Indexed OCR Text
Pages 421-440
غير أن ما تقدم قصدت به أن يكون توطئة لأمر لا يقل عنه أهمية، بل هو أهم منه من جهة أخرى، وهي كثرة ما يواجه الباحث منه، فهو المقصود الأول بهذا المبحث، وأعني بهذا النظر في دلالة نصوص النقاد التي تدخل ضمن مصطلحات مشهورة متداولة، مثل قولهم: فلان ثقة، أو صدوق، أو ضعيف، أو ليس بشيء، أو متروك الحديث، وما يجري مجراها، فإن هذه الألفاظ قد اصطلح على معناها، وعلى أساس هذه المعاني تم وضع مراتب الجرح والتعديل التي تقدم الحديث عنها في المبحث الثامن من الفصل الثاني، غير أن هذه الأحكام قبل تنزيلها على المصطلح العام تحتاج إلى نظرة شمولية، يراعى فيها سياق الكلام نفسه، وكلام الناقد في الراوي مجتمعاً، مضموماً إلى كلام النقاد الآخرین. وسبب الحاجة إلى ذلك أن النقاد في ذلك العصر لشيوع النقد، وكون المستمع لهم من أهل النقد أيضاً - يطلقون أحكاماً على الرواة ولا يريدون بها الحكم المطلق الذي تفيده بناء على الاصطلاح العام، فتنزيلها عليه مباشرة وقبل النظرة الشاملة قد يؤدي إلى خلل في الحكم النهائي على الراوي، وكثيراً ما ينتج عن هذا التنزيل بروز اختلاف بين كلام الناقد الواحد، أو بين كلام النقاد، ربما أحوج إلى تضعيف رواية، أو نسبة ناقد إلى التشدد أو التساهل، أو إلى قلة الخبرة بالراوي، والحقيقة أنه لا وجود للاختلاف أصلاً. وقد أفاض جماعة من الأئمة والباحثين الذين ينظرون في كلام النقاد الأولين وفق ضوابط النظر - كأبي الوليد الباجي، والذهبي، وابن حجر، والسخاوي، والمعلمي، وشيخنا فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن ٤٢١ محمد العبداللطيف - أفاضوا في الحديث عن هذا الجانب المهم من ضوابط النظر في أقوال النقاد، معتمدين في ذلك على كلمات متفرقة للنقاد أنفسهم، وعلى النظر والتأمل. ولتقريب فهم هذا الموضوع، وتسهيل تطبيقه على الباحث رأيت أن أجمع شتات الكلام فيه في جهتين، إذا راعاهما الباحث، ودقق النظر فيهما أمكنه التعامل مع كلام النقاد بسهولة. الجهة الأولى: الراوي نفسه، فينظر الباحث في الراوي الذي يريد دراسة أقوال النقاد فيه هل وثق في بعض حالاته، وضعف في البعض الآخر؟ فإن كان كذلك أمكن تنزيل التوثيق المطلق أو التضعيف المطلق مما ظاهره التعارض على الجانب اللائق به. وتجزئة حال الراوي قد يكون في أصل شرطي العدالة والضبط، بأن يكون متكلماً في الراوي في أحدهما، موثقاً في الآخر، وقد يكون في الضبط فقط وتفاوته في الراوي، إما في الزمان، أو المكان، أو الشیوخ، أو بین کتاب الراوي وحفظه، ونحو ذلك. فأما الأول فإن كثيراً من الرواة موصوفون بالصلاح والفضل والعبادة والخشوع ، لكنهم من جهة الضبط والحفظ تكلم فيهم، فلا بعد حينئذ أن يصدر عن الناقد عبارة توثيق مطلق مرتفع أو دونه، وقد يصدر عن هذا الناقد أو عن ناقد آخر في الراوي نفسه عبارة تضعيف مطلق، ولا تعارض بينهما، ويكون المراد بالتويثق حينئذٍ أنه صادق في نفسه لا يتعمد الكذب. يدل على هذا أن الناقد ربما جمع بين التوثيق والتضعيف في نص واحد، وقد يشير إلى جهة التوثيق أو التضعيف، كقول أحمد في ٤٢٢ الحسن بن أبي جعفر: ((كان شيخاً صالحاً، ولكن كانت عنده أحاديث مناكير، وليس هو بشيء))(١). وقال عمرو بن علي في يحيى بن أبي أنيسة: ((صدوق، وكان يهم في الحديث، وقد اجتمع أصحاب الحديث على ترك حديثه إلا من لا يعلم))(٢). وقال في الحسن بن عمارة: ((رجل صالح صدوق، كثير الخطأ والوهم، متروك الحديث))(٣). وقال ابن معين في أبي بكر بن عياش: ((أبو بكر بن عياش رجل صدوق، ولكنه ليس بمستقيم الحديث)) (٤). وقال البخاري في محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى: ((صدوق، إلا أنه لا يدري صحيح حديثه من سقيمه - وضعف حديثه جداً ))(٥). ونقل الترمذي عن البخاري قوله في صالح المري: ((هو ضعيف الحديث، ذاهب الحديث))، ثم قال الترمذي: ((صالح المري رجل صالح ثقة، تفرد بأحاديث عن الثقات، يخاف عليه الغلط))(٦). وقال يعقوب بن شيبة في عبدالرحمن بن زياد بن أنعم: ((ضعيف الحديث، وهو ثقة صدوق رجل صالح))(٧)، وفي الربيع بن صبيح: (١) ((مسائل إسحاق بن هانىء)) ٢١٠:٢. (٢) ((الكامل)) ٧: ٢٦٤٥. (٣) ((الكامل)) ٧٠٠:٢، و((تاريخ بغداد)) ٧: ٣٥٠. (٤) (معرفة الرجال)) ١ :٦٩. ((تاريخ بغداد)» ٢١٧:١٠، وانظر: ((العلل الكبير)) ٩٧٢:٢. (٥) (٦) ((العلل الكبير)) ٩٦٨:٢. (٧) ((تهذيب الكمال)) ١٧ : ١٠٦. ٤٢٣ ((صالح صدوق ثقة، ضعيف جداً)(١). وقال يعقوب بن سفيان في محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى: (ثقة عدل، في حديثه بعض المقال، لين الحديث عندهم))(٢). وربما جاء البيان عن الناقد في نص مستقل، فقد كان أبو الوليد الطيالسي يوثق قيس بن الربيع، ويثني عليه، وروى عمرو بن علي قال: ((قلت لأبي الوليد: ما رأيت أحداً أحسن رأياً في قيس منك، قال: إنه كان ممن يخاف الله عز وجل))(٣). ومن الأمثلة التطبيقية على تنزيل كلام النقاد على هذا إذا كان ظاهره التعارض: كلام ابن معين في الربيع بن صبيح، والمبارك بن فضالة، فقد سأله ابن محرز عن الربيع بن صبيح، فقال: ((ثقة))، ثم سأله عن المبارك بن فضالة، فقال: ((ليس به بأس، لم یکن بالكذوب، لیس منهما إلا قریب من صاحبه)»(٤). وقال عثمان الدارمي: ((سألت يحيى بن معين عن الربيع بن صبیح، فقال: ليس به بأس - كأنه لم يطره -، قلت: هو أحب إليك أو المبارك؟ قال: ما أقربهما))(٥). (١) ((تهذيب الكمال)) ٩ :٩٣. ((تهذيب التهذيب)) ٣٠٣:٩. (٢) ((الجرح والتعديل)) ٩٧:٧. (٣) وانظر نصوصاً أخرى بهذا المعنى في: ((أحوال الرجال)) ص٢٨٩-٢٩٠، و((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٣٣٨، ٣٧٢، ٣٨٥، ٤١٤، ٤٦٤، ٤٨٣، و((تهذيب الكمال» ٤٩١:٤-٤٩٢. (٤) ((معرفة الرجال)) ٧٨:١، ١١٣، وانظر: ١ :٩٤ . (٥) ((تاريخ الدارمي عن ابن معين)) ص١١١ . ٤٢٤ ووثقهما في رواية الدوري(١). وقال في رواية المفضل الغلابي: ((صالحان))(٢). وروى عنه ابن أبي خيثمة توثيقه للمبارك بن فضالة، وروى عنه أيضاً تضعيفه له(٣)، وكذا ضعف الربيع بين صبيح في روايته(٤). وسأله عبد الله بن أحمد عن المبارك بن فضالة، فقال: ((ضعيف الحديث، مثل الربيع بن صبيح في الضعف))(٥). وقد تقدم في المبحث الأول أن ابن أبي حاتم جعل هذا اختلافاً حقيقياً عن يحيى بن معين، وطلب الترجيح بين أقواله من كلام النقاد الآخرين، ولكن يمكن للناظر أن يجعل هذا الاختلاف غير حقيقي، بحمل التوثيق على العدالة، فإنهما مشهوران بالصلاح والعبادة، والربيع أشهرهما، وأما التضعيف فيحمل على الحفظ والضبط، وقد قال الشافعي: ((كان الربيع بن صبيح رجلاً غَزَّاءً، وإذا مدح الرجل بغير صناعته فقد وهص - يعني دق ))(٦). ومن الأمثلة على هذا أيضاً غسان بن عبيد الموصلي، وثقه في رواية الدروي، وابن أبي خيثمة، وضعفه في الحديث في رواية ابن الجنيد، وقال في رواية الحسين بن حبان: ((أتيناه فإذا هو لا يعرف (١) (تاريخ الدوري عن ابن معين)) ١٦٢:٢، ٥٤٨. (٢) ((تاريخ بغداد)) ١٣ : ٢١٤. (٣) ((تاريخ بغداد)» ١٣ :٢١٥. (٤) ((الجرح والتعديل)) ٣: ٤٦٤. ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣: ١٠. (٥) (الجرح والتعديل)) ٣: ٣٦٤، و((آداب الشافعي ومناقبه)) ص٢٢٤، والتفسير من أبي (٦) حاتم، وهو في ((تهذيب التهذيب)) ٢٤٧:٣: ((أي دق عنقه)). ٤٢٥ الحديث، إلا أنه لم يكن من أهل الكذب، ولكنه لا يعقل الحديث))(١). وعكس ذلك - وهو توثيق الراوي مع الكلام فيه في شيء من عدالته - كثير جداً، أشهر من أن يمثل له، وقد تقدم أن النقاد يتتبعون سيرة الراوي، فإن وجدوا فيه شيئاً يخل بالعدالة أو المروءة تكلموا فيه(٢)، ثم قد يكون ما في الراوي له أثر على روايته، كالكذب في الحديث، أو ارتكابه أمراً يدل على رقة في الدين يخشى منه الكذب معه، فهذا مسقط للراوي وإن كان حافظاً ضابطاً، فرب حفاظ للحديث متروکون، وقد يكون ما في الراوي ليس له تأثير على روايته، لكونه ثقة في نفسه، مثل كثير من أنواع الابتداع، والعمل للسلطان، وأخذ الأجرة على التحديث، فالناقد يوثق الراوي، ويبين ما فيه مما يراه هو مخلاً بالعدالة أو المروءة، وقد تقدم في المبحث الثاني من الفصل الثاني أن الناقد ربما ترك أمثال هؤلاء مع توثيقه لهم، وتركه لهم من باب التأديب والزجر. وأما الثاني - وهو الكلام في ضبط الراوي في بعض حالاته، كالزمان، أو المكان، أو الشيوخ، ونحو ذلك - فقد تقدم الكلام على تفصيل حال الراوي في مبحث مستقل في الفصل الأول. والمقصود هنا أن الناقد قد يطلق التوثيق أو التضعيف ومقصوده في حالة خاصة للراوي هي موضع تسليم، فلا يكون هناك اختلاف، وقد كان النقاد يخرجون كلام من سبقهم على هذا الأصل ، إن أمكن ذلك. مثاله ما رواه عباس الدوري قال: ((سمعت يحيى يقول: قد سمع (١) (تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٤٦٩:٢، و((تاريخ بغداد)» ٣٢٧:١٢. (٢) انظر: المبحث الأول من الفصل الأول. ٤٢٦ یحیی بن سعيد القطان من الجريري، وکان لا يروي عنه، - قال يحيى ابن معين -: قال عيسى بن يونس: قد سمعت من الجريري، فقال لي يحيى بن سعيد القطان: لا ترو عنه))، ثم عقبه عباس بقوله: ((إنما مذهب يحيى بن سعيد القطان عندنا في هذا - يقول - إن الجريري قد كان اختلط، لا أنه ليس بثقة))(١). ونقل يعقوب بن شيبة، عن زكريا بن عدي، عن ابن المبارك قوله: ((سماك ضعيف في الحديث))، ثم قال يعقوب: ((روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديماً مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم، والذي قاله ابن المبارك إنما يرى أنه فيمن سمع منه بأخرة))(٢). وروى البرذعي، عن أبي زرعة قوله: ((ابن نافع الصائغ عندي منكر الحديث، حدث عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ◌َّ: ((ما بين بيتي ومنبري ... ))، وأحاديث غيرها مناكير، وله عند أهل المدينة قدر في الفقه ... ))(٣)، وروى ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة قوله فیه: «لا بأس به))(٤). فهذا الاختلاف عن أبي زرعة يمكن تفسيره بحمل التضعيف على التحديث من الحفظ، وكونه لا بأس به أي إذا حدث من كتابه، فهذه حال عبدالله بن نافع(٥). (١) ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ١٩٥:٢، ٤: ١٦٣. (٢) (تهذيب الكمال)) ١٢ :١٢٠. (٣) (أسئلة البرذعي)» ص٣٧٥. ((الجرح والتعديل)) ١٨٤:٥. (٤) (٥) ((تهذيب التهذيب)) ٥١:٦. ومما يصلح مثالاً لذلك أيضاً الروايات عن يحيى بن معين في عطاء بن السائب. ٤٢٧ ورد بعض كلام النقاد إلى بعض بالنظر إلى اختلاف حال الراوي إنما ينفع إذا لم ينص الناقد على استواء حاله عنده، فأما إذا نص فلا فائدة حينئذٍ، كما في حال شريك بن عبدالله القاضي، فقد ذهب جماعة من الأئمة إلى أنه تغير حفظه لما استقضي(١)، وكان يحيى بن سعيد يضعفه ولا يروي عنه، وقال له قائل: يقولون: إن شريكاً إنما خلَّط