Indexed OCR Text

Pages 61-80

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ان خیر التابعین رجل يقال له أويس
وله والدة وكان به بياض فمروه فليستغفر لكم » (23) .
وجمع البلقيني بين الرأيين فقال : « الأحسن في تفضيل التابعين أن يقال : « من
حيث الزهد والورع أويس ، ومن حيث حفظ الخبر والأثر سعيد » (24) وفضل
جماعة غير هذين ، واشتهر عند أهل كل مصر تفضيل واحد منهم ففي المدينة ابن
المسيب ، وفي مكة عطاء بن رباح ، وفي البصرة الحسن البصري ، وفي الكوفة أويس
القرني ، وقيل غيره ، واشتهرت من نساء التابعين حفصة بنت سيرين الانصارية
البصرية ، وعمرة بنت عبد الرحمن النجارية من أهل المدينة وجمعت بين الفقه
والحديث ، وأم الدرداء الصغرى : هجيمة الوصابية من أهل دمشق المعروفة بفقهها
وزهدها .
والتابعون جميعا باعتبار الأكثرية أفضل من غيرهم ممن جاء بعدهم حسب
الحديث السابق « خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم الحديث » أما عدالتهم فمحل
بحث لظهور البدع وانتشار عدواها بينهم فتعين معرفة ما حدث في عصرهم .
عصرهم
يمكن معرفة زمن اللاحق بضبط نهاية السابق ، وتواريخ موت آخر الصحابة تحدد
بداية العصر الاستقلالي للتابعين ، قال الواقدي : « آخر من مات بالكوفة من
الصحابة عبد الله بن أبي أوفى، « 86 » وآخر من مات بالمدينة سهل بن سعد
الساعدي « 91» ويقال وهو ابن مائة سنة ، وآخر من مات منهم بالبصرة أنس بن
مالك « 91»، ويقال « 93»، وآخر من مات منهم بالشام عبد الله بن
بسر «85 » ومن تأخر موته واثلة بن الأسقع هلك بالشام وهو ابن ثمان
وتسعين 25) .
(23) صحيح مسلم بشرح النووي 16 : 95 كتاب فضائل الصحابة : 224
(24) محاسن الاصطلاح 76 ظـ - 77 و
(25) و (26) ابن قتيبة، المعارف 341 (دار الكتب مصر 1960) =
63

وقال ابن قتيبة في ترجمة أبي الطفيل الكناني « هو أبو الطفيل عامر بن واثلة رأى
النبي صلى الله عليه وسلم وكان آخر من رآه موتا ومات بعد سنة مائة (26) . ويتفق
الحاكم مع الواقدي وابن قتيبة في بعض أسماء آخر من مات من الصحابة ویختلف
معهما في آخرين فيرى أن آخر من مات بالكوفة هو أبو جحيفة وهب بن عبد الله
السوائي ويضيف فيذكر أن آخر من بقي بمصر عبد الله بن الحارث بن جزء ، ویری
أن مكان موت عامر بن واثلة هو مكة (27) والذي يعنينا هو سنة وفاتهم وهي
تتراوح بين ثمانين ومائة ، وهذا بالنسبة للأفراد ، أما الجماعات فقد تضاءلت وضعف
عددها كثيرا قبل هذا التاريخ لأن صغار الصحابة ولدوا قبل موت الرسول صلى الله
عليه وسلم بحوالي عشر سنين فما دون أي مع بداية الهجرة فيكون لهم من العمر في
سنة ثمانين حوالي الثمانين ، ولم يتجاوزها منها إلا قلة ممن اعتبروا آخر من مات من
الصحابة . فتكون هذه السنة هي بداية العصر الفعلي للتابعين باعتبار انفرادهم في
الوجود ، أما أوائلهم فظهروا قبل هذا التاريخ بكثير وعاشوا مع صغار الصحابة لأن
الطبقات الأولى منهم أما مخضرمون ، مات النبي صلى الله علي وسلم وهم كبار وأما
أبناء الصحابة الذين ولدوا عند موته عليه السلام أو بعدها بقليل كسعيد بن المسيب
المولود سنة خمسة عشرة ، وأبي عبد الرحمن السلمي الذي لا نعلم تاريخ ولادته ولكننا
نعرف أنه روى عن عمر بن الخطاب ، وعامر الشعبي المولود سنة تسعة عشرة أو
عشرين ، وأضرابهم ممن كان دورهم في الرواية مماثلا لدور صغار الصحابة فاذا ما
أضفنا اليهم أمثال الحسن البصري ومحمد بن سيرين المولودين سنة ثلاث وثلاثين
اللذين يمكن أن يظهر تأثيرهما في الرواية حوالي الستين يمكن القول على الأغلب أن
دور عموم التابعين بدأ بعد منتصف القرن الأول بقليل .
وتضبط نهاية عصرهم وكحد أقصى بمعرفة تاريخ موت صغارهم ممن رأوا الصحابة
ولم يأخذوا عنهم على بعض الآراء في عدهم من التابعين ثم يضبط بموت الأغلبية منهم
مثلما هو الأمر بالنسبة للصحابة وسبق القول أن آخرهم موتا توفي سنة « 181 »،
(27) معرفة علوم الحديث : 43
64

