Indexed OCR Text
Pages 161-180
من كبار التابعين فصغارهم ، فأتباعهم وفي هؤلاء جميعا نقاد ممن ذكرناهم في عهد التابعين وممن سنذكرهم ممن بعدهم من أهل البصرة ، والكوفة وواسط وبغداد ، وكثرتهم دليل على ما اتسم به قطرهم من التزيد في الأحاديث وعلى عنايتهم بنقده مما يطمئن الى ما رواه ثقاتهم . ومن ردود الفعل السيئة التي نتجت عن وضع الشيعة للأخبار المنسوبة اليه صلى الله عليه وسلم وضع بعض الجهلة من أهل السنة أخبارا في مدح بقية الخلفاء الراشدين وأخرى في مناقب معاوية . والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم مدحهم الرسول صلى الله عليه وسلم وتضمنت كتب الصحاح ذلك في باب مناقب الصحابة ولكن بعض الجماعة دفعتها العاطفة إلى التزيد فيها فوضعت الأخبار زورا ، ومنها خبر طويل عن عائشة مرفوعا في مناقب أبي بكر رضي الله عنه : « ... لا يكون لي ضجيعا في حفرتي ولا أنيسا في وحدتي ولا خليفة على أمتي إلا أبوك بايع على ذلك جبريل وميكائيل وعقدت خلافته براية بيضاء وعقد لواؤه تحت العرش » (80). وخبر ثان في مدحه ومدح عمر رضي الله عنهما عن أبي هريرة مرفوعا « تفاخرت الجنة والنار فقالت النار للجنة أنا أعظم منك قدرا قالت ولم؟ قالت لأن في «الفراعنة والجبابرة والملوك وأبناءهم فأوحى الله تعالى الى الجنة أن قولي بل لي الفضل اذ زينني الله لأبي بكر وعمر » (81). وثالث في مدح عثمان ، عن أنس قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أدخلت الجنة فناولني جبريل تفاحة فانفلقت في يدي، فخرجت منها جارية كأن أشفارٍ عينيها مقاديم النسور فقلت لها لمن أنت ؟ فقالت للمقتول بعدك ظلما عثمان ابن عفان » (82). (80) السيوطي، اللآلىء المصنوعة 1 : 290 - 291 (81) نفس المرجع 1 : 305 (82) السيوطي ، الآلىء المصنوعة 1 : 314 163 ومما قيل في معاوية « الأمناء عند الله ثلاثة جبريل وأنا ومعاوية » (83) ، جاء بطرق متعددة لم يصح منها واحد . « ويبعث معاوية يوم القيامة عليه رداء من نور» (84) وما كانت كل هذه الأكاذيب لتصدر عن الشيعة ولا عن خصومهم لو لم تحدث تلك الانقسامات السياسية وتفترقُ الأمة أحزابا . الخوارج اختلف الرأي في مشاركتهم في وضع الحديث ، فمن المحدثین من یرميهم بذلك ، ومنهم من يخرج الأخبار التى تتهمهم تخريجا يثبت براءتهم . ومن هذه الأخبار ما جاء عن عبد الرحمن بن مهدي أن الخوارج والزنادقة وضعوا هذا الحدیث «إذا روي عنني حديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردّوه» ولاحظ مصطفى السباعي (85) انه من وضع الزنادقة وتساءل عن سبب اجتماعهم مع الخوارج في وضعه، وعن صحة نسبة روايته إلى ابن مهدي، وبين أن المنقول عن غيره نسبته إلى الزنادقة فقط واستدل على ذلك بما جاء في عون المعبود (86) من قول الخطابي عقب هذا الخبر « حديث باطل لا أصل له، وقد حكى زكرياء الساجي عن يحي بن معين أنه قال : « هذا حديث وضعته الزنادقة » ، ونقل قول الخطابي أيضاً. الفتني في تذكرة الموضعات (87) . وأضاف السباعي دليلا آخر وهو أن بعض المحدثين حكم على هذا الحديث بالضعف دون الوضع . (83) ابن الجوزي ، الموضوعات الكبرى 2 : 17 (84) نفس المرجع 23 (85) السنة قبل التدوين : 97 (86) 12: 356، وانظره في ابن الجوزي، الموضوعات الكبرى 1: 257 - 258 (87) ص 28 .. 164 ودعم نفي الوضع عنهم بأدلة منها : تقواهم وتكفيرهم مرتكب الكبيرة ، وذكر موقفهم من الكذب نقلا عن المبرد قال: « والخوارج في جميع أصنافها تبرأ من الكاذب ومن ذوي المعصية الظاهرة » (88) . وأشار الى نقاوتهم من الدخلاء بينهم ، وصراحتهم ، وعدم التجائهم إلى التقية ، واستشهد بقول أبي داود: « ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج » (89) وبما يماثله عن ابن تيمية وهو قوله: « وليسوا ممن يتعمدون الكذب بل هم معروفون بالصدق حتى يقال إن حديثهم من أصح الحديث» (90)، وبخصوص الأثر المنسوب إلى شيخ متهم « إن هذه الاحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا ». قال السباعي: « رواه حماد بن سلمه عن شيخ رافضي فلم لا تكون نسبته إلى الخارجي خطأ» ومما أيد به ما ذهب إليه قوله « لم نعثر لهم على حديث واحد موضوع ، ولم