Indexed OCR Text

Pages 121-140

البيئة الاجتماعية في العهدين
من مهام ناقد الحديث معرفة من يعيش معه في المجتمع من الجماعات ليطلع على
أفكارهم وأهدافهم وما اصطلحوا عليه من عرف وما مارسوه من عادات وتعاطوه من
وسائل التسلية وعليه معرفة حكم الشرع في ذلك ليكون تجريحه مقبولا ، لهذا رأينا أن
نذكر بعض الظواهر في الحياة الاجتماعية في العصر العباسي لنربط بينها وبين أسباب
الجرح ، فمما يلاحظ فيه تعدد أجناس السكان ، ففي المشرق العرب والفرس
والأتراك ، وفي المغرب العرب والبربر ، وفي كل أقليات أخرى وأهل ذمة من اليهود
والنصارى ، وطبقة من الرقيق الذي تكاثر حتى خصصت له أسواق قائمة كسوقٍ
سمرقند بيد أن أحكام الاسلام ضبطت حقوق هذا الصنف من الناس ، وأمرت
باحترامه وانتهاز كل فرصة لعتقه ، ومما يرفع معنوياته أن بعض الخلفاء أمهاتهم جوار ،
والمسلمون المتألفون من هذه الأجناس فرق لها مفاهيم مختلفة في المسألة الواحدة ، ففي
العقيدة تجد التجريد المسرف والتجسيم المتطرف والاعتدال ، وفي السلوك تجد الزهد
والمبالغة في الاقبال على الدنيا ، وفي الفقه تجد النظرية المبالغة في الفرض والنزعة العملية
الواقفة في حدود الواقع وكل ذلك لاختلاف الأمزجة والعقول والبيئة الأولى . والبوتقة
الاسلامية تصهر هذه العناصر كلها وتجمعها على الأصول الكبرى (39) مما أضعف
أثر ما حصل عند البعض من دواعي التفرقة كالتعصب للقوميات بسبب اختلاف
الجنس ونصرة المبدأ لاختلاف المتزع الفكري .
كذلك شعر بعض من كان أصلهم من الموالي بالنقص رغم مكانتهم العلمية عبر
عن ذلك الامام أبو حنيفة حينما أراد التخلص من تولي القضاء بقوله : « لا أصلح
لذلك لأني مولى ولا يقضي بين الناس الا ذو شرف في قومه». واعتبر الزواوي مقالته
هروبا عن القضاء خوفا على الدين (40) وعلق عليه أمين الخولي فقال : «ومهما
(39) الخولي أمين ، مالك بن أنس : 205
(40) مناقب الإمام مالك : 26 (ط 1 الخيرية 1325)
123

يقصد الى الهرب من تولي القضاء فلن يهون على نفسه هذا التعليل » (41) ونفس
الشعور كان عند الليث وفي الطرف المقابل ضج الكوفيون من تولية سعيد بن جبير
القضاء بينهم لأنه من الموالي رغم جلالة قدره (42) .
. ولوحظ أن الأحرار يغضبون حينما يقذفون بالولاء ظهر هذا في موقف الامام مالك
من محمد بن اسحاق عندما وصفه بذلك (43) .
وأغلب المتساكنين تجاذبتهم الميول السياسية فالكوفة وسوادها شيعة والبصرة عثمانية
وحرورية وأهل الشام مخلصون لبني مروان ، والحجاز أهل سنة والخراسانيون صدورهم
سليمة وقلوبهم فارغة لم تتقسمهم الأهواء بعيدون عن التحزب (44) .
وكل اتجاه قد يعمد صاحبه الى البحث عن مدعم ديني يؤيد ما ذهب اليه ولا يجد
ذلك في غير الحديث لأنه لم يدون بعد أو لم يتم جمعه ، فلذلك وجب معرفة المنحى
الفكري لكل راو ليتمكن الآخذ عنه من نقد ما يرويه بعدما يسلط عليه بقية مقاييس
النقد .
ولم يكن اختلاف المجتمع في الجنس والمنزع الفكري أمرا ذا بال عندما كان الحكم
الفعلي بيد الخلفاء السنيين في أغلب العهد العباسي الأول ، فالفرس وان قربوا وتولوا
الوظائف السامية لم يتوصلوا الى امتلاك السلطة الفعلية والثائرون على مختلف أهداهم
فشلوا. واحتقار الغرب للموالي ليس عاما بل خاصا بالبدو وبعض الولاة . أما في
الأوساط العلمية فالنظرة اسلامية مقامة على اعتبار التقوى دون النظر الى الجنس ، ولم
يكن أيضا كل الفرس يناوتون العرب فمنهم من اعتنق الاسلام وأخلص له وآمن
بمساواته بين المسلمين جميعا ، وانحصرت النظرة العدائية في بعض الاشراف الذين
(41) مالك بن أنس : 208
(42) ابن قتيبة ، المعارف : 426
(43) ابن عبد البر ، جامع بيان العلم وفضله 2 : 156
(44) أحمد أمين ، ضحى الاسلام 1: 7 - 8 (ط 10 دار الكتاب العربي لبنان)
124

