Indexed OCR Text

Pages 201-220

وفسر الحفظ بالاتقان وبالمعرفة وبكونه أكثر من حفظ السرد (117) .
ومن أخبار الحفاظ أن أحمد بن حنبل كان يحفظ ألف ألف حديث ، ويحي بن
معين كتب بيده ألف ألف حديث والبخاري كان يحفظ مائة ألف حديث صحيح
ومائتي ألف حديث غير صحيح .
وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في المدخل : كان الواحد من الحفاظ يحفظ
خمسمائة ألف حديث وحفظ أبو زرعة سبعمائة ألف من الأحاديث وأقاويل الصحابة
والتابعين (118) .
وسواء كانت في هذه الاخبار مبالغات أم كانت صحيحة فانها تدل على كثرة ما
حفظه أئمة الحديث .
ومن ألقاب المحدثين الحاكم ، وهو من أحاط علمه بجميع الأحاديث متنا واسنادا
وأحوال الرواة جرحا وتعديلا وتاريخا (119).
وقال العلامة الكوثري : « هذه التحديدات اصطلاح متأخر لم يعرفه
السلف » (120) .
نزعاتهم الفكرية ومذاهبهم الفقهية
أما نزعاتهم الفكرية فهم أهل الحديث الذين يقدمون في الفقه النص على القياس ،
ويتمسكون في العقيدة بالنص دون تأويل ولا تجسنيه .
(117) نفس المرجع 1 : 49
(118) السيوطي، تدريب الراوي 1 :50
(119) التهانوي، قواعد في علوم الحديث : 30 (ط 3 دار القلم بيروت 1972/1392
(120) نفس المرجع : 28 (ضمن التعاليق)
203

فالمنقول عن الثوري ، وشعبة ، وحماد بن زيد ، ومالك ، وابن المبارك ، والشافعي ،
وابن عينية ، وأحمد بن حنبل، وسائر من ذكرناهم سابقا ومن لم نذكرهم أنهم يؤمنون
بما جاء في القرآن والأحاديث في صفات الله تعالى من غير تشبيه ولا تفسير (121).
سئل الامام مالك عن قوله تعالى: « الرحمن على العرش استوى» (122) فقال :
« الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة »
وأمر باخراج السائل (123) وسئل عنها الاوزاعي فقال: « هو على عرشه كما وصف
نفسه » (124) .
ولاستعمال بعضهم للرأي في حدود ذكر ابن قتيبة في كتابه المعارف (125) مع
أصحاب الرأي بعضا منهم كالاوزاعي والثوري ومالك ، وذكرهم لا يعني اتحاد موقفهم
معهم وانما يشعر بأن فيهم من هم أقرب اليهم من البقية وهو الشأن بالنسبة لمالك ففي
فقهه مسائل غلب فيها الرأي على النص .
وفي أصول مذهبه بعد الكتاب والسنة القياس والاستحسان والمصالح المرسلة فهو
لا ينفر من الرأي فيما يجب فيه .
وإلى جانب هذا فيهم من نعتوا بالتشيع كأبي حاتم الرازي ، وابنه عبد الرحمن
والحاكم أبي عبد اللّه، ولا أرى وصفهم بذلك يعني غير محبة آل البيت وتقديرهم كبقية
الصحابة وليس فيه معنى التحيز وتفضيل علي كرم الله وجهه عمن سواه أو القول
بمبادىء الشيعة كالامامة ونحوها ، ومن باب أولى القول بالرفض .
(121) البيهقي، الاسماء والصفات : 407 وما بعدها (السعادة مصر). ابن حجر ، فتح
الباري 13 : 406 - 407
(122) سورة طه : 5
.(123) الذهبي ، العلو للعلي الغفار: 103 (العاصمة القاهرة ط 2 1968/1388)
(124) نفس المرجع : 102
(125) ص. 494 - 500
204

وأما الجانب الفقهي فذكر ابن النديم (126) عددا كبيرا من فقهاء المحدثين منهم
سفيان الثوري ، وابن عينية ، ووكيع بن الجراح ، والفضل بن دكين، وعبد الرحمن
الاوزاعي ، وعبد الله بن المبارك ، وأحمد بن حنبل ، واسحاق بن راهوية، ويحي بن معين
وعلي بن المديني ، والبخاري ، ومسلم ، وإبراهيم الحربي ، وأبو داود السجستاني ،
والترمذي وغيرهم .
ومنهم من هو امام متبع كمالك وأحمد بن حنبل ، ولم يذكر ابن النديم الشافعي لغلبة
الفقه والأصول على الحديث عنده رغم اشارته الدقيقة الى أصول الحديث .
ومع ذكره لابن معين فإن ابن عبد البر انتقص ثقافته الفقهية وقال : « سئل عن
مسائل فقهية فأحال على غيره» (127) .
والبقية من غير أصحاب المذاهب منهم من ينتمي الى المذاهب الأربعة .المعروفة
اليوم ، فمن الحنابلة أبو داود السجستاني وإبراهيم الحربي (128) ومن الشافعية علي
ابن المديني ومحمد بن اسحاق بن خزيمة (129) ، ومنهم السابقون عنها كشعبة الذي
لم ينقل عنه حتى اهتمامه بالفقه .
ومنهم من جاء بعدها ولم يتقيد بها ولم يعرف عنه مذهب خاص به ، ومن كان له
مذهب وأتباع ثم انقرضوا كالأوزاعي .
مشروعية الجرح
الخبر هو طريق تبليغ الشريعة ، وليكون موثوقا به لا بد أن ينقد رجاله ليعرف الثقة
من المتهم ، فهل النقد جائز أم أنه غيبة ؟ أو هو غيبة لها ما يبررها ؟
(126) الذهبي ، العلو للعلي الغفار : 225 - 234
(127) جامع بيان العلم وفضله 2 : 160
(128) الشيرازي ، طبقات الفقهاء : 171 (دار الرائد العربي بيروت 1970)
(129) نفس المرجع : 103 - 105
205

