Indexed OCR Text

Pages 41-60

طعنوا في قول عمر لوجود أقوال أخرى له تعارضه وتفید أمره برواية كلامه، ورد عليهم
بأن النهي كان لاتقاء الكذب على الرسول خوفا من أن يؤدي الاكثار الى التحديث
بما لم يتقن حفظه لان ضبط المقل أكثر من ضبط المكثر والاقلال يمكن معه التدبر ،
وهو أبعد من السهو والغلط الذي لا يؤمن مع الاكثار (63) وختم هذه المسألة بقوله
« وقد يحتمل عندي أن تكون الاثار كلها عن عمرٍ صحيحة متفقة ، ويخرج معناها
على أن من شك في شيء تركه ومن حفظ شيئا وأتقنه جاز له أن يحدث به وإن كان
الاكثار يحمل الانسان على التقحم في أن يحدث بكل ما سمع من جيد وردىء ،
وغث وسمين ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كفى بالمرء كذبا أن يحدث
بكل ما سمع » رواه مسلم (64) .
وناقش ابن حزم (65) هذه المسألة وتساءل عن حد الكثرة المذمومة والقلة
المحمودة ، وأعتبر عمر نفسه من المكثرين ورفض أمره بالاقلال ، وأبطل الاثر المتعلق
بوصية وفده الى الكوفة . وتعرض لقضية حبس الصحابة التي نقلناها من قبل عن
الخطيب وأثبت أباذرّ بدل أبي مسعود ووصف سند خبرها بالارسال ، ومتنه
بالكذب ، ونقد كل الآثار المتعلقة برد بعض الصحابة روايات الآخرين (66) .
والمسألة المشكلة هي قضية الخبس التي لم يتعرض لها ابن عبد البر وذكرها
الذهبي (67) بصيغة صريحة أكثر مما عند الخطيب ، وسكت عنها كأنها من
(63) نفس المرجع : 121
(64) نفس المرجع: 123: والحديث في صحيح مسلم بشرح النووي 1 : 73 المقدمة : 3
(65) هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي 994/384 - 1064/466 انتقد كثيرا من
العلماء والفقهاء . منن كتبه الكثيرة : الفصل بين أهل الأهواء والنحل ، ابن بشكوال ، الصلة 408
- 410 (مجريط 1883)
(66) الأحكام في أصول الأحكام: 2: 139 وما بعدها (السعادة مصر 1345)
(67) هو محمد بن أحمد بن عثمان الدمشقي الذهبي من مشاهير علماء الحديث
والتاريخ 1274/673. ألف كثيرا في علم الرجال. ت 1348/748 . ابن تغرى بردي النجو
الزاهرة 10 : 182 - 183 (المؤسسة المصرية للتأليف والترجمة).
43

المسلمات عنده (68) والحل فيها أن لا نقبلها بحال على ظاهرها الذي يفيد الحبس
بمعناه الضيق فذلك تنفيه منزلة هؤلاء الصحابة وموقف عمر من بقية المكثرين اذ لو
سجن هؤلاء لسجن آخرين ، وتبطله أيضا الكيفية التي انتشر بها الخبر فلو حصل
السجن لتواتر ورواية الخطيب « فحبسهم بالمدينة حتى استشهد » تفيد أنه
استبقاهم بها وهو ما تفيده رواية الرامهرمزي عن شيخه ابن البري (69) بسنده
المتصل « أن عمر بن الخطاب حبس بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
وفيهم ابن مسعود وأبو الدرداء فقال: « قد أكثرتم الحديث عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم : « قال أبو عبد الله بن البري « يعني منعهم الحديث ولم يكن لعمر
حبس » (70) ولعل في نقل عياض (71) لهذه الرواية دون تعقيب دليلا على خلوها
من اللبس فهذا التوضيح من شيخ الرامهرمزي يزيل الاشكال ويدعمه ما ذهب اليه
ابن قيم الجوزية (72) من أن الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق وانما هو
تعويق الشخص ، ومنعه من التصرف بنفسه حيث شاء سواء كان في بيت أو في
مسجد أو كان بتوكل نفس الغريم أو وكيله وملازمته له (73) ولا يعارض هذا اتخاذه
دارا سجنا فتلك للمعاقبين ممن خالفوا الشرع .
(68) تذكرة الحفاظ 1 : 7
(69) لم أعثر على ترجمته في حين نقل عند الرامهرمزي كثيرا في المحدث الفاصل
(70) الزامهرمزي ، المحدث الفاصل: 553 (دار الفكر بيروت 1971/1391) وبحث المسألة
عجاج الخطيب في السنة قبل التدوين: 106 - 110 (مخيمر القاهرة 1963/1383)
(71) عياض بن موسى بن عياض الحصبي ، ولد بسبتة 1103/496 - 1149/544 .
محدث ، ناقد له كتب كثيرة منها ترتيب المدارك، والإلماع ، والشقاء ، الضبي بغية الملتمس 425
وانظر المسألة المشار إليها في الإلماع: 216 - 217 (ط 1 السنة المحمدية 1970/1389)
(72) هو محمد بن أبي أيوب بن سعد الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية 1292/691. من كتبه
الكثيرة اعلام الموقعين عن رب العالمين ت 1350/751 السيوطي، بغيه الوعاة 1: 62- 63
(73) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: 102/101 (الاداب والمؤيد مصر 1317) وابن
فرحون ، تبصره الحكام 2 : 274 (مصطفى محمد مصر)
44

