(58) السخاوي، فتح المغيث 1 : 158
315

السند المشتمل عليها حتى يتبين اتصاله بغيره » لا الحكم عليه بالارسال أو الانقطاع
وقول شعبة : « فلان عن فلان ليس بحديث » تحول عنه الى قول سفيان « هو
حديث)»(59) والصحيح الذي عليه العمل أن العنعنة تفيد اتصال السند ، يشهد
بذلك كتب الصحيح للأئمة الجامعين له (60) مع الملاحظة أنه لا بد معها من توفر
ما يقتضيه الاتصال كوصف الرواة بالعدالة ، واللقاء ، والبراءة من التدليس (61) .
وهي شروط عامة في كل سند مقبول .
المذهب الثاني :
وصف أيضا بالتشديد ، ومقتضاه اشتراط طول الصحبة بين الشيخ والراوي الذي
نقل عنه بالعنعنة ، والفرق بينه وبين الأول عدم اشتراط التنصيص على السماع في كل
حديث ، والاكتفاء بطول الصحبة بين الراوي وشيخه (62) .
الثالث :
مذهب الامام البخاري وشيخه علي بن المديني وغيرهما ونعت بالاعتدال ،
ومقتضاه : دلالة العنعنة على اتصال السند بشرط ثبوت السماع أو اللقاء في الجملة لا
في حديث حديث ، وصححه ابن رشيد وأكد زيادة عن معاصرة الراوي لمن روى عنه
على ثبوت لقائهما مرة فصاعدا (63) وقال : « ولقد كان ينبغي من حيث الاحتياط
أن يشترط تحقق السماع في الجملة لا مطلق اللقاء فكم من تابع لقي صاحبا ، ولم
يسمع منه وكذلك من بعدهم ، وينبغي أن يحمل قول البخاري وابن المديني على أنهما
يريدان باللقاء السماع » (64) .
(59) ابن عبد البر، التمهيد 1 : 13 ابن رشد ، السنن الابين : 29
(60) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 56
(61) ابن عبد البر ، التمهيد 1 : 12
(62) ابن رشيد ، السنن الابين : 31
(63) السنن الابين : 32
(64) السنن الابين : 33
316

المذهب الرابع :
لا يشترط في الحكم بالاتصال في السند المعنعن الا المعاصرة فقط والسلامة من
التدليس ، علم السماع أو لم يعلم الا أن يأتي ما يعارض ذلك مثل أن يعلم أنه لم
يسمع ، أو لم يلق المنقول عنه ولا شاهده أو تكون سنه لا تقتضي ذلك» (65).
وهو المذهب الذي ارتضاه مسلم بن الحجاج واستدل عليه في مقدمة صحيحه ،
وأنكر على من خالفه فادعى اجماع العلماء على أن المعنعن محمول على الاتصال
والسماع اذا أمكن لقاء من رووا بالعنعنة يعني مع براءتهم من التدليس ، ورد على
مذهب البخاري وشيخه ابن المديني المشترطين ثبوت اللقاء مرة فأكثر واعتبر رأيهما
مستحدثا قال : « ... وذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالاخبار
والروايات قديما وحديثا أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثا ، وجائز ممكن لقاؤه ،
والسماع منه لكونهما جميعا في عصر واحد ، وان لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا ولا
تشافها بالكلام ، فالرواية ثابتة ، والحجة بها لازمة الا أن تكون هناك دلالة بينة أن هذا
الراوي لم يلق من روى عنه أو لم يسمع منه شيئا ، فأما والامر مبهم على الامكان الذي
فسرتا فالرواية على السماع أبدا حتى تكون الدلالة التي بيكا » (66) وتبعه عليه
جماعة من بعده ، ووصفه ابن رشيد بالتساهل ورأى أنه لا يمكن اطلاقه لانه ليس
موضع اجماع ولم يعلم عن راو أنه لم يستعمل « عن » الا في موضع
الاتصال (67) .
قال النووي : « الذي صار اليه مسلم قد أنكره المحققون ، وضعفوه والذي رده
هو المختار الصحيح ، وعليه أئمة هذا الفن كابن المديني والبخاري وغيرهما » وأورد ما
أضافه بعض المتأخرين الى هذا الرأي من تحقق ادراك الراوي لشيخه ادراكا بينا في رأي
(65) نفس المرجع : 48
(66) صحيح مسلم تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي 1 : 29 - 30 ، المقدمة : 6
(67) السنن الابين : 49
317