هذه تساؤلات أثيرت عندما أصبح الكلام في الرجال ضرورة تقتضيها حماية الدين
فما هي المستندات التي تبرر شرعية نقد الرجال ؟
إن أدلة الجواز موجودة في القرآن والحديث نفسه وعمل الصحابة والتابعين ، .
والأئمة من نقاد الحديث قال الله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ
فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين » (130) .
قال ابن عباس ومجاهد فيما نقل عنهما ابن أبي حاتم الرازي (131) « ان سبب
نزول هذه الآية قضية الوليد بن عقبة مع بني المصطلق » ، ولا يرى الفخر الرازي في
تفسيره قصور سبب نزولها على هذه الحادثة وقال بعد نقله ما قيل في ذلك : « وهذا
جيد أن قالوا بأن الآية نزلت في ذلك الوقت وأما ان قالوا بأنها نزلت لذلك مقتصرا
عليه ومتعديا الى غيره فلا ، بل نقول : هو نزل عاما لبيان التثبت وترك الاعتماد على
قول الفاسق » ، وضعف الرأي القائل بنزولها بسبب هذه الحادثة وبين أن لفظ
الفاسق لا يطلق على الوليد . لأنه توهم وظن فأخطأ ، والمخطىء لا يسمى فاسقا ،
والفسق في أكثر المواضع خروج من ربقة الايمان (132) .
وبقطع النظر عن خصوص سبب نزولها أو تعميمه فإن الذي لا شك فيه تنبيهها
إلى وجوب التحري في قبول الخبر والتثبت في نقل الفاسق . والرسول صلى الله عليه.
وسلم نهى عن الكذب عليه وتوعد بالنار فاعل ذلك قال عليه السلام: « من كذب
علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (133) وحذر من رواية المكذوب واعتبر راويه .
كاذبا ، قال: « من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد
(130) سورة الحجرات : 6
(131) الجرح والتعديل 2 : 4 - 5
(132) مفاتيح الغيب 28 : 119
(133) حديث متواتر المنذري، الترغيب والترهيب: 1 : 111 (ط 2 1954/1373 الحلبى
مصر وانظر ما سبق ص 18
206

.:
الكاذبين » (134) ووصف بالكاذب من لم ينتق ما سمعه وقال : « كفى بالمرء
كذبا أن يحدث بكل ما سمع» (135).
وذكر صلى الله عليه وسلم معايب بعض الأشخاص لنصح السائل عنهم . عن
عائشة أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما رآه ، قال « بئس أخو
العشيرة وبئس ابن العشيرة » (136) أي بئس هذا الرجل من القبيلة . والمتكلم فيه
هو عيينة بن حصن ولم يكن أسلم حينئذ ، وان كان قد أظهر الإسلام فأراد صلى الله .
عليه وسلم أن يبين حاله ليعرفه الناس ولا يغتّوا به ، وفعل الرجل في حياته ما دل على
ضعف إيمانه فقد ارتد زمن أبي بكر وأسر (137).
استنتج ابن حجر من هذا الحديث جواز ذكر الشخص بما فيه من عيوب لغاية
النصح . وقال القرطبي في الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك
من الجور في الحكم والدعوة الى البدعة (138) .
وجاء عنه عليه السلام في نقل آخر جرح بعض الرجال ، عن فاطمة بنت قيس
قالت : « فلما حللت (أي من العدة) ذكرت له (أي الرسول) أن معاوية بن أبي
سفيان وأبا جهم خطباني ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: « أما أبو جهم فلا
يضع عصاه عن عاتقه ، وأما معاوية فصعلوك لا مال له ، إنكحى أسامة بن زيد
فكرهته ثم قال : انكحي أسامة فنكحته فجعل الله فيه خيرا واغتبطت به» (139) .
أجاب عليه السلام المرأة ببيان أوصاف الرجلين نصيحة لها فدل قوله على جواز ذكر .
(134) صحيح مسلم ، المقدمة : 1
(135) صحيح مسلم ، المقدمة : 3 وابن عبد البر التمهيد 1 : 41
(136) صحيح البخاري 8 : 15 - 16
(137) النووي شرح مسلم 16 : 144
(138) فتح الباري 10 : 454
(139) صحيح مسلم بشرح النووي 10 : 97 - 98 كتاب الطلاق: 36
--
207

الشخص بما فيه عند طلب النصيحة لأنه ليس من الغيبة المحرمة ودلت أحاديثه
السابقة على وجوب كشف الكاذبين عليه ومتابعتهم .
والصحابة رضي الله عنهم مواقف في الجرح تمثلت في تثبتهم من المرويات ونقدها
واقتدى بهم التابعون فتكلم في الرجال من ذكرناهم سابقا ، قال الحسن البصري :
« أترعون عن ذكر الفاجر ، اذكروه بما فيه ليحذره الناس ، فان النصح في الدين
أعظم من النصح في الدنيا (140) » وكان ضعف الرواة في زمنهم محدودا ، ومأتاه
ضعف الضبط غالبا . وظهر أثره في رفع بعض الأحاديث أو وقفها . قال
السخاوي (141): « فلما مضى القرن الأول ودخل الثاني كان في أوائله في أوساط
التابعين جماعة من الضعفاء الذين ضعفوا غالبا من قبل تحملهم وضبطهم للحديث ،
فتراهم يرفعون الموقوف، ويرسلون كثيرا، ولهم خلط كأبي هارون العبدي (142).
فلما كان عند آخر عصر التابعين وهو حدود الخمسين ومائة تكلم في التوثيق
والتضعيف طائفة من الأئمة فقال أبو حنيفة : ما رأيت أكذب من جابر الجعفي !
وضعف الأعمش جماعة ووثق آخرين ، ونظر في الرجال شعبة وكان مثبتا لا يكاد
يروي إلا عن ثقة ، وكذا كان مالك ». وهذه المرحلة هى نهاية مرحلة التمهيد لعلم
الجرح والتعديل وبداية تقعيده ، فالكلام في الرجال وقع منذ النصف الثاني من القرن
الأول ولكنه استمر في تدريج وبداية من منتصف القرن الثاني صار فنا له قواعده فلم
يكتف النقاد بممارسته بل سألوا الأئمة منهم عن مشروعيته ليكون لهم في عملهم
مستند من الشرع ولم يبحث عن هذا سابقا لقلة المتكلم فيهم فأثيرت مسألة جواز
التجريح أو منعه عندما كثر الوضاعون ووقع الشك في صدق الرواة فكاد يختلط
الثقات منهم بالمتهمين ولا سبيل الى التمييز بينهم إلا بالنقد والكشف عنهم فوجد نقاد
الحديث أنفسهم بين أمرين : ضرورة نقد الرجال لمعرفة الحديث الصحيح والخوف من
(140) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 88
(141) فتح المغيث 3 : 318
(142) عمارة بن جوين، أبو هارون العبدي ، تابعي ضعيف . قال حماد بن زيد : كذاب .
الذهبي، المغني في الضعفاء 2 : 460 (ط 1، 1971/1391 ، البلاغة حلب)
208