وبالنسبة لهؤلاء الصحابة اقتصر المنع على الاكثار من الرواية وما جاء في آخر.
كلام ابن القيم ولم نثبته من أن عمر اتخذ حبسا عندما انتشرت الرعية وفي كلام ابن
البري ولم يكن لعمر حبس يمكن الجمع بينهما بأنه لا حبس له بالمعنى الاصطلاحي
المتعارف ، أما أصل الحبس فموجود في زمنه .
هذا ما يتعلق بهذه المسألة ، وأما قضية أمر عمر بالاقلال من الرواية التي وقع
نقاشها بمثل ما رأينا فالذي لا ينبغي أن يغيب عنا أن هذا الاقلال كان دأب كثير
من الصحابة الذين ذكرناهم والذين لم نذكرهم وأن غايته عند الجميع حفظ الحديث
فهو موجود سواء أمر به عمر أم لم يأمر ، فلا مانع من أمره به وهو الذي حدثنا
التاريخ عن مدى حرصه على حفظ القرآن والحاجه على أبي بكر في جمعه فلم لا
يحرص على حفظ الحديث بمثل هذه الطريقة المروية عنه والتي نقلناها عن عدد من
الصحابة المقلين عن قصد ، والذين منهم من أضاف الى الاقلال التحري فكان يختم
حديثه بقوله أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نقل هذا عن أنس بن
مالك (74) وبمثل هذا وبما سنفصله من تثبت في الأخذ ونقد للمروبات حفظت سنة
رسول الله صلى الله عليه وسلم .
التثبت في الرواية
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغ للمسلمين أمر دينهم ويقضي بينهم وعند
وفاته أعلن لهم أنه أبقى فيهم الكتاب والسنة مصدرين يستمدون منهما أحكام دينهم
وتولى أبو بكر رضي الله عنه الخلافة ، وقصده المتقاضون يطلبون حقوقهم وكان من
بينهم جدة جاءت تطلب ميراثها فراجع مصدري الحكم ولم يجد نصا فقال لها :
(« مالك في كتاب الله شيء وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
شيئا »: ولكنه وهو الخليفة الأول المسؤول عن الامة والقدوة لغيره ممن سيخلفه لم
(74) سنن ابن ماجة 1 : 11 المقدمة : 24
45

يكتف في مراجعته السنة بما علمه فقط فليس هو بحافظ لكل الأحاديث بل سأل
الصحابة يمكن الجدة من حقها وليحفظ الحديث المتضمن له فيكون مرجعا لكل
حاكم بعده ، فأمرها بالرجوع وسأل الصحابة فقام المغيرة بن شعبة فقال :
« حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس » ولم يتسرع وينفذ وانما
تثبت وانتظر ، فالمغيرة صحابي عدل لا مطعن في صدقه ولكن الأحاديث سوف
يتناقلها من بعد الصحابة غيرهم ، وفيهم العدل ومن دون ذلك وحتى ينتفي الشك في
صدق الخبر ينبغي التثبت في قبوله حفظا للحديث مما قد يخالطه لهذا قال أبو بكر
للمغيرة « هل معك غيرك ؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فانفذه لها أبو بكر
رضي الله عنه (75) فكان أول من احتاط في قبول الأخبار (76) ولم يقتصر تحريه على
قبول الحديث بل شمل أيضا تحديثه ، حدث رجلا حديثا فاستفهمه الرجل فقال أبو
بكر « هو كما حدثتك أي أرض تقلني ان أنا قلت ما لم أعلم» (77) .
ومن المتأكد أن استفهام الرجل غايته التوضيح وليس الشك في رواية الصديق اذ
لو شك فيه فمن الذين يصدق بيد أنه وهو الذي سن سنة التحري طمأن السائل الى
أن ما حدثه به هو المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكد له أنه لا يحدث
إلا بما علم وفي جوابه هذا وبهذه الصيغة تحذير من التهاون بالحديث يدعمه ما قاله في
احدى خطبه « إياكم والكذب فان الكذب يهدي إلى الفجور ، والفجور يهدي الى
النار » (78) .
وفي رواية « إياكم والكذب فإنه مجانب للايمان » (79) . والكذب المنهي عنه لا
يمكن أن لا يشمل الكذب عن رسول الله لانه أشد من الكذب في أمور الدنيا .
(75) الموطأ 2: 513 كتاب الفرائض. 4 تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي، الحلبي 1951/1370)
(76) الذهبي تذكرة الحفاظ : ، 1 : 2
(77) نفس المرجع : 3
(78) الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 : 3 ، هذا الاثر ورد أيضا عن عبد الله بن مسعود في الموطإ كتاب
الكلام : 7 ورفعه البخاري في الأدب 69 : ومسلم في البر والصلة : 103 - 105
(79) ابن عبد البر مقدمة التمهيد : 1 : 40 (فضالة المحمدية 1967/1387)
46

أما عمر رضي الله عنه فنفس الحزم الذي عرف به في سياسته العامة انتهجه في
الحفاظ على السنة فبمجرد أن سمع من أبي موسى الأشعري حديثا لم يسمعه من قبل
طالبه بشاهد عن أبي سعيد الخدري قال : « كنت في مجلس من مجالس الأنصار اذ
جاء أبو موسى كأنه. مذعور. فقال: « استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي
فرجعت . فقال . ما منعك ؟ قلت استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « اذا إستأذن أحدكم ثلاثا فلم
يؤذن له فليرجع فقال والله لتقيمن عليه بينة» . أمنكم أحد سمعه من النبي صلى الله
عليه وسلم؟ فقال أبّ بن كعب والله لا يقوم معك الا أصغر القوم فكنت أصغر القوم
فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال ذلك» (80).
فهل كان عمر يطعن في أبي موسى أم يريد أن يحمل الناس على التثبت كي يتحروا
فیما يحدثون به ؟ انه بنفسه يجيب عن هذا السؤال في رواية الموطإ فيقول لابي موسى :
« أما أني لم أنهمك ولكن خشيت ، أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه
وسلم» (81) فدافعه هو الخوف من الكذب على الرسول لا من أبي موسى وأمثاله
من الصحابة وانما من غيرهم وغايته حفظ السنة ، وسن سنة التثبت وكما تثبت في
قبول ما سمع تأكد مما حفظ ، عن مالك بن أوس (82) قال: «سمعت عمر يقول
لعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد نشدتكم بالله الذي تقوم السماء والأرض
به أعلمتم أن زسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث ما تركنا صدقة ؟ » قالوا :
اللهم نعم » (83) .
(80) صحيح البخاري 8 : 67 كتاب الاستئذان 13 .
صحيح مسلم بشرح النوبي 14 : 132 - 133، كتاب الآدب : 33
(81) الموطأ ، 2 : 964 كتاب الاستئذان : 3
(82) ذكر مالك بن أوس في الصحابة (711/92). ابن الاثير الجزري ، أسد
الغابة 4 : 272 - 273
: (83) مسند الامام أحمد 1 : 25 (دار صادر) .
47