بآخره، فقال: ((لم يزل مخلطاً» (٢). ومحمد بن مسلم الطائفي، جاء توثيقه مطلقاً عن بعض النقاد(٣)، وجاء عن عبد الرحمن بن مهدي أن كتبه صحاح(٤)، وعن ابن معين قوله: ((لم يكن به بأس، ... كان إذا حدث من حفظه - يقول - كأنه یخطىء، وکان إذا حدث من كتابه فليس به بأس»(٥). وروى عبد الله بن أحمد ، عن أبيه قوله: ((ما أضعف حديثه - وضعفه أبي جداً))(٦). فتضعيف أحمد هذا لا يصلح حمله على التحديث من الحفظ، لما رواه الميموني قال: ((سمعت أحمد يقول: إذا حدث محمد بن مسلم من غير كتاب - يعني أخطأ -، قلت: الطائفي؟ قال: نعم، ثم ضعفه على كل حال من كتاب وغير كتاب، فرأيته عنده ضعيفاً))(٧). (١) ((تهذيب التهذيب)) ٤: ٣٣٣. ((الجرح والتعديل)) ٣٦٦:٤، والكامل)) ١٣٢٢:٤. (٢) (٣) ((الكامل)) ٢١٣٨:٦، و((تهذيب التهذيب)) ٤٤٤:٩. (٤) ((التاريخ الكبير)) ٢٢٤:١ . ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٥٣٧:٢ . (٥) ((العلل ومعرفة الرجال)) ١٨٩:١، ١٧٢:٢. (٦) ((الضعفاء الكبير)) ٤: ١٣٤ . (٧) ٤٢٨ وعلى هذا فهو ضعيف عند أحمد ، وهو إذا حدث من حفظه أشد ضعفاً. وكان بعض النقاد يفصل في حال ابن لهيعة، فما رواه المتقدمون عنه أصلح مما رواه المتأخرون، وربما عزوا ذلك إلى تغير ابن لهيعة، وجاء عن ابن معين إطلاق القول بتضعيفه(١)، ولا يصلح رد قول ابن معين إلى قول من فصل في حاله، لما رواه ابن محرز قال: ((سألت يحيى بن معين، عن ابن لهيعة فقال: ليس هو بذاك، وسمعت يحيى مرة أخرى يقول: ابن لهيعة ضعيف الحديث، وسمعته مرة أخرى: ابن لهيعة في حديثه كله ليس بشيء، وسمعت يحيى مرة أخرى يقول - وسئل عن حديث ابن لهيعة - قال: ابن لهيعة ضعيف في حديثه كله لا في بعضه))(٢). وقال ابن الجنيد: (( ... قلت ليحيى: فسماع القدماء والآخرين من ابن لهيعة سواء؟ قال: نعم، سواء واحد)) (٣). وروى يزيد بن الهيثم عنه قوله: ((ابن لهيعة ليس بشيء، تغير أو لم يتغير)) (٤). وغير خاف أن التدقيق في رد بعض النصوص إلى بعض باستخدام تجزئة حال الراوي أمر لابد منه، فليس المقصود هو التخلص من (١) ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٣٢٧:٢، و((تاريخ الدارمي عن ابن معين)) ص١٥٣، و ((تاريخ ابن الهيثم عن ابن معين)) ص٩٧، و((الضعفاء الكبير) ٢: ٢٩٥، و((الكامل)) ٤: ١٤٦٢، و(تهذيب التهذيب)) ٣٧٤:٥. (٢) ((معرفة الرجال)) ٦٧:١، وانظر: ١٠١:١، ٣٩:٢. (٣) ((سؤالات ابن الجنيد)) ص٣٩٣. (٤) ((تاريخ ابن الهيثم عن ابن معين)) ص١٠٨ . ٤٢٩ الاختلاف، وقد رأيت أحد الباحثين نظر في أقوال النقاد في المبارك بن فضالة، وأن منهم من ضعفه، ومنهم من وثقه مع رميه بالتدليس، ثم قال: ((فالذي يظهر أنه ثقة مدلس، وتضعيف من ضعفه لأجل تدليسه)). والناظر في أقوال النقاد يدرك بسهولة أن بعض من ضعفوه نصوا على أن ضعفه من قبل حفظه، وأنه كان يخطىء(١)، فلا يفيد ما ذكره الباحث شيئاً. الجهة الثانية: كلام النقاد أنفسهم، وتوسعهم في استخدام الألفاظ، والخروج بها عن الاصطلاح العام لها، وأكثر ما يكون ذلك بين ألفاظ التعديل نفسها، أو بين ألفاظ الجرح. فنرى كثيراً استخدام لفظ ثقة، وصدوق، وليس به بأس، وصالح الحديث، ونحو ذلك كل منها في معنى الآخر، مع أنها في الأصل على مراتب متفاوتة، كما مضى شرحه في المبحث الثالث من الفصل الثاني، فهذا في التعديل. من ذلك أن الأئمة يطلقون أحياناً كلمة (صدوق) على من هو في الدرجة العليا من الثقة والضبط، فقد تقدم في المبحث الثالث من هذا الفصل وصف ابن المديني لعفان بن مسلم، وأبي نعيم، بأنهما صدوقان. ووصف أحمد أبا بكر بن أبي شيبة صاحب ((المصنف)) بأنه صدوق(٢). (١) ((تهذيب التهذيب)) ٢٩:١٠-٣١. (٢) ((العلل ومعرفة الرجال)) ١: ٣٨٤ وانظر: ٢: ٩١، ٣: ٤٠، ٣٥٠. ٤٣٠ وقال ابن معين في عمرو بن علي الفلاس: ((صدوق))(١). وكذا قال أبو زرعة في الليث بن سعد، فقيل له: يحتج بحديثه؟ قال: ((أي لعمري))(٢). وقال أبو حاتم في كل من عمرو بن علي الفلاس، ومسلم بن الحجاج، وأبي زرعة الدمشقي: ((صدوق))، زاد في عمرو: ((كان أرشق من علي بن المديني))(٣). وكل هؤلاء حفاظ ثقات أثبات. وقد أكثر أبو حاتم من إطلاق وصف (صدوق) على أمثال هؤلاء ونحوهم. ومن ذلك أيضاً قول أحمد في أبي روق عطية بن الحارث: ((ثقة، مقارب الحديث))(٤)، وقال مرة: ((ليس به بأس))(٥) . وقال عبدالله بن أحمد في أبي الجحاف داود بن أبي عوف: ((قلت له: (يعني لأبيه): ثقة؟ قال: نعم، صالح)) (٦). وقال أحمد أيضاً في صدقة بن خالد الدمشقي: ((ثقة ثقة ثبت، أثبت من الوليد بن مسلم، وهو صالح الحديث))(٧) . وقال في إسماعيل السدي: ((ليس به بأس، هو عندي «تاريخ بغداد)» ٢١١:١٢. (١) (٢) ((الجرح والتعديل)) ٧: ١٨٠. ((الجرح والتعديل)) ١٦١:٥، ٢٦٧، ٢٤٩:٦ . (٣) (٤) «سؤالات أبي داود)» ص٣٠٥. («العلل ومعرفة الرجال» ٥١:٢ . (٥) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣٥١:٢. (٦) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢: ٢٠ . (٧) ٤٣١ ثقة ... ))(١). وقال أبو داود: ((قلت لأحمد: إسماعيل بن سالم؟ قال: بخٍ، وسمعت أحمد يقول: إسماعيل بن سالم صالح الحديث، قلت له: هو أكبر أو مطرف؟ قال: هو أكبر))(٢)، وقال فيه في رواية أخرى: ((ليس به بأس))(٣)، وقال مرة: ((ثقة ثقة بخ))(٤). وقال ابن معين في سيار صاحب جعفر بن سليمان: ((كان صدوقاً، ثقة، ليس به بأس، ولم أكتب عنه شيئاً قط))(٥). وقال ابن الجنيد: «قلت ليحيى بن معين: عبدالرحمن بن عبدالله الدشتكي؟ فقال: رازي لا بأس به، قلت: عمرو بن قيس؟ قال: لا بأس به، قلت: ثقتان؟ قال: ثقتان))(٦). وقال أبو زرعة الدمشقي: ((قلت لعبدالرحمن بن إبراهيم (دحيم): ما تقول في علي بن حوشب الفزاري؟ قال: لا بأس به، قلت: ولم لا تقول: ثقة، ولا أعلم إلا خيراً؟ قال: قد قلت لك إنه ثقة))(٧). وقال أبو حاتم في أبي الزناد: ((ثقة صالح الحديث))(٨). (١) ((علل المروذي)) ص٦٦. (٢) ((سؤالات أبي داود)) ص٢٩٩ . (٣) (علل المروذي)) ص١١٣ . ((العلل ومعرفة الرجال)) ٤٩٥:٢، وانظر: ٤١٥:١، و((الجرح والتعديل)) ١٧٢:٢. (٤) (معرفة الرجال)) ١ :٩٦. (٥) (سؤالات ابن الجنيد)) ص٣٢٤، وانظر: ((الكفاية)) ص ٦٠. (٦) (٧) ((تاريخ أبي زرعة الدمشقي)) ٣٩٥:١. ((الجرح والتعديل)) ٤٩:٥. (٨) وانظر نماذج أخرى في: ((سؤالات أبي داود)) ص٤١٣ فقرة ٤١٠، وص٣١٩ فقرة ٤٣٢، وص٣٢٦ فقرة ٤٥٥، وص٣٣٨ فقرة ٥٠٠_٥٠١ و((علل المروذي)) ص ٦٧ = ٤٣٢ ومثل هذا يقال في عبارات الجرح، يتوسعون في استخدامها، فكلمة ضعيف، يطلقونها على من ضعفه محتمل، وعلى من هو شدید الضعف، بل ربما أطلقها الناقد على من هو متهم بالكذب عنده، و کذلك ليس بقوي. ومن أمثلة ذلك قول أحمد في أبي حمزة ميمون القصاب: ((ضعيف الحديث))(١)، وقال مرة: ((متروك الحديث)) (٢)، وقال في رواية: (ليس هو بشيء))(٣)، وقال مرة: ((ليس هو بالقوي، هو ضعيف))(٤). وقال ابن معين في صلة بن سليمان الواسطي: ((كان كذاباً، ترك الناس حديثه))(٥)، وقال أيضاً: ((ليس بثقة))، وقال أيضاً: (ضعيف))(٦). وقال أبو حاتم في عمر بن حفص العبدي: ((ضعيف الحديث، لیس بقوي، هو علي یدي عدل)»(٧). ولا شك أن التوسع في عبارات التعديل، أو في عبارات الجرح فقرة ٦٥-٦٦، وص١١٦ فقرة ١٩٣، وص١٢٨ فقرة ٢٢٥، وص٢٠٥ فقرة ٣٧٥، = ٣٨٧، وص٢٠٧ فقرة ٣٨٥، وص٢٠٨ فقرة ٣٨٦، وص٢٢٧ فقرة ٤٤٠، وص٢٤٨ فقرة ٥٠٢، و((سؤالات ابن الجنيد لابن معين)) ص٢٧٥ فقرة ١٦، وص٢٨١ فقرة ٣٤، و((معرفة الرجال)) ٩٢:١ فقرة ٣٥٠-٣٥١، وص٩٣ فقرة ٣٥٩، وص٩٤ فقرة ٣٦٩، ٣٧١-٣٧٢، وص ٩٥ فقرة ٣٧٤، وص٩٧ فقرة ٤٠٥ . (١) ((العلل ومعرفة الرجال)) ١٢٤:٣. (٢) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٤٨٨:٢. ((مسائل إسحاق)) ٢١٦:٢. (٣) ((مسائل إسحاق)) ٢٢٧:٢. (٤) ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٢٧١:٢، و ((الكامل)) ١٤٠٦:٤. (٥) ((الكامل) ١٤٠٦:٤. (٦) ((الجرح والتعديل)) ١٠٣:٦، وانظر في معنى قوله: ((هو على يدي عدل)) ما تقدم (٧) في المبحث الأول من الفصل الثاني. ٤٣٣ أمره سهل بالنسبة للتوسع في عبارات الجرح والتعديل معاً، فإن هذا موجود أيضاً في كلام النقاد، وخاصة بين أدنى عبارات التوثيق، وأعلى عبارات الجرح، وقد يقع بين عبارات التوثيق العالية، وبين عبارات الجرح، وهذا يحتاج إلى مزيد انتباه وتأمل، فكلمة ثقة، وصدوق، ولا بأس به - قد يطلقها الناقد على راو ضعيف، ولا يعني بذلك ارتفاعه عن الضعف، وإنما يعني أن له حظاً من وصف الثقة رفعه عن أن يكون متروك الحديث، وهكذا يقال في عبارات الجرح، مثل ضعيف، أو ليس بقوي - قد يطلقها الناقد على راو ثقة عنده، ويقصد أن فيه شيئاً من الضعف، فليس هو في المرتبة العليا من الثقة. ومن أمثلة ذلك يزيد بن عطاء الواسطي قال فيه أحمد: ((كان ثقة، مقارب الحديث))(١)، وقال في رواية: ((ليس به بأس - ثم قال -: حديثه مقارب))(٢)، وفي رواية: ((ليس بحديثه بأس))(٣)، وفي رواية: ((ليس بالقوي في الحديث)»(٤). وإسماعيل بن زكريا الخلقاني، وثقه أحمد في رواية الفضل بن زياد(٥)، وقال في رواية أبي داود: ((ما كان به بأس))(٦)، وفي رواية عبدالله: ((حديثه حديث مقارب)) (٧)، وفي رواية الميموني: ((أما (١) ((سؤالات أبي داود)) ٣٢١. (٢) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٤٨٨:٢. (٣) (تهذيب الكمال)» ٢١١:٣٢. (٤) ((الكامل)» ٧: ٢٧٢٧ . ((المعرفة والتاريخ)) ١٧٠:٢ . (٥) (٦) ((تاريخ بغداد)) ٢١٦:٦. ((العلل ومعرفة الرجال)» ٤٩٦:٢. (٧) ٤٣٤ الأحاديث المشهورة التي يرويها فهو فيها مقارب الحديث صالح، ولكن ليس ينشرح الصدر له، ليس يعرف هكذا - يريد بالطلب ))(١)، وفي رواية أحمد بن ثابت: ((ضعيف الحديث))(٢). وبنحو ما جاء عن أحمد فیه جاء عن ابن معين(٣). ويظهر من العرض السابق لقضية توسع النقاد في استخدام الألفاظ أنه يتبين بعد جمع أقوال الناقد كلها، وضمها إلى أقوال النقاد الأخرى، ومع هذا فهناك أحوال يكثر فيها استخدام التوسع في الألفاظ، فلابد أن يقف الباحث معها لأول وهلة، وإن كان لم ينظر بعد في أقوال الناقد الأخرى، وفي أقوال النقاد الآخرين، وهذه الأحوال هي: أولاً : حكاية أقوال النقاد، فقد جرى التوسع حين يحكي التلميذ قول شيخه، أو يحكي الناقد قول ناقد آخر، فقد يقول في راو: ضعفه فلان، أو تكلم فيه فلان، أو جرحه فلان، ويعني بذلك تضعيفه له تضعيفاً خفيفاً، ويقول هذه العبارات أو نحوها في راو ويعني بذلك تجريحه له تجريحاً شديداً، فقد يكون رماه بالكذب، وربما كانت الحكاية بصيغة نقل النص. مثال ذلك قول ابن عدي في آخر ترجمة أبان بن أبي عياش: ((وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق، كما قال شعبة))، وشعبة قد جرحه (١) ((علل المروذي)) ص٢٣٩، و((الضعفاء الكبير)) ٧٨:١، و((تاريخ بغداد)) ٢١٧:٦. (٢) ((الكامل)) ٣١٢:١. ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٢: ٣٤، و((سؤالات ابن الجنيد)» ص٤٧٥، و((معرفة (٣) الرجال)) ٨٥:١، و(تاريخ ابن الهيثم عن ابن معين)) ص٨٨، ١١١، و((علل المروذي)) ص٢١٥، و((الجرح والتعديل)) ٢: ١٧٠، و((الكامل)) ٣١١:١، و((تاريخ بغداد)» ٢١٦:٦. ٤٣٥ تجريحاً شديداً ذكر ابن عدي شيئاً منه في أول الترجمة(١). وقول ابن عدي في ترجمة بشر بن نمير : ((وهو ضعيف كما ذكروه))، وأقوال النقاد التي ساقها ابن عدي تدل على أنه متروك الحدیث عندهم(٢). وقوله في بركة بن محمد الحلبي: ((وله من الأحاديث البواطيل عن الثقات غیر ما ذكرته، وهو ضعيف ـ كما قال عبدان»، وقد روى ابن عدي في أول ترجمته بعد أن روى لعبدان حديثاً في إسناده بركة قول عبدان: ((هات حديث المسلمين، أنا قد رأيت بركة هذا بحلب، وتركته على عمد، ولم أكتب عنه، لأنه كان يكذب))(٣). ومثله في التعديل ، قد يقول: وثقه فلان، ولا يعني بذلك أنه قال فيه: ثقة، فقد يكون قال فيه: لا بأس به، أو صدوق، أو صالح الحدیث، ونحو ذلك، وقد يقول: قواه فلان، أو رفعه، أو أثنى عليه، أو رأيته يطريه، ونحو ذلك، في راو، ويقولها في راو آخر، وليست عبارة الناقد واحدة فيهما. ثانياً: التوثيق والتضعيف الجماعي، وأعني به أن يصف الناقد مجموعة من الرواة جملة واحدة بأنهم ثقات، فهذا يقع التسامح فيه كثيراً، فقد يكون بينهم من هو في درجة الصدوق، أو صالح الحديث، بل قد يكون فيهم سيء الحفظ، والضعيف غير المتروك، وهكذا يقال في التضعيف، قد يصف الناقد جماعة من الرواة بوصف واحد، وبينهم (١) ((الكامل)) ٣٧٢:١-٣٧٨. (٢) ((الكامل)) ٢: ٤٤٠_٤٤١. (٣) «الكامل)) ٤٧٩:٢-٤٨٠. ٤٣٦ عند التدقيق تفاوت. ومن صور هذا: * قول النقاد: شیوخ فلان كلهم ثقات، أو إذا روی فلان عن شيخ وسماه فهو ثقة، أو فلان لا يروي إلا عن ثقة، ونحو ذلك، وقد تقدم شرح هذا في المبحث الثاني من الفصل الثاني. * أن يسأل الناقد عن جماعة من الرواة كالإخوة - مثلاً -، أو يذكرهم ابتداء، فيصدر حكماً شاملاً لهم، بتوثيق أو تضعيف، وقد يكون بينهم تفاوت في الدرجة حتى عند الناقد نفسه، وقد تقدم ذكر نماذج للأحكام الجماعية في مبحث المقارنة بين الرواة في المبحث الثالث من الفصل الأول. * قول الناقد في ذكر مخالفة لراوٍ: خالفه حفاظ ثقات، أو خالفه ثقات، ثم يسردهم. كما في قول الدارقطني في تعليل حديث روي عن قتادة، عن أنس: ((اتفق عليه معمر، وأبو عوانة، وسعيد بن أبي عروبة، وسعيد بن بشير، فرووه عن قتادة، عن أبي العالية، وتابعهم عليه سلم بن أبي الذيال، عن قتادة فأرسله، فهؤلاء خمسة ثقات ... ))(١). وسعيد بن بشير المذكور قال فيه الدارقطني: ((ليس بقوي في الحديث))(٢)، وضعفه الجمهور من قبل حفظه(٣). ووصف جماعة فيهم الحجاج بن أرطاة بأنهم حفاظ (سنن الدارقطني)) ١٦٣:١. (١) (سنن الدارقطني)) ١٣٥:١. (٢) (٣) ((تهذيب التهذيب)) ٨:٤. ٤٣٧ ثقات(١)، وقد قال في حجاج: ((ضعيف))(٢)، وقال أيضاً: ((لا يحتج به)»(٣)، و «لا يحتج بحديثه))(٤) . وكذلك وصف جماعة فيهم علي بن غراب بأنهم حفاظ ثقات(٥)، وعلي بن غراب قال فيه هو: ((كوفي يعتبر به)) (٦)، وهو شيعي مختلف فیه(٧) . * وصف الناقد لرواة إسناد بأنهم ثقات، فهذا يكثر منه البزار، والدار قطني، وغيرهما. ومما يتنبه له في قضية الأحكام الجماعية أن بعض الناقلين الأقوال النقاد قد يذكر قول الناقد في الراوي مفرداً، وعند التدقيق يتبين أنه إنما حكم عليه بهذا الحكم مجموعاً مع غيره، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في آخر المبحث الأول من هذا الفصل. ثالثاً: التوثيق والتضعيف النسبي، ويقصد به أن الناقد حيث يصدر حكمه على الراوي لم يصدره بإطلاق، بل قصد به حالة معينة