وطول الصحبة بينهما ، في رأي آخر: معرفته بالرواية عنه في رأي ثالث (68) .
المذهب الخامس :
ما اصطلح عليه المتأخرون من استعمال « عن » في الاجازة ، فاذا قال أحدهم :
((قرأت على فلان عن فلان)) أو نحو ذلك ظن به أنه رواه عنه بالاجازة، ولا يخرج ذلك
عن الاتصال كما لا يخفّى (69) .
قول الرواي : « حدثنا فلان أن فلانا قال .. »
من صيغ الأداء قول الراوي : « أن فلانا قال .. » وهذه الصيغة مما تلحق يمبحث
الاسناد المعنعن فهل هي مثل - عن - في الحمل على الاتصال عند ثبوت اللقاء
حتى يتبين الانقطاع أو لا ؟ والحال أنها استعملت كثيرا وينفي الامام أحمد التساوي
بين قول الراوي « أن فلانا وعن فلان » وإلى مثل وليد ذهب البعض فأفاد « أن
فلانا » تفيد القطع حتى يتبين الاتصال ، وقال الامام مالك بالمساواة بين العبارتين ،
وتبعه ابن عبد البر فرأى أن لا اعتبار بالحروف والالفاظ ، وانما هو باللقاء والمجالسة
والسماع والمشاهدة مع البراءة من التدليس فإذا صح السماع دل كل لفظ استعمل في
السند على الاتصال (70) .
صفة رواية الحديث
أداء الحديث : تبليغه من الشيخ للطالب بصيغة تدل على طريقة التحمل التى
تلقى بها الشيخ حتى لا يستند إلى طريقة لم يتحمل بها كأن يؤدي بما يفيد السماع
وقد تلقى بالاجازة فيعد مدلّسا . وليس ملزما بأن يمنع من التحمل عليه بغير ما أخذ
به ، فالمهم أن يشعر في تحديثه بطريقة أخذه .
(68) النووي شرح مسلم (على هامش القسطلاني) 1 : 165
(69) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 56 - 57
(70) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 57
318

فمن المحتمل أن يتحمل بالعرض ويحمل عنه بالسماع .
والاداء يكون من الحفظ ومن الكتاب ولكل منهما قوانين سنها النقاد ، وبينهما
أحكام جامعة ، أما أيهما أفضل ؟ وما قيمة الأداءين ؟ ففي المسألة مذاهب ثلاثة
ذكرها ابن الصلاح (71) ولخصها ابن كثير (72) فيما يلي :
الأول :
مذهب الذين اشترطوا أن تكون الرواية من حفظ الراوي وتذكره ، وهم ممن جمعوا
بين الفقه والحديث أو غلب عليهم الفقه كمالك وأبي حنيفة .
روى أشهب عن مالك قال : « سئل مالك أيؤخذ العلم ممن لا يحفظ حديثه ،
وهو ثقة» ؟ فقال : « لا » فقيل : « فان أتى بكتب فقال سمعتها وهو ثقة » ؟
فقال : « لا» فقيل: « فان أتي بكتب فقال سمعتها وهو ثقة »؟ فقال « لا يؤخذ
عنه » أخاف أن يزاد في حديثه بالليل ». قال السيوطي: «يعني وهو
لا يدري » (73) وهذا مذهب ظاهر التشدد حيث منع من الرواية بالكتاب لغير
الحافظ حتى مع توفر عنصر الثقة .
وقال قوم بجواز الرواية من الكتاب الا اذا أعاره صاحبه ، أو ضيعه ، أو خرج من
يده بطريقة ما كالحرق مثلا ، فتمنع ، ولعل هذا ما أشار اليه الامام مالك بقوله أخاف
أن يزاد في كتبه ، فخروج الكتاب من اليد عرضة لذلك لكن تفطن المحدث يحول
دونه . هذا في صورة الاعارة ، أما في صورة الضياع والحرق فامساك الراوي عن
التحديث واجب ما لم يكن حافظا .
الثاني :
مذهب المتساهلين الذين يروون من نسخ لم تقابل مستندين الى قول الطالب هذا
من روايتك من غير تثبت ، ولا نظر في النسخة ، ولاحظ الحاكم كثرتهم في زمانه
(71) علوم الحديث : 185 - 186
(72) الباعث الحثيث : 139
(73) تدريب الراوي 2 : 93
319