والآثار عن عمر في تثبته ، ولا سيما طلب رواية ثقة ثان متعددة ومبينة لغايته من
ذلك ، وهي ما ذكر لابي موسى الأشعري في رواية الموطإِ. وأما علي كرم الله وجهه
فاعتمد في منهجه في التثبت على أمرين : الأول استخلافه من حدثه ، والثاني أمر
الناس بمراعاة حال من يحدثونهم قال في الاستحلاف « كنت اذا سمعت من رسول
الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه ، وإذا حدثني غيره
استحلفته فاذا حلف لي صدقته وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال ... »
الحديث (84) .
.. ولم يشمل الاستحلاف كل الناس فأبو بكر لم يستحلفه علي كما يدل عليه النص
ويؤيده التاريخ فمن غير الممكن أن يكون ذلك وإن كنا رأينا من قبل أن رجلا
استفهمه بيد أن الاستفهام غير الاستحلاف .
ولعل طريقة علي هذه كانت خاصة في السنوات الأخيرة عند توليه الخلافة وظهور
الفتنة وخوفه الكذب على رسول الله .
وتمثلت مراعاة حال المتلقين للرواية في الامر بالتحديث بالمعروف من الحديث
قال: « حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله.
ورسوله» (85) قال الذهبي: « فقد زجر الامام علي عن رواية المنكر وحث عن.
التحديث بالمشهور وهذا أصل كبير في الكف عن بث الاشياء الواهية والمنكر من
الأحاديث في الفضائل والعقائد والرقائق » (86).
والمنكر الوارد في قول الامام علي ليس على اطلاقه بل المقصود به غير المعروف مما
يصعب على العامة فهمه لانه قال ودعوا ما ينكرون ، فلو كان مطلقا لقال : ما.
ينكر ، ولكانت صيغة الزجر أقوى ثم إنّ في قوله : أتحبون أن يكذب الله ورسوله دليل
(84) نفس المرجع 1 : 10 وخرجه أبو داود وابن ماجه . فانسانك المعجم المفهرس لالفاظ .
الحديث 1 : 498 .
(85 - 86) تذكرة الحفاظ 1 : 13
48

على أن هذا المروي المنهي عنه قد ينشأ عنه التكذيب وليس هو في ظاهره تكذيبا
يدعم هذا ما نقله عبد الله بن مسعود : « ما أنت محدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم .
إلا كان فتنة لبعضهم » (87) فضعف ادراك المتلقين للرواية هو الذي ينشأ عنه
الافتنان .
ذكرنا من قبل الصحابة المقلين للرواية والمتحرين فيها وهنا المثبتين في قبولها خاصة
وكان العدد المذكور قليلا لأننا اكتفينا بذكر عينات من المواقف والأقوال للاستشهاد
لا للحصر ولأن الصحابة يتفاوتون في الحديد أخذا وتبليغا لأسباب نلخصها ن
طبقات ابن سعد .
فالأكابر منهم كأبي بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم قلت الرواية عنهم
بالنسبة لغيرهم ، لوجودهم في زمن كثر فيه نظراؤهم ولأنهم ماتوا قبل أن يحتاج اليهم
بينما كان طول مدة خلافة عمر واضطراب الاحوال في عهد علي سببا في سؤالهما
قال: « وكثرت عن عمر وعلي لأنهما وليا فسئلا وقضيا بين الناس» (88) وسكت
عن خلافة أبي بكر وعثمان واعتبرهما من المقلين لقصر خلافة أبي بكر وقلة ما نُقل
عنه .
وأما عثمان فلاقتدائه بسابقيه وطلبه من الناس أن لا يرووا من الحديث الا ما روي
في عهديهما (89) ولم يتخذ علي نفس الموقف لأن الزمن الذي وجد فيه أوجب عليه
أن يكون أكثر حزما وشدة فكان كذلك .
وأما صغار الصحابة كجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وأنس بن
مالك وغيرهم فكثرت الرواية عنهم لطول أعمار بعضهم وبسبب الاحتياج اليهم .
(87) صحيح مسلم بشرح النووي ، 1 : 76 المقدمة : 5
(88) الطبقات الكبرى 2: 376 (دار صادر بيروت 1957/1376)
(89) الخطيب محمد عجاج ، السنة قبل التدوين : 97 - 98
49