الوقوع في الغيبة وهي ممنوعة ، فتساءلوا هل يعد الكلام في الرجال لحماية الحديث
غيبة أم لا ؟ وما هي المستندات التي تنفي الغيبة وتدعم مشروعية هذا العمل ، فبحثوا
وسألوا واقتدوا بالأئمة منهم ، فعن شعبة أنّه جيء اليه في يوم مطر ، فقال للقادمين :
« ليس هذا يوم حديث ، اليوم يوم غيبة ، تعالوا حتى نغتاب الكذابين» (143)
وعنه أنه سئل لو كففت عن الكلام في الرجال فطلب الامهال ليلة للتأمل في المسألة
بينه وبين الله تعالى، فلما كان من الغد أجاب السائل بأنه لا يسعه إلا أن يبين أمور
الناس (144). ومرّ برجل يحدث فقال: « كذب والله لولا أنه لا يحل لي أن
أسكنت عنه لسكت» (145) وقيل ليحيى بن سعيد القطان: « أما تخشى أن يكون
هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله تعالى ؟ فقال: « لأن يكون هؤلاء
خصمائي أحب إلي من أن يكون خصمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول لم
حدثت عني حديثا ترى أنه كذب ؟» (146) وعنه أيضا قال : « سألت شعبة
وسفيان ومالك بن أنس وسفيان بن عيينه عن الرجل يتهم في الحديث أو لا يحفظه ،
قالوا بين أمره للناس » (147)، وما يشبه هذا عن عبد الرحمن بن مهدي قال :
« سألت شعبة وابن المبارك والثوري ومالك بن أنس عن الرجل يتهم بالكذب فقالوا :
« انشره فانه دين» (148) ووصف عبد الله ابن المبارك رجلًا بالكذب فقال له
بعض الصوفية : « يا أبا عبد الرحمن تغتاب » ؟ فقال: « اسكت اذا لم تبين كيف
يعرق الحق من الباطل ؟ » (149) .
ونحو هذا الرأي نقل عن أحمد بن حنبل ، قال له أحدهم : انه ليشتد على أن أقول
(143) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 91
(144) نفس المرجع : 90
(145) نفس المرجع : 89
(146) الخطيب البغدادي ، الكافية : 90
(147) نفس المرجع : 88
(148) ابن عبد البر ، التمهيد 1 : 12
(149) الخطيب البغدادي ، الكافية : 91
209

فلان ضعيف ، فلان كذاب ، قال أحمد: « إذا سكت أنت وسكت أنا ، فمتى
يعرف الجاهل الصحيح من السقيم » (150) وذكر رجل بحضرة اسماعيل بن
علية (151) فقال عفان (152) : ان هذا ليس بثبت ، فقال رجل : اغتبته ، فقال
إسماعيل : « ما اغتابه ولكنه حكم أنه ليس بثبت»(153) وكان أبو مسهر يسأل عن
الراوي يخلط ويهم ويصحف فيقول : « بين أمره » ، فقال له أبو زرعة عبد الرحمن بن
عمرو (154): « أترى ذلك من الغيبة قال: « لا» (155). وجاء أبو تراب
النخشبى (156) الى الامام أحمد بن حنبل فوجده ينقد الرجال فقال له : « لا
تغتب العلماء يا شيخ » فالتفت اليه قائلا : ويحك هذا نصيحة ، هذا ليس
غيبة » (157) .
(150) نفس المرجع : 92
(151) اسماعيل بن ابراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم البصري أحد الأعلام ، وعليه أمه
720/110 ت 808/193 . سمع أيوب السختياني ، ومحمد بن المنذر ، وعطاء بن السائب ،
وحدث عنه شعبة ، وعبد الرحمان بن مهدي ، وابن المديني . الخطيب البغدادي ، تاريخ
بغداد 6 : 229 _ 240
(152) عفان بن مسلم أبو عثمان الأنصاري مولاهم البصري الحافظ الثبت محدث بغداد ولد بعد
الثلاثين ومائة ، سمع شعبة ، وهشام الدستوائي ، وحماد بن سلمة ، وعنه أحمد ، وابن معين والفلاس .
ت 835/220 . ابن حجر ، تهذيب التهذيب 7 : 230.
(153) الخطيب البغدادي، الكفاية: 89، الرازي ابن أبي حاتم ، الجرح
والتعديل ج 1 ق 1 : 23
(154) عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان أبو زرعة الدمشقي محدث
الشام ت 894/281 . حدث عن أبي مسهر الغساني ، وعفان ، وسليمان بن حرب ، وعنه أبو
داود، والطحاوي، والطبراني ابن أبي يغلي، طبقات الحابلة 1: 205 - 206
(155) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 92
(156) هو عسكر بن الحصين أو (ابن محمد بن الحسين) النخشبي ت 859/245 . أبو قراب
شيخ عصره في الزهد والتصوف ، اشتهر بكنيته حتى لا يكاد يعرف الا بها كتب كثيرا في الحديث
وأخذ عنه الامام أحمد وآخرون، الزركلي الاعلام 5 : 25 - 26 . السلمي أبو عبد الرحمن ،
طبقات الصوفية : 146 (ط 1 1953/1372 دار الكتاب العربي مصر)
(157) نفس المرجع : 92
210