وعدّهم من المجروحين (74)، وتعقبه النووي فقال: « تقدم أن النسخة التي لم
تقابل يجوز الرواية منها بشروط . فيحتمل أن الحاكم يخالف فيها ويحتمل أنه أراد اذا لم
تتوفر ، والصواب ما عليه الجمهور وهو التوسط ». (75)، أعني ما ذهب اليه
أصحاب المذهب الثالث .
الثالث :
مذهب المعتدلين ، وهم الكثرة الذين أجازوا التحديث من الكتاب بشروط هي :
صحة التحمل ، وضبط السماع ومقابلة الكتاب ، وتسامحوا في غيابه اذا كان الغالب
على الظن سلامته من التغيير ، وكان الراوي ممن لا يخفى عليه ذلك في الغالب لو
حصل منه شيء لان الاعتماد في الرواية على غالب الظن (76) .
ونستعرض الآن شروط من يحدث من حفظه ومن يحدث من كتابه .
شروط الرواية من الحفظ
هذه الشروط ، وإن ذكرت عند الأداء فان منها ما يرجع الى كيفية التحمل للتنبيه
على أن من شرط من يتصدى للأداء أن يكون أخذه بالكيفية المذكورة اذ هما حالتان
متكاملتان وهي تنطبق أكثر على الذين حدثوا قبل انتشار الكتابة عندما كان لا معول
الا على الحفظ ، فكانوا المرجع الرئيسي للجامعين الأوائل للحديث لأنهم الذين انتهى
إليهم الاسناد في مختلف الامصار ، فهم مصدر الرواية في القرن الثاني .
وذهب بعض النقاد الى أنه بعد ثبوت العدالة والضبط في الحافظ المحتج بروايته من
حفظه لا بد من توفر شروط أخرى ، هي التالية :
1) أن يعرف عند أهل العلم بطلب الحديث والعناية به ، قال عبد الرحمن بن
(74) معرفة علوم الحديث : 16
(75) تدريب الراوي 2 : 94
(76) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 187
320

يزيد بن جابر (77): « لا يؤخذ هذا العلم الا عمن شهد له بالطلب » . ونفس
المعنى قاله عبد الله بن عون ، ونصح شعبة بأخذ العلم من المشتهرين (78) ، لانه لا
يمكن لمتعاطي أي فن أن يحذقه الا اذا اعتنى به ، وبذل فيه جهدا فعرفه معرفة تامة
تجعله موثوقا به ، معتمدا عليه ، فاذا قلت شهرة طالب الحديث فقد يطعن فيه وان
كان عدلا . وربما يذهب البعض الى الاستغناء عن هذا الشرط بالضبط لان من شهد
له به استغنى عن اشتراط الشهرة ، ولكن يمكن القول بأنه قد تكون له ملكة الحفظ
والتذكر دون المعرفة بالرجال ، فلا يكون عارفا بمن بعد شيخه من المشائخ أو قد يغتر
بمظاهر بعض من يروي عنهم من أهل الصلاح ممن لا يتعمدون الكذب على رسول الله
صلى الله عليه وسلم ولكنهم قد يقعون فيه خطأ ، أو لحسن ظنهم بمن يأخذون عنهم
لعدم شهرتهم بالطلب ، وقلة تمييزهم بين الرواة .
2) أن يكون الراوي أخذ من أفواه العلماء لا عن الصحف لئلا يخطئ في نقله فكثيرا
ما يتسرب تصحيف الحديث من الأخذ عن الصحف، لذا وقع النهي عن الأخذ عمن
نقل من الصحف. عن سليمان بن موسَى (79) قال: ((لا تأخذوا العلم من
الصحفيين»(80). وهذا الشرط عدل عنه من أخذ بالوجادة فيما بعد لكن لهذه الطريقة في
التحمل شروطها المبينة في موضعها (81).
3) أن يتحرى في السماع ، ويكتب باتقان ويحفظ كتابه ، ثم يحدث ، قال
البغدادي : « من سمع الحديث وكتبه وأتقن كتابته ثم حفظ من كتابه ، فلا بأس
(77) عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الازدي الشامي، روى عن مكحول ، والزهري ، ونافع وثقة ابن
معين ، والعجلي والنسائي. ت 770/153 وقيل بعدها . ابن حجر ، تهذيب التهذيب 6 : 297
298 -
.. (78) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 251
(79) سليمان بن موسى فقيه دمشقي ، كان يحدث كل يوم بنوع من العلم ت 737/119 الزركلي
الاعلام 3 : 199
(80) الصحفي والمصحف : الذي يروى الخطأ عن قراءة الصحف بأشباه الحروف ابن منظور .
لسان العرب (مادة صحف) 2 : 412
(81) الخطيب البغدادي الكفاية : 253
321

بروايته » (82) ولاعتماد الرواة على الحفظ اعتبروا تحديث من حفظ من كتابه بعد أن
سمع ، وكتب باتقان. كالرخصة . قال البغدادي : « فلا بأس بروايته » وهذا على رأي
المتشددين أما مثل هذا الطريق فسليم لا سيما اذا حفظ الكتاب ولم يخرج من يده
وكان قادرا على الانتباه لما قد يحصل فيه من تغيير بسبب ما . وشعبة نفسه حفظ
حديثا من كتاب بعد أن قرأه عمن كتب به اليه ، وبعد أن سمعه منه أيضا ، وأغلب
الرواة كانوا يتثبتون من كتبهم بعد حفظهم .
4) أن ينتبه الى شيخه عند سماعه منه لئلا يدلس ان كان ممن عرف بذلك فقد
كان شعبة يتحفظ على قتادة لتدليسه ، قال : « كنت أجلس الى قتادة فان سمعته
يقول سمعت فلانا ، وحدثنا فلان كتبت ، فاذا قال : قال فلان وحدث فلان لم
أكتب » (83) . خوفا من أن لا يكون قد سمع ، وهذا من الحذر اللازم ، اذ أن
التدليس كما سنراه في أسباب الجرح لم ينج منه الكثير .
5) مع اشتراط الشهادة بالطلب التي تدل على معرفة الراوي بالرجال نص النقاد
على هذه المعرفة في جملة الشروط المذكورة . فقال أبو نعيم : « لا ينبغي أن يؤخذ
الحديث الا عن ثلاثة : حافظ له ، أمين عليه ، عارف بالرجال ثم يأخذ نفسه بدرسه
وتكريره حتى يستقر له حفظه » (84) .
وفي هذا تأكيد على ملكة الحفظ وعلى استقراره بالمراجعة والمذاكرة والتثبت ، وعلى
معرفة الرجال .
6) يجب أن يتثبت في الرواية حال الأداء فيؤدي ما لا يرتاب في حفظه ، ويتوقف
عما شك فيه (85) والتثبت في الأداء ليس خاصا بالتحديث من الحفظ بل ومن
الكتاب أيضا غير أن اشتراطه هنا مناسب لان الحافظة عرضة للنسيان ، فكان الشك
(82) الكفاية : 254
(83) نفس المرجع : 255
(84) و(85) نفس المرجع : 256
322