ثم ان الصحابة جميعا لم يتساووا في ملازمة الرسول ، فمنهم من أقام معه وشهد
المشاهد كلها ، ومنهم من كانت تشغله عنه شواغله فلم يكن حضوره عنده منتظما ،
ومنهم من قدم عليه فرآه ثم انصرف إلى بلاده (90)، وكانت غاية المقلين عن قصد
والمحترزين والمتثبتين ، الحرص على سلامة الحديث ، ورسم منهج نقدي بتدعيم الرواية
بأخرى أو بقسم الراوي أو بأي طريقة تؤدي الى الغرض المطلوب ، ونتيجة لهذا
تعددت طرق بعض الأحاديث وارتقت من الظن الى العلم .
موقف الصحابة من خبر الواحد
ومواقفهم السابقة لا تعني رفضهم خبر الواحد كما تأول ذلك بعضهم فقد قبلوه
وعملوا به ويمكن أن تأخذ كمثال عمر بن الخطاب نفسه ، وقد رأيناه متشددا في
تلقي الأحاديث لنرى موقفه في هذه المسألة فهناك أمثلة كثيرة اعتمد فيها هذا النوع
من الخبر ، منها أنه كان هو وکثیر من الصحابة لا يتمكنون من الحضور لدی الرسول.
يوميا لسماع الحديث فيتناوبون ، ويبلغ الحاضر منهم الغائب .
جاء في فتح الباري : « كان عمر وجار له (91) يتناوبان الحضور عند رسول الله.
صلى الله عليه وسلم يوما بيوم فيخبر أحدهما الآخر بما نزل من الوحي في ذلك
اليوم» (92) . ويفيد هذا أن قسما كبيرا من مرويات عمر مستندها خبر الواحد
لأنه تلقاها عن جاره ، وليس هناك مانع من أن يكون سمعها من صحابة آخرين بعد
أو من الرسول لكنه مجرد احتمال .
والأخبار عنه في قبول أحاديث الأحكام من واحد والقضاء بها كثيرة ، منها : أنه
ذكر له المجوس فقال ما أدري كيف أصنع في أمرهم ؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف
(90) ابن سعد ، الطبقات الكبرى 2 : 376 - 377
(91) قال ابن حجر: « هو عتبان بن مالك كما أفاده ابن القسطلاني » فتح الباري 1 : 185
185 :1(92)
50

« أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سنوا بهم سنة أهل
الكتاب » (93) ومنها وصية ابنه بأن يقبل خبر سعد بن أبي وقاص ولا يسأل
غيره (94) .
وهذا الموقف يغنينا عن ذكر ما يماثله من مواقف بقية الصحابة لأن الحالات التي
توقفوا فيها في قبول خبر الواحد للتثبت كانت قليلة وليست عامة مع كل محدثيهم كما
ذكرنا عن علي كرم الله وجهه وعقد الامام الشافعي في الرسالة بابا بعنوان خبر
الواحد (95) بيّن فيه شروط قبوله وسنذكرها في شروط الراوي ثم استدل على ثبوته
بأقوال الرسول وأخبار عنه وعن الصحابة وتعرض له ابن حزم في الأحكام (96)
وأثبته ، والمسألة مشتركة بين مصطلح الحديث وأصول الفقه ووقع بحثها في كل كتب
الأصول ومناسبة ذكرها هنا دفع ما قد يتوهم من أن تثبت الصحابة في بعض
الروايات يفيد رفضهم خبر الواحد فهذا مما لا يمكن أن يتوقع لأن معظم الأحاديث
أخبار آحاد .
نقد المرويات
ذكرنا من قبل تثبت الصحابة في الرواية ، ونذكر هنا نقدهم لها وان تشابه المعنيان
وكان التثبت صورة من النقد فبينهما بعض الاختلاف لأن في التثبت طلبا لتدعيم ما روي
دون رد له مبدئيا بينما فيما عبرنا عنه بالنقد رد لمضمون الحديث أو تغيير لترتيب
ألفاظه .
والكلام على نقد الصحابة للمرويات دقيق لأننا ان قلنا انهم عدلوا وجرحوا دون أن
نوضح كيفية ذلك تبادر الى الذهن الطعن في عدالة بعضهم في حين أنها ثابتة مسلم
بها فتعين القول أن نقدهم للحديث صدر خاصة ممن طالت أعمارهم وعاشوا بعد
(93) الشافعي، الرسالة 59 (ط 1 الاميرية بولاق مصر 1321)
(94) مسند الامام أحمد 1 : 192
(95) ص 51 وما بعدها
51

مقتل عثمان ، ففي تلك الفترة وما بعدها قد يكون وجد من سولت له نفسه الافتراء
على رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيرهم مع ندرة ذلك فهذا الخبر عن علي بن
أبي طالب ان صح يقسم رواة الحديث في عهده أربعة أقسام : منافق متستر بالاسلام
متقرب الى أهل الضلالة يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم متعمدا ورجل لم
يحفظ ما سمعه من الرسول على وجهه فوهم فيه ولا يتعمد الكذب وثالث سمع ما أمر
به الرسول مرة ولم يسمع نهيه عنه ثانية أو العكس ، فعلم المنسوح ولم يعلم الناسخ
ورجل صادق ثقة أمين عالم بالناسخ والمنسوخ والمتشابه (97) وهذا الخبر لا نجزم
بنسبته اليه ولا نفيه عنه ولكننا نشك في تفاصيله وأثبتناه لما فيه من تصوير للواقع
وسواء قاله علي أو نسب اليه فالاصناف الأربعة وجدت وقتها لكن الصنف الأول لم
يستطع أن يضع وقتئذ وأهل الصنفين الثاني والثالث ليسوا بكثرة . ولو انتشروا لوجدنا
شواهد كثيرة على تنبيه غيرهم من الصحابة لهم بيد أن هذه الشواهد قليلة ، ثم ان ما
وجد من النقد في عهدهم وجه لمتن الحديث دون الرواة . ومنشأه ما يلاحظ من
تعارضه مع القرآن أو مع حديث آخر وهذا يؤيد القول بعدم تمكن الصنف الأول ممن
ذكرهم علي من الوضع في ذلك الوقت .
وهذه بعض نماذج من النقد اثنان منها منقولان عن عمر كان في أحدهما ناقدا
وفي الاخر منتقدا .
وتلك ميزة من ميزات رجال الحديث وهي أنهم لا يراعون الوضع الاجتماعي للراوي
وینقدونه مهما كانت منزلته .
أما نقد عمر رضي الله عنه فكان لفاطمة بنت قيس (98) عندما سمع قولها أن
(96) الاحكام في أصول الاحكام 1 : 119 وما بعدها .
(97) نهج البلاغة 2 : 214 - 216 (شرح الشيخ محمد عبده، الاستقامة مصر).
(98) هي فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية الفهرية كانت من أول المهاجرات تزوجت أبا بكر
ابن عبد الله المخزومي ثم طلقها فتزوجت أسامة بن زيد واشتهرت بجمالها وعقلها لها أربعة وثلاثون حديثا
اتفق الشيخان على واحد ، وانفرد مسلم بثلاثة وروى عنها الأسود بن زيد وعرة . ابن حجر الاصابة،
4 : 373 (مصطفى محمد مصر 1939/1358)
52

رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة حينما طلقت ثلاثا فقال
عمر « لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت لها
السكنى والنفقة قال الله عز وجل «لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين
بفاحشة مبينة» (99)، (100) فعمر لم يطعن في الصحابية سوى أنه توقع نسيانها
والنسيان يعرض لكل أحد ورفض قولها لمعارضة الدليل القطعي ، وهو الكتاب والسنة
حسب ما في هذه الرواية المثبتة في صحيح مسلم وسنن أبي داود وان كان الدارقطني
قال « وسنة نبينا » هذه زيادة غير محفوظة لم يذكرها جماعة من الثقات» (101).
وحتى ان ثبت قوله ، فعمر استشهد بالآية المعارضة ، والعلماء قالوا الذي في
كتاب الله اثبات السكنى وفاطمة قد نفتها فصح الاعتراض عليها . ولئن كان الحكم
الشرعي المستنبط من الحديث ومن هذه الآية ومن آيات أخرى ، وموضوعه نفقة
وسكنى المطلقة ثلاثا محل خلاف في وجوبهما معا أو نفيهما أو التفصيل (102)
فالذي يعنينا أن النقد حصل من عمر وأنه لم يتهم الصحابية بغير النسيان .
وأما عمر فنقدته عائشة رضي الله عنها عندما سمعت الحديث الذي رواه عنه ابنه
عبد الله مرفوعا «ان الميت ليعذب ببكاء أهله عليه » فقالت إنكم لتحدثونني عن غير
كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطئ)، وقالت ثانية : ((سمع شيئا أعني عمر فلم يحفظه
وقالت مرة: ((يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما أنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ)) ونفس
الموقف السابق الذي اتخذه عمر اتخذته عائشة حيث أنها نفت عنه الكذب ووصفته
(99) سورة الطلاق : 1 .
(100) صحيح مسلم بشرح النووي 10 : 104 كتاب الطلاق : 46 وعون المعبود شرح سنن
أبي داود 6 : 388 كتاب النكاح : 40 (ط 2 المجد القاهرة 1968/1388)
(101) النووي شرح مسلم 10 : 95
(102) النووي شرح مسلم ، 10: 95 - 96 وفي شرح سنن أبي داود عون المعبود (388:6)
توضيح كاف لمسألة النفقة وما قيل فيها . .
53

بالنسيان والتجأت إلى القرآن الكريم لتحتكم إليه في معارضتها لما رواه فاستشهدت بالآية
((ولا تزروا وازرة وزر أخرى» (103).
وإن كان قول عمر السابق « لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا » لم يصححه الإمام
أحمد (104)، وشك الدارقطني في بعض مضمونه رغم وجوده في صحيح مسلم
فان نقد عائشة لم ينقده أحد ، وتأوله الشراح ليجمعوا بينه وبين ما رواه عمر فرجح
النووي بعد عرضه التأويلات قول الجمهور ، وهو أن التعذيب خاص بمن وصى
بالبكاء عليه والنياحة بعد موته . فنفذت وصيته لأنه السبب فيما حصل ، أما من
بكى عليه أهله وناحوا من غير وصية منه فلا يعذب لقول الله تعالى : « ولا تزر وازرة
وزر أخرى » (105) .
ومن أمثلة نقد الصحابة ما حصل بين عبد الله بن عمر ورجل لم تذكر المراجع
اسمه كاملا فلا ندري هل هو صحابي أم لا لكننا ذكرنا المثال من أجل عبد الله بن
عمر ، روى مسلم بسنده إليه انه قال : « قال النبي صلّى الله عليه وسلم بني
الاسلام على خمس على ان يوحد الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان والحجّ
«فقال رجل : «الحج وصيام رمضان» قال عبد الله لا صيام رمضان والحج هكذا سمعت
من رسول الله صلى الله عليه وسلم « وأورد اثر هذه الرواية رواية أخرى عنه بتقديم
الحج على الصوم مثل ما أشار به الرجل وأخرى عن أبيه مثلها ورابعة بتقديم الصوم
كالأولى فله رواية كالتي أشار بها الرجل ، وروايتان يخالفانها احداهما من سماعه
والاخرى عن أبيه فكيف أنكر ما سمع مثله ؟ أجاب الامام النووي عن ذلك
باحتمالين : الأول أنه سمع من النبي مرة بتقديم الحج ومرة بتقديم الصوم فرواه على:
الوجهين في وقتين ، فلما رد عليه الرجل وقدم الحج رفض رده لأنه هكذا سمع من
(103) صحيح مسلم بشرح النووي 6: 232 - 236 كتاب الجنائز 22 والآية 164 سورة الأنعام
(104) أبو داود السجستاني مسائل الامام أحمد : 184 (ط 2 بيروت)
(105) النووي شرح مسلم 6 : 229
54