نعثر على خارجي عد من الوضاعين ». ونقل عجاح الخطيب (91) الأخبار الثلاثة التي تتهمهم ، وهي باللفظ المذكور سابقا وقد أوردها الرامهرمزي (92) والبغدادي (93) والسيوطي (94) وقال: « انها كل ما وجد كدليل على وضع الخوارج ، وهي أخبار ثلاثة بمعنى واحد وطرق مختلفة » ، واستشهد بما يدل على صدقهم بما ذكره السباعي . (88) الكامل في الادب 2 : 106 (حجازي 1365) (89) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 207 (90) المنتقى من منهاج الاعتدال : 22 - 23 ونص القول: « والخوارج مع مروقهم من الدين فهم من أصدق الناس حتى قيل إن حديثهم من أصح الكتب » . (91) السنة قبل التدوين : 204 (92) المحدث الفاضل : 416 (93) الكفاية : 198 (94) اللالىء المصنوعة 2 : 248 165 وبالتأمل في هذه الشواهد ، وما قاله المتقدمون والمعاصرون يتضح أنه ليس هناك أدلة قاطعة تنفي عن الخوارج تهمة الوضع كما أنه ليس هناك ما يثبتها فيترجح على وجه الاحتمال أنهم سلموا منه كفرقة فلم يضعوا ما يؤيد مبادئهم ولا يمنع أن يكون بعض الأفراد منهم وقعوا فيه . والوجوه المساندة لبراءتهم هي الشك في الأخبار التي تتهمهم ، واتحاد معناها رغم اختلاف رواتها ، وعدم وجود أحاديث من وضعهم ، وشهرتهم بالصدق . وهي مجرد احتمالات إن برأتهم من الوضع كفرقة فانها لا تنجيهم من وزر الفتنة التي أضرموها بخروجهم عن الجماعة، وتكفيرهم لمخالفيهم ، وبسبب كل ما خالفوا فيه الجمهور . حد الخلافات العقدية كان أثر الخلافات العقدية، في وضع الحديث أقل من أثر الخلافات السياسية ؛ فرغم وجود أخبار منسوبة كذبا إلى الحديث في أبواب العقيدة کالايمان ومسائله فان أكثرها من وضع الزنادقة ، أما الفرق العقدية الاسلامية فإنها وإن لم تنج من الوضع بشهادة بعض التائبين منهم كقول أحدهم : « أنظروا هذا الحديث ممن تأخذونه فانا كنا إذا رأينا رأيا جعلنا له حديثا »، فإنهم لم يشتهروا به كثيرا وعرف به أفراد. منهم (95) . المرجئة : فبالنسبة للمرجئة وهي من أقدم الفرق قال الحاكم أبو عبد الله « كان محمد بن القاسم الطائكاني من رؤوس المرجئة ، يضع الحديث على مذهبهم » (96) . وذكره (95) ابن الجوزي ، الموضوعات الكبرى 1 : 38 (96) نفس المرجع 1 : 39 ، السيوطي تدريب الراوي 1 : 285 166 أيضا في الذين وضعوا في فضائل الأعمال (97). وقال ابن حبّان: « روى عن أهل خراسان أشياء لا يحل ذكرها في الكتب » (98) . القدرية : ما وجدناه في خصوص القائلين بالقدر هو ما أورده ابن أبي حاتم الرازي (99) ، ونقله السخاوي (100) عن محرز أبي رجاء القدري القائل بعدما تاب « لا ترووا عن أحد من أهل القدر شيئا فوالله لقد كنا نضع الأحاديث ندخل بها الناس في القدر نجتسب بها ، وانفرد ابن أبي حاتم بهذه الزيادة « ولقد أدخلت في القدر أربعة آلاف من الناس». قال الناقل عن أبي رجاء : كيف تصنع بمن أدخلتهم قال : « هو ذا أخرجهم الأول فالأول » (101) . وأبو رجاء عرف بالتدليس عن مكحول ، ونبه ابن حبان الى أنه لا يعتبر بحديثه الامان بين ، فيه السماع، واعتبره أبو حاتم الرازي شيخا. واتهمه الذهبي برواية المناكير ، وللاجري عن أبي داود نقلان فيه « ليس به بأس وثقة » ولم يشر المترجمون. له (102) الى اعتناقه القدر ، وقد أوردنا قوله وبينا منزلته لنعرف درجة ما قيل فيه . ومن الذين وضعوا من القدرية المتأخرة - أي المعتزلة - أبو العيناء (103) والجاحظ قال أبو العيناء بعدما تاب : « أنا والجاحظ وضعنا حديث فدك وأدخلناه (97) المدخل : 19 (98) الذهبي ، ميزان الاعتدال 4 : 12 (99) الجرح والتعديل ج 1 ق 1 : 32 (100) فتح المغيث 1 : 240 (101) الجرح والتعديل ج 1 ق 1 : 33 (102) الرازي ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل ق 1 ج 4 : 345 الذهبي ميزان الاعتدال 4 : 524 (103) هو محمد بن القاسم حدث عن أبي عاصم النبيل ت 817/202 ، قال الدارقطني : ليس بالقوي ، الذهبي ، ميزان الاعتدال 4 : 13 . 