Indexed OCR Text

Pages 1-20

- -
الُجُرْجُ وَالتَّعْدِيلُ
بَيْنَ المتشَدِّدين وَالمتسَاهِلِينَ
د. محمد طاهر الجوابى
أستاذ بجامعة الزيتونة
سـ
الدار العربية للكتاب.

جميع الحقوق محفوظة
الدار العربية للكتاب
1997

الُرْجُ وَالتَّعْدِينُ
بَيْنَ المتشَدِّدِين وَالمتسَاهِلِينْ

مسي
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
- ° -
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين
والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين .
- ٥ -
وبعد فإن أغلب كتب السنة المعتمدة ما عدا موطأ الإمام مالك ألفت في
القرن الثالث الهجري فكان طول المدة الفاصلة بين الرسول صلى الله عليه وسلم
وبين زمن تأليفها عامل ريب في صحة بعض ما احتوته عند من لم يقف على كل
أطوار السنة قبل الاذن بالتدوين الرسمي لها في القرن الأول وبعده في كامل القرن
الثاني والى حين تأليف الكتب الصحاح . وبيان المجهودات المبذولة فيها يجعل
المرتاب يدرك تسلسل حلقات العناية بها فينزاح عنه الريب .
ففي تلك الفترة الطويلة بذل رواة الحديث وجهابذته جهودا كبيرا
لحفظه وحمايته من الكذابين ، وبدأت صيانته منذ الصحابة فحفظوه
وتحروا في قبوله وتلقى عنهم من بعدهم منهجهم ، فحفظ الحديث في .
الصدور والصحف الخاصة الى أن دون وحتى بعد التدوين لم ينقطع
حفظه وظل الحفاظ يستظهرونه ووصل الحرص بالبعض إلى أن
يستوقف الراوي بسبب التقديم والتأخير أو التغيير الخفيف الذي لا يترتب عليه
تغيير في المعنى ، وأما حمايته من الكذابين فتعتبر مرحلة الحفظ تأسيسا لها وبدأت
7

بالفعل منذ عصر التابعين لمعاصرتهم من ضعف حفظه ومن اتهم بسبب انتمائه
السياسي أو العقدي فوقع الشك في صدقه وتسبب ظهور هؤلاء الاصناف من
المجروحين في وجود طبقات النقاد المتوالية فبعد تولي الصحابة التحري في قبول
الرواية كانت جماعة من التابعين غير قليلة العدد تدرس أحوال الرواة وتختاط في
الأخذ عن بعضهم ، واعتبر النصف الأول من القرن الثاني مرحلة بداية ظهور
النقاد الأوائل الذين أسسوا علم نقد الرواية وهو ما يعرف بعلم الجرح والتعديل
وخلفتهم طبقات متعاقبة من الجهابذة فصارت معرفة الرجال ونقدهم فنا مكتملا
يمتاز بالتطور لتجدد الرواة في كل مدة واستمرار النقاد في الظهور طبقة بعد
أخرى ، يعتمد اللاحقون منهم في نقد الرواة الذين سبقوهم على آراء مشائخهم
ويتولون نقد من عاصرهم وتلك كانت سنتهم الى اكتمال تدوين الأحاديث
الصحيحة وانتهاء عصر التجريح والتعديل في نهاية القرن الثالث على قول والرابع
على آخر وهو الأصح لما شهده هذا القرن من أعمال هامة في جمع الأحاديث
ونقدها.
فهذا المجهود المبذول والعناية المتواصلة بالحديث حفظا ونقدا ثم تدوينا
وحفظا ونقدا جعلته محفوظا في كل أطواره وجعلت مرحلة تدوينه تتويجا لما سبقها
من المراحل ، فلولا جهود أهل القرنين السابقين لما وجد نقاد القرنين الثالث
والرابع ما يدوّنون فقد اخذوا عمن سبقهم الحديث وفن النقد فجمعوا من
الأحاديث ما بلغوه لهم ونقلوا آراءهم فيمن جرحوهم وجرحوا من ليس أهلا للرواية
ممن عاصرهم، فعلم الجرح والتعديل واكب كل أطوار الرواية وتكيّف في كل
طور بكيفية تناسبه تبعا للظروف البيئية . ولا مبالغة إن قلنا إنه عمدة علوم
الحديث وان كل مسائل هذه العلوم ترجع اليه ، ومع هذا فقد تَتَبّعت ما ألف فيه.
فرأيت البعض يقتصر على التأليف في تراجم الرجال لبيان ما قيل فيهم تعديلا
وتجريحا ، فيجمع في مؤلف واحد الثقات والضعفاء والمتروكين والبعض يخص
صنفا منهم بالتأليف ذاكرا تعديلهم أو تجريحهم ، والبعض من المتأخرين يؤلف في
المصطلح فيخصص للجرح والتعديل فصلا بين فصول الكتاب يعتمد فيه على
آراء الاصوليين أكثر من اعتماده على آراء نقاد الحديث ويقل استشهاده بآراء
8