ونضيف فنذكر أن جرير بن حازم المتقدم الذكر رأى أنسا وعمره خمس سنين ، ومات
سنة « 170»، وهذان وغيرهما من المعمرين الذين رأوا آخر الصحابة موتا أفراد لا
يعتبر بهم ، والأكثرية من الطبقات الأخيرة هم الذين ولدوا ما بين سنتي سنتين وثمانين
وماتوا حوالي سنة خمسين ومائة ، وهي السنة التي اعتبرت آخر عصرهم.
الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية
كيف كان الوضع السياسي والمناخ الاجتماعي والحياة الفكرية في هذه الفترة التي
واكبت كامل عهد الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية وامتدت قرابة القرن؟ وهل
حدثت في المجتمع تغييرات أثرت في رواية الحديث وغيرت مواقف الصحابة التي
امتازت من قبل بالتثبت والتحري ؟ وماذا كان موقف التابعين ؟
للإجابة عن هذه الأسئلة ننطلق من قول لابن عباس يبين فيه أثر الوضع الاجتماعي
في النظرة الى الرواة ثم نذكر أهم الأحداث التي حصلب في هذا العصر عن مجاهد
قال : « جاء بشير العدوي الى ابن عباس فجعل يحدث ويقول : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل ابن عباس لا يأذن
لحديثه ولا ينظر اليه فقال يا ابن عباس مالي لا أراك تسمع لحديثي أحدثك عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع ؟ فقال ابن عباس : « أنا كنا مرة اذا سمعنا
رجلا يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا اليه بآذاننا ،
فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف » (28) .
ذكر ابن عباس أنه كان من الشغوفين بسماع الحديث الباحثين عن رواته للأخذ
عنهم ، ثم إنه صار لا يأخذ الا ما يعرف ولا يعني هذا أنه كف عن التلقي بل أنه
قلل منه ، وعلل ذلك بأن ثقة الناس وقع الشك فيها لاختلال استقامتهم .
(28) صحيح مسلم بشرح النووي 1 : 80 - 81 المقدمة : 5
65

وقال في رواية أخرى : « وأما اذا مارستم كل صعب وذلول فهيهات » وشرح
النووي قوله فقال : « بعدت استقامتكم فبعد أن نثق بكم » (29) فمنذ متى
حصلت هذه النظرة النقدية لرواية الحديث ، ونتيجة لماذا ؟
لبيان ذلك نستعرض أهم الأحداث السياسية في آخر عصر الصحابة وفي عهد .
التابعين ، ثم نقف على نتائجها الاجتماعية والفكرية وآثارها في رواية الحديث .
في آخر خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه تحولت فكرة نقد سياسته الى غضب
استغله عبد الله بن سبأ اليهودي اليمني المتظاهر بالاسلام ، فتنقل بين الحجاز والبصرة .
والكوفة والشام ومصر ، وفرق أنصاره فيها ، وحرض الناس على الانتقام من الخليفة ،
وبث الأفكار الأولى للتشيع أو قل الدخيلة فيه ، فادعى وصية الرسول لعلي بالخلافة
واتهم أبا بكر وعمر بالتعدي عليه فيها ، وهيأ الناس للاعتقاد باغتصاب عثمان لها ، .
وألبهم عليه حتى كانت فتنة قتله (30) .
والملاحظ أنه ظهرت أبحاث حديثة تشكك في وجود هذه الشخصية ، وبقطع
النظر عن صحة هذه النظرة أو بطلانها فالمعروف أن الخلافات في الاسلام بدأت
بمقتل عثمان .
واثرها تلاحقت الأحداث السياسية فكانت واقعة الجمل بخروج عائشة وطلحة
والزبير انطلاقا من قضية القتل وموقف علي من القتلة في نظرهم . ثم نزاع معاوية لعلي
الذي تأزم بواقعة صفين فأضيف إلى الحزبين الأولين شيعة علي وأغلبهم بالعراق وأنصار
معاوية وأكثرها بالشام حزب الخوارج ضد علي ثم ضد الأمويين فكان في طليعة
الأحداث في هذا العهد ظهور الفرق ، ولكل فرقة اهتمام بالسياسة والعقيدة ولكنها
تصنف على وجه التقريب حسب الجانب الغالب عليها والفرق الرئيسية كلها ظهرت
في هذا العهد ، وغلب على الشيعة والخوارج الاهتمام بالسياسة بينما غلب على القدرية
(29) نفس المرجع : 1 : 81
(30) الطبري، تاريخ الأمم والملوك 5 : 98 وما بعدها (دار القاموس الحديث بيروت).
66

الأول والمعتزلة الاهتمام بالعقيدة وكان موقف المرجئة سياسيا عقائديا في نفس الوقت
وتكاد أحداث العصر السياسية والاجتماعية والعقائدية تنحصر في نشاط هذه الفرق .
. لذا ، نكتفي بالحديث عليها باختصار اقتصارا على ما يرتبط بموضوعنا فلكل منها
أثر في رواية الحديث ، ونقد رجاله فضلا على أنه لا يمكن معرفة الجرح والتعديل دون
الاطلاع على أوضاع العصر ، وأهم ما فيه في هذه الفترة هو ظهورها وبعض الثورات
السياسية التي قام بها أفراد مستقلون .
الشيعة :
ظهر التشيع كما لمحنا في آخر عهد عثمان رضي الله عنه ، ويرى البعض أنه بدأ بعد
وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض الصحابة الذين رأوا عليا أحق بالخلافة من
أبي بكر ، والقول الأول أولى لارتباطه بالدعوة الى المبادئ التي أراد أصحابها اقتامها
في التشيع فمنذ ذلك الوقت اقترن تاريخ الشيعة بنشر عقائد وأفكار لم تعرف من قبل
في الاسلام ، وحركات ثورية هدفت الى الاستيلاء على الحكم بعد مقتل علي كرم الله
وجهه وأقوى تلك الحركات كانت في عهد الدولة الأموية ، وقد عملت على ازالتها لتحل
محلها دولة العلويين فكانت دولة العباسيين (31) مما جعل الشيعة يواصلون الكفاح
ضد الدولة الجديدة .
والحديث عنهم يبتدئ من عهد الصحابة ولا يقف عند عصر التابعين بل يستمر
الى اليوم ، ونكتفي فيما يخص العصر الذي هو عنوان الفصل بالاشارة الى ما أحدثوه
فيه في مجال السياسة والفكر على أن نذكر بقية التطورات التي تهم موضوعنا في
مكانها منه .
ففي الجانب السياسي كانت أهم الأحداث بعد مقتل علي خروج ابنه الحسين
(31) شلبي أحمد: التاريخ الاسلامي والحضارة الاسلامية 1: 133 (ط 1 - 1964 النهضة
المصرية)
67