اعتبروه مزيلا لسلطانهم فلم يؤمنوا به إيمانا صحيحا (45) . فلما ضعفت السلطة
المركزية تأثرت الحياة الاجتماعية فسعت العناصر المختلفة التي يجمعها الجنس أو المبدأ
الفكري والهدف السياسي الى افتكاكها مباشرة أو اضعافها وجعلها صورية بحيث
يبقى للخليفة الاسم دون الفعل ، ودخلت أقاليم الخلافة في دوامة من الاضطرابات
وأظهر كل طرف ما كان يعتزمه فتصارعت القوميات والمبادىء .
وتسرب التطرف الى الجماعة الواحدة فبعد أن كان الخلاف بين الشيعية وأهل
السنة انتقل الى السنيين أنفسهم في بعض الفترات فقد قوي أمر الحنابلة في القرنين
: الثالث والرابع وتشددوا مع مخالفيهم فحالوا دون دفن محمد بن جرير الطبري في النهار
لأنه ألف كتابا في اختلاف الفقهاء لم يذكر فيه الامام أحمد بن حنبل فدفن
ليلا (46) .
كذلك فرض الشيعة ببغداد الاحتفال بأعيادهم كيوم عاشوراء ويوم غدير خم عندما
كانت السلطة بأيديهم ، وكثر دعاتهم وظهرت منهم الجماعات المتطرفة التي أفقدت
الأمن بالبلاد وباختصار فإن كل الجماعات ساهمت في احداث المجتمع فكان لا بد
من معرفة نواياها والمنتمين اليها .
وإلى جانب ما في المجتمع من فئات وطبقات انتشرت فيه منذ تكونه مظاهر الترف
فوقع الاهتمام بالمباني واللباس وألوان الطعام والجواري والغناء (47) ، وضروب التسلية
من التندر في مجالس الخاصة والقصص في مجالس العامة وممارسة الألعاب المعروفة
وقتئذ كالشطرنج والنرد والرمي بالنشاب ، والصيد وسباق الخيل (48) . وهذا الوضع
أثار مع الزمن رد فعل الحنابلة فكسروا أواني الخمر وضربوا المغنين وحطموا الآلات
الموسيقية (49) .
(45) أمين أحمد ، ضحى الاسلام 1 : 7 - 8
(46) ابن الاثير ، الكامل 6 : 170 - 171
(47) حسن ابراهيم حسن ، تاريخ الاسلام 2 : 340
(48) نفس المرجع 2 : 375
(49) ابن الاثير ، الكامل 6 : 248
125

وثاروا في بغداد بسبب تفسير قوله تعالى: « عسى أن يبعثك ربك مقاما
محمودا» (50) فقالوا : « معناه يقعده الله على عرشه» وقال غيرهم «بل هي
الشفاعة » ودام الخصام واقتتلوا جماعة كثيرة (51) .
وعن الثراء تفرعت مسألة قبول هبات السلاطين فقبلها بعض المحدثين وردها
آخرون ، وبحثوا العلاقة بهم عموما، وبجانب الأثرياء وجد الفقراء المعوزون ، وهؤلاء
أيضا اهتم النقاد بمعرفتهم واحتاطوا في الرواية عن بعضهم ممن قد يدفعهم الاحتياج الى
التكسب بالحديث كالقصاصين ، ومن أجلهم بحثوا مسألة أخذ الأجر عن التحديث
وكان أيضا الزهاد المعتدلون والجهلة الذين ادعوا ترغيب الناس في الدين بالكذب عليه
صلى الله عليه وسلم .
نكتفي بهذه الظواهر ولا نحصيها فذلك من خصائص عالم الاجتماع وانما غايتنا أن
نبرز الارتباط بينها وبين علم الجرح والتعديل .
النهضة العلمية والحياة الفكرية
في العهد العباسي الأول
اعتنى الأمويون بالفتوحات فعاشوا حركة توسع كبيرة ووقعت في عهدهم عدة
ثورات داخلية قام بها الخوارج والشيعة فلم تستقر لهم الأوضاع بمثل ما استقرت
للعباسيين فيما بعد . فكانت الحركة العلمية في زمانهم محدودة مقصورة على العلوم
الاسلامية الأولية من تفسیر وقراءات وحديث وفقه وکان التدوین في آخر عهدهم جزئيا
من عمل بعض الأفراد باجتهادهم فلم يشمل كل العلوم واقتصر على تقييد الفكرة أو
الحديث في صحيفة مستقلة (52) .
(50) سورة الاسراء : 79
(51) السيوطي، تاريخ الخلفاء: 384 (ط 1 السعادة مصر 1952/1371)
(52) شلبي أحمد، التاريخ الاسلامي 3 : 214
126

أما العلوم العقلية فحظها قليل ، وأول من عني بنقل علوم الطب والكيمياء الى
العربية بواسطة بعض اليونانيين هو خالد بن يزيد بن معاوية (53) . فلما جاء العهد
العباسي حصلت نهضة فكرية اتصفت بالشمول والنضج والتنافس بين مختلف
المذاهب والآراء وامتازت كما يقول أحمد شلي بالتصنيف وتنظيم العلوم الاسلامية والترجمة
من اللغات الاجنبية .
أما التصنيف فانتقل من المرحلة السابقة تقييد الفكرة في صحيفة مستقلة الى
تدوين مجموعة من الأحاديث أو الأخبار أو الأفكار المتشابهة في ديوان واحد الى ترتيب
ما دون وتنظيمه في أبواب وفصول (54).
وأما تنظيم العلوم الاسلامية فالمراد به أنها لم تعد نقلية بحتة بل اعتمدت على العقل
والمنطق ، وجعلت لها قواعد وكليات يشهد لذلك عمل الشافعي في علم أصول
الفقه ، ونشأ ما هو عقلي صرف كعلم الكلام الذي اعتبره المحدثون بدعة لقولهم
بالاقتصار على بحث الأحكام الفقهية العملية وعدم الرد على أهل البدع بطرقهم لئلا
تروج بدعهم .
واتضح أيضا منهج فقهاء الرأي وتقارب مع منهج أهل الحديث بعدما كانا
متباعدين ووجدت فكرة الاختصاص في مختلف فروع الثقافة الاسلامية ، فوقع التعمق
فيها .
وأما الترجمة فاعتنى بها العباسيون منذ المنصور وازدهرت في عهد الرشيد والمأمون
ومن أثرها انتشار الوان جديدة من ثقافات الامم السابقة بين المسلمين كالفلسفة
والرياضيات والكيمياء والطب ، وعلم النجوم وغيرها . ونبغ في هذه العلوم عرب
وموال .
(53) حسن ابراهيم حسن ، تاريخ الاسلام 2 : 299
(54) شلبي أحمد، التاريخ الاسلامي 3 : 215
127