النقاد الأوائل . ولم أر فيما وقفت عليه من الكتب القديمة والحديثة من أرخ لهذا
العلم وأبرزه بكيفية تبين دوره الرئيسي بين علوم الحديث وتربط نشأته وتطوره
بأوضاع المجتمع الاسلامي ، وتعرف بأثمته وتحلل مذاهبهم في نقد الرجال ولا سيما
ما نعتوا به من تشدد أو تساهل فأردت أن أجعله موضوع هذه الدراسة حرصا
على بيان أطواره وتوضيح قواعده والتعريف بأئمته حتى ينزاح كل شك في الحديث
تأتى من تأخر تدوينه رسميا الى موفى القرن الأول ومن قصور مؤلفات القرن الثاني
في جملتها عن درجة القبول المرضية ، ويعلم الجميع أنه تم في هذين القرنين وضع
أسس علم نقد الأحاديث فكان ينقل إلى جنب الرواية حتى انتهت فاستمر بعد في
أطوار التنظيم والتعقيب ، وسكت عن تحديد مدة التجريح والتعديل اعتمادا على
تحديدها من قبل علماء الحديث أنفسهم بنهاية القرن الرابع كما مرّ وحرصت على
أن تكون الآراء المعتمدة في البحث لأهل القرون الأربعة الأولى ، ولم أذكر من آراء
من بعدهم إلّا القليل ، وإن كانت كتب المتأخرين ذكرت كثيرا فلأنها اشتملت
على آراء السابقين ، ووضعت هذه الدراسة في أربعة أبواب وخاتمة .
بدأت الباب الأول بمدخل يصلح للتمهيد للبحث كله عرفت فيه علم الجرح
والتعديل وبينت منزلته بين علوم الحديث ، والمراد بهذه العلوم والأطوار التي مرّ بها
هذا المصطلح . وجعلت الفصل الأول للتعريف بالصحابة وبيان منزلتهم في
الحديث ومواقفهم من روايته تثبتا ونقدا للمتن ، ثم عرفت بالتابعين ووقفت خاصة
عندما حدث في عهدهم من تطورات سياسية وعقلية دعتهم إلى زيادة التثبت في
الرواية والدقة في معرفة الرواة فاتضحت اسس النقد التي مهّد لها الصحابة
وأخذت طريقها للتطبيق بسبب وجود قلة من المجروحين تتبعهم التابعون وتكلموا
فيهم .
وأفردت الباب الثاني للحديث عن تأسيس علم الجرح والتعديل ، ولما كانت
للبيئة أثرها البين فيه فقد تحدثت في الفصل الأول منه عن الأوضاع السياسية
والاجتماعية والفكرية وأبرزت أثرها في ايجاد المجروحين وفي تطور علم النقد عند
المحدثين . ووضحت في الفصل الثاني آثارها في وضع الحديث فعددت أصناف
9