الرسول وليس في هذا نفي لسماعه على الوجه الآخر والثاني يحتمل أنه سمع الحديث
مرتين بالوجهين ثم لما رد عليه الرجل نسي الوجه الآخر الذي رده فأنكره (106) .
ونسب ابن حجر النسيان لمن روى عن عبد الله بن عمر واعتبره روايا بالمعنى ونبه
الى أنه لم يسمع رده لتعدد المجلس ، وشك في أن يكون عبد الله سمع الحديث على
وجوه متعددة (107) وهو وإن اختلف مع النووي في التأويل فانهما لم يشكا فيما
حصل بين عبد الله والرجل من نقد .
ومن نقد الصحابة لبعضهم ما وقع أيضا بين محمود بن الربيع الانصاري الصحابي
الصغير الذي عقل من الرسول صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهه وبين أبي أيوب
خالد بن زيد الانصاري الذي نزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة
روي محمود حديثا سمعه من الصحابي عتبان بن مالك الانصاري وكان ممن شهد بدرا
وفيه يقول الرسول صلى الله عليه وسلم « فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله
إلا الله يبتغي بذلك وجه الله » وكان في الذين حدثهم أبو أيوب فأنكر عليه الحديث
وأقسم على وجه الظن على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقله فتأثر محمود ،
وعزم على أن يسأل عتبان عند رجوعه إذا سلم في تلك الغزوة ورجع وسأله فحدثه
بنص ما سمعه منه قبل ذلك » .. .
قال محمود بعد أن ذكر قصة الحديث : « فحدثتها قوما فيهم أبو أيوب صاحب
رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته التي توفي فيها بأرض الروم فأنكرها علي وقال
: « والله ما أظن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما قلت قط » ثم حى ما وقع في
نفسه وتثبته من الحديث ، ونسب إنكار أبي أيوب وشكه في عدم صحة الحديث بما
تضمنه من نفي دخول أخد من عصاة المؤمنين النار خلاف ما تضمنته آيات كثيرة
وأحاديث أخرى ، وأجيب بحمل التحريم على الخلود .
(106) النووي شرح مسلم 1 : 178
(107) ابن حجر : فتح الباري 1 : 50
55

وعلل رجوع محمود الى عتبان بالاستيثاق من نص الحديث باتهامه نفسه في ضبط
القدر الذي أنكر عليه منه (108) .
المتكلمون منهم في الرجال
ذكر ابن عدي عددا من الصحابة تكلموا في الرجال فعدلوا وجرحوا (109)
واتخذ ذلك بعض المعاصرين ذريعة للطعن فيهم بينما الأمر يتطلب التروي للتفريق بين
النقد المستند على الشك في عدالة الراوي ، والنقد الذي يهدف الى التثبت دون
الطعن في الناقل (110) فالملاحظ أولا أن ما تقدم ذكره من مواقف بعض الصحابة
ليس تجريجا ولكنه تثبت وفي وصف بعضهم بالخطإ والنسيان دليل على نفي تهمة
الكذب وثانيا أغلب النقد وجه للمتن لمعارضته النص الثابت بالقرآن أو السنة وثالثا .
جل الصحابة المتكلمين في الرجال عاشوا بعد الفتنة فيكون أكثر كلامهم في غير
الصحابة ، ورابعا كان هذا النقد قليلا جدا لم تصلنا منه الا أمثلة نادرة ولو كثر
لتعددت أمثلته لا سيما وقد نقل ما وقع بين كبار الصحابة مما ذكرنا فكيف لا ينقل
ما وقع بين صغارهم أو بينهم وبين غيرهم ، ولا عجب أن يقل كلامهم لقلة أسباب
الجرح في زمانهم فكان النقاد قلة ، ومنهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب
وعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك وعبادة بن الصامت وعبد الله
ابن سلام رضي الله عنهم وكل واحد منهم له من الملكات والتكوين الخاص ما أهله
للنقد فعمر وعلي رضي الله عنهما لا يحتاجان إلى أي ملاحظة في هذا الموضوع
وكذلك أم المؤمنين عائشة ، ونذكر فقط من باب لازم الفائدة أنها كانت مرجع
الصحابة فيما أشكل عليهم من المسائل لما لها من الحديث والعلم بالقرآن والحلال
والحرام .
(108) ابن حجر ، فتح الباري 3 : 61 - 62 وانظر طاهر الجزائري ، توجيه النظر الى أصول
الاثر : 76
(109) السخاوي ، الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ: 163 (دمشق 1349)
(110) السباعي، السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: 240 وما بعدها (المدني
مصر 1961/1380)
56

وأما عبد الله بن عباس فنشأ شغوفا بطلب الحديث حتى دعا له الرسول صلى الله
عليه وسلم بأن يعلمه الله الحكمة ، وعرف بترجمان القرآن ، وكان مرجع عمر فيما
أعضل عليه ، وكان الطلاب يأخذون عنه الفقه والحديث ، وأما أنس فحياته في بيت
رسول الله وروايته أكثر من الفي حديث دليل على منزلته ، وأما عبادة بن الصامت
الأنصاري الخزرجي فقد أسلم من الأوائل وشهد بدرا، وجمع القرآن في عهده صلى الله
عليه وسلم ، وأرسله عمر الى الشام في بعثة ليفقهوا أهلها فأقام بفلسطين وتولى
قضاءها ، ونقد معاوية زمن ولايته حتى شكا به الى الخليفة (111).
وعبد الله بن سلام ، وإن كان دون هؤلاء في الشهرة فإن معاذا شهد له بالعلم
وعدّه غيره ممن أسلم من علماء بني اسرائيل (112) .
۔
ويضاف لهؤلاء من ذكرنا من قبل وهم جميعاً قادرون على النقد ولا يصدر عنهم
تكذيب أصحاب رسول الله وانما تنبيهم فقط الى ما قد يخطئون فيه ، ومع قلتهم وقلة
: كلامهم فإن مواقفهم من الرواة وآراء بعضهم في العدالة مثل ما في رسالة عمر في
القضاء تعتبر الأسس الأولى لعلم الجرح والتعديل .
(111) ابن سعد ، الطبقات الكبرى 2 : 352 - 353
(112) ابن حجر ، الاصابة 2 : 260 - 261
57