سنة « 61» في عهد يزيد بن معاوية ، ومأساة قتله في موقعة كربلاء (32) تلك
المأساة التي كانت من أبشع الأحداث في تاريخ الاسلام . ثم الواقعة التي حدثت في
عهد مروان بن الحكم سنة « 65 » بينه وبين من نعتوا أنفسهم بالتوابين من شيعة
الكوفة الذي ندموا على تقصيرهم في نصرة الحسين فعزموا على التكفير عن
ذلك (33) .
ثم ثورة زيد بن علي بن الحسين بالكوفة سنة « 121» وقتله (34) . وثورة يحي
ابنه من بعده بخراسان سنة « 125» ، وقتله أيضا (35). ومن بعد هذه الثورات
اتخذت الحركات الشيعية اتجاها جديدا ازداد فيه التأثير الفارسي ، واتسمت عموما بقلة
اخلاص الأتباع للقائد بل خذلانه فيدعونه للمبايعة ، وفي المعركة يتركون نصرته ، ولعل
هذا يبين ما في الشيعة من دخلاء لا يهمهم الانتصار بل إثارة الفتن .
وهم فرق كثيرة ظهرت في أزمان متابعة ومن التي نشأت في هذا العهد السبئية
الذين ألهوا عليا فأحرق من صرح بذلك منهم ونفى من لم يظهروا القول
بالتأليه (36) . والغرابية الذين زعموا ان النبوة كانت لعلي فأخطأ فيها جبريل فنزل
على محمد صلى الله عليه وسلم (37) .
والكيسانية التي ليست في درجة هاتين في الغلو ولكن البعض كفرها (38).
وفي بداية القرن الثاني ظهرت فرق أخرى من الغلاة ، وهم جميعا من الكفار
(32) ابن الأثير ، الكامل في التاريخ 3 : 279 (ط 1 المنيرية مصر 1348)
(33) الطبري، تاريخ الأمم والملوك 7 : 66 وما بعدها
.(34) نفس المرجع 8 : 260
(35) نفس المرجع 8 : 299
(36) البغدادي عبد القاهر، الفرق بين الفرق: 233 ، تح محمد محيي الدين عبد الحميد (المدني
القاهرة)
(37) نفس المرجع : 250
(38) الشهرستاني ، الملل والنحل1: 147 تح محمد سيد كيلاني (الحلبي مصر 1961/1381)
68

الدخلاء على الاسلام فلا ينبغي أن يعتبروا من فرقه . وظهر أيضا المعتدلون كالزيديه
أتباع زيد بن علي بن الحسين ، وبسبب موقفه من الشيخين تكونت الرافضة (39) .
ففي هذا العهد ظهر الغلاة المارقون عن الاسلام ، ومن أقل منهم تطرفا
والمعتدلون ، وظهرت من بعد فرق أخرى تذكر في موضعها ، ومن أهمها الامامية .
ومما قالت به هذه الفرق مبادىء غريبة عن الاسلام وبعضها كالقول بالرجعة
والوصية والتناسخ عند البعض مستمد من الديانات الأخرى والمذاهب الأجنبية ..
الخوارج
ظهر الخوارج (40) في معركة صفين سنة سبع وثلاثين معللين خروجهم عن علي
بقبوله التحكيم ، والمستقصي للدوافع التي دفعتهم الى اتخاذ موقفهم لا يجد أسبابا وجيهة
تبرره . وهم من العرب البدو في غالبهم، واتسمت حركاتهم بقصر النظر والإقدام على
نصرة الرأي وإعلانه دون تقدير للنتائج وتحليلها فكانوا في صراع مسلح دائم بدأ مع علي
واستمر مع الأمويين بضراوة ومع من بعدهم في ثورات متفرقة .
ففي عهد علي كانت وقعة النهراوان (41) ، وفيها حاولهم على التراجع فأبوا إلا أن
يخضع لرأيهم فيقر على نفسه بالخطإ والكفر في قبول التحكيم ويغلن تراجعه فيه ،
فرفض فطلبوا الحرب وبدأوا بها فحاربهم وهزمهم هزيمة كانت المؤجج لاحقادهم فيما
بعد ، وسلمت قلة منهم من المعركة فتفرقوا في عدة أقاليم وأظهروا فيها بدعتهم
· وتكاثروا .
فاستولى بعضهم على جنوب الجزيرة العربية كالطائف واليمن واليمامة ، والقسم
الأكثر خطورة كانوا بالعراق وما حولها واستولوا على كرمان وبلاد فارس وهددوا
(39) نفس المرجع ، 1 : 154
(40) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، 6 : 36
(41) ابن الأثير الكامل ، 3 : 172
69