الوضاعيين واستشهدت بنماذج مما وضعوه تعكس أوضاع العصر ، ولئن كان هذا
من الشبه التي التجأ اليها أعداء السنة لتوهينها فانه ليس إلّا حجة عليهم فقد كان
تعفن البيئة العامل الرئيسي في تأسيس مدرسة نقد الحديث وفي تطورها لذلك
خصصت الفصل الثالث من هذا الباب للكلام عن الأئمة المؤسسين لعلم الجرح
والتعديل وعرضت فيه تشاورهم في مشروعية الجرح واقرارهم اياها مما يظهر
تتبعهم لأحداث المجتمع فقد تكلموا من قبل في الرواة فرادى فلما تكاثر المجروحون
وكاد أمرهم يستفحل جعلوا نقدهم علما مقننا تخصص له حلقات وتؤلف فيه
كتب شأنه شأن نصوص الحديث . وبعد أن تأسس هذا العلم وكاد يكتمل رأيت
أن أبيّن قواعده ومقاييسه في التعديل والتجريح فتحدثت في الفصل نفسه عن
الرحلة في طلب الحديث من الصحابة باعتبارها مظهرا من المظاهر العملية
للتحري في جمعه ، وعن الإسناد لأنه الطريق الوحيد لتلقيه ولارتباطه الشديد
بأوضاع المجتمع فقد بدأت المطالبة به عند ظهور أوائل المجروحين واستمر في
تعرّج الى أن صار كل حديث بدونه مرفوضا .
وتحدثت في الباب الثالث عن التعديل وأحكامه فبينت في فصل : شروط
الراوي ، وفي آخر : أصول الرواية ، وفي فصل ثالث : أحكام الأداء المتعلقة
بصيغه وشروطه وآدابه ، وتناولت في الباب الرابع الجرح وأحكامه فوضحت كل
أسبابه الرادة للحديث أو المضعفة له وحاولت أن آتي على توضيح ما رآه البعض
من تشدّد وتساهل في مناهج النقاد فخصصت لذلك فصلا طويلا تضمن
توضيح المقصود بهما وبيان مظانهما وأسباب الجرح الناشئة عن حالات من
التشدد ، والمراد من تقسيم النقاد إلى متشددين ومتساهلين ، وأنهيت الرسالة
بخاتمة احتوت على ما يستنتج من جملة الابواب وهو خصائص المنهج النقدي لعلماء
الحديث وآثاره في بقية العلوم
والي لأرجو الله تعالى أن يكون رافقني التوفيق في التبويب وتحليل المسائل
والاستنتاج فأكون قد وفيت فيما عرضته من الأبواب والفصول بما عزمت على
10

انجازه والممت بمحتوى عنوان الرسالة . وهو الجرح والتعديل بين المتشددين
والمتساهلين ولئن كان في الامكان الاستغناء عن الطرف الثاني من العنوان لدخوله
بداهة في الأول اذ كل علم لا تخلو نظرياته من آراء تتفق وتختلف اختلافا متفاوتا
فإني أثبته قصد توضيح مفهوم التشدد والتساهل وبيان نسبيتهما وعدم اطلاقهما
وللتأكيد على أن الاعتدال هو سمة مناهج نقاد الحديث وما سواه فحالات خاصة
وقع احصاؤها كما بينت في الفصل الأخير ، وألاحظ كما ذكرت هناك أنني عرضت
منذ الباب الأول في كل مسألة خلافية مختلف وجهات النظر فيها ثم حرصت على
زيادة تحليل قضية التشدد والتساهل فخصصت لها فصلا ليس هو كل ما قيل فيها
بل كان توضيحا وتكميلا .
وأخيرا أشكر فضيلة أستاذي المشرف الدكتور أحمد بكير محمود الذي أمدني
بتوجيهاته مدة اشتغالي بهذه الدراسة وفي كل مراحلها من الاختيار والاعداد
والانجاز رغم ضيق وقته . والله أسأل أن يثيبه ويثيب كل من ساعدني من أساتذتي
وغيرهم وأن يلهمنا جميعا التوفيق .
محمد الطاهر الجوابي
11