ومن أسباب هذه النهضة : 1) الاستقرار السياسي في العهد العباسي الأول على
العموم باستثناء بعض الثورات الداخلية، 2) نضج الفكر الاسلامي، 3) امتزاجه
بعناصر من الحضارات القديمة ، 4) عناية الخلفاء بالعلم وأهله ، ومن نتائجها :
1 - ظهور فكرة التخصص كما أشرنا .
2 - تطور العلوم الاسلامية وتقنينها .
3 - تدوينها منظمة
4 - استمرار الاعتماد على الرواية والحفظ رغم التدوين، وتأثر المؤرخون وعلماء
اللغة بمنهج المحدثين باعتمادهم الرواية في نقل الأحداث والأخبار .
5 - تنظيم المناظرات بين مختلف أصحاب النزعات
6 - العناية بعلم الجرح والتعديل وتطوره لوجود أسباب جديدة جارحة بسبب
انتماء البعض الى ما ظهر من نزعات .
7 - اثر هذه النزعات في السياسة وانعكاس ذلك على الأوضاع الاجتماعية والحياة
العقلية نفسها وبدأ هذا خاصة منذ أن تمذهب المأمون بالاعتزال وحمل الناس على
القول بخلق القرآن .
ثم ما عقب ذلك من تخلي الدولة عن المعتزلة ومناصرتها السنين في عهد النفوذ
التركي فاتضحت وقتئذ ردود الفعل بين أتباع مختلف النزعات وأثرت في الوضع
الاجتماعي والحياة العقلية فمتى ظهر القول بخلق القرآن ؟ وكيف كانت الحياة العقلية
في القرنين الثالث والرابع ؟ وما هو أثرها في علم نقد الحديث ؟
خلق القرآن
يرجع المؤرخون منشأ فكرة القول بخلق القرآن الى اليهودي لبيد بن الأعصم ومنه
انتقلت الى ابن أخته طالوت ، وتسربت إلى من بعده في خفاء الى أن أعلنها أول القرن
128

الثاني للهجرة الجعد بن درهم (55) الذي قتله والي العراق خالد بن عبد الله القسري
بأمر الخليفة هشام بن عبد الملك بسببها وبسبب ما أظهره من البدع .
ومن بعد قتله لم يظهر الكلام فيها أحد إلا في عهد هارون الرشيد حيث قال بها
بشر المريسي ، فهدده الخليفة بقوله : « بلغني أن بشر المريسي يقول القرآن مخلوق والله
علي أن أظفر به لاقتلنه قتلة ما قتلتها أحدا » . فاختفى نحوا من عشرين سنة . وهذا
الموقف منع أصحاب الفكرة من الظهور وكذلك كان الأمر في زمن الأمين فلم يظهر
في زمنه دعاة لها لكنهم كانوا موجودين يتحينون الفرص بل يهيئونها فعندما ولي المأمون
خالطوه وحسنوها له (56) .
وهو رجل علم شغف بالفلسفة ودرس علم الكلام والحديث وعلوم القرآن
والآدب ، وكان يختم القرآن ، ويمنح المحدثين العطايا فيقبلون منه إلا الامام أحمد بن
حنبل . (57)
فأظهر المأمون القول بها سنة (827/212) (58) وحاول قبل هذا التاريخ اعلانها
فخشي من رد يزيد بن هارون عليه (821/206). واختلاف الناس بسبب ذلك
واختبره بواسطة رسول اليه فأخفق حيث كان جوابه « كذبت على أمير المؤمنين ،
أمير المؤمنين لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه ولم يقل به أحد» (59) ويبدو أن
تحمس المأمون للفكرة اشتد عندما تقرب اليه أحمد بن أبي دؤاد (60) فازداد عليه
ضغط المعتزلة
.
(55) انظر ما سبق ص : 62
(56) الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد 7 : 64
. (57) الأصبهاني ، حلية الأولياء 9 : 181
(58) الطبري، تاريخ الأمم والملوك : 10 : 279
(59) باتون، أحمد والمحنة (دار الهلال عن طعبة ليدن 1897) ص : 96
(60) هو أحمد بن أبي دؤاد 777/160 ت 854/240 ، أوصى به المأمون المعتصم فجعله قاضي
قضاته واعتمد عليه في أمور الدولة وكذلك كانت منزلته عند الواثق وتوفي في أول خلافة المتوكل وهو
رأس فتنة القول بخلق القرآن قال فيه ابن حجر: « جهمي بغيض ». الزركلي ،
الاعلام 1 : 120 . ابن حجر ، لسان الميزان 1 : 171
129

وابن أبي دؤاد متضلع في علم الكلام متشبع من مبادىء الاعتزال فصيح معظم
عند المأمون يقبل شفاعته ويستمع اليه حسن له القول بخلق القرآن فاعتقده وصمم
على الدعوة اليه بعد تردد دام ست سنوات .
وكانت بداية تنفيذه حمل الناس على اعتقاده بواسطة كتاب أرسله الى عامله على
بغداد اسحاق بن ابراهيم الخزاعي وصف فيه القائلين بقدم القرآن بالجهل ، وبين أدلة
خلقه في نظره وعارض اعتبار كون أهل السنة هم الجماعة وبقية الفرق من الخارجين
عنهم، وأمر الوالي بامتحان القضاة وإرغامهم على اعتقاد الفكرة ، قال له : « اعلمهم
أني غير مستعين في عمل ولا واثق بمن لا يوثق بدينه فإذا أقروا بذلك ووافقوا فاكتب
الينا بذلك » (61) .
واختار سبعة من المحدثين ليجيبوا بحضرته ، منهم : محمد بن سعد ويحي بن معين ،
وأحمد الدروقي ، فأجابوه فردهم من الرقة الى بغداد ليعيدوا الاجابة أمام الفقهاء
والمحدثين فأقروا بمثل ما أجابوا به أولا فخلى سبيلهم (62). وأمر عامله بأن يخبر البقية
باجابتهم .
ثم كتب كتبا أخرى يأمر فيها بمواصلة امتحان الممتنعين فكان ممن استقدمهم
اسحاق الامام أحمد بن حنبل ، وبشرين الوليد الكندي قاضي القضاة، وعبيد انه
القواريري ، ومحمد بن نوح العجلي ، وغيرهم (63) . فعرض عليهم كتاب المأمون
فكانت أجوبتهم تقتضي الوقف فبعث بها إلى المأمون فرفضها ، وأصدر أوامره يمنع من
لم يجب من الفتوى والرواية والقول في الكتاب وأمر بقتل بشر الكندي ، وإبراهيم بن
المهدي ان لم يجيبا وبحمل بقية الممتنعين إلى عسكره ليحملوا على السيف إن
امتنعوا (64) .
(61) الطبري، تاريخ الأمم والملوك 10 : 284 - 286
(62) الطبري، تاريخ الأمم والملوك 10 : 286
(63) نفس المرجع والجزء : 287
(64) أبو الفداء، تاريخ 2 : 33 (قسنطينة دار الطباعة العامرة) .
130