البصرة (42) ولم يهدأوا ظيلة العهد الأموي (43)، وآخر حركاتهم فيه ثورة أبي حمزة
الخارجي سنة تسع وعشرين ومائة بمكة والمدينة وقد قضى عليها مروان بن محمد (44)
ولولا انشقاقهم على أنفسهم وتفرقهم فرقا وشدة قواد خصومهم کالمهلب بن أبي
صفرة لغيروا وجه التاريخ .
وفي هذا العهد ظهرت كل فرقهم (45) ولم تكن مبادئهم متأثرة كثيرا بالثقافات .
الأجنبية لقلة صلتهم بها ولأنهم سبقوها في الظهور لأن انتشارها بدأ مع العباسيين ،
ولأنه لم يكن بينهم من غير العرب إلا عدد لا يذكر ، وشملت مباحثهم قضية الخلافة ،
ومرتكب الكبيرة أو مفهوم الايمان وشموله التصديق والعمل ، وكانت هاتان القضيتان
محل اجماع بينهم تقريبا ، في حين اختلفوا في قضايا أخرى فرعية وبسببها تفرقوا فرقا ،
وهي حكم القعود عن الخروج ، وحكم أطفال المخالفين لهم .
ومن الإنصاف أن نقر ما ذهب إليه الدكتور أحمد شلبي (46) من أنهم لم يعادوا
الاسلام مباشرة ولكن أمرهم صار خطيرا عليه بما ابتدعوا من آراء وما تسببوا فيه من
ثورات أودت بحياة الآلاف من المسلمين ، وشغلت الجيش الاسلامي عن مقاتلة
الأعداء ، بيد أن من فرقهم من خرج عن الاسلام كالعجاردة الذين أنكروا كون سورة
يوسف من القرآن وزعموا أنها قصة (47). واليزيدية الذين زعموا أن الله تعالى
سيبعث رسولا من العجم وينزل عليه كتابا قد كتب في السماء (48) .
(42) أحمد أمين، فجر الاسلام، 302 (ط 2 الاعتماد القاهرة) شلبي أحمد التاريخ
الاسلامى 1 : 221
(43) ابن الأثير ، الكامل ، 3 : 205
(44) ابن الأثير ، الكامل ، 4 : 314 وما بعدها
(45) انظر أقسام فرقهم ومبادئها في الشهرستاني الملل والنحل 1 : 114
(46) التاريخ الاسلامي 1 : 239 - 240
(47) الشهرستاني ، الملل والنحل 1 : 128
(48) نفس المرجع 1 : 136
70

الثورات
الى جانب الثورات المسلحة للخوارج والشيعة قام بعض الأفراد بحركات خطيرة
رأينا أن نذكرها بايجاز عقب الحديث عن الفرقتين المذكورتين لتشابه الجميع في
·استعمال السلاح، والدافع الأصلى لذكرها نشوء فرق عن بعضها ، ومشاركة بعض
المحدثين فيها ، وتأثيرها عموما في الحياة الاجتماعية والفكرية .
حركة عبد الله بن الزبير :
من الأحداث السياسية في القرن الأول حركة عبد الله بن الزبير بن العوام ، أبوه
أحد السابقين الأولين الى الاسلام وأحد المرشحين الستة للخلافة بعد عمر ، وأمه
أسماء بنت أبي بكر الصديق ، نشأ عبد الله في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم عند
خالته عائشة أم المؤمنين ، ويصفه بعض المؤرخين بأنه دفعها الى واقعة الجمل طمعا في
الخلافة ثم حث من بعد الحسين بن علي ليستجيب لنداء الكوفة ليخلو له الجو من
بعده (49) .
وساعده على الظهور موت معاوية وتولي ابنه يزيد وأمره بمهاجمة المدينة في الموقعة
المعروفة بموقعة الحرة (50) التي أدت بحياة الكثير من أبناء المهاجرين والأنصار
واستبيحت. بعدها المدينة ثلاثة أيام للجند وهوجمت الكعبة اثرها ومات يزيد ،
وضعف الأمويون فاستغل عبد الله بن الزبير الفرصة وأخذ البيعة لنفسه ، وشمل نفوذه
الحجاز والعراق ومصر وبعض الشام من سنة أربع وستين الى ثلاث وسبعين ، وعندما
استقر الأمر لمروان بن الحكم هزم بعض أتباع ابن الزبير بالشام وأرجع مصر الى
جوزته ، وخلفه ابنه عبد الملك فاسترجع العراق ثم أرسل جيشا بقيادة الحجاج بن
يوسف إلى الحرم الشريف فرمى الكعبة المجانيق وقتل ابن الزبير سنة ثلاث
وسبعين (51) .
(49) شلبي أحمد ، التاريخ الاسلامي 2: 203 وما بعدها
(50) ابن الأثير ، الكامل 3 : 310 ، وما بعدها
(51) الطبري، تاريخ الأمم والملوك 7 : 13 وما بعدها
71

ومن أسباب هزيمته نفرة أهل الحجاز من الحرب ، واعتماده في نشر دعوته على
أعوانه ، وعدم منحهم المال ، ومقاومة الخوارج والشيعة له ، ومن النتائج السياسية
لهزيمته ابتعاد اقليم الحجاز عن التأثير السياسي (52) .
ثورة المختار بن أبي عبيد (53) :
المختار بن أبي عبيد شخص غريب الأطوار ، كان خارجيا ، ثم صار زبيريا ، ثم
شيعيا كيسانيا (54) ادعى المطالبة بدماء أهل البيت بعد مقتل الحسين ، وبحيله
المتعددة جمع الأنصار ، وهزم عامل ابن الزبير على الكوفة ثم دانت له الموصل ودعا إلى
محمد بن الحنفية لكنه تبرأ منه ، وحاربه جيش ابن الزبير فقتل سنة سبع وستين ،
وعن ثورته تولدت فرقة الكيسانية ، ومن آرائه جواز البداء على الله تنزه الله عن
ذلك (55) .
ثورة ابن الأشعث (56) :
كان عبد الرحمن بن الأشعث قائدا لجيوش الحجاج فتمرد عليه وحاربه من سنة
احدى وثمانين الى سنة ثلاث وثمانين واستولى على البصرة والكوفة ومن وقائعه الشهيرة
واقعة دير الجماجم ، وأخيرا انهزم وكانت حركته ثورة عراقية اقليمية غير متأثرة
بالمذاهب ، وهدفها استقلال العراق عن الأمويين (57) ومن شارك فيها من العلماء
الشعبي ، وسعيد بن جبير ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وقد أودت بحياة البعض منهم
ومن غيرهم أثناء المعارك وبعدها ممن تتبعهم الحجاج وقتلهم كسعيد بن جبير .
(52) حسن ابراهيم حسن، تاريخ الاسلام 1: 451 (ط 3، النهضة مصر 1953)
(53) الطبري، تاريخ الأمم والملوك 7 : 66 وما بعدها
(54) الشهرستاني، الملل والنحل 1 : 147 _ 148
(55) نفس المرجع 1 : 148
(56) الطبري، تاريخ الأمم والملوك 8 : 12 وما بعدها
(57) الراوي، ثابت اسماعيل، العراق في العصر الأموي 182 - 183 (ط 1 الارشاد
بغداد 1965)
72