نقد المصادر والمراجع
· ساهمت في اعداد هذه الدراسة مؤلفات عديدة في مختلف العلوم وفروع الثقافة
الاسلامية مع تفاوت نسب المساهمة فمنها ما احتيج اليه في أغلب الأبواب وهي
المؤلفات في الحديث وعلومه ومنها ما ساهم في باب واحد ، أو في مسألة واحدة ،
ومنها ما لم تستمد منه معلومات بل تراجم بعض الرجال الذين احتيج الى التعريف بهم
وبالنظر إلى محتوى هذه الكتب نقول : « ان المصادر الأولية لهذه الدراسة هي نصوص
الأحاديث النبوية وأقوال الصحابة في الرواية وآراء أئمة نقد الحديث الأوائل الذين كان
آخرهم من مات عند نهاية القرن الرابع ، وهذه تأتي في المرتبة الأولى ، وذكرت
الأحاديث النبوية قبلها لشرفها ومراجعه هي : آراء النقاد المتأخرين الموضحة لآراء
السابقين بالبيان أو التعقيب ولأهميتها تلي المصادر مباشرة وتصنف جملة الكتب
المستمد منها إلى المجموعات التالية :
1 - كتب الحديث الصحيح وما قاربه كالصحاح الستة والموطإ ومسند أحمد
وسنن الدارمي وسنن الدارقطني وصحيح ابن حبّان ، ووقع الأخذ من مقدماتها
وكتب العلم فيها .
2 - شروح الأحاديث كفتح الباري وارشاد السازي وشرح النووي على مسلم
وعون المعبود شرح سنن أبي داود والتمهيد لأبن عبد البر وغيرها وأهم ما استمد منها ما
في مقدماتها من مسائل تتعلق بمباحث النقد والمصطلح وما في الشرح من تعاليق على
بعض الأحاديث والرجال .
3 - كتب الجرح والتعديل الجامعة للثقات والضعفاء والمتروكين أو الخاصة بأحد
12

1
الصنفين ، وكتب الطبقات العامة أو الخاصة بمذهب أو اختصاص وكتب التراجم
وهذه في مجموعها وخاصة كتب الجرح والتعديل من أهم المصادر والمراجع لاشتمالها
على أوصاف الرواة وآراء النقاد . وما ألفه المتأخرون منها أكثر فائدة مما ألفه المتقدمون
لسعة اطلاعهم ، فحوت مؤلفاتهم كتب المتقدمين وزيادة فلو قارنا مثلا بين كتاب
الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي (327) وتهذيب التهذيب لابن حجر (852)
لوجدنا الثاني قد استوعب الأول وأضاف اليه الكثير مما قيل فيمن ترجم لهم الرازي ولم
يثبته أو ما قيل فيهم ممن عاصروه أو جاءوا بعده فضلا عن تراجم الرواة الذين ولدوا
بعده .
فهو خلاصة لجملة من الكتب الموجودة والمفقودة . بيد أن للرازي في تقدمة المعرفة
لكتابه المذكور ميزة على من قبله ومن بعده لأنه خصص هذه المقدمة لتراجم جماعة
من أئمة نقد الحديث الى زمنه ولم يذكر معهم بقية الرواة بينما ذكرهم المؤلفون الآخرون
ضمن تراجم الثقات عموما ، ولما اتصفت به هذه التراجم من توسع في غالبها فقد
تضمنت أخبار النقاد وآراءهم وأسماء من تكلموا فيهم وما نقدوا به هم أيضا ، ولا
يعاب على المؤلف عرضه ذلك بطريقة سرد الاخبار فذلك هو أسلوب عصره .
وما قيل في المقارنة بين كتابي الرازي وابن حجر يقال بين كتابي التاريخ الكبير
للبخاري ، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي ، فالبخاري أوجز كثيرا ولم يتعرض
للجرح الا نادرا بينما حاول البغدادي أن يجمع أكثر ما يمكن من أخبار الرواة وآرائهم
وما قيل فيهم .
وهكذا امتاز كل كتاب عما سبقه بالاستيعاب والتنقيح .
4 - كتب علل الأحاديث كالعلل ومعرفة الرجال لاحمد بن حنبل ، والعلل
للترمذي وشرحها لأبن رجب ، والعلل لابن أبي حاتم الرازي ، وكثير مما جاء في هذه
الكتب وفي غيرها موجود في كتب التراجم ، ومنها ما اهتم بقواعد نقد الحديث كعلل
. الترمذي فكان هاما رغم اختصاره ، ومنها ما تحدث عن رواة أحاديث معلة ككتاب
13