للراوي، أو قاله وهو يقارنه بغيره، فهذا الحكم تارة يكون على ظاهر اللفظ، وتارة يكون بملاحظة النسبية، وهذا هو المراد هنا، ويندرج تحته ثلاث صور: ٠٠ (١) ((سنن الدارقطني)) ٨٩:١. (٢) (سنن الدارقطني)) ١٧٩:٢، ٢٠٧، ٤: ٢٥٠ . (٣) ((سنن الدارقطنى)) ٣٢٧:١، ١٠٨:٢، ١٥٥، ٢٥٣:٣. (٤) (سنن الدارقطني)) ٧٩:١. ((تهذيب التهذيب)) ٣٧٢:٧. (٥) ((سؤالات البرقاني للدارقطني)) ص٥٢ . (٦) ((تهذيب التهذيب)) ٣٧١:٧. (٧) 1 ٤٣٨ الصورة الأولى: توثيق الراوي أو تضعيفه في شيء معين، کروايته عن شيخ بعينه، أو عن أهل بلد معين، أو في فترة زمنية معينة، أو فيما حدث به في بلد معين، أو يفرق بين حفظه وكتابه، على ما تقدم شرحه في المبحث الثاني من الفصل الأول. فهذا لابد فيه من التدقيق في كلام الناقد؛ إذ يحتمل أن تكون النسبية مقصودة، فقد يكون الراوي في الحال الذي وثق فيه في أعلى مراتب التعديل، وحينئذٍ فتضعيفه في بعض حالاته لابد أن يراعى فيه حاله العامة؛ إذ يحتمل أن يكون مقصود الناقد أنه في تلك الحالة دون ما هو عليه الراوي أصلاً، لا تضعيفه على ما جرى عليه الاصطلاح. وعكسه كذلك أن يقوى الراوي في بعض حالاته بالنسبة للبعض الآخر، أي أنه أحسن حالاً من هذه، لا أنه ارتفع فيها عن حيز الضعف . فعند تحديد درجة الراوي في إحدى حالتيه لابد - بالإضافة إلى التدقيق في ألفاظ الناقد نفسها - من مراعاة حاله الأخرى، ويتأكد هذا إذا كان الناقد قد استخدم أفعل التفضيل، فقد تكون على غير بابها أصلاً. مثال ذلك الإمام الأوزاعي، هو في عموم حاله في الذروة العليا من الثقة والضبط، ولكن تكلم بعض النقاد في روايته عن يحيى بن أبي کثیر، وذلك أنه احترق ما کتبه عنه، وقيل: ضاع(١)، فصار يحدث بما (١) (مسائل أبي داود)) ص٤١٩، ٤٢٠، و((سؤالات الآجري لأبي داود)) ٢٠٢:٢، و((المعرفة والتاريخ)) ٤٠٩:٢، و((مسند أبي عوانة)) ٣٢١:١، و(شرح علل الترمذي)) ٠٧٤٦:٢ ٤٣٩ حفظه - فوقع في أغلاط، قال أحمد: ((حديث الأوزاعي عن يحيى مضطرب))(١)، وقال أيضاً: ((لم يكن يحفظه جيداً، فيخطىء فيه، وكان يروي عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلب))(٢). وذكر لأحمد حديث الأوزاعي، عن يحيى عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: ((أن النبي وَ ﴿ سئل: متى كنت نبياً؟ ... ))، فقال: ((هذا منكر، هذا من خطأ الأوزاعي، هو كثيراً ما يخطىء عن يحيى بن أبي كثير ... ))(٣)، وكذا أشار أبو داود إلى خطئه في روايته عن الأوزاعي (٤). فهذا الكلام في رواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير يراعى فيه حال الأوزاعي بصفة عامة، فقد كان حافظاً متثبتاً، وأخطأ في بعض حديثه عن يحيى بن أبي كثير، فهو فيه أيضاً ثقة، بل هو عندهم معدود في كبار أصحاب يحيى بن أبي كثير، كما نص عليه جماعة من النقاد، منهم أحمد، وأبو داود، وابن معين، وعلي بن المديني، وأبو زرعة، وأبو حاتم(٥). (١) ((مسند يعقوب بن شيبة)) ص٦٨ . (٢) (شرح علل الترمذي)) ٢: ٦٤٥، وانظر: ((سؤالات الآجري لأبي داود)) ٢٠٢:٢، و((تهذيب الكمال)) .. (٣) ((علل المروذي)) ص ١٥٠، والحديث أخرجه الترمذي حديث (٣٦٠٩)، والحاكم ٦٠٩:٢، وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) ٢٢٦:٢، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٢: ١٣٠، من طرق عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي به. (٤) اسؤالات الآجري لأبى داود)) ٢٠٢:٢ . (٥) (تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٦١٨:٢، ٦٥٣، و((سؤالات الآجري لأبي داود)» ٣٨:٢، و((الجرح والتعديل)) ٦٠:٩، ٦١. ٤٤٠