المرجئة
نشأتها :
يرجع البعض ظهور المرجئة الى الصحابة الذين امتنعوا عن المشاركة في الفتنة التي.
حدثت في آخر عهد عثمان کعبد الله بن عمر ، وعمران بن حصین ، وسعد بن أبي
وقاص ، وأبي بكر بكر راوي حديث (إنها ستكون فتن ألا ثم تكون فتنة القاعد فيها خير
من الماشي فيها والماشي فیها خیر من الساعي إليها ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له ابل
فليلحق بابله ، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه ، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه
قال ، فقال رجل يا رسول الله أرأيت من لم يكن له أبل ولا غنم ولا أرض قال: يعمد
إلى شيفه فيدق على حده بحجر ثم لينج ان استطاع التجاء)) (58).
وهؤلاء عبروا عن موقفهم ولم يكونوا فرقة ، أما مؤسسوها فظهروا بعد الشيعة
والخوارج فلما كفر الخوارج عليا وعثمان والقائلين بالتحكيم وكفر بعض الشيعة الخلفاء
الثلاثة الأولين ومن ناصروهم وكفرت كل من الفرقتين من سواها ، سالمت المرجئة
الجميع ولم تكفر أحدا وقالت إن فيهم المصيب والمخطىء وأرجأت أمرهم الى الله تعالى .
. حزبا سياسيا يؤيد سلبيا الأمويين . ولما بحثت
وباعتبار حیادهم ممکن
لی فامتنعوا عن الخوض فيها وقالوا بایمان مرتكبها
مشكلة الكبيرة كار لهم نفس
وأرجأوا أمره إلى الله تعالى (59) فتلاقوا الى حدّ كبير مع أغلبية جمهور العلماء
السنيين (60) لأنهم يرون أن مرتكب الكبيرة مؤمن عاص ، أمره بيد الله تعالى إن
شاء عذبه بقدر ذنبه وان شاء عفا عنه .
(58) صحيح مسلم بشرح النووي 18 : 9 (كتاب الفتن 13) وفي البخاري ، وبقية كتب
الصحاحِ أحاديث بنفس المعنى
(59) أبو زهرة ، المذاهب الاسلامية: 201 (المطبعة النموذجية)
(60) نفس المرجع : 199
٣٠.
73

معنى الإرجاء وتطوره :
وموقفهم يناسب مدلول اسمهم المشتق من أرجأ بمعنى أمهل وأخّر أي امتنع عن
إبداء الرأي في موقف كل الفرق وأرجأ الحكم الى الله تعالی لیکون هو الحکم بينها ،
ويعني أيضا تأخير العمل عن النية والقصد أي اعتبار الأفعال الشرعية الظاهرة ثانوية
تأتي بعد الإيمان ، وعلى هذا المعنى قالوا قولتهم: « لا تضر مع الايمان معصية كما لا
ينفع مع الكفر طاعة » (61) .
المعنى الأول يمثله الأولون منهم أصحاب الموقف السياسي ، والمعنى الثاني ينطبق على
الذين خاضوا في مفهوم الايمان من بعد وكأنهم أرادوا أن يحدوا من غلو الخوارج
والشيعة فتطرفوا ووقعوا في غلو أيضا .
فالخوارج عدّوا ارتكاب الكبيرة كفرا والشيعة اعتبروا الاعتقاد بالامام ركنا من
الايمان ، والمرجئة قالوا الايمان : هو المعرفة بالله وبرسله ، فمن وحد الله وصدق
بالرسول فهو مؤمن ، فالعمل ليس من الايمان ومرتكب الكبيرة مؤمن ولا وجود
للاعتقاد بالامام (62) ، ومعتقدهم هذا أبطل ما ذهبت اليه الفرقتان السابقتان ولكنه.
يعتبر تعطيلا للعمل بأحكام الدين باهمال الواجبات وارتكاب المنهيات وازداد غلو
بعضهم فاعتبروا الاعتقاد بالقلب كافيا في الايمان وان أعلن صاحبه الكفر باللسان
وعبد الأوثان أو لزم اليهودية والنصرانية في دار الاسلام ومات على ذلك فهو مؤمن
كامل الإيمان عند الله (63) وهذا خروج عن الاسلام وبدعة متسامحة في اطلاق
وصف الايمان على من زعمه وتطور خطير لمفهوم الإرجاء .
وهو لا يمثل رأي جمهور المرجئة بل الغلاة منهم الذين ظهروا مؤخرا ولم ينسبه لهم.
(61) الشهر ستاني، الملل والنحل : 1 : 139
(62) أحمد أمين ، فجر الاسلام : 329
(63) ابن حزم ، الفصل في الملل والنحل: 204 (ط 1 الأدبية 1320) ونقله أحمد أمين في فجر
الاسلام 329 . وحسن ابراهيم حسن، تاريخ الاسلام 1 : 452
74