العلل لأحمد بن حنبل وكان نصيب نقد الرجال فيه أكثر من بيان العلل ، ومنها ما
جمع الأحاديث المعلة كعلل الرازي .
5 - كتب مصطلح الحديث وهذه لم تظهر في تأليف مستقل إلّا بداية من القرن
الرابع فكلها من وضع المتأخرين ومزيتها الجمع والتبويب والتحليل والنقد وقد أفادتني
كثيراً لما جمعته من آراء السابقين ، أما آراء أصحابها فكانت في درجة ثانية لأنها
ليست من مشمولات هذا البحث وأكثرت من الرجوع الى الرامهرمزي في كتابه
المحدث الفاصل لأسبقيته وانفراده ببعض النقول ، والخطيب البغدادي في الكفاية في
قوانين الرواية لاستيعابه كثيرا من مسائل نقد الحديث ولدقة تعليقاته ، وعياض في
الإلماع لتركيزه على أصول الرواية ، وابن الصلاح في مقدمته لشمولها ولتعليقاته
وإضافاته ، والسخاوي في فتح المغيث لكثرة نقوله وتحليلها ، وقريب منه مع الاختصار
الانصاري في فتح الباقي .
وأفادني أيضا السيوطي في تدريب الراوي ، وابن حجر فيما رجعت اليه من
مؤلفاته ، وابن كثير في اختصار علوم الحديث بالاضافة الى كتب أخرى كثيرة مثبتة
بثبت المصادر والمراجع كشرف أصحاب الحديث للبغدادي وشروط الأئمة الخمسة
للحازمي وجامع بيان العلم وفضله لأبن عبد البر ، وتوضيح الأفكار للصنعاني
وغيرها .
6 - الدراسات المعاصرة ومنها شرح أحمد محمد شاكر لاختصار علوم الحديث
المسمى الباعث الحثيث ، وتعليق محمد محيي الدين عبد الحميد على توضيح الأفكار
للصنعاني ، والرفع والتكميل في الجرح والتعديل للكنوي ، وقواعد في علوم الحديث
للتهانوي ، وتعليق عبد الفتاح أبي غده عليهما، والسنة ومكانتها في التشريع الإسلامي
للدكتور مصطفى السباعي ، والسنة قبل التدوين للدكتور محمد عجاج الخطيب .
وعلوم الحديث ومصطلحه للدكتور صبحي الصالح ورجعت إلى هذه الكتب في
مسائل مختلفة ، وأما أضواء على السنة لابي ريه فلم أرجع اليه لأنقل منه بل للاطلاع
على ما تضمنه من آراء رفضها علماء الحديث . كما طالعت أيضا ما كتبه بعض
14

المستشرقين في السنة للغرض نفسه اذ ليس في مسائل البحث ما يوجب التعرض للرد
عليهم .
7 - كتب الأخبار الموضوعة كالموضوعات الكبرى لأبن الجوزي واللآ لىء
المصنوعة للسيوطي والأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة للقارىء ورجعت اليها خاصة
في الكلام عن الوضاعين .
8 - كتب التاريخ القديمة كتاريخ الطبري ، والمسعودي ، وابن الأثير والمعاصرة
كتاريخ الاسلام للدكتور حسن ابراهيم حسن والتاريخ الاسلامي والحضارة الاسلامية
للدكتور أحمد شلبي واستعملتها في وصف البيئة وأوضاعها .
9 - كتب أصول الفقه كالرسالة للشافعي والأحكام لأبن حزم والمستصفى
للغزالي ، ومختصر ابن الحاجب وشرحه والفروق للقرافي وفواتح الرحموت شرح مسلم
الثبوت وأكثر ما استعملتها في شروط الراوي ودورها في التوضيح لا الابتكار .
10 - كتب الفرق كمقالات الاسلاميين للأشعري والملل والنحل الشهرستاني
والفرق بين الفرق للبغدادي وغيرها واستمددت منها معلومات في دراسة البيئة مما
يتعلق بظهور الفرق .
هذه جملة المصادر والمراجع قسمتها الى مجموعات حسب مواضيعها وربطت بينها
وبين الأبواب التي ساهمت فيها وأملي ألا أكون أخذت معنى دون الاحالة الى مصدره .
15