وأمام هذا الموقف المتصلب البالغ في العنف أقوى مظاهره أجاب الجميع ما عدا
أربعة هم الامام أحمد بن حنبل ، وسجادة . ومحمد بن نوح والقواريري فقيدوا وسألهم
اسحاق بن ابراهيم فأجاب في اليوم الأول سجادة « الحسن بن حماد » وفي اليوم الثاني.
القواريري ووجه بالامام أحمد ، ومحمد بن نوح الى طرسوس فمات محمد في الطريق
وكتب اسحاق كتابا مفردا بتأويل القوم فيما أجابوا به فمكثوا أياما ثم دعوا بهم . واثر
ذلك ورد كتاب المأمون يقول « بلغني أن بشر بن الوليد وجماعة معه انما أجابوا
بتأويل الآية الكريمة التي أنزلها الله تعالى في عمار بن ياسر « الا من أكره وقلبه مطمئن
بالإيمان)) (65) وقد أخطأوا التأويل فان اللّه تعالى عني بهذه الآية من كان معتقدا الإيمان
مظهرا الشرك ، فأما من كان معتقدا الشرك مظهرا الايمان فليس هذا له
فأشخصهم الى طرسوس ليقيموا بها الى أن يخرج أمير المؤمنين من بلاد الروم »
فأمسكهم اسحاق ثم أرسلهم فلما صاروا الى الرقة بلغهم موت المأمون فرجعوا إلى
بغداد بأمر من والي الرقة فأخلي سبيلهم (66). وكان المأمون أوصى خلفه بالاستمرار
في تحمل الناس على القول بخلق القرآن فسجن المعتصم الامام أحمد وحمله على البدعة
قافيّ فجلد فلم يجب وكان مكوثه في سجن العامة نحوا من ثلاثين شهرا ، وقيل ثمانية
وعشرين (67) .
ثم أفرج عنه وحضر الجمعة والجماعة وحدث وأفتى حتى مات المعتصم وولي
الواثق فأمره بالابتعاد عنه الى أي مدينة وعدم الاجتماع بالناس فاختفى في غير منزله
حتى نسي خبره ثم عاد اليه ولم يزل مختفيا فيه لا يخرج الى صلاة ولا غيرها حتى مات
الواثق (68). ولما ولي المتوكل وأبقى ابنه نائبا له ببغداد أمر الامام أحمد بالتحول اليه
في العسكر فخرج اليه دون أن يجتمع بابنه نائبه ببغداد فاغتاظ وأمره بالرجوع فرجع
(65) سورة النحل 116
(46) الطبري ، تاريخ الأمم والملوك 10 : 292 أبو الفداء ، اسماعيل ، تاريخ 2 : 33
(67) طاش كبرى زاده ، مفتاح السعادة 2 : 172 - 174
(68) شاكر أحمد محمد . مقدمة مسند الامام أحمد 1 : 105
131

وامتنع عن التحديث الا لولده وأمر بالخروج ثانية فاعتل بالمرض فاجبر وخرج مع ابنيه
صالح وعبد الله سنة 851/237) وأبى أن يأكل ما يقدمه له المتوكل ورفض منحته
فأجرى على أهله عطية ثم أذن له بالعودة الى بغداد فعاد وظل بها إلى أن توفي (69).
ومن الذين ثبتوا في المحنة نعيم بن حماد سجنه المعتصم فمات في السجن زمن
الواثق ، وأحمد بن نصر الخزاعي قتله الواثق (70). ويوسف البويطي تلميذ الامام
الشافعي ، (71) وقيل إن أول من امتحن عفان بن مسلم وعاقبه المأمون بقطع جرايته
فلم يجب واستمرت الفتنة من سنة ثمانية عشرة ومائتين إلى أربع وثلاثين ومائتين عندما
رفعها المتوكل فنهى عن القول بخلق القرآن وكتب بذلك الى الآفاق فأثنى عليه الناس
وألحقوه في الفضل بسبب احيائه السنة بأبي بكر وعمر بن عبد العزيز (72) وما يذكر
في سبب رفعها سنية المتوكل واعتزامه اعادة العقائد السنية
ولم تقتصر المحنة على بغداد بل وصلت إلى بقية الأمصار كالكوفة ودمشق ومصر
ولكن اشتدادها كان ببغداد ، رغم أن من توقف من الشهود العدول في مصر بطلت
شهادته (73) وأشرف المأمون بنفسه في دمشق على امتحان الفقهاء والعلماء في
مسائل حرية الإرادة وصفات الله لأن عقيدة التوحيد عنده تؤدي الى القول بخلق
القرآن ، لكن الحكام هناك رفقوا بالناس ، وكذلك كان شأن حكام مصر في عهد
المتوكل لأن المسألة خارج العراق تأخرت عن ظهورها فيه (74) . والمحدثون والفقهاء
زيادة عن أن رأيهم في الصفات الذي انجر عنه رفض القول بخلق القرآن هو غير رأي
المعتزلة ، فان مما أثارهم وجعلهم يعارضون هو بدعة القول نفسه ، واستغراب الفضيل
ابن عياض عندما بلغه أمرها بالكوفة واعلانه رأيه في جمع من المشائخ بالمسجد الجامع
(69) نفس المرجع 1 : 112
(70) طاش كبري ، مفتاح السعادة 2 : 175
(71) السبكي ، طبقات الشافعية 1 : 267
(72) طاش كبرى ، مفتاح السعادة 2 : 176
(73) ابن تغري بردي ، النجوم الزاهرة 2 : 218
(74) باتون ، أحمد والمحنة 106
132