كثير ممن كتبوا عنهم ويظهر أنه من قول مرجئة الجهمية لأن ابن حزم نسبه إلى جهم
ابن صفوان (64) .
ومذهب المرجئة المبتدعة اعتبر من الشائع التي كان يسب بها العلماء والفرق ،
قال زيد بن علي بن الحسين : « أبرأ من المرجئة الذين أطمعوا الفساق في عفو الله
تعالى»(65) . وهو من أسباب الجرح عند نقاد الحديث، وكان نهاية في التسامح
المفرط حتى مع غير المسلمين ومن باب أولى معهم فهم لم يعادوا الشيعة ولا الخوارج
ولا الامويين فلم يطاردهم هؤلاء بل أسندوا إلى بعضهم مناصب عالية مثل ما فعلوا
لثابت قطنة (66) الذي ولاه المهلب أعمالا من أعمال الثغور ولكن الحياد لم يدم
فمن بعد العهد الأموي ذابت المرجئة في الفرق الاخرى فلم تعد مستقلة بالوجود فمنهم
من قالوا بالقدر فعدوا في مرجئة القدرية ، ومنهم من قالوا بقول جهم بن صفوان فعدوا في
مرجئة الجهمية ، ومن انضموا إلى الخوارج فكانوا من مرجئتهم (67)
مرجئة السنة ومرجئة البدعة :
وقسمهم البعض قسمين : مرجئة السنة وهم النواة الأولى لهم ومرجئة البدعة وهم
الذين حرفوا مفهوم الإيمان وقالوا قولتهم الضالة: « لا يضر مع الأيمان معصية إلى
اخره (68)
(64) الفصل في الملل والنحل 4 : 204
(65) أبو زهرة ، المذاهب الاسلامية : 204
(66) البير نصري نادر، أهم الفرق الاسلامية: 35 (المطعبة الكاتوليكية بيروت)
(67) البغدادي عبد القاهر ، الفرق بين الفرق: 25 والشهرستاني، الملل والنحل 1 : 139 وما
بعدها
(68) أبو زهرة، المذاهب الاسلامية: 205 - 206
75

القدرية
مفهوم القدر الواجب الايمان به :
من أركان العقيدة في الاسلام الإيمان بالقدر ، جاء في الحديث الصحيح بيان
الإيمان بما يلي: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر
خيره وشره» (69).
والإيمان بالقدر اثباته والاعتقاد بأن الله قدر الأشياء في القدم وعلم أنها ستقع في
أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدرها ..
فهو اقرار باحاطة علم الله تعالى بكل شيء وتقديره في الازل كل ما هو كائن على
مقتضى حكمته (70) .
قال الخطابي : «وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر اجبار الله
تعالى العبد وقهره على ما قدره وقضاه وليس الامر كما يتوهمونه . وانما معناه الاخبار عن
تقدم علم الله بما يكون من اكتساب العبد وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها
وشرها » (71) .
وحث النبي صلى الله عليه وسلم على الأيمان به ونهى عن الخوض فيه لأن بحثه
يضل بعض الأفهام (72) .
نشأة بدعة القدر :
موضوع القدر عسير الفهم فلا يستغرب أن يكون وقع بحثه مبکرا ، جاء في نهج
البلاغة جواب لعلي بن أبي طالب عن سؤال في القدر وضح فيه المفهوم الصحيح
(69) صحيح مسلم بشرح النووي 1 : 157، كتاب الإيمان : 1
(70) أبو زهرة ، المذاهب الاسلامية: 165
(71) النووي ، شرح صيح مسلم 1 : 154 - 155
(72) أبو زهرة، المذاهب الاسلامية 1 : 165
76

له (73) وإذا ضحت هذه الرواية فتكون بداية بحثه وقعت في عهد علي (74) .
وهذا ومثله يعد من الخواطر العابرة ، أما ظهور بدعة القول به فحدثت بعد
ذلك .. والمراد بها انكاره وادعاء أن الله لم يقدر الأشياء ولم يتقدم علمه بها وأنها
مستأنفة العلم يعلمها الله بعد وقوعها (75) وهو معنى قولهم: « لا قدر وأن الأمر
أنف » (76) .
وقيل إن أول من تكلم في القدر غيلان الدمشقي وقيل رجل من أهل العراق كان
نصرانيا فأسلم ثم تنصر وأخذ عنه معبد الجهني وغيلان الدمشقي (77).
وهذا القول منسوب الى الاوزاعي ، وفيه التصريح باسم الرجل وهو
سوسن (78) فالفكرة دخيلة على الاسلام ، وتولى نشرها بدمشق غيلان وبالبصرة
معبد فدعا اليها زمنا غير يسير حتى كانت فتنة ابن الأشعث فانضم اليها فقتله
الحجاج وكأنه نصب نفسه داعية للفتن العقائدية والسياسية ، وأما غيلان فاستمر
يدعو حتى تولى عمر بن عبد العزيز ودعاه وناقشه فتاب أو تظاهر بالتوبة فلما مات
م ..
عاد إلى بدعته وحين تولى هشام بن عبد الملك استدعاه وسأله عن مقالته فطالب
المناظرة فناظره الأوزاعي وأفحمه فأعدمه هشام (79) .
موقف الصحابة من القدرية :
عندما ظهرت بدعة القدر بالبصرة وأخبر بها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما تبرأ
(73) 3 : 167 شرح محمد عبده (الاستقامة)
(74) أبو زهرة ، المذاهب الاسلامية 167 - 168
(75) النووي ، شرح صحيح مسلم 1 : 154
(76) نفس المرجع 1 : 150 كتاب الإيمان : 1
(77) ابن نباته ، سرح العيون : 201
(78) ابن قتيبة ، المعارف : 484
(79). ابن عبد ربه ، العقد الفريد
2 : 203 - 204 (ط 1 الاستقامة القاهرة
(1940/1359
77