البَاب الأول
التمهيد لعلم الجرح والتعديل
تحظ اهـ

المدخل
تعريف علم الجرح والتعديل
يمكن تحديد مدلول هذا العلم ببيان المعنى اللغوي للفظتي الجرح والتعديل ،
وعلاقته بمدلولهما الاصطلاحي وقد أضيفت اليهما لفظة علم فحصل معنى
اصطلاحي جديد له حد يميزه .
الجرح لغة : مصدر جرحه يجرحه أثر فيه بالسلاح ، وجرحه بلسانه شتمه ،
وجرح الحاكم الشاهد وجدله ما تسقط به عدالته من كذب وغيره ، فالشاهد
استجرح والاستجراح : النقصان والعيب والفساد ، واستجرحت الأحاديث قل
صحاحها بإستجراحها نتيجة للطعن في رواتها بما يرد روايتهم (1) ، فلفظة جرح وما
اشتق منها تدل لغة على طعن المجروح بما يبقي فيه أثرا محسوسا أو معنويا ، ثم
الجرح قد يكون بما ليس في المجروح كالشتم أو بما لا يعد جارحا وهو مردود ، ويكون
بما فيه كجرح الشاهد بما يبطل شهادته والراوي بما يطعن في روايته ، وهذا مقبول ،
.وهو الذي اهتم به نقاد الحديث فالجرح عندهم هو الطعن في عدالة الراوي أو ضبطه.
بما يضعف روايته أو يردّها .
والعدل : ما قام في النفوس أنه مستقيم ، وعدل الحاكم فهو عادل وعدل، والعدل هنا
(1) ابن منظور لسان العرب (مادة جرح) 1 : 432 وما بعدها
19

مصدر سمي به فوضع موضع العادل وهو أبلغ منه لأنه جعل المسمى نفسه عدلا ،
والعدل من الناس المرضي قوله وحكمه والجائز الشهادة (2) وعند المحدثين من استقام
في دينه وصدق في حديثه ، وسنوضح هذا عند بحث العدالة ان شاء الله .
ومن خلال ما تقدم يتبين أن الجرح يدل على الذم ويؤدي الى ترك رواية المجروح. أو
التوقف فيها ، والتعديل يفيد المدح ويقتضي قبول خبر العدل ، واستعمال الكلمتين معا
مضافة اليهما لفظة علم أكسبهما معنى اصطلاحيا مستمدا من المعنى اللغوي ، فكان
علم الجرح والتعديل وهو يبحث في نقد الرواة بما يزكيهم أو يعيبهم لقبول روايتهم
أو ردها . وبالوقوف على موضوعه ، وغايته ، ومصادره ، وعلاقته ببقية علوم الحديث
يتضح مدلوله أكثر وتضبط مباحثه .
موضوعه وغايته :
· يبحث التعديل في مسائل قبول الرواية كتعريف الراوي حتى لا يكون مجهول العين
أو الحال ، وبيان أهليته للتحمل ، وكيفية تلقيه ، وشروط أدائه . ومفهوم العدالة
والضبط وأوجه الشبه بين الراوي والشاهد ، والرواة الذين لا يبحث عن تعديلهم
كالصحابة وأئمة الحديث ، وطبقات الرواة ، والاسناد وأصح الأسانيد ، وألفاظ
التعديل وغير ذلك .
وأولى مباحث الجرح : حكمه ، وغايته وأسبابه الراجعة الى جهل الراوي أو الطعن
في عقيدته أو سلوكه ، أو ضبطه ، أو مخالفته الرواة براويته الشاذ والمنكر ، أو إلى
منهجه بضعف تحرّيه ، وروايته عن غير الثقات أو قبوله التلقين أو تساهله في السماع
أو الأداء .
والأسباب المختلف فيها كأخذ الأجر عن التحديث ، والتحمل بالإجازة والعلاقة.
(2) نفس المرجع (مادة عدل) 3 : 706 وما بعدها
20