- الفصل الثاني ـ
الجرح والتعديل في عهد التابعين
معرفة التابعين :
مما يعتمد عليه في بيان المتصل والمرسل من الحديث معرفة الصحابة والتابعين
ليعرف المطلع على اسناد الحديث امكانية سماع الراوي أو عدم سماعه من الرسول صلى
الله عليه وسلم ان كان صحابياً أو من الصحابي ان كان تابعيا فلزم لهذا التعريف
بالتابعين لتمييزهم عن غيرهم ، وتحديد عصرهم لمعرفة ما جدّ فيه من أحداث سياسية
وتغييرات اجتماعية ونزعات فكرية كان لها أثرها في موقفهم من رواية الحديث ونقد
- رجاله .
التابعي :
يقال تابع وتابعي وهو من لقي صحابيا فأكثر وكان مميزا أو غير مميز، وسمع منه أو
لم يسمع ، هذا رأي أكثر علماء الحديث ولأجله اعتبر الاعمش (1) تابعيا لأنه رأى
أنس بن مالك مع أنه لم يصح له منه سماع (2). قال الحاكم مبينا آخر التابعين :
(1) هو سليمان بن مهران الأسدي مولاهم (أبو محمد) الكوفي. 680/61 . ت 765/148
وسنذكره فيما بعد . ابن الجوزي ، صفة الصفوة 3 : 117 - 118 (ط 1 النهضة
القاهرة 1970/1390)
(2) العراقي، التقييد والإيضاح: 318 (ط. 1 العاصمة القاهرة 1969/1389)
58

« آخرهم من لقي أنسا » (3) فاكتفى في النسبة اليهم بلقاء الصحابي دون أن ينص
على طول الصحبة واعتبر عبد الغني الازدي (4) جرير بن حازم (170) تابعيا لرؤيته
أنسا رغم أن عمره يوم مات خمس سنوات (5).
واشترط ابن حبان (6) أن تكون الرؤية في سن الحفظ فان كانت دونها فلا عبرة
بها ، ومن العلماء من رأى الاكتفاء بمجرد اللقاء في الصحابي دون التابعي الشرف
رؤيته صلى الله عليه وسلم وأثرها في تزكية النفس (7) وتعريف الخطيب («التابعي من
: صحب الصحابي»(8) مشعر باشتراط الصحبة العرفية والرأي المعتمد ما ذكر أولا .
طبقاتهم :
فيهم من وجد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وان لم يره ومن التقى بكبار
الصحابة ، ومن لم يجتمع الا بصغارهم ومن طالت صحبته لهم ، ومن حصل له مجرد
لقاء قصير ، ومن تفوق في العدالة أو العبادة أو العلم ومن تصدى للافتاء ، ومن لم
یکن له أي امتياز .
وجعلهم مسلم ثلاث طبقات (وأوصلهم الحاكم الى خمس عشرة) (9) وكل من
تحدثوا عنهم اعتمدوا رأيه ، وراعى في ترتيبهم عنصر السبق الزمني فكل من لقي من
تقدم موته من الصحابة كان في طبقة قبل الذي يليه ، وأهل الطبقة الأولى هم الذين
(3) معرفة علوم الحديث : 42
(4) هو الامام الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري 944/332 . ت 1018/409
حافظ ، محدث ، نسابه ، سمع من أبي بكر الميانجي ، وعنه محمد بن على الصوري ، له كتاب
المؤتلف والمختلف . ابن خلكان وفيات الأعيان 3 : 223 .
(5) العراقي ، التقييد والإيضاح : 318 .
(6) سنعرف به في فصل الأئمة من نقاد الحديث
(7) شاكر أحمد محمد ، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير : 191
(8) الكفاية : 59
(9) السخاوي ، فتح المغيث 3 : 142
59

لقوا الصحابة العشرة المبشرين بالجنة ، ومنهم قيس بن أبي حازم الكوفي المتوفى حوالي
سنة أربع وثمانين ، وأبو عثمان النهدي المتوفى في أول ولاية الحجاج ، وقيس بن عباد
البصري الذي قتله الحجاج ، وأبو ساسان حضين بن المنذر البصري «97» وأبو
وائل شقيق بن سلمة الاسدي « 82» ، وأبو رجاء العطاردي المتوفى سنة « 117»
وغيرهم .
ويرى البعض أنه لم يصح لتابعي سماع من أحد من العشرة إلا قيس ابن أبي حازم
وشك البعض في سماعه من عبد الرحمن بن عوف ، وانكروا على الحاكم عده سعيد بن
المسيب ممن سمع منهم لأنه ولد في خلافة عمر فكيف يكون رأى أبا بكر فضلا عن
أن يروي عنه؟ وقيل أنه لم يسمع من أحد منهم باستثناء سعد بن أبي وقاص (10) ،
ونفى السماع لا ينافي الشهادة له بالأفضلية والعلم ، فهو أفضل التابعين وأنبلهم
وأفقههم وأكثرهم عبادة ومن ساداتهم في نظر كثير من النقاد .
ومن الطبقة الثانية : الأسود بن يزيد « 75»، وعلقمة بن قيس « 62» ،
ومسروق بن الأجدع « 63» وأبو سلمة بن عبد الرحمن (11) وخارجة بن
زيد (12) وغيرهم.
وفي الثالثة : عامر بن شراحيل الشعبي « 104 » ، وعبيد الله بن عبد الله بن
عتبة (13)، وشريح بن الحارث الكندي « 79»، الذي تولى قضاء الكوفة لعمر
(10) النووي ، التقريب (ضمن التدريب) 2 : 236
٠
(11) هو أبو سلمه بن عبد الرحمن بن عوف ، اسمه كنيته ، من كبار علماء التابعين وأحد الفقهاء.
السبعة عند بعضهم ، روى عن أبيه وعن أبي هريرة وعنه أبو الزناد وغيره . ت 94 وفيل
722/104 . الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 : 63
(12) هو خارجه بن زيد بن ثابت الأنصاري أحد الفقهاء السبعة الا أنه قليل الحديث .
ت 717/99. ابن خلكان وفيات الأعيان 2: 223
. (13) هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبه بن مسعود أحد الفقهاء السبعة بالمدينة كان شاعرا أيضا ،
سمع من ابن عباس وأبي هريرة ، وعنه الزهري وأبو الزناد . ت 716/98 ، ابن حجر ، تهذيب
التهذيب 7 : 23 - 24
60