من القائلين بها ، وأقسم أنه لن ينفعهم عمل ما لم يؤمنوا بالقدر ، وذكر حديث
سؤال جبريل عليه السلام الذي ينص على أن الإيمان بالقدر ركن من أركان
العقيدة (80) وتبرأ منهم أيضا جابر بن عبد الله، وأبو هريرة وأنس بن مالك ، وعند
الله بن أبي أوفى «87»، وعقبة بن عامر الجهني « 58» وأقرانهم، وأوصوا
أخلافهم بأن لا يسلموا عليهم، ولا يصلوا على جنائزهم ولا يعودوا مرضاهم (81).
وهذا الموقف هو الذي نص عليه الحديث « القدرية مجوس هذه الأمة ان مرضوا فلا
تعودوهم وان ماتوا فلا تشهدوهم » (82)
وجه تسمية نفاة القدر بالقدرية :
سمي أصحاب هذه البدعة قدرية لإنكارهم القدر ودهش لهذه التسمية بعض
المؤرخين وأجيب بوجوه منها: أنها من التسمية بالضد، ومنها أنهم نفوا القدر عن الله.
وأثبتوه للعبد فسموا لذلك قدرية بجعلهم كل شيء لارادة الإنسان وقدرته فكأنهم أعطوا.
الانسان سلطانا على القدر ، ومنها أن هذا النعت وصفهم به مخالفوهم لينطبق عليهم
الحديث « القدرية مجوس هذه الأمة ... »
وبيّن الخطابي (83) أن العلاقة بينهم وبين المجوس في تفريق كل منهما بين فاعل:
(80) ابن حجر، فتح الباري 1: 118 - 119 ومسلم كتاب الايمان : 1
(81) البغدادي عبد القاهر ، الفرق بين الفرق : 20
(82) سنن أبي داود مع الشرح المسمى عون المعبود 12: 452
ونقد المنذري سند الحديث ووصفه بالانقطاع ، وقال ابن حجر : الحديث حسنه الترمذي
وصححه الحاكم في المستدرك ، وأجاب على علتيه ، وهما : الاختلاف والانقطاع ورد على من قال
بوضعه لتضمنه تشبيه القدرية بالمجوس ببيان أن الشبه في اثبات فاعلين لا في جميع معتقد المجوس .
عون المعبود 12 : 453 - 454
وأورد الامام أحمد الحديث مع اختلاف في بعض الالفاظ
المسند 2 : 86 و 5 : 407 (المكتب الاسلامي ودار صادر بيروت)
(83) أحمد بن محمد بن ابراهيم الخطابي البستي 931/319 - 999/388، جمع بين الحديث
والفقه واللغة والادب ، من كتبه الكثيرة معالم السنن شرح سنن أبي داود . كحاله ، معجم
المؤلفين 2 : 61
78

الخير وفاعل الشر فالمجوس ينسبون فعل الخير الى النور والشر الى الظلمة والقدرية
يضيفون الخير إلى الله والشر إلى غيره .
ورد عليهم بأنه سبحانه خالق الخير والشر فلا يكون شيء منهما الا بمشيئته (84)
وقال بعض القدرية لسنا بقدرية بل أنتم القدرية لاعتقادكم إثبات القدر، وقال الإمام
الجويني (85) « هذا بهت ، فان أهل الجق يفوضون أمورهم إلى الله ولا يعترضون
لشيء من أفعاله ثم من يضيف القدرة إلى نفسه ويعتقدها صفته أولى بأن يسمى
بالقدري ممن يضيفها إلى ربه»(86) .
تطور مذهب القدرية :
انقرض القدرية الأول نفاة القدر عن الله تعالى وحدثت قدرية متأخرة أقرت علم
الله تعالى بأفعال العباد قبل وقوعها وزعمت أنها صادرة عنهم على جهة الاستقلال
ورغم أن هذا المذهب مخالف لرأي جمهور أهل السنة فانه أخف من القديم (87) .
الجهمية
نشأتها :
ليس من السهل تحديد بداية ظهور بعض النزعات الفكرية لأنها تمر بمرحلة تكون
فيها أفكارا يبحث أصحابها عمن يعتنقها ، وغالبا ما تعرف عندما تصير مذهبا واضح
.(84) عون المعبود ، 12 : 453
(85) عبد الله بن عبد الله بن يوسف النيسابوري (إمام الحرمين) 1028/419
ت 1085/478، عالم بالأصول والكلام والفقه والتفسير ، من كتبه الشامل في أصول الاعتقاد ،
والإرشاد ، السبكى، طبقات الشافعية 3 : 249 (ط 1 الحسينية مصر)
(86) الارشاد الى قواطع الأدلة 256 (السعادة مصر 1950/1369)
أ. (87) ابن حجر، فتح الباري، 1: 119 وقارن بأحمد أمين فجر الاسلام : 337 - 338
79