يوضح ذلك قال : « أدركت ثمانمائة شخ ونيفا وسبعين شيخا منهم الأعمش فمن
دونه ، فما رأيت أحدا يقول بهذه المقالة يعني بخلق القرآن ، ولا تكلم بها أحد الا
رمي بالزندقة » 75) وقال في الاجابة « رأسي أهون علي من هذا » (76).
وكان لها في علم الجرح والتعديل أثر بارز فأصبح من أجاب مجروحا متكلما فيه ،
ولو لم يوجد من النقاد من نظر في المسألة بعمق نظر وتفهم للظروف لكان يحي بن
معين امام الجرح والتعديل وعلى بن المديني أول شيوخ البخاري مجروحين ، وسنرى
فيما بعد في أسباب الجرح ما ترتب عليها من آثار كانت بدورها محنا لبعض رجال
الحديث ، وهي على مستوى العقل الاسلامي عموما ظاهرة غير مألوفة في تاريخ حرية
الفكر لما بدأ فيها من ارغام الخلفاء الناس على اختلاف ما يعتقدون بتأثير المعتزلة
فكان لها نتائج سيئة ابانها وعند رفعها . قال محمد زاهد الكوثري مبينا نتائجها :
« فلما رفعت المحنة في عهد المتوكل أخذ رد الفعل مجراه الطبيعي من غير أن يفيد ما
بدأه المأمون شيئا مما كان يتوخاه سوى استفحال التعصب والتطرف في الفريقين وقد
انقلب الاضطهاد في عهد المتوكل الى عكس سابقه » (77) .
والواقع أنه لم يكن اضطهاد المعتزلة من الخلفاء بعد رفعها بمثل اضطهاد سابقيهم
للسنيين . وإن كان قد حصل فعلا .
الحياة الفكرية في القرنين الثالث والرابع
مما ينبغي التأكيد عليه أن النهضة العلمية التي بدأت في القرن الثاني آتت أكلها
في هذين القرنين فتقنين العلوم في استمرار وتنويع المصنفات وشمولها في اطراد وهضم
المعلومات في تكامل ، والعمران في تكاثر ، ورقعة التفكير الاسلامي في اتساع ،
(75) نفس المرجع : 107
(76) نفس المرجع : 131
(77) الكوثري ، الامتاع بسيرة الامامين: 39 (الانوار القاهرة 1368)
133

والدول المستقلة في تنافس وكل منها تسعى لجلب العلماء الى بلاطها ، ونظرة قصيرة في
المدن التى انتسب إليها العلماء ولم تكن من قبل في مصاف العواصم كالري واصبهان
وشيراز وسمرقند وغيرها تبين مدى انتشار النهضة العلمية في العالم الاسلامي وقتئذ ،
ومؤلفات ذاك العصر شاهدة على ذلك .
وهذه مجرد ملاحظات تصلح كل واحدة منها لتكون موضوع تأليف وما نريد أن
نذكره هو استمرار ظهور النزعات الفكرية الجديدة وانعاش القديمة منها بعدما أصابها من
ركود بسبب قوة التيارات المضادة وأثر ذلك في الاتباع ويمكن تلخيص الظواهر الفكرية
في هذا العهد فیما يلي :
1) ضعف المعتزلة وظهور الكرامية .
2) انتعاش أهل السنة بفرعيهما الاشعرية والماتريدية !
3) نشوء مذاهب فقهية جديدة وتعصب بعض أتباع المذاهب السنية المشهورة .
4) تطور التصوف ومقاومة الفقهاء والمحدثين ما ظهر فيه من غلو
5) تطور المفاهيم العقدية والاقتصادية عند الشيعة وتوليهم الحكم
6) اثر هذه الظواهر في علم نقد الحديث.
ضعف المعتزلة
خظي المعتزلة في العصر العباسي الاول بمؤازرة الدولة في عهد المأمون والمعتصم
والواثق مثلما رأينا سابقا وبعده بدؤوا يضعفون فلما تولى المتوكل أول خلفاء العصر
العباسي الثاني اتخذ ضدهم مواقف منها :
(1) النهي عن القول بخلق القرآن .
2) ترك النقاش فيه .
3) أمر المحدثين بالتحديث بأحاديث الصفات (78) .
(78) السيوطي ، تاريخ الخلفاء : 346
134