167 على الشيوخ ببغداد فقبلوه إلا ابن أبي شيبه العلوي ، فانه قال لا يشبه آخر هذا الحديث أوله فأبى أن يقبله » (104) . الكرامية : ذكرنا من قبل (105) تجويزهم وضع الحديث في الترغيب والترهيب. السالمية : نسب ابن الجوزي (106) ومن بعده السخاوي (107) ثم السيوطي (108) الوضع إلى جماعة من السالمية بسبب تعصبهم لمذهبهم ، وهم فرقة خالفت في الأصول وظهرت بالبصرة في القرنين الثالث والرابع بين المتكلمين المالكية من ذوي النزعات الصوفية (109) . ولم تذكرهم كثير من المراجع فضلا عن أن تشير الى وضعهم للحديث ونظن أن هذا الوضع كان قليلا ، اذ لو كثر لتعدد نقله : مسائل وضعت فيها أحاديث : ومن المسائل الكلامية التي وضعت فيها بعض الأخبار تأييدا للآاراء المتقابلة مسألة زيادة الايمان ونقصانه وقضية خلق القرآن . وزيادة الإيمان ونقصانه أمر ثابت عن السلف الصالح ولكن التنصيص عليها بعبارة يزيد وينقص واضافتها الى الحديث هو المختلق، واعتبر ابن تيمية (110) تضمن الحديث لهذه العبارة دليل على وضعه ملاحظا ثبات الزيادة والنقصان بغير نص (104) النيسابوري الحاكم أبو عبد الله المدخل : 19 (105) انظر ما سبق 126 (106) الموضوعات الكبرى 1 : 38 (107) فتح المغيث 1 : 239 (108) تدريب الراوي 1 : 288 (109) دائرة المعارف الإسلامية 11 : 69 (110) المنار المنيف: 119 (ط 1 مكتب المطبوعات الاسلامية حلب 1970/1390) 168 الحديث ومن أمثلة ما وضع: « الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ، ومن قال غير هذا . فهو مبتدع» (111) . ومنها «الايمان لا يزيد ولا ينقص» (112). ولمحمد بن القاسم الطائكاني المرجىء خبر طويل موضوع في ابطال زيادة الايمان ونقصانه ومحتواه يناسب ما تزعمه المرجئة من أن الإيمان تصديق فقط دون اعتبار للأعمال . ومعلوم أن الأعمال هي التي تظهر فيها الزيادة والنقص . وسئل الامام البخاري عن خبر منسوب إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم بهذه الصيغة « الإيمان لا يزيد ولا ينقص » ، فكتب على ظهر الكتاب الذي حوى الخبر « من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد » (113) . وأما مسألة خلق القرآن فوضعت أحاديث في اثباتها من الجهمية وأخرى في نفيها من متعصبي أهل السنة ، ومن أمثلة ذلك « القرآن كلام الله غير مخلوق فمن قال بغير هذا فقد كفر». قال السخاوي: « هذا الحديث من جميع طرقه باطل وأورده ابن الجوزي في الموضوعات » (114) . وقضية خلق القرآن لم تبحث في عهده صلى الله عليه وسلم فلم يتحدث لا في اثباتها ولا في نفيها ، وهذا ما جعل أهل السنة يمتنعون عن بحثها وينكرون ما استحدث فيها من رأي . ردود الفعل الناتجة عن ظهر الفرق : ان ظهور الفرق ذاته كان مدعاة لدفع بعض الجهلة الى وضع أخبار في ذمها (111) ابن الجوزي ، الموضوعات الكبرى : 1 : 130 (112) نفس المرجع 1 : 132 (113) القاري علي بن الملا ، الاسرار المرفوعة: 45 - 46 (114) السيوطي، اللآلى المصنوعة 1 : 5 القاري علي بن الملا الاسرار المرفوعة : 259 169 تضمن بعضها ذم كثير منها في نص واحد كالمرجئة والقدرية والروافض والخوارج وحوى بعضها ذم فرقة واحدة (115) . الخلافات الفقهية حكى أبو العباس القرطبي عن بعض أهل الرأي أن ما وافق القياس الجلي جاز أن ينسب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسبة قولية فيقال في ذلك قال رسول الله ، ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة لأنها تشبه فتاوي . الفقهاء ولا تليق بجزالة كلام سيد المرسلين ولانهم لا يقيمون لها سندا صحيحاً قال : هؤلاء يشملهم الوعيد في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم (116)، وذهب الصنعاني الى أن أهل الرأي المقصود بهم الحنفية (117) وما نسب الى أهل الرأي من الفقهاء هو اما من وضع متعصبيهم أو من غيرهم ونسب اليهم لأن الفقيه العالم بالأحكام الشرعية لا يبيح لنفسه التزيد فيها . فمما وضعه غيرهم وحسب عليهم قول محمد بن عكاشة الكرماني في الرد على القائلين برفع اليدين في الركوع: « من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له » . فهل يحسب هذا الخبر على الفقهاء وهو من وضع المحترفين ؟ ومن ردود الفعل التي أحدثها القول بالرأي وضع أخبار في ذمه نحو « من قال في ديننا برأيه فاقتلوه » (118) وأخرى في التعصب للأئمة أصحاب المذاهب الفقهية مثل ما أسند إلى أبي هريرة مرفوعا : « يكون في أمتي رجل اسمه النعمان وكنيته أبو. حنيفة هو سراج أمتي » . قال الخطيب هكذا حدث - أعني واضعه محمد بن سعيد المروزي (115) ابن الجوزي ، الموضوعات الكبرى 1 : 276 (116) السخاوي، فتح المغيث 1 : 245 (117) توضيح الافكار 2: 87 (118) ابن الجوزي ، الموضوعات الكبرى 3 : 94 - 95 170 البورقي - (119) في بلاد خراسان ثم حدث به بالعراق وزاد فيه « وسيكون في أمتي رجل يقال له محمد بن ادريس فتنة على أمتي أضر من فتنة ابليس» (120). ولا لزوم لان يكون الواضع نفسه متعصبا لأبي حنيفة بل قد يكون متقربا للجهلة من أتباعه . المتعصبون للجنس. هؤلاء جماعات تأثروا بالاحوال السياسية والظروف الاجتماعية وشعروا بضعف مكانتهم فعمدوا إلى الافتخار بأصلهم ولغاتهم وبلدانهم والى استنقاص غيرهم إثباتا لمكانتهم. وحدث رد الفعل فتبودل الذم وصار الممدوح مذموما والعكس . ويظهر أن الشعوبيين هم الذين بدأوا بتمجيد الفرس ومدح لغتهم فرد عليهم ضعاف الإيمان من العرب . وكنا ذكرنا من قبل أمثلة من وضع الشعوبيين في مبحث الزنادقة . ونسب اليهم البعض أحاديث في مناقب أبي حنيفة لأنه من أصل فارسي كالخبر السابق وكقول الزاعم منهم « إِن سائر الأنبياء يفتخرون بي وأنا افتخر بأبي حنيفة من أحبه فقد أجبني ومن أبغضه فقد أبغضني » (121) . وما رد به العرب علیهم « من غش العرب لم يدخل في شفاعتي ولم تنله مودتي » ، « وأحبوا العرب لثلاث: لأني عربي ، والقرآن عربي ، ولسان أهل الجنة عربي » (122) . (119) قال الذهبي: « البورقي أحد الوضاعين بعد الثلاثمائة ت 980/318 ميزان الاعتدال 3 : 566 (120) السيوطي ، اللآلى المصنوعة 1 : 457 (121) أحمد أمين، ضحى الاسلام 1 : 76 (122) الليثي سميرة مختار ، الزندقة والشعوبية : 182 171 وشمل التفاضل بين العرب والفرس اللغة فكان مما وضع في ذلك ، « أبغض الكلام إلى الله تعالى الفارسية » (123). « والذي نفسي بيده ما أنزل الله من وحي قط على نبي إلا بالعربية ثم يكون هو بعد يبلغه قومه بلسانهم » (124) . ومنها أخبار في ذم بعض الأجناس من غير العرب والفرس ، كالترك مثل « الترك أول من يسلب أمتي ما خولوا » . ومثل : « ليكونن الملك أو قال الخلافة في ولدي حتى يغلب على عزهم الحمر الوجوه الذين كأن وجوههم المجان المطرقة» (125). ومن الأخبار في ذم المماليك : « شر المال في آخر الزمان المماليك» ومنها في ذم الأحباش والسودان « دعوني من السودان ، انما الأسود لبطنه وفرجه ». وخبر رؤيته عليه السلام طعاماً وسؤاله لمن هذا ؟ قال العباس : « للحبشة أطعمهم » قال : « لا تفعل إنهم إن جاعوا سرقوا ، وان شبعوا زنوا » (126). وحسب نص الخبر فهم لا يصلحون في أي حال وهذا لا يتناسب وتعاليم الاسلام العالمية التي ترفض التعصب في كل وجوهه وكل هذه الأخبار من تأثير الأوضاع السياسية والاجتماعية . التعصب للبلدان : تسرب الوضع الى التفاخر بالبلدان واستنقاصها فوضعت أخبار في الاشادة بعضها وأخبار في ذم أخرى . (123) ابن الجوزي ، الموضوعات الكبرى 1 : 111 (124) ابن الجوزي ، الموضوعات الكبرى 1 : 112 (125) الحموي ياقوت ، معجم البلدان . ج 1 ق 2 : 838 (126) ابن قيم الجوزية ، المنار المنيف : 101 1.72 من ذلك ما جاء عن أنس مرفوعا : « يحول الله تعالى يوم القيامة ثلاثة قرى من زبرجدة خضراء تزف الى أزواجهن عسقلان والإسكندرية وقزوين»(127). ومما يذكر أن ميسرة بن عبد ربه (128) وضع في فضائل قزوين نحوا من أربعين حديثا كان يقول « اني احتسب في ذلك » (139) . وأحيانا يشتمل الخبر الموضوع على مجموعة من أسماء المدن حتى كأنه نص جغرافي كالخبر الذي ادعى واضعه ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبدى عدم ارتياحه لأقليم خراسان فإذا بعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه يمدح مدنه واحدة واحدة كمرو ، والطالقان ، والشاس ، وبخاري ، وسمرقند ، وطوس ، وخوارزم ، وجرجان ، وقومس ، ويستند في بعض معلوماته إلى ما أخبره به الرسول صلى الله عليه وسلم (130) . ومما نشأ عن الوضع الاجتماعي وما حدث فيه من ملاه وضع أخبار في حكم اللعب بالشطرنج .. قال ابن تيمية: « وأحاديث اللعب بالشطرنج ــ اباحة وتحريما ... كلها. كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وانما