الأسس، ولا تصير كذلك الا بعد زمن ليس بالقصير، والجهمية عرفت في أول
القرن الثاني، ومن المؤرخين من يرجعها إلى ما قبل ذلك فيرى أن أول من قال بخلق
القرآن لبيد بن أعصم اليهودي، وعنه أخذ الفكرة طالوت ابن أخته الذي بلغها إلى بيان
بن سمعان، وقيل إن اسمه أبان، ومنه انتقلت إلى الجعد بن درهم معلم مروان بن
محمد آخر خلفاء بني أمية وهو الذي نسب إليه هذا القول، وقد طلب بدمشق فهرب إلى
الكوفة، وتعلم منه جهم بن صفوان ونشر مبادىء الجهمية، وقتل الجعد من قبل خالد
بن عبد اللّه القسري والي الكوفة يوم عيد الأضحى سنة ((124)) (88).
وجهم ينسبه المؤرخون تارة إلى سمرقند، وأخرى إلى ترمذ حيث جادل المفسر
مقاتل بن سليمان في الصفات، ثم انتقل إلى خراسان وعندما مات اتخذ أتباعه نهاوند
مقرا لهم إلى أن تغلب عليهم أبو منصور الماتريدي(89) فالجعد وجهم هما اللذان قاما
بنشر مبادىء الجهمية، وماذكر من تسلسل الفكرة بين دعاتها انما هو بحسب الظن
والظاهر أنها لم تعرف زمن صغار الصحابة فقد جاء عن علي بن عبد اللّه بن عباس أن
رجلا أخبر أباه بوجود جبريه فأجابه (( لو أعلم أن ها هنا أحدا لقبضت على حلقه حتى
تذهب روحه، لا تقولوا أجبر اللّه على المعاصي، ولا تقولوا لم يعلم الله ما العبد
عامله فتجهلوه)) (90).
فابن عباس لم يعلم بوجودهم ولكنه نهى عن اعتناق أفكارهم للحذر منهم.
وفي رواية أخرى عنه أنه بعث برسالة إلى جبرية الشام ينهاهم فيها عن القول بالجبر
فيستفاد من الخبر ظهورهم بالشام قبل غيره، ويرى أبو زهرة أن هذه النحلة لم ينفرد
ببذرها اليهود لأن للفرس مثل هذه الأفكار فمنهم من يعلل نكاح البنات والأخوات
(88) ابن نباته، سرح العيون: 206، والرافعي، اعجاز القرآن: 160(56، الاستقامة، مصر
.(1952/1371
(89) أبو زهرة، المذاهب الاسلامية: 145.
·(90) القاضي عبد الجبار، فرق وطبقات المعتزلة: 27 - 28. تح على النشار وعصام الدين محمد
علي (دار المطبوعات الجامعية 1972).
80

بكونه قضاء الله وقدره (91)، واستند في ذلك إلى ما نقله عنهم القاضي عبد
الجبار (92) في كتبه فرق وطبقات المعتزلة (93).
آراء الجهمية :
قالوا بنفي صفات الله الزائدة عن الذات وانعدام الشبيه له في الفعل فأوجبوا أن
لا يكون أحد غيره فعالا، وشبهوا اضافة الفعل إلى غيره باضافة الموت إلى من
أسند إليه فعل مات في قول القائل مات صالح وإنما أماته الله فنفوا عن الإنسان
القدرة والإرادة .
ومن آرائهم ادعاؤهم أن الإيمان هو المعرفة بالله جل وعلا، وحدوث كلامه
تعالى وعلى الرأي الثاني حدث القول بخلق القرآن، ومنها نفي رؤية الله يوم
القيامة والقول بفناء الجنة والنار بعد طول المكث(94).
الجهمية والسياسة :
لم يقتصر جهم على بث آرائه الاعتقادية بل شارك في الفتن السياسية فانضم
إلى حركة الحارث بن سريج(95) عندما رفض بيعة مروان بن محمد، وخرج عليه
فكان جهم يدعو له ويقرأ سيرته في الجامع والطريق فاستجاب له خلق، فحاربه
الأمويون فقتل، وأما جهم فقيل قتل في المعركة وقيل أسر وقتل فيما بعد.
وللكتاب من الحارث موقفان موقف يطعن في عقيدته، ويتهمه بموالاة المشركين،
(91) أبو زهرة، المذاهب الاسلامية، 174 - 175
(92) هو عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني 970/359 ت 1025/415 جمع بين الفقه والأصول
والكلام والتفسير. من أعظم شيوخ المعتزلة في عصره أفردوه بلقب قاضي القضاة السبكي، طبقات الشافعية
219, :3
(93) ص: 27-28.
(94) الشهر ستاني، الملل والنحل 1: 85 - 87.
(95) ابن كثير، البداية والنهاية 4: 272 (1b نشر مكتبة المعارف بيروت ومكتبة النصر الرياض 1966).
81

والاستنصار بهم على المسلمين ويعتبره وداعيته قد عملا على افساد الدين (96) وموقف
يعده مقاوما للاستبداد بالرأي داعيا الى الشورى والعمل بأحكام الكتاب والسنة(97).
وتعاون جهم معه يرجح الرأي الأول، ويمكن أن يكون ما دعا اليه من الشورى
تغطية للوصول إلى مبتغاه.
نهاية الجهمية :.
ذابت الجهمية كالقدرية في غيرها من المذاهب وتبنت المعتزلة بعض أفكارها كنفي
صفات الله الزائدة عن الذات، ونفي رؤيته يوم القيامة والقول بخلق القرآن وطرحت
بعضها كالجبر(98).
المدرسة النقدية في عهد التابعين
المتأمل فيما جدّ في آخر عصر الصحابة وخلال عهد التابعين من الأحداث يلاحظ أنها
اكتست طابعا سياسيا، وأن المباحث العقائدية نتجت عنها في جملتها في فترات، فبعضها
لم ينشأ الا في أوّل القرن الثاني. وظهر أثره واضحا في عهد تابعي التابعين كالاعتزال وهو
وان لم يكن امتدادا كاملالنزعتي القدرية الأول والجهمية فقد أخذ عنهما بعض المبادىء
وكان له دور في الحياة الفكرية الاسلامية عند احتكاكها بالثقافات الأخرى ثم كان
موقفه المعروف من المحدثين في قضية خلق القرآن وهذا الحدث وان بدا متأخرا فإن المعتزلة
منذ ظهورهم في بداية المائة الثانية تصادموا مع أهل الحديث وسنرى هذا ان شاء اللّه.
(96) محمد محيي الدين عبد الحميد، مقدمة مقالات الاسلاميين للأشعري 1 : 16 (ط 1
1950/1369 نشر مكتبة النهضة المصرية)
(97) القاسمي ، تاريخ الجهمية والمعتزلة: 8 (ط 1 المنار مصر 1331).
(98) أحمد أمين ، فجر الاسلام 337 - 338
82