وظل في خطته زمنا غير قصير ، ولم يسم الحاكم بقية الطبقات إلا الخامسة عشرة فقال :
« إن أهلها هم الذين لقوا آخر من مات من الصحابة بمختلف الأمصار» (14).
وانتقد في حديثه عن التابعين ، وخير من نقده في ذلك البلقيني (15) واختلف
من أرخ للتابعين في عد بعض الأشخاص منهم وهم من الصحابة وفي عد آخرين من
أتباعهم وهم منهم .
وأولهم موتا معمر بن زيد قتل سنة ثلاثين ، وآخرهم موتا خلف بن
خليفة « 181» (16) .
المخضرمون :
ومن كبار التابعين المخضرمون ، وتقدمت تسمية بعضهم في الطبقات الأولى
وخصصناهم بالذكر للتعريف بهم ، فهم الذين عاشوا في الجاهلية صغارا أو كبارا ؟
وأدركوه صلى الله عليه وسلم ولم يروه بعد بعثته أو رأوه وهم كفار وأسلموا في حياته أو
بعده ، ونعتوا بهذا الوصف لأنهم خضرموا أي قطعوا عن نظرائهم ممن ثبتت لهم
الصحبة .
وقيل في تعليل تسميتهم غير هذا وبعضهم قدم الى النبي صلى الله عليه وسلم
فقبض النبي قبل وصوله بقليل كزيد بن وهب (96 تقريبا) الذي كان عند وفاته صلى
الله عليه وسلم في الطريق اليه ، وسويد بن غفلة « 82» الذي وصل عند الفراغ
من دفنه وأبي مسلم الخولاني ، وأبي عبد الله الصنابحي اللذين وصلا بعد موته بليال ،
وعد مسلم منهم عشرين نفرا ذكرهم البلقيني وشك فيما أضافه بعض المتأخرين ممن
أوصلهم الى ما يزيد عن المائة (17) .
(14) معرفة علوم الحديث : 42
(15) محاسن الاصطلاح 76 وما بعدها
(16) نفس المرجع 77 و
(17) نفس المرجع 76 و
61

الفقهاء السبعة :
عرف جماعة من أهل المدينة بالفقهاء السبعة وبفقههم كان العمل في الحجاز
فكانت تعرض عليهم المسألة فينظرون فيها فيقضي القاضي بما حكموا به (18) وقد ورد
ذكر بعضهم ضمن طبقات التابعين ، وأفردوا بالذكر هنا تمييزا لهم عن غيرهم
وللتعريف بمن لم يعرف به منهم ، وهم : سعيد بن المسيب ، والقاسم بن محمد بن أبي
بكر الصديق (19)، وعروة بن الزبير ، وخارجة بن زيد . وعبيد الله بن عبد الله بن
عتبة ، وسليمان بن يسار (20) وأبو سلمة بن عبد الرحمن قال الحاكم : هؤلاء
الفقهاء السبعة عند الأكثرين من علماء الحجاز ، ومنهم من ذكر سالم بن عبد الله بن
عمر بدل أبي سلمة ، وعن أبي الزناد اسقاط هذين واثبات أبي بكر بن عبد
الرحمن (21) .
أفضل التابعين :
ذكرنا في بداية الحديث عن طبقاتهم أنهم يتفاضلون لعدة اعتبارات وبعد تصنيفهم
الى طبقات مراعاة لما ذكر فاضل العلماء بينهم على الاطلاق فذهب البعض الى
تفضيل سعيد بن المسيب والبعض الى تفضيل أويس القرني (22) الذي فضله رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، جاء في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب قال : « اني
(18) السخاوي ، فتح المغيث 3 : 146
(19) ولد 657/37 . ت 725/107، أحد سادات التابعين ، قال فيه ابن عينيه : كان أفضل
أهل زمانه . الرازي ابن أبي حاتم الجرح والتعديل ق 2 ج 3 118: (ط 1 حيدر آباد
(1942 / 1361
(20) ولد 643/22 ت 712/93. اعتزل كل الفتن، انتقل الى البصرة ومصر ثم عاد الى المدينة ،
الزركلي ، الاعلام 5 : 17 . (ط 2، لم يذكر مكان الطبع ولا التاريخ)
(21) معرفة علوم الحديث : 43
(22) هو أويس بن عامر أو عمرو القرني التميمي العابد نزيل الكوفة أورده ابن حجر في التهذيب
وأحال على الميزان فذكر الذهبي بعض أخباره ، وقال لولا أن البخاري ذكره في الضعفاء لما ذكرته
أصلا فانه من أولياء الله الصالحين وما روى الرجل شيئا فيضعف أو يوثق . ميزان الاعتدال 1 : .
278 - 282 (ط 1 الحلبي 1382 - 1963) تهذيب التهذيب 1 : 386 .
62