يثبت فيه المنع عن الصحابة» (131) . وأورد الفتني في تذكرته خبرا منسوبا له صلى الله عليه وسلم » « من لعب بالشطرنج فهو ملعون » وقال: « لم يثبت من هذا الباب شيء » . (132) (127) السيوطي، اللآلىء المصنوعة 1 : 463 (128) هو ميسره بن عبد ربه الفارسي ثم البصري روى عن ابن جريح والأوزاعي وغيرهما وعنه شعيب ابن حرب وغيره، قال فيه ابن حيان: « كان ممن يروي الموضوعات عن الاثبات ويضع الحديث وهو صاحب حديث فضائل القرآن الطويل. ابن حجر، لسان الميزان 4 : 230 - 232 (129) ابن الجوزي ، الموضوعات الكبرى 1 : 41 (130) السيوطي، اللآلىء المصنوعة، 1: 467 - 468 (131) ابن قيم الجوزية ، المنار المنيف : 134 (132) ص 177 173 الساعون وراء المطامح الدنيوية : وجد في المجتمع أناس استخدموا الحديث لأغراضهم الشخصية وتحقيق مطامعهم ، فمنهم من وضع ليتقرب الى السلطان كغياث بن ابراهيم (133) . الذي . أضاف عبارة « أو جناح» الى الحديث الصحيح « لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافز » (134) عندما رأى المهدي مشتغلا بالحمام . وكان موقف الخليفة منه لافتا. للنظر ، فمع شهادته عليه بالوضع. وذبحه الحمام جازاه فلم هذه المجازاة ؟ أو لم يكن العقاب أولى ؟ ومنهم من كان دافعه نفسانيا كسعد بن طريف (135) الذي تأثر عندما ضرب المعلم ابنه فقال: « والله لاخزينهم ـ أي المعلمين - حدثني عكرمة عن "ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « معلمو صبيانكم شراركم» (136) . ومنهم الذين ذموا بعض المهن أو مدحوها . فكانوا كالذين يتولون الاشهار . القصاصون : من القصاصين من يضع ومنهم من يحفط الموضوع لأنهم يريدون أحاديث في الرقاق ترغب وترهب ، والصحاح فيها هذا وغيره مما يشق عليهم حفظه . ومما لا يفهمه بعضهم ولا يرغب فيه مستمعوهم . وقد حلل ابن قتيبة هدف القاص ونفسية العامي فقال: « والقصاص على قديم الأيام ، فإنهم يميلون وجوه العوام إليهم ويستدرون ما عندهم بالمناكير ، والغريب ، (133) روى عن الأعمش، وعنه بقية، قال فيه البخاري : تركوه ، النووي ، شرح مسلم 1 : 56 الذهبي ، ميزان الاعتدال 3 : 337 - 338 (134) خرجه أصحاب السنن الأربعة والامام أحمد، انظر المعجم المفهرس لالفاظ الحديث 2 : 403 (135) هو سعيد بن طريف الحنظلي الكوفي سمع عكرمة . ابن معين : لا يحل لاحد أن يروي عنه، أحمد وأبو حاتم ضعيف ، النسائي ، والدراقطني متروك الرازي ابن أبي حاتم ، الجرح والتعديل ج 2 ق 1 : 86 (136) ابن الجوزي ، الموضوعات الكبرى 1 : 42 174 والاكاذيب من الاحاديث . ومن شأن العوام القعود عند القاص ما كان حديثه عجيبا خارجا عن فطر العقول . أو كان رقيقا يحزن القلوب ، ويستغزر العيون» (137) ثم ذكر مبالغاتهم في وصف نعيم الجنة ، واعتمادهم في بيانه على الوسائل الملموسة لدى السامع من القيس والعد فقال : « فاذا ذكر الجنة ، قال فيها الحوراء من مسك ، أو زعفران ، وعجيزتها ميل في ميل ، ويبوىء الله تعالى وليه قصرا من لؤلؤة بيضاء فيه سبعون ألف مقصورة ، في كل مقصورة ، سبعون ألف قبة ، في كل قبة سبعون ألف فراش ، على كل فراش سبعون ألف كذا . فلا يزال في سبعين ألف. كذا ، وسبعين ألفا ، كأنه يرى أنه لا يجوز أن يكون العدد فوق السبعين ولا دونها » . وبين الرابطة بين القاص والسامع فذكر أنه كلما ازداد العجب وطال الجلوس كان العطاء أسرع وأكثر (138) . وظهر القصاص مبكرا كما رأينا فيما تقدم واستمروا الى ما بعد تدوين الحديث فلم يخل منهم عصر ولا مكان ومما عرفوا به الجرأة على الباطل ، صلى أبو حاتم البستي في جامع بمدينة بين الرقة وحران فسمع بعد الصلاة شابا يحدث بحديث فسأله هل رأيت من حدثت عنه؟ فقال : « لا» فقال له : « كيف تروي عنه ولم تره » ؟ فأجابه : « إن المناقشة معنا من قلة المروءة، وأنا أحفظ هذا الإسناد ، وكلما سمعت حديثا ضممته اليه » (139) . المتعالمون : ومن الذين وضعوا لأغراض دنيوية جماعات ادعت العلم وأرادت أن تكون لها منزلة بين المحدثين فتعالموا . (137) تأويل مختلف الحديث : 279 (138) تأويل مختلف الحديث : 280 (139) ابن الجوزي ، الموضوعات الكبرى 1 : 47 175 فكان منهم من يريد أن يجيب من سأله فيما عرف ، وما لم يعرف ، حتى لا ينعت بالجاهل كابراهيم بن أبي يحي (140) الذي سئل عن الغزل المتبقي من النسج عند الحائك هل هو له أو لصاحب الثوب ؟ فأجاب بخبر موضوع يتضمن تفصيلا للمسألة . ومنهم الذين عمدوا الى تركيب الأسانيد على غير متونها لتستغرب (141) فيطلبهم المحدثون ليسمعوا منهم كابراهيم بن اليسع (142) الذي كان يحدث عن جعفر الصادق ، وهشام بن عروة فيركب حديث هذا على حديث ذاك . ومنهم من كان يدعي السماع ممن لم يسمع منه فيدفعه الجهل بتواريخ الرواة الى الكذب المكشوف كالشيخ الذي حدث عن أنس فسمع منه الطلاب وعرضت أحاديثه علی هشيم (143) ، ویزید بن هارون (144) فصححاها فاشتری مغازي ابن اسحاق وحدث بها فسئل أين رأيته ؟ فبكى واعترف بأنه لم يره وانما أخبره أنس عنه فمزق سامعوه ما أخذوه عنه (145) . جهلة المتعبدين : لم ينخدع نقاد الحديث بمظاهر الصلاح التي تبدو عند بعض الناس وتأملوا فيما يروونه فتبين لهم كذب الجهلة منهم فتركوهم ، عن يحي بن سعيد القطان قال : (140) هو ابراهيم بن محمد بن أبي يحي الاسلمي المدني مولاهم ، كان قدريا جهميا اتهمه الإمام مالك ويحي بن معين وابن حيان ، وحدث عنه الثوري ، وابن حريج ووثقه الشافعي ت 184/ 800 الذهبي ، ميزان الاعتدال 1 : 57 - 64 (141) النيسابوري الحاكم ، المدخل : 24 (142) هو ابراهيم بن أبي حية أبو اسماعيل المكي، واسم أبي حية: اليسع بن أسعد . قال البخاري منكر الحديث . البخاري الضعفاء الصغير: 12 (ط 1 دار الوعي حلب 1396) (143) هشيم بن بشير (أبو معاوية) الواسطي نزيل بغداد 722/104 - 799/183 ثقة كثير الحديث ثبت لكنه كان يدلس . الخطيب البغدادي تاريخ بغداد 14 : 85 - 94 (144) يزيد بن هارون أبو خالد السلمي مولاهم الواسطي 736/118 - 721/206 حافظ متقن ، قال : « أحفظ أربعة عشر ألف حديث بالاسناد ». الذهبي تذكرة الحفاظ 1 : 318 (145) ابن الجوزي ، الموضوعات الكبرى 1 : 43 176 « ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب الى الخير والزهد » (146)، ويعني بهم الذين جهلوا فن صناعة الحديث وليس لهم من كال الورع ما يحميهم من التزيد فيه فادعوا أنهم رأوا انشغال بعض الناس عن العبادة بأمور الدنيا وانسياق البعض وراء الشهوات والانغماس فيها فسعوا الى ترغيبهم في ثواب الله تعالى وتخويفهم من عقابه وكأنهم ظنوا أن الشريعة ناقصة فعمدوا إلى اتمامها ، وما دروا أنها جاءت شاملة لكل جوانب حياة الانسان ، ومنهم أحمد بن محمد بن غالب (147) المعروف بغلام خليل (275) . قال أبو حاتم الرازي : « روى أحاديث مناكير عن شيوخ مجهولين ولم يكن محله عندي ممن يفتعل الحديث وكان رجلا صالحا » (148) وقد إعترف بوضع أحاديث الرقائق قائلا : « وضعناها لنرقق بها قلوب العامة » . وقيل له يوما « إِن من حدثت عنه ليس في سنك » فأجاب في الغد إن شيخه يشترك في الاسم مع آخرين ، ويعني هذا أنه غير الشيخ الذي اتهم بعدم السماع منه . ومن خطر هذا الرجل أنه كان زاهدا متصوفا أغلقت أسواق بغداد يوم موته (149) ، ومنهم أبو داود النخعي (150) القائم الليل الصائم النهار . ولكنه كان يضع الحديث ، وميسره بن عبد ربه الذي اعترف بما وضع زاعما أن قصده ترغيب الناس في محتوى ما وضعه ، قال له ابن مهدي : « من أين جئت بهذه الأحاديث : « من قرأ كذا فله كذا ؟ » قال: « وضعتها أرغب الناس فيها » (151). والغريب أن يجمع الشخص بين الوصف بالصلابة في السنة والذب عنها والشدة مع مخالفيها ثم يضع الحديث ، كأبي بشر أحمد بن محمد الفقيه المروزي الذي ذكرنا أنه وضع في فضائل قزوين (152) احتسابا ولا ندري ما الاحتساب في بيان فضلها ! (146) ابن الجوزي ، الموضوعات الكبرى 1 : 41 (147) الذهبي ، ميزان الاعتدال 1 : 141 - 142 (148) الرازي ابن أبي حاتم ، الجرح والتعديل ج 1 ق 1 : 73 . (149) ابن الجوزي ، الموضوعات الكبرى 1 : 40 (150) سليمان بن عمرو، وضع أحاديث في الحياكة والغزل والخل والزيت والرمان والمساواة بين الناس. الذهبي ، ميزان الاعتدال 2 : 216 - 218 (151 و(152) ابن الجوزي ، الموضوعات الكبرى 1 : 40 177 وأبو عصمت نوح بن أبي مريم (153) صاحب أخبار فضائل القرآن سورة سورة