وبين الامام مسلم حال بعض الرواة ثم قال إنه ذكرهم على سبيل المثال ليعرفوا هم.
وغيرهم فيوضعون في منازلهم « فلا يقصر بالرجل العالي القدر عن منزلته ولا يرفع
متضع القدر في العلم فوق منزلته ويعطى كل ذي حق حقه وينزل منزلته» (158) .
وذكر ابن أبي حاتم الرازي في تقدمة المعرفة بابين : الأول بعنوان باب وصف الرواة
بالضعف ان ذلك ليس غيبة والثاني باب في الواهي الحديث أن الواجب عن المسؤول
تبيين أمره ، وذكر فيه بعض النقول التي أوردنا بعضها (159) .
من هذه المواقف انطلق أئمة الجرح والتعديل يعدلون ويجرحون يقصدون بذلك
الحفاظ على السنة وتطهيرها من كل المندسين بين أهلها وأزيل كل شك يمكن أن
يقدح في مشروعية الجرح. قال الحاكم: «ان الاجماع على عدم جواز الاحتجاج في
أحكام الشريعة بغير حديث الثقات دليل على جواز جرح من ليس من أهل الحديث
ويستنتج أن الاخبار عما في الرجل على الديانة ليس بغيبة لأنه الطريق لمعرفة
الحديث » (160) .
ونقل الخطيب اجماع أهل العلم على رفض خبر غير العدل كرفض شهادته ورأى
وجوب سؤال المزكي عن المخبر ، والنظر في أحوال الناقلين احتياطا للدين ، وحفظا
للشريعة من تلبيس الملحدين الذين قد لا يعرف حقيقة حالهم من لم يمارس صناعة
الحديث ، فينقل عنهم أخبارا قد تفسد الشريعة وعقد بابا عنوانه : باب وجوب
البحث والسؤال للكشف عن الأمور والأحوال (161). وآخر عنوانه باب وجوب
تعريف المزكى ما عنده من حال المسؤول عنه (162) . ورغم انتهاء جمع الحديث
وتدوينه والتأليف في الرواة ومعرفة درجاتهم بالرجوع الى كتب النقاد فإن المتأخرين
(158) صحيح مسلم ، المقدمة
(159) الرازي ابن أبي حاتم ، تقدمة المعرفة : 23
(160) المدخل : 33 - 34
(161) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 78
(162) نفس المرجع : 81
211

حتى بعد المائة الخامسة تكلموا في المسألة ، فعدد الغزالي (163) المواضع التي يجوز
فيها ذكر عيوب الرجل لغرض شرعي ، ولخصها النووي فحصرها في ستة مواضع :
1 - التظلم فيجوز للمظلوم أن يصف ما ارتكبه ظالمه لمن له ولاية عليه .
2 - الاستعانة على تغيير المنكر فيرفع أمر العاصي للقادر على زجره :
3 - الاستفتاء ، فيحكي الشخص ما قام به غيره ضده ليسمع رأي المفتي في
ذلك .
4 - تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم وذلك من وجوه منها : جرح المجروحين
من الرواة والشهود للحاجة والمشاورة في مخالطة انسان ، والخوف على المتفقه من التردد
على المبتدع ، وعدم أهلية الوالي .
5 - المجاهرة بالفسق فيجوز ذكر ما يجاهر به الفاسق من الفجور.
6 - التعريف بأن يكون الانسان معروفا بوصف كالأعمش ، والأعرج ،
والأحول فيذكر ليعرف (164) .
وذكرها من بعده الامام السخاوي وأضاف مواضع أخرى يستباح فيها جرح
مرتكبي بعض الأفعال (165) .
وكان في الامكان الاستغناء عن ذكر آراء المتأخرين بيد أننا ذكرناها لأهمية
الموضوع ولأنه ظهر حتى بعد انتهاء عهد التدوين من مارس الرواية ولم يكن من أهلها
فيكشف النقاد أمره ، ومن ألف في الرجال وتساهل في التوثيق ، أو غالى في التجريح ،
أو لم يكن نزيها فبين أمره أيضا ، فطبيعة علم الجرح والتعديل تقضي نمو قواعدهوازدياد
· أسبابه تبعا للاوضاع الاجتماعية والسياسية وغيرها غير أن ما أضيف بعد القرون الأربعة
الأولى لم يتجاوز التوضيح والتعقيب وظهرت فائدته حقا في التنظيم .
(163) إحياء علوم الدين، 9 : 1613 - 1616
(164) رياض الصالحين: 538 - 540 (دار الكتاب العربي بيروت (ط 1 1393 /1973)
(165) الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ : 51 - 52
212