(4) اضطهاد بعض المشتهرين من المعتزلة كأحمد بن أبي دؤاد ، وانضاف الى هذا
الموقف ظهور جماعة من المتكلمين عارضوا مذهبهم كالكرامية وأبي الحسن الأشعري
وأبي منصور الماتريدي ، وضعفهم لا يعني زوالهم مرة واحدة بل المقصود أنهم فقدوا
المؤازرة الحكومية وظهر لهم مزاحمون استطاعوا أن ينفروا الناس منهم ومع هذا فهم الى
ذلك التاريخ ما زالت مدارسهم قائمة وانفصال الأشعري عنهم انما كان في نهاية المائة
الثالثة ، كذلك وجدوا في القرن الرابع التشجيع من البويهيين لتلاقيهم معهم في بعض
المبادىء وتحاملهم معا على أهل السنة ولكن ذلك لم يكن كافيا لانتعاشهم من جديد
وارجاع سيطرتهم الفكرية فكان أن ضعفوا مع الأيام كجماعة قائمة وظلت أفكارهم
مدوتة ، وآخر من تسبب في ضعفهم بعد العصر الذي نتحدث عنه الغزالي بنقدهم
ونقد الفلسفة واشادته بمذهب أهل السنة ولا يستبعد أن يكون السند الحكومي
للمعتزلة في فترة من فتراتهم هو الذي سبب النفرة منهم لأنهم حملوا الناس على اعتقاد
آرائهم في كل المستويات مستوى العلماء ومستوى الشعب ، والناس ينفرون مما يجبرون
عليه ، وهم مع الاعتراف لهم بمناصرة الاسلام ، والوقوف في وجه أعدائه كالزنادقة ،
فإن حملتهم على المحدثين والفقهاء لا تغتفر لهم .
ظهور الكرامية
مؤسس هذه الطائفة محمد بن كرام المتوفى (869/255) وكان بسجستان ثم
غادرها إلى نيسابور في عهد الدولة الظاهرية متظاهرا بالزهد داعيا الى بدعته القائلة
بالتجسيم (79).
وظهر أتباعه أيضا بخراسان وتعددت فرقهم ولكنهم لا يكفرون بعضهم فاعتبرت
مقالتهم واحدة ، ولهذا الاعتبار عدهم كل من البغدادي ، والشهرستاني فرقة واحدة
(79) البغدادي عبد القاهر ، الفرق بين الفرق : 216 (المدني القاهرة)
135

لاتفاقهم في المبدإ وان كانوا في الظاهر أكثر من واحدة (80) وعدهم الأشعري الفرقة
الثانية عشرة من المرجئة (81) ، ومن بدعهم قولهم الايمان الاقرار باللسان فقط دون
التصديق بالقلب ودون سائر الأعمال وطوروا هذا المفهوم فاعتبروا المقر بالشهادتين
مؤمنا وان اعتقد الكفر بالرسالة فقالوا بإيمان المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه
وسلم بل ان إيمانهم في نظرهم كايمان الأنبياء ، والملائكة لأن الكفر بالله هو الجحود
والانكار له باللسان (82) وقالوا بعدم تأبيد عذاب الآخرة لمخالفيهم ومخالفي أهل
السنة من أهل الأهواء وأبدعوا في الفقه حماقات كالاكتفاء في صلاة السفر بتكبيرتين
دون غيرهما من سائر أركان وسنن الصلاة وابطال النية في العبادة وغير ذلك وقالوا.
بجواز مبايعة امامين في وقت واحد (83)، ومن آرائهم جواز وضع الحديث في
الترغيب والترهيب (84) .
انتعاش أهل السنة
:١
بدأ ذلك عندما تولى المتوكل الخلافة وأضعف المعتزلة وأكرم الامام أحمد بن حنبل
وأمر المحدثين أن يحدثوا بأحاديث الصفات فجلس أبو بكر بن أبي شيبه يحدث في
جامع الرصافة في حوالي ثلاثين ألف نسمة ، وأخوه عثمان في جامع المنصور في نفس
العدد (85) .
ومن أسباب هذا الموقف تسرب الأتراك الى الحكم وهم سنيون لا يميلون إلى الجدل،
فانتعش أهل السنة بظهور الأشعري الذي ولد في سنة 260 بالبصرة وتتلمذ على
(80) نفس المرجع ص 215، الشهرستاني، الملل والنحل 108 (الحلبي مصر (1961/1381)
(81) مقالات الاسلاميين 1: 205 (ط 1 مكتبة النهضة المصرية 1950/1369)
223 :
(82) الاشعري ، مقالات الإسلاميين 1: 205 . البغدادي ، الفرق بين الفرق
(83) البغدادي ، الفرق بين الفرق : 223
(84) ابن الاثير، جامع المعقول والمنقول 1: 13 (ط 1 المعاهد مصر 1348)
(85) السوطى، تاريخ الخلفاء : 346
1.36

أبي علي الجبائي امام المعتزلة ببغداد فاعتنق مذهبه وعندما بلغ الأربعين ، أي في
حوالي نهاية المائة الثالثة أعلن تخليه عنه ونادى بذلك بصوت مرتفع في المسجد الجامع
بالبصرة في يوم جمعة قائلا: ((من عرفني فقد عرفي ومن لم يعرفي فأنا أعرفه بنفسي أنا
فلان بن فلان كنت أقول بخلق القرآن وان الله لا تراه "الأبصار وأن أفعال الشر أنا أفعلها
وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعاييهم)، (86).
ويتلخص مذهبه في التمسك بالكتاب والسنة ، وآراؤه في العقيدة وسط بين المعتزلة
وبقية الفرق ، وطريقته في الاستدلال النقل والعقل وقد ضعف المعتزلة وأخذ مكانهم في
الرد على أهل البدع كالفلاسفة والباطنية (87).
وذكر أحمد أمين من أسباب انتصاره :
1) ملل الناس من المناظرات بسبب محنة خلق القرآن وبغضهم المعتزلة لتسببهم
فيها .
2) شهرة الأشعري بالجدل والصلاح والتقوى .
3) فوزه في مناظرة أستاذه الجبائي .
4) تخلي الحكومة منذ عهد المتوكل عن نصرة الاعتزال وأغلب الناس يمالئون
الحكومة .
5) شهرة اتباع الأشعري من بعده كامام الحرمين والاسفرائيني والباقلاني والغزالي .
6) مجىء الدولة الغزنوية السنية بعد الدولة البويهية الشيعية.
ومما عمل على دعم مذهب أهل السنة ظهور أبي منصور الماتريدي (88) في اقليم
ما وراء النهر بمنهج لا يتفق تماما مع منهج الأشعري ولكنه يلتقي معه في كثير من
(86) ابن خلكان ، وفيات الأعيان 1 : 284
(87) أبو زهرة، المذاهب الاسلامية: 273 وما بعدها
(88) هو محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي (أبو منصور) ت 944/333. من
كتبه : كتاب التوحيد ، وكتاب تأويلات القرآن وكتاب بيان أوهام المعتزلة. كحاله ، معجم
المؤلفين 11 : 300 - ابن أبي الوفاء - الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية 2: 170 - 171 .
137