بالحكام في غير ضرورة ، وبالتالي فالأسباب الرئيسية ترجع في جملتها إلى ما يطعن في
العدالة أو الضبط ثم أصناف المجروحين وألفاظ التجريح .
وهناك قضايا مشتركة بين المبحثين كتعارض الجرح والتعديل وأيهما يقدم وغيرها ،
فموضوع علم الجرح والتعديل نقد الرواة ، وغايته تمييز الثقات والضعفاء والمتروكين
لمعرفة مقبول الحديث من مردوده .
مصادره :
يعتمد أساسا على علم الرجال بمختلف أقسامه ، وكتبه هي أولا الكتب المؤلفة في
الصحابة ثم في الطبقات والتاريخ والتي تبين نسب الراوي ، ووطنه وزمن سماعه وتنقله ،
وشيوخه ، وتلاميذه ، ووفاته لينتبه إلى الذين ادعوا السماع ممن لم يعاصرهم ، وليعرف
من أخذ عمن اختلط وزمن أخذه عنه ، وهل هو قبل الاختلاط أو بعده ؟ ومن روى
عمن ليس من بلده ولم يثبت ارتحال أحدهما إلى الآخر ، أو مكاتبته لتحصر أسباب
الضعف
وثانيا كتب الاسماء والكنى والألقاب والأنساب ، والمؤتلف والمختلف والمتفق
والمفترق ، والمشتبه ، والمبهمات من الأسماء ، وغايتها جميعاً ضبط اسم الراوي للتفريق
بينه وبين من اتحد معه في الاسم واشتبه به في الكتابة أو الخط ليتميز كل راو عن
الآخر ، فلا يجرح الثقة ولا يعدل المجروح، ولكي لا يعد من ذكر مرة باسمه وأخرى
بلقبه أو كنيته اثنين ، فهذه العلوم جميعا يستخدمها علم الجرح والتعديل فتبرز في
كتبه المتميزة عن الكتب المذكورة بافرادها الثقات أو الضعفاء كل في مصنف أو
بذكرهم معًا لكن مع اثبات ما قيل في كل منهم من جرح أو تعديل وهذا النقد
والتصنيف انما حصل بعد استخدامها وتحليل صفات الراوي والبحث عن مستنده في
الرواية لتمييز طريقة تحمله ، ودراسة السند وما فيه من اتصال أو انقطاع ورفع أو وقف ،
والمتن وما فيه من شذوذ أو نكارة للحكم على الحديث بالصحة أو الضعف أو
الترك .
21

الفرق بينه وبين علم علل الحديث :
يشتبه علم الجرح والتعديل بعلم علل الحديث. لكنهما متغايران لأن الأول يبحث
في نقد الرجال فيحلل ما قيل فيهم مما يعيبهم أو يزكيهم بألفاظ مخصوصة (3) والثاني
يبحث في الأسباب الخفية الخاصة القادحة في صحة الحديث مع أن الظاهر سلامته
كوصل المنقطع ورفع الموقوف وإدخال حديث في حديث وغير ذلك (4) .
قال الحاكم أبو عبد الله (5) في التفريق بين العلمين وضبط مفهوم علل الحديث
« وهذا النوع منه (6) معرفة علل الحديث وهو علم برأسه غير الصحيح والسقيم
والجرح والتعديل » (7) .
وقال في التفريق بين حديث المجروح والحديث المعل « انما يعل الحديث من أوجه
ليس للجرح فيها مدخل فإن حديث المجروح ساقط واه وعلة الحديث تكثر في
أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة فيخفى عليهم علمه فيصير الحديث
معلولا » (8) .
وعدد أنواع العلل الاصطلاحية من مثل ما ذكرناه ، ولاحظ أن من علماء الحديث
من يرون جرح الراوي علة ، ويقولون هذا الحديث معلول بفلان ، وتكفينا هنا هذه
الإشارة المراد منها التوضيح على أن نعود لموضوع العلل عند دراسته بيد أن العلل وان
كانت في مفهومها الدقيق وعند الأكثرية غير الجرح فان المجرح لا ينبغي له أن يجهلها.
يميز الحديث المعل من السليم .
(3) الدكتور صبحي الصالح ، علوم الحديث، 109 (ط 3 بيروت 1965/1384)
(4) نفس المرجع : 112
(5) سنعرف به ضمن فصل الائمة من نقاد الحديث
(6) (أي من علوم الحديث)
(7) معرفة علوم الحديث : 112 (بيروت)
(8) معرفة علوم الحديث : 112 - 113
22