الرحلة في طلب الحديث
الرحلة مظهر من مظاهر البحث عن المعرفة ، عرفها المجتمع الاسلامي منذ فجر
الدعوة الاسلامية ، وأشار اليها القرآن ورغب فيها الحديث، واعتمدها المحدثون سبيلا
لجمعه والتأكد منه .
ففي حياته صلى الله عليه وسلم رحل اليه ضمام بن ثعلبة ليسمع منه مشافهة ما
بلغه رسوله عنه مما يتعلق بمحتوى الدين الجديد وأحكامه (166) ووفد اليه كثيرون
غيره ، وفي القرآن الكريم قال الله تعالى : « فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة
ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون» (167).
ويرى الفخر الرازي في تفسير هذه الآية أن الخروج للتفقه في الدين كان واجبا
زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وصار بعد ذلك مقيدا بما اذا لم يتم التعليم الا
بالسفر فاذا تم بدونه كان مستحبا ، وعلل ذلك فقال: « كان الأمر كذلك. لأن
الشريعة ما كانت مستقرة بل كان يحدث كل يوم تكليف جديد ، وشرع حادث ،
أما في زماننا فقد صارت الشريعة مستقرة فاذا أمكنه تحصيل العلم في الوطن لم يكن
السفر واجبا إلا أنه لما كان لفظ الآية دليلا على السفر لا جرم ، رأينا أن العلم المبارك
المنتفع به لا يحصل إلا بالسفر » (168) .
وأكثر طلاب العلم رحلة في الاسلام هم رجال الحديث ، لهذا رأى بعضهم أن
الآية تشملهم ، سئل حماد بن زيد ، هل ذكر رجال الحديث في القرآن ؟ فأجاب
(166) صحيح مسلم كتاب الايمان: 10 والترمذي كتاب الزكاة، والحاكم في معرفة علوم الحديث
ص : 258 دون أن يسمى ضماما ، وذكر البخاري الرحلة في كتاب العلم : 12، وأورد هذا
الحديث في نفس الكتاب في باب القراءة على المحدث ، وانظر المعجم المفهرس لالفاط
الحديث 2 : 336 "
(167) سورة التوبة : 122
(168) التفسير (مفاتيح الغيب) 16 : 227
213

بأنهم ذكروا في هذه الآية ، وإلى مثل رأيه ذهب عبد الرزاق الصنعاني محدث اليمن
ورأى الخطيب البغدادي أنها تشمل كل من يرحل في طلب العلم والتفقه فيه ويرجع
الى من وراءه يعلمهم اياه (169) .
ولا تضارب بين الرأيين فالآية نصت على السفر للتفقه في الدين ونشره بين من لم
يرحلوا ، وأهل الحديث جديرون بهذا الوصف ، وطبيعي أن تشمل غيرهم ممن لهم
نفس المقصد".
هذه الرحلة في القران ، أما الحديث فاعتبر طريق العلم طريقا إلى الجنة والمسافر في
طلبه قائما بعمل يقربه من الله تعالى ما دام مسافرا . عن أبي هريرة أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: « ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى
الجنة» (170)، وعن أنس قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من
خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع» (171) .
والأحاديث في هذا المعنى متعددة ، ومن بين العوامل التي دفعت الصحابة
والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم والحديث الى الإتحال في طلب الحديث والتثبت
فيه ، وفي حياته عليه السلام لم يكن مقصد التثبت موجودا ، وكان الطلب غير عسير
لأنه يتم بالرحلة اليه صلى الله عليه وسلم ، وبملازمته بالنسبة لمن كان معه بالمدينة ، أما
بعد موته فالرحلة صارت الى أصحابه ، وهؤلاء تفرقوا في الامصار فلزم على طالب
الحديث أن يجد في الاتصال بهم ، وكان التفرق أكثر في زمن التابعين ، فازدادت
الحاجة الى الارتحال . ورحل الصحابة الى الصحابة والتابعون الى الصحابة والى
بعضهم وهذه آراؤهم في الرحلة وبعض رحلاتهم .
(169) شرف أصحاب الحديث : 59 (أنقرة 1971)
(170) أخرجه البخاري في كتاب العلم ، فتح الباري 1 : 160، وأبو داود : كتاب العلم ، عون
المعبود، 10: 72 - 73، وأخرجه غيرهما. المنذري، الترغيب والترهيب 1 : 94 و104
(171) رواه الترمذي في كتاب العلم (عارضة الاحوذي 10: 116) المنذري، الترغيب
والترهيب 1 : 150
214

فعبد الله بن عباس «68» لم تجد اسمه بين المرتحلين فهو جدير بأن يرتحل اليه
ولكنه كان يقصد صاحب الحديث فيقيل ببابه في انتظار أن يحدثه ، فان لم يرتحل
خارج البلاد من أجل الحديث فقد انتقل داخلها ، قال : « كان يبلغنا الحديث عن
رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلو أشاء أن أرسل إليه حتى يجيئني
فيحدثنى فعلت ، ولكنني كنت أذهب إليه فأقيل على بابه حتى يخرج الي
فيحدثنى » (172) .
وعبد الله بن مسعود «32» لم تذكر الأخبار أنه ارتحل ونقل عنه ترغيبه في الرحلة
واستعداده لها اذا كان هناك من هو أعلم منه بالقرآن، قال: « لو أعلم أحدا أعلم
بكتاب الله تعالى مني تبلغه الابل لأتيته » (173) .
وقطع البعض المسافات الطويلة ليتلقى حديثا من راويه ، ذكر ابن عبد البر في
جامع بيان العلم ما يلي : « جاء رجل من المدينة إلى أبي الدرداء (174) بدمشق
ليسأله عن حديث بلغه أنه يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبو
الدرداء : ما جاء بك تجارة ؟ قال : لا ، قال : ولا جئت طالب حاجة ، قال : لا ،
قال : وما جئت تطلب إلا هذا الحديث ، قال : نعم ، قال فاشهد ان كنت صادقا
أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ما من رجل يخرج من بيته
يطلب علما إلا وضعت له الملائكة أجنحتها » الحديث (175) وهذا الرجل الذي
نأسف لعدم ذكر المراجع لاسمه أقرب الظن أنه صحابي أو تابعي كبير ، ومن المدينة
نفسها الموطن الأول للحديث ارتحل أبو أيوب الانصاري (176) الى مصر لا ليلتقي
(172) ابن عبد البر ، جامع بيان العلم وفضله 1 : 94
(173) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 569
(174) اسمه عويمر بن سعد ت 701/82 ابن حجر ، الاصابة 3 : 46 ابن عبد البر، الاستيعاب
بهامشها 3 : 15
(175) ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله 1 : 34 - 35
(176) هو خالد بن زيد بن كليب، أبو أيوب الأنصاري من كبار الصحابة توفي، غازيا
القسطنطينية 672/52 . ابن حجر ، الاصابة 1 : 405
215