النتائج ويهدفان لنفس الغاية وهي الوقوف في وجه أهل البدع فناظر الماتريدي المعتزلة
ورد على غيرهم من أهل الأهواء وأبقى اقليم ما وراء النهر سليما من البدع محافظا على
سنيته (89)
التعصب بين أتباع المذاهب الفقهية
شهد هذا العصر ظهور المذهب الظاهري نسبة إلى داود بن علي بن خلف الاصبهاني
تلميذ اسحاق بن راهويه ، ومن أكثر الناس تعصبا للامام الشافعي ، ثم استقل بمذهبه ،
وقد ولد بالكوفة سنة (817/202 ونشأ ببغداد وتوفي بها 883/270)(90).
وعرف بالزهد وانهت إليه رئاسة العلم ببغدادومما قاله فأغضب الامام أحمد واسحاق بن
راهوية ((القرآن محدث ولفظي بالقرآن مخلوق)) (91) وأنكر القياس ونفى
الاستحسان وخالف في مسائل مجمع عليها لأنه لم يبلغه دليل واضح فيها)): (92) .
ومذهب محمد بن جرير الطبري المفسر المولود سنة 83.8/224 بطبرستان والمتوفى
(922/310) وقد نال درجة الاجتهاد المطلق في الفقه وكان له بعض الأتباع ، وله
كتاب أحكام شرائع الإسلام ، ألفه على ما أداه إليه اجتهاده ومكتته ثقافته من المكانة
العلمية المرموقة وأكسبه ورعه وامتناعه من قبول الجوائز وتولي الولايات التقدير ولكن
الحنابلة آلوه وضايقوه (93) وذكرنا بعضاً من ذلك .
وكان لمذهب سفيان الثوري أتباع خاصة بالدينور (94) والذين بدا عليهم
التعصب من أتباع المذاهب الفقهية هم الحنابلة والشافعية والحنفية.
(89) أبو زهرة ، المذاهب الاسلامية : 292 وما بعدها
(90) ابن خلكان، وفيات الأعيان .1: 255 - 257
(91) السبكي ، طبقات الشافعية 2 : 43 - 44
(92) السبكي ، طبقات الشافعية 2 : 64
(93) نفس المرجع والجزء: 153 - 160
(94) المقدسي ، أحسن التقاسيم: 395 (ليدن بريل 1906)
1,38

فالحنابلة ثاروا ببغداد ضد الشافعية ، فاستظهروا بعميان كانوا يأوون الى المساجد
فاذا مر شافعي أغروهم به فيضربونه بعصيهم حتى يكاد يموت (95) . وفي اصبهان
كان التعصب بين الشافعية والحنفية (96) ونفس العصبية كانت بالري (97).
فالشافعية والحنفية هناك تآزروا على مقاومة الشيعة فلما انتصروا عليهم وقعت الفتنة
بينهم .
ورغم هذه المظاهر من التعصب لم يثبت عن واحد من الأئمة أنه تعصب لمذهبه
أو دعا أتباعه الى مثل هذه التصرفات وأغلبهم تتلمذوا على بعضهم وفي ذلك اعتراف
من التلميذ بمنزلة الشيخ وقد فضل أبو يوسف مالكا على شيخه أبي حنيفة ،
فالتعصب وليس عاما واقتصرعلى الأتباع الجهلة الذين لم يكن لهم من العلم وآفاق المعرفة
ما يمكنهم من قبول الرأي المخالف لرأي امامهم ، ومنهم ومن أمثالهم وضعت الأخبار في
تفضيل الأئمة ، ونصرة المذاهب ونسبت زورا الى الحديث .
وفي القرن الثالث ظهر مذهب الشيعية في المغرب ومصر وحاول محاربة المذاهب
السنية فمنع عبيد الله الشيعي فقهاء القيروان من الافتاء بمذهب الامام مالك وحملهم
على الإفتاء بالمذهب الشيعي ، وشدد عليهم (98) وعذب وقتل بعضهم بسبب
حزمهم في التمسك بمذهبهم (99) .
أ التصوف
سوف لا نستقرئ بحث التصوف ولا نتتبع هذه الظاهرة الاجتماعية في كل مراحلها
ولكننا نبرز بالاخص علاقة المتصوفة بالمحدثين والفقهاء لنرى الأسباب التى جعلت
(95) ابن الاثير ، الكامل 6 : 248
(96) الحموي ، ياقوت معجم البلدان ج (1) 396 (ليبزاك 1867)
(97) نفس المرجع ج 2 (2) 893 - 894
(98) عياض، المدراك 5 : 121 (فضالة المحمدية المغرب)
(99) نفس المرجع والجزء : 118 - 119
139