عن عكرمة ، ولما سئل عن سبب تفرده بها دون بقية أصحاب عكرمة اعترف بوضعها زاعما أنه قاوم بها اشتغال الناس بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن اسحاق (154) . ومن الصالحين الكذابين وهب بن حفص (155) ومحمد بن عكاشة الكرماني (156) ومحمد بن القاسم الطائكاني، ومأمون بن عبد الله الهروي (157). وبعضهم ذكرناه من قبل في الوضع في أغراض أخرى مما يدل على ما يشبه الاحتراف ويظهر قلة الدين . ومما نشأ عن الوضع الاجتماعي وما حدث فيه من ملاه هؤلاء الوضاعون وغيرهم من أصناف المجروحين الذين كانوا عاملا كبيرا في ظهور طبقات متوالية من النقاد كشفت عنهم وبينت أباطيلهم ، فمن هم نقاد الحديث الذين خلصوه مما شابه من أكاذيب ؟ (153) يزيد بن عبد الله أبو عصمت المروزي الملقب بنوح الجامع الذهبي ميزان الاعتدال 4 : 278 - 280 (154) الحاكم ، المدخل : 20 (155) ابن الجوزي ، الموضوعات الكبرى 1: 41 ، وعاش وهب الى سنة 250. الاعتدال 4 : 351 و355 الذهبي ميزان (156) الرازي ابن أبي حاتم ، الجرح والتعديل. 4 ق 2 : 52 (157) الذهبي ، ميزان الاعتدال 4 : 429 - 430 178 الفصل الثالث الأئمة النقاد المؤسسون لعلم الجرح والتعديل تمهيد : انبنى علم الحديث على الرجال فهم الذين حفظوه وتناقلوه وكان أولهم الصحابة رضي الله عنهم وقد بلغوه الى التابعين كما سمعوه . وهؤلاء في العدالة في درجة قريبة منهم بيد أنهم قد يخطئون من جانب حفظهم ثم أنهم عاشوا في فترة بدأ فيها أصحاب الاهواء من الفرق الإسلامية والمندسين بينهم ينتشرون فكان لا بد للراوي من معرفة من سمع منه الحديث ومن سيبلغه له فوقع الاعتناء بمعرفة الرجال وتكون النقاد وكانوا قليلين جدا زمن الصحابة ومن وجد منهم كان نقده محدودا لانعدام المجروحين فتسلط النقد على المتن ثم ازداد العدد في الفترة الاخيرة من عصر الصحابة والأولى من عهد التابعين بداية من منتصف القرن الاول الهجري وتضاعف في نهايته وأول الثاني . فنشأت طبقة من النقاد تتلمذوا على التابعين وعاصروا بعضهم حتى منتصف القرن الثاني ثم استقلوا بالوجود بعد الخمسين ومائة للهجرة تاريخ بداية عصر أتباع التابعين الممتد الى العشرين ومائتين . وفي هذه الفترة تكاثرت أسباب الجرح واحتيج إلى التفتيش عن الرواة ونقد الأسانيد فتأسس علم الجرح والتعديل وتوالى ظهور النقاد وأخذ كل منهم ما سنه 179 السابق من القواعد وأضاف اليها ما رأى ضرورة اضافته ونقل جرحه وتعديله فقبله أو عدله وتتابعوا في الظهور جماعة اثر جماعة يتتلمذون على بعضهم ويمارسون النقد ويتناقلونه شفاهيا ثم في الكتب وتبعا لفترات ظهورهم فهم وان أتوا على كلّ قواعد علم الجرح والتعديل فإنهم لم يضبطوها في تأليف مستقل ويبوبوها بل تكلموا عليها بالمناسبة عند نقدهم الرجال فتمثلت في أقوالهم المتناثرة في كتب التراجم ولعله ليس من المبالغة القول بأن هذا العلم لم يحظ بالتأليف المستقل الضابط لقواعده الى اليوم ، واكتفى اعلامه بالتأليف في الرجال واقتصر علماء المصطلح على تخصيص فصل له بين مؤلفاتهم رغم أن أصوله تمّ وضعها مبكرا . وحتّى أثمته ظلوا يذكرون ضمن الثقات أو الرواة عموما لا يميزهم إلّا الطول النسبي لتراجمهم وتكرر أسماء بعضهم في تراجم الآخرين ، وفي بعض الاقوال المتناثرة المشيرة اليهم . وترجم أبن أبي حاتم الرازي لمن ظهر منهم الى عصره في تقدمه المعرفة لكتابة الجرح والتعديل فكان له فضل السبق في تخصيصهم بالترجمة وجمع بعض ما قالوه في مسائل الجرح والتعديل وما قيل في بعضهم وبين في المقدمة (1) طبقات الرواة ومراتبهم ذاكرا أن الغاية من ذلك معرفة من كان منهم في منزلة الانتقاد والجهذة والتنقير والبحث عن الرجال والمعرفة بهم وهم أهل التزكية والتعديل والجرح . ومعرفة من كان منهم عدلا في نفسه من أهل التثبت في الحديث والحفظ له والاتقان فيه وهم أهل العدالة . ومنهم الصدوق في روايته الورع في دينه الثبت الذي يهم أحيانا ، وقد قبله الجهابذة النقاد فهذا يحتج بحديثه . ومنهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والسهو والغلط ويحتج به عنده في الاداب دون الاحكام. (1) تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل : 6 180 ". ومن ألصق نفسه بهم وليس منهم بل من المتروكين لظهور كذبه وهذه المراتب خصها بأتباع التابعين لأن الطبقة الأولى من الرواة هي الصحابة وهم الاعلام المقتدى بهم الذين لا يتكلم في عدالتهم والثانية التابعون ، وهم أمناء بلغوا ما حفظوه عن الصحابة من الأحكام والسنن والآثار باتقان . والثالثة أتباع التابعين وهم أعلام الأمصار ونقلة السنة ، وقسمهم الى المراتب الأربعة السابقة باعتبار الخامسة ملصقة بهم وليست منهم (2) . والذي يبدو أنه توسع في جعل التابعين طبقة واحدة وفي ذكره مع اتباعهم من جاء بعدهم من الأئمة الى عصره دون الاشارة الى أنهم ليسوا منهم . وفي تصنيف الطبقات عند ابن حجر ضبط أكثر لأنه لم يعتمد فترات زمنية طويلة فعد الصحابة طبقة واحدة ملاحظا اختلاف مراتبهم وقسم التابعين الى أربع طبقات يليها من عاصروا صغارهم ولم يثبت لهم لقاء الصحابة وقسم أتباعهم الى طبقة كبرى ، ووسطى ، وصغرى، وكذلك فعل بأتباع الأتباع فأوصل عدد الطبقات الى اثنتي عشرة . الاولى والثانية من أهل المائة الأولى والثالثة الى الثامنة من أهل المائة الثانية والاربعة الباقية من أهل المائة الثالثة (3) . وأما المراتب فهي عند ابن أبي حاتم أوجز ولكنها شاملة . وعند ابن حجر أطول وأأكثر توضيحا لاشتمالها على بيان أسباب الجرح بالنسبة للمجروحين وهي أيضا اثنتا عشرة (4) ، وذكرها في ألفاظ التعديل والتجريح أنسب من ذكرها هنا . وهذا تعريف بالأئمة النقاد الى نهاية زمن التجريح والتعديل . عدد الترمذي طائفة منهم الى زمنه في العلل الصغير (5) وأضاف اليهم ابن رجب (2) نفس المرجع : 6 - 10 (3) تقريب التهذيب : 3 (طبعة محمد الفاروق الدهلوي) (4) نفس المرجع : 2 (5) ابن رجب الحنبلي، شرح علل الترمذي : 151 - 177 181 الحنبلي من بدا له ملحقا بهم (6) وذكر ابن أبي حاتم جماعة الى زمنه واستوعبهم السخاوي (7) نقلا عن الذهبي وخلط بين المشهود لهم بالامامة من الجميع ومن دونهم في المرتبة وتفرقت أسماؤهم في مختلف كتب الرجال. وهذه تعاريف للمشتهرين ممن ساهموا في تأسيس علم الجرح والتعديل إنشاء أو تكملة دون من اشتهروا بالحفظ فقط مرتبين ترتيبا زمنيا . أهل القرن الثاني : من أهل هذا القرن شعبة (8) وسفيان الثوري (9) ، وعبد الرحمن الاوزاعي (10)، ومالك بن أنس (11) وحماد بن زيد (12) وسفيان بن (6) نفس المرجع : 177 - 197 (7) الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ : 163 وما بعدها . فتح المغيث 3 : 318 وما بعدها (8) الإمام الحجة أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد الواسطي البصري 107/82 . ت 776/160 سمع من الحسن البصري ويحي بن أبي كثير وقتادة ، وعنه أيوب السختياني والثوري وابن المبارك وغيرهم . ابن حجر ، تهذيب التهذيب 4 : 338 - 346 (9) هو الامام الحافظ سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي 716/97 بالكوفة ت 718/161 بالبصره أمير المؤمنين في الحديث ، أخذ عن أبيه وأبي اسحاق السبيعي والأعمش. وعبد الله بن دينار ، وعنه ابن المبارك ويحي القطان ووكيع وغيرهم ، الرازي ابن أبي حاتم ، تقدمة. المعرفة لكتاب الجرح والتعديل: 55 - 126. كحالة، معجم المؤلفين 4 : 234 (10) هو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي الدمشقي (أبو عمرو) ولد ببغداد وقيل ببعلبك 707/88 وأقام بدمشق ثم انتقل الى بيروت فرابط بها الى أن توفي 774/157 أصله من سبي السند ، ربي يتيما فقيرا في حجر أمه ، امام في السنة وليس بامام في الحديث عند البعض. أخذ عن الزهري ويحي بن أبي كثير ويحي بن سعيد الانصاري . وأغلب من أخذ عنهم من التابعين ، وعنه ، الهقل بن زياد، والثوري وخلق الرازي ابن أبي حاتم ، تقدمة المعرفة 189 - 219. الولي طه، عبد الرحمن الأوزاعي (11) أمام دار الهجرة مالك بن أنس بن مالك الاصبحي المدني 711/93 - 795/179. أُخذ عن خلق كثير منهم الزهري ونافع وأبو بكر بن هرمز . وعنه خلائق لا يحصون منهم عبد الله بن المبارك والقعنبي ويحي بن يحي الأندلسي. عياض، المدارك 1 : 32 (الرباط) الخولي، أمين ، مالك بن أنس (12) هو حماد بن زيد بن درهم الازدي الجهضمي (أبو اسماعيل) البصري المعروف 182