حديثا بل ليتأكد من لفظه ، فقد سمعه من الرسول عليه السلام وخشي أن يكون نسي
منه شيئا ولم يبق ممن سمعه غير عقبة بن عامر (177) الموجود بمصر فسافر وتثبت من
الحديث ، وعاد إلى المدينة دون أن يحل رحله (178) .
ضحى أبو أيوب براحته ووقته في سبيل التثبت من حديث واحد ، ويبدو أنه ليس
لديه متسع من الوقت اذ أنه عاد بسرعة ولم ينتظر حتى جائزة الأمير ، ويضيف جابر
ابن عبد الله (68 أو 78) الى تحمل تعب السفر التضحية بالمال ، فيشتري جملا
ويسافر مسير شهر حتى يبلغ الشام من أجل حديث في المظالم بلغه عن صحابي
فيأخذه عن عبد الله بن أنيس (179) ويعود (180) .
هذه بعض رحلات الصحابة وقد دلت على مدى حرصهم على الحديث والرغبة
في جمعه ، والتأكد منه . ومما يسترعي الانتباه فيها أن بعضها كان من أجل حديث
وأحد ، وفيما يلي بعض رخلات التابعين ، ففيهم من عرف بكثرة الترحال عموما ولم
تصف لنا المراجع رحلاته من أجل الحديث ووصفت ما كان منها لطلب العلم عامة
كمسروق «63»، (181) الذي قال فيه الشعبي: « ما علمت أحدا من الناس
كان أطلب العلم في أفق من الآفاق من مسروق» (182)
وذكر ابن حجر أنه ارتحل من اليمن الى المدينة أيام أبي بكر ثم سكن
الكوفة (183) والمفهوم من قول الشعبى أن له رحلات كثيرة .
(177) صحابي قارىء، عالم بالفرائض والفقه ولي امارة مصر ثم عزل ت 677/58 . ابن حجر ،
الاصابة 2 : 482
(178) ابن عبد البر ، جامع بيان العلم وفضله 1 : 34
(179) هو عبد الله بن أنيس الجهني أبو يحي المدني مات بالشام 673/54 ، والحديث الذي سمعه
منه جابر كان في القصاص ، ابن حجر الاصابة 2 : 270
(180) النيسابوري الحاكم ، معرفة علوم الحديث: 7 - 8
(181) هو مسروق بن الأجدع الهمذاني الكوفي ، أحد الأعلام ، أخذ عن كبار الصحابة كعمر
وعلي ومعاذ . وعنه الشعبي وغيره . شهد له بطلب العلم والورع
(182) ابن حجر ، الاصابة 3 : 469
(183) تهذيب التهذيب 10 : 109
216

ومن الذين ارتحلوا للحديث خاصة سعيد بن المسيب (93). قال : « ان كنت
الأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد » (184) ويبدو من قوله أنه ارتحل
مرات وأن ما جمعه من الأحاديث تم بعد أتعاب شاقة . وإذا كان هذا حاله وهو الذي
أدرك كبار الصحابة وأخذ عنهم فان التابعين الذين جاءوا بعده كانوا أكثر ارتجالا
لتناقص الصحابة ، وتفرقهم ، وعسر الحصول على الحديث دون عناء الارتحال ، وهذا
أبو قلابة «104»، (185) يرتحل من النصرة الى المدينة ويقيم بها أياما ثلاثة من أجل.
حديث بلغه عن رجل فيها (186). أما أبو العالية «93»، (187) فيأبى أن
يكتفي بسماع الأحاديث من غير الصحابة ويرتحل ليسمعها منهم « كنا نسمع الرواية
بالبصرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما رضينا حتى رحلنا اليهم
فسمعناها من أفواههم» (188) . والشعبي من الذين مارسوا الرحلة وكانت له فيها
آراء فقد خرج من الكوفة الى مكة لأجل ثلاثة أحاديث ذكرت له وقال: « لعلي
ألقى رجلا لقي النبي صلى الله عليه وسلم أو من أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم (189)» ويرى أنه على طالب الحديث أن يجدّ ويبحث ليكون تعبه دليلا على
· تعلقه به ، وكالأجر الذي يدفع ثمنا ، حدّث مرة رجلا من أهل خراسان بحديث ثم قال
له : « أعطيتكه بغير شيء وان كان الراكب ليركب الى المدينة فيما دونه» (190).
ويعتبر الرحلة أمر هينا مهما بعدت اذا كانت نهايتها الحصول على كلمة حكمة
قال: « لو أن رجلا سافر من أقصى الشام الى أقصى اليمن ليسمع كلمة حكمة ما
(184) ابن سعد، الطبقات الكبرى 5 : 120
. (185) اسمه عبد الله بن زيد ابن سعد، الطبقات الكبرى 7 : 184 - 186
.(186) الرامهرمزي ، المحدث الفاصل : 223
(187) اسمه رفيع بن مهران الرياحي
(188) ابن عبد البر، التمهيد 1 : 56 . الخطيب البغدادي ، الكفاية : 569
(189) الرامهرمزي ، المحدث الفاصل : 224
(190) الحاكم ، معرفة علوم الحديث : 7 وابن عبد البر ، جامع بيان العلم 1 : 94
217