البعض يعتبر التصوف من أسباب الجرح ، فهل هو في حد ذاته جارح أم أن أشياء
خالطته أكسبته هذا الوصف ؟
عرفه ابن خلدون بأنه « العكوف على العبادة والانقطاع الى الله والاعراض عن
زخرف الدنيا وزينتها والزهد عما يقبل عليه الجمهور من مال وجاه والانفراد عن الخلق
في الخلوة للعبادة (100))).
وهو بهذا المعنى أو ما قاربه موجود منذ زمن الصحابة رضي الله عنهم والمتصوفة
الأول لم يكونوا فرقة مستقلة فهذه حال أغلب التقاة . فلما تكاثرت البدع أطلق هذا
النعت على أخواص أهل السنة الذين اشتهروا بالزهد والتقوى .
قال القشيري « 569» متكلما على المتصوفين الأول : « قلما ظهرت البدع
وتشاحنت الفرق وصار أصحاب كل بدعة وأنصار كل فرقة يدعون أن فيهم زهادا ،
انفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة
باسم الصوفية وأطلق هذا الاسم عليهم قبل نهاية القرن الثاني الهجري
بقلیل » .. (101)
ولو ظل التصوف بهذا المفهوم لما كان بين المنتسبين إليه وبين الفقهاء والمحدثين
. خلاف ولكن تطوره ودخول مصطلحات جديدة فيه لم يألفها هؤلاء جعلهم
يستغربون ذلك وينكرونه فرابعة العدوية (135) وقيل (138) من خيرة من يمثل
الصوفية ولا يطعن فيها أحد ولم يقبلوا منها استعمال عبارة حب الله وأبو يزيد البسطامي
(261) (102) أنكروا عليه استعماله عبارة الفناء في الله »، وذو النون
المصري (859/245) استغربوا منه ما اخترعه من مقامات وأحوال (103)؛ وازداد
الأمر تعقيدا عندما ظهر في القرن الثالث متصوفون غلاة تجاوزوا استعمال العبارات
(100) المقدمة : 467 (نشر المكتبة التجارية القاهرة)
(101) حسن ابراهيم حسن ، تاريخ الاسلام 3 : 220 - 221
(102) وقيل توفي 234 . القشيري، الرسالة 14 (الحلبي مصر 1959/1379)
(103) أحمد أمين، ظهر الاسلام 2: 63 - 64
140

السابقة فقالوا لا موجود في كل شيء الا الله فنشأ مذهب الحلول عند الحسين بن
منصور الحلاج الذي قتل بسبب أفكاره هذه سنة (921/309) ؛ وما نسب اليه:
ادعاؤه أن من بلغ درجة الولاية تحرر من المظاهر فصار في حل من الأحكام
الشرعية (104) .
فالتصوف حاد عن معناه الأصلى وامتزج بأفكار غريبة فلم يعد أهله أتقياء
مخلصين بل صاروا من الحلوليين والمجسمة والمعطلين للأحكام الشرعية العملية ومن
الذين يعتنون بالأعمال الذوقية الروحية ويجعلون أنفسهم في مقامات تخضع لها قوانين.
الكون فتحصل لهم الكرامات وهذه الأفكار الغريبة ، عطلت أحكام الشرع وأحدثت
طرقا جديدة للمعرفة لم يرتضها المحدثون والفقهاء لاختلافها مع نزعتهم ...
فالمتصوفون يعتمدون على القلب وعلى المعرفة من طريق الالهام والفقهاء يعتمدون
على ظاهر الكتاب والسنة وعلى الاستنباط منهما .
فالصوفية روحانيون والفقهاء عمليون (105) وأشد الخصومة كانت مع الحنابلة
لشدة تمسكهم بظاهر النصوص ، ومنها: كلام الامام أحمد بن حنبل في الحارث
المحاسبي وقد أثر ذلك عليه حتى في يوم دفنه فلم يحضر جنازته الا قلة من
المشيعين .
الاسماعيلية :
كان للمنتسبين للشيعة في هذا العهد دورهم في الفكر الاسلامي فللاسماعیلیین
مفهومهم للامامة ونظرياتهم الفلسفية يمثلها اخوان الصفاء والقرامطة مبادئهم في
الاقتصاد .
كل هذه التطورات شهدها هذا العصر ودعمها وصول الشيعة والمنتسبين اليهم الى
(104) نفس المرجع والجزء : ص 64
(105) أحمد أمين ، ظهر الاسلام 1 : 228
141

الحكم من طريقين الأولى تأسيس الدولة الفاطمية بافريقية والثانية فرض البويهيين
نفوذهم على الخلفاء بالاضافة الى الدول الأخرى المستقلة التي تعتقد التشيع وهذا
النفوذ جعل آراءهم تنتشر وأتباعهم يتكاثرون ويضطهدون أهل السنة . حصل ذلك
بالقيروان كما أشرنا من قبل وفي المشرق بالري في أيام الخليفة المعتمد فوقع الاهتمام
بالشيعة ومحاولة اضعاف أهل السنة .
وعرفت بعض البلدان بغلبة الشيعة فيها ، فأهل مدينة قم من الشيعة الغالية تركوا
الجماعات وعطلوا الجامع (106) وبهجر كان العمل على مذهب القرامطة (107).
خاتمة الفصل
هذه الأوضاع كما أشرنا في التمهيد للفصل هيأت الفرص لظهور الوضاعين
العديدين المختلفي النزعات ، وساعدت في الآن نفسه على استمرار وجود نقاد
الحديث الذين كانوا يترصدونهم ويشهرون بهم ، ويكشفون عن كذبهم
.... واستمر الوضع والنقد معا الى ما بعد تدوين الصحاح الستة ، أما النقد فلظهور
المجروحين ، وأما الوضع فلوجود البيئة المساعدة عليه من حيث الظروف التي حللناها
، ومن حيث تدوين الحديث ، فعلاوة عن تأخره نسبيا لم يلتزم أحد منهم الاحاطة بها
فيمكن للواضع أن يستند الى هذه الناحية اذا وقع الاحتجاج عليه بما جمع .
وبالرغم عن الرحلات ، ورغبة المحدثين في تلقي الحديث مشافهة ومدونا ، فان
انتشار المدونات الحديثية في أنحاء العالم الاسلامي يتطلب مدة من الزمن ، بيد أنه قد
أحصيت الموضوعات وضبط الوضاعون ، وفي الفصل الموالي بيان لأصنافهم وأمثلة
من وضعهم .
(106) الحموي ياقوت، معجم البلدان ج 2 (2) 901. والمقدسي، أحسن التقاسيم: 395
(107) المقدسي ، أحسن التقاسيم :: 96
142