رأيت أن سفره ضاع» (191). وقام مكحول الشامي «112»، (192) بأطول
رحلة عرفناها عند التابعين. قال في وصفها: « كنت عبد بمصر لامرأة من بني
هذيل فاعتقتني . فما خرجت من مضر وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى ، ثم أتيت
الحجاز فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى ، ثم أتيت العراق فما
خرجت منها وبها علم إلا جويت عليه فيما أرى ، ثم أتيت الشام فغربلتها ، كل ذلك
. أسأل عن النفل فلم أجد أحدا يخبرني فيه بشيء حتی أتیت شیخا يقال له زياد ابن
. جارية التميمي فقلت له هل سمعت في النفل شيئا ؟ قال : نعم ، سمعت حبيب بن
مسلمة الفهري يقول: ((شهدت النبي صلى الله عليه وسلم نفل الربع في
البدأة (193) والثلث في الربعة » (194).
هذه الرحلة من مصر إلى الحجاز الى العراق الى الشام كلها في حديث واحد في
موضوع النفل وقد امتازت ببحث مستقض تمثل في جمع مكحول علمه من علم كل
قطر وصل اليه فتكون حققت نتيجتين هامتين : العثور على الحديث المرتحل من
أجله ، وجمع علوم الأقطار المسافر اليها .
ونختم قائمة المرتحلين من التابعين من الذين وقفنا على أخبارهم بذكر من عددهم
الرامهرمزي في المحدث الفاصل (195). قال: « رحل ابن شهاب الى الشام ، ويحي
(191) ابن عبد البر : جامع بيان العلم وفضله 1 : 95
(192) هو مكحول بن أبي مسلم شهراب بن شاذل (أبو عبد الله) الهذلي بالولاء، فقيه الشام في
عصره من حفاظ الحديث ، الزركلي ، الاعلام 8 : 212 الرازي ابن أبي حاتم ، الجرح
والتعديل ج 4 ق 1 : 407
(193) قال الخطابي : البدأة انما هي ابتداء السفر للغزو ، واذا نهضت سرية من جملة العسكر فاذا
وقعت بطائفة من العدو ، وكان لهم فيه الربع وتشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه فان قفلوا من
الغزوة ثم رجعوا فأوقعوا بالعدو ثانية كان لهم مما غنموا الثلث، وذهب ابن الأثير الى أن المراد
بالرجعة القفول من الغزو ، عون المعبود شرح سنن أبي داود 7 : 325
(194) عون المعبود شرح سنن أبي داود 7 : 424 - 425 ، صبحى الصالح، علوم
الحديث : 54 - 55
(195) ص : 231 - 232
218

ان أبي كثير الى المدينة للقاء من بها من أولاد الصحابة ، ومحمد بن سيرين الى
الكوفة » ومن بين الذين ارتحلوا من البصرة الى الكوفة حميد بن هلال ، وسليمان
التيمي ، وعبد الله بن عون .
واشتدت الحاجة الى الرحلة بعد هؤلاء ، وصارت كشرط لطلب الحديث وغدا في
الامكان عد غير المرتحلين من طلابه بينما أصبح من العسير ضبط أسماء المرتحلين لأنه
يكاد يكون من غير الممكن أن لا يرتحل طالب حديث ورغم وجود الامام مالك في
المدينة مهبط الوحي فإن كل من ترجم له لم يسكت عن عدم ارتحاله ولهذا فالذين
ذكروا هنا لم ينفردوا بالارتحال ، وانما اعتبروا كمثال لغيرهم أو خصوا بالذكر لميزة في
رحلاتهم ، وأورد الرامهرمزي (196) بالاضافة الى التابعين جماعة من الأئمة بعدهم
بعضهم قصد ناحية واحدة للقاء من بها فارتحل من البصرة الى الكوفة أو العكس
وبعضهم جمعوا بين الأقطار ، ومنهم عبد الله بن المبارك جمع بين اليمن والعراق ومصر
والجزيرة والشام .
وأحمد بن حنبل واسحاق بن راهوية جمعا بين العراق واليمن والجزيرة والشام
والحجاز .
وأبو حاتم ، وأبو زرعة الرازيان ، وهذا وصف رحلة للأول ثم رحلة للثاني كمثال
لبقية رحلات الآخرين لنرى ما يعانيه الرحالون وما يتحلون به من صبر .
فأبو حاتم قام بأول رحلة دامت سبع سنين ومشى فيها على قدميه ما يزيد على ألف
فرسخ ثم لم يحص ما زاد . انطلق من الري الى الكوفة ثم بغداد مرات ومن مكة الى
المدينة مرات ومن مصر الى الشام فتنقل بين كل مدن فلسطين وسوريا حاليا واحدة
واحدة ثم قصد بغداد وتمت هذه الرحلة في بداية طلبه وهو في سن العشرين ، وحكى
ما حصل له بالبصرة سنة أربع عشرة ومائتين من نفاد الزاد مدة ثمانية أشهر ، وما جرى.
(196) المحدث الفاصل : 229 وما بعدها
219

له من الجوع وهو خارج من المدينة الى مصر ، وما أصابه من اغماء أثناء الرحلة
(197)، وقام صديقه أبو زرعة برحلة دامت خمس سنوات أو تزيد من سنة سبع
وعشرين ومائتين الى سنة اثنتين وثلاثين خرج من الري فحج ، ثم قصد مصر فبقى
بها خمسة عشر شهرا باع أثناءها ثوبين له اشترى بثمنهما ورقا وكتب كتب الامام
الشافعي، ثم خرج إلى الشام فأقام بها ما أقام ثم قصد الجزيرة فبغداد فالكوفة فالبصرة بعد
الاقامة في كل بلد يحل به (198) .
. هذان نموذجان لرحلتين لإمامين من أئمة الحديث ونقده ، وبمثلهما قام أغلب من
انتسب لهذا العلم .
والذي نعت بختام الزحالين هو أبو مندة (199) وكلمة ختام لا تعني أن من جاء
بعده ، لم يرتحل وانما يريدون تفوقه على الكثيرين من قبله ومن بعده . فقد بدأ رحلته
العلمية سنة ثلاثين وثلاثمائة فاستمرت الى سنة خمس وسبعين وثلاثمائة زار أثناءها كل
المدن الهامة بالعالم الاسلامي ما عدا البصرة فقد وصل الى مشارفها ولم يدخلها لانه
سمع أن مسندها علي بن اسحاق الماذرائي قد فاجأه الموت فكره أن يدخلها من
بعده .
واستمع الى أكثر من سبعمائة ألف شيخ ، وقيل إن جملة ما كتبه في هذه الرحلة
الطويلة بلغ أربعين حملا . قال الذهبي : « وما بلغنا أن أحدا من هذه الأمة سمع ما
سمع ، ولا جمع ما جمع ، وكان ختام الرحالين » (200).
(197) الرازي، ابن أبي حاتم، تقدمة المعرفة: 359 - 360
(198) نفس المرجع : 340
(199). أبو عبد الله محمد بن اسحاق بن محمد بن يحي بن منده
الاصفهاني 922/310 - 1005/395 باصبهان. بدأ دراسة الحديث سنة 318 من كتبه
معرفة الصحابة. سيزكين، تاريخ التراث العربي 1 : 528 - 530
(200) الذهبي ، تذكرة الحفاظ 4 : 1033
220

هكذا ارتحل الصحابة والتابعون ومن بعدهم الأئمة من حفاظ الحديث لجمعه
والتثبت فيه بالتأكد من لفظه وسماعه من المروي عنه مباشرة مضحين بالراحة والوقت
والمال ، وهي أشياء حبيبة الى النفوس ولكنها هينة عند من تاق الى المعرفة وشغف
بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعزم على ألا يرويه إلا وقد تأكد من صحته ،
وكانت نتائج هذه الرحلات جمع الأحاديث الصحيحة ونشرها ومعرفة المروي عنه وتعدد
طرق الحديث الواحد فقد يجد المرتحل طريقا جديدا للحديث لم يسمع به في بلده ،
وتعود المحدثون بها واعتمدوها كمنهج وان لم يشترطوها في ذلك ولم يجرحوا من لم يرتحل
فإنهم لم يتسامحوا مع من ضعفت مروياته بسبب تركها فيمكن اعتبارها شرطا تكميليا
متى دعت الحاجة اليها لهذا استمرت في الفترات الموالية ولم تنقطع حتى بعد تدوين
الحديث وكانت من أكبر العوامل في نشره قبل التدوين وبعده .
الاسناد
السند : أخبار عن طريق المتن من قولهم فلان سند أي معتمد فسمي سندا لاعتماد
الحفاظ في صحة الحديث وضعفه عليه ، والاسناد رفع الحديث إلى قائله ، فهما
يتقاربان في معنى الاعتماد» (201) وعلى الاسناد مدار قبول المتن أو رده ، وأغلب
علوم الحديث كما رأينا سابقا تبحث في السند سواء من حيث تعديل وتجريح رجاله أو
ما به من اتصال أو انقطاع ورفع أو وقف وغيرها ، وهو مما خص الله به المسلمين دون
سواهم من أرباب النحل الأخرى فاليهود عرفوا نقولا وقفت دون موسى عليه السلام
بأجيال ، والنصاري ليس عندهم من المنقول الصحيح غير تحريم الطلاق ، وما عداه
فنقول بواسطة الكذابين والمجهولين ، أما نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي صلى الله عليه
وسلم مع الاتصال فما خص الله به المسلمين دون سائر الملل . فالخصوصية كما نص
على ذلك ابن حزم (202) تتمثل في عدالة الناقلين ، واتصال السند ، وبهما يصح
النقل وبدونهما يبطل .
(201) الطيبي، الخلاصة فى أصول الحديث: 30 (الارشاد بغداد 1971/1391)
(202) الفصل في الملل والنحل 2: 81 - 84 (ط 1 المطبعة الأدبية مصر 1317) السيوطي،
تدريب الراوي 2 : 159
221

قال أبو علي الجياني (203) : « خص الله تعالى هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها
مَنْ قبلها : الإسناد والأنساب والإعراب » (204). واعتبارا لما حققه الإسناد من
حفظ السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الاسلامي اعتبر من الدين لأنه حفظه ،
فهو عند ابن رشيد (205) جنة واقية من التقول على النبي صلى الله عليه
وسلم (206). فمنذ متى عرفه المسلمون ؟ وما أسباب نشأته ؟ وهل حصل تدريجيا
أم دفعة واحدة ؟ وهل إن ارسال التابعين يتنافى مع اعتنائهم بالإسناد ؟ ومن أشهر
من انتهى إليه علمه ؟ وما موقف أئمة الحديث منه ؟ من البديهي أن لا يكون مبحث
الاسناد معروفا عند كبار الصحابة لسماعهم المباشر من الرسول عليه السلام ،
ولقرب العهد به بالنسبة لمن حدثوا بعد موته ، فالمحدث منهم إما أن يكون سمع منه
صلّى الله عليه وسلم أو من صحابي مثله، سمحت له ظروفه بأن يكون أطول ملازمة
للرسول فكان أكثر حديثا ، وفي الحالة الثانية فإن منهم من أسند فروى عمن بلغ له
عن الرسول صلى الله عليه وسلم ليكون وفيا في النقل أمينا في الأداء ، صنع هذا أبو
أيوب بتحديثه عن أبي هريرة ولما قيل له هو أنت صاحب رسول الله وتحدث عن أبي
هريرة قال: «أن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع واني إن أحدث
عنه أحب إلي من أن أحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعني ما لم أسمعه
منه (207)، وأبو أيوب مات سنة «52» فيكون أسند قبل هذا التاريخ بدافع
الصدق والتحري فيما أنه سمع من أبي هريرة ، فمن الطبيعي أن يسند اليه ما سمعه عنه
فتلك طبيعة كل مخبر وفي يدفعه التحري الى أن لا ينقل مباشرة عن المسند اليه. إلا ما
(203) هو الحسن بن محمد بن أحمد الجياني الأندلسي 1035/427 ت 1104/498 من
الجهابذة الحفاظ الاثبات . ابن بشكوال ، الصلة 1 : 144
(204) السيوطي، تدريب الراوي 2 : 160
(205) محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن ادريس الفهري السبتي ت 1259/657، كحاله معجم
المؤلفين 11 : 93
(206) ابن رشيد ، افادة النصيح بالتعريف بسند الجامع الصحيح: 1 (الدار التونسية للنشر)
(207) ابن كثير، البداية والنهاية 8 : 109 (ط 1 نشر مكتبة المعارف بيروت والنصر،
